العالم يكتشف التمر... فوائد صحية كثيرة وابتكارات جذّابة تضاعف المبيعات

رواج عالمي غير مسبوق للتمر تحت أشكاله المختلفة (بكسلز)
رواج عالمي غير مسبوق للتمر تحت أشكاله المختلفة (بكسلز)
TT

العالم يكتشف التمر... فوائد صحية كثيرة وابتكارات جذّابة تضاعف المبيعات

رواج عالمي غير مسبوق للتمر تحت أشكاله المختلفة (بكسلز)
رواج عالمي غير مسبوق للتمر تحت أشكاله المختلفة (بكسلز)

في نهاية الرُّبع الأول من القرن الـ21 اكتشف الغرب التمر! إحدى أقدم الثمار في التاريخ تُذهل القارتَين الأميركية والأوروبية، وتشهدُ صعوداً مطرداً في المبيعات والابتكارات ومؤشّرات البحث على شبكة الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي.

خلال السنتين الماضيتَين، تحوَّل التمر إلى الوجبة الخفيفة المفضّلة حول العالم، لا سيّما بالنسبة إلى الرياضيِّين والأشخاص الملتزمين بحميةٍ صحّية. ويتوقّع خبراء السوق لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية أن تكون هذه مجرّد البداية لأنَّ «أفضل أيام هذه الفاكهة لم تأتِ بعد».

تحوَّل التمر إلى الوجبة الخفيفة المفضَّلة لدى الرياضيِّين (بكسلز)

لماذا تحوّل التمر إلى «ترند»؟

من ثمرةٍ مجبولةٍ بالتاريخ والحضارة عُرفت بأنَّها أفضل ما يمكن تناولُه لكسر الصيام وألطَف ما يمكن أن يكرم به الضيف، ومن شجرةٍ تكتنز بها أراضي الشرق الأوسط والخليج العربي ودول شمال أفريقيا، تحوَّلت التمرة الصغيرة إلى ظاهرةٍ كبيرة.

لعبت عوامل عدّة دوراً في تَصدُّر التمر قائمة الأغذية الصحية لعامَي 2025 و2026، أوّلها سعيٌ عالميٌّ جماعيّ لإيجاد بدائل مفيدة عن السكّر، واستهلاك أطعمةٍ طبيعية غنية بالألياف بعيداً عن المأكولات المصنّعة. كما دخل صنّاع الحلويات والعلامات التجارية الغذائية على الخطّ، مبتكرين خلطاتٍ ووصفاتٍ جديدة أساسُها التمر. وقد استكملوا النكهة اللذيذة بالشكل الجذّاب، فصار التمر يأتي مغمّساً بالشوكولاته أو محشواً بزبدة الفستق وغيرهما الكثير من الأشكال. كما استُبدلت أكياس ملوّنة وعلب لافتة للنظر بالأغلفة الشفافة والأطباق البلاستيكية الاعتيادية التي كان يوضع فيها.

التمر... مئات الابتكارات أبرزها التغميس بالشوكولاته والحشو بالمكسّرات (بكسلز)

قفزات نوعيّة في مبيعات التمر

تفيد صحيفة «غارديان» البريطانية بأنَّ مبيعات التمر المجدول، وهو الأشهر بين التمور، قد ارتفعت بنسبة 100 في المائة خلال السنة الماضية، بينما زادت عمليات البحث عن زبدة التمر والتمر بالشوكولاته بنسبة 458 في المائة للأولى و135 في المائة للثانية.

لا يقتصر الأمر على إشباع الفضول بالقراءة عن التمر عبر الإنترنت ولا بالاكتفاء بمطالعة وصفاته الكثيرة، إذ إنّ المستهلكين ينفقون بالفعل على تلك الثمرة، خصوصاً الأميركيين من بينهم. فوفق شركة «سيركانا» لأبحاث السوق، قفزت مبيعات التمر في أكبر المحال التجارية في الولايات المتحدة بنسبة 30 في المائة ما بين 2024 و2025.

فرضت فورة التمر واقعاً زراعياً جديداً، فأمام عجز القطاع عن رفدِ السوق باحتياجاتها، وفي محاولةٍ للحدّ من استيراد التمر، يعمد المزارعون الأميركيون إلى شراء الأراضي من أجل زرع المزيد. وتتركّز زراعة النخيل في كلٍ من وادي كوتشيلا جنوب كاليفورنيا، ومنطقة يوما في ولاية أريزونا.

تتركز زراعة النخيل في الولايات المتحدة في ولايتَي كاليفورنيا وأريزونا (بكسلز)

التمر بديلاً غذائيّاً صحياً

وسط زحمة بدائل السكّر والمُحلّيات التي غالباً ما تكون عبارة عن موادّ كيميائية ومصنّعة على غرار «الأسبرتام» و«السوربيتول» وغيرهما، يبقى التمر مصدراً طبيعياً للتحلية. وما عاد استخدامه يقتصر على وصفات الحلويات، بل انسحب على أطباق ومشروبات كثيرة.

أما أبرز الابتكارات المرتكزة على الثمرة التاريخية والرائجة مؤخراً فهي: التمر المغمّس بالشوكولاته، وذلك المزيّن بالفاكهة المجفّفة، إضافةً إلى التمر المحشو بالمكسّرات وبزبدة الفستق واللوز، وكُرات وألواح الطاقة بالتمر، والبقلاوة والدونات بالتمر، وألواح الشوكولاته الرقيقة المقرمشة المحشوّة بالتمر وهي الأكثر رواجاً.

ثم تأتي الابتكارات الأكثر جرأةً كالصلصات الحارّة المحلّاة بالتمر مثل السيراتشا والباربكيو، ومكعّبات الطحينة المحلّاة بالتمر ذات النكهة الشبيهة بالكراميل، ولا ننسى الزبادي الممزوج مع قطع صغيرة من التمر.

كيف ينوب التمر عن السكّر؟

تُحلّى الأطعمة بالتمر، لا سيّما المجدول الذي يُعَدُّ أفضل التمور؛ نظراً لقوامه الطريّ ونكهته الحلوة. وبالإمكان تحويله إلى:

* معجون التمر: تُنقع الثمار منزوعة النوى في الماء الساخن ثم تُطحن حتى تصبح معجوناً شبيهاً بالكراميل، هو الرفيق المثالي للمخبوزات والعصائر.

* شراب التمر: تُغلى الحبّات المنزوعة النوى مع الماء ثم تُصفَّى للحصول على سائلٍ شبيه بالعسل، يذوب جيداً في القهوة والشاي، كما يمكن سَكبه على الحلويات بديلاً عن القطر أو الشيرة.

التمر المجدول هو أكثر الأصناف الملائمة للتحويل إلى مواد مُحَلّية (بكسلز)

* سكّر التمر: تُجفّف الثمار في الفرن على حرارة 100 درجة لمدة 3 ساعات، ثم تُطحَن حتى تتحوَّل إلى مسحوق ناعم مكوّن من الحبَيبات. وعلى عكس سكّر المائدة، يحتفظ سكّر التمر بأليافه الغذائية الطبيعية وهو بديل ممتاز في الخبز، لكنه لا يذوب تماماً في السوائل.

* مكعّبات سكّر التمر: تُنقع حبّات التمر بالمياه لمدّة 10 دقائق، ثم توضع في الخلّاط حتى تتحوَّل إلى عجينة سميكة. تُسكَب في قوالب صغيرة وتوضع في الثلّاجة 3 ساعات حتى تتجمّد. تُزال من القوالب وتوضع في وعاء مُقفل بإحكام داخل الثلّاجة.

التمر... فوائد غذائية بالجملة

تحتوي 3 حبّات من التمر على 5 غرامات من الألياف المفيدة لصحة الأمعاء وعملية الهضم والوقاية من الإمساك. ورغم كثافة حلاوة تلك الثمرة، فإنَّها لا ترفع مؤشّر السكّر في الدم كما يفعل السكّر المصنّع.

التمر غني بالألياف ولا يرفع منسوب السكّر في الدم (بكسلز)

التمور غنية بالمواد المضادة للأكسدة، الكفيلة بتقليل مخاطر الإصابة بداء السكّري، وبأمراض القلب والسرطان. كما أنَّها تزخر بالبوتاسيوم، والمغنسيوم، والكالسيوم، والحديد، وفيتامين «ب 6».

ووفق دراسة طبية نُشرت في 2025، فإنَّ تناول 6 حبّات من التمر خلال الشهر الأخير من الحمل يساعد على توسيع عنق الرحم خلال الولادة، ويقصّر مدّة المخاض.

وصفات سهلة أساسُها التمر

* كُرات الطاقة بالتمر

في الخلّاط الكهربائي، يُمزَج كوب من التمر منزوع النوى، وكوب من المكسرات المنوّعة (لوز، جوز)، ونصف كوب من الشوفان، وملعقة كبيرة من العسل حتى تتكوَّن عجينة متماسكة. يلي ذلك تشكيل كُرات صغيرة من العجينة، ثم توضع في الثلّاجة حتى تشتدّ.

كرات الطاقة بالتمر وجبة خفيفة مثاليّة قبل التمارين الرياضية (بكسلز)

* كيكة التمر بالشوكولاته الداكنة

يوضع كوب من التمر منزوع النوى في وعاء مع الماء الساخن لمدة 10 دقائق، ثم يُخلَط التمر مع مياه النقع حتى يصبح المزيج ناعماً. يُضاف ربع كوب من الزيت إلى المزيج ليُخلط مرة أخرى.

في وعاء منفصل، يُمزج كوب من دقيق القمح الكامل، مع ثلث كوب من مسحوق الكاكاو غير المُحلّى، وملعقة صغيرة من البيكنغ باودر، ونصف ملعقة صغيرة من البيكنغ صودا. يُضاف المزيج السائل إلى المكوّنات الجافّة حتى الامتزاج، ثم يُضاف ربع كوب من التمر المفروم.

يُسكب الخليط في قالب مدهون بقليل من الزيت ويخبَز على حرارة 175 درجة مئوية لمدّة تتراوح ما بين 35 و40 دقيقة.

* سموثي الفواكه بالتمر

تُنقع 4 حبات من التمر منزوع النوى في الماء 10 دقائق، ثمّ تُصفّى. تُخلط على سرعة عالية ولمدة دقيقتين مع نصف كوب من حليب اللوز أو الشوفان، إضافةً إلى موزة ونصف كوب من الفراولة وربع كوب من مكعّبات الثلج وربع ملعقة صغيرة من القرفة.


مقالات ذات صلة

الكركم مع الفلفل الأسود... هل المزيج أفضل لصحة المفاصل؟

صحتك الفوائد الصحية المحتملة للكركم ترتبط بدرجة كبيرة بالكركمين وهو المركب النشط الرئيسي فيه (بكسلز)

الكركم مع الفلفل الأسود... هل المزيج أفضل لصحة المفاصل؟

لطالما ارتبط الكركم بالمطبخ الهندي، حيث استُخدم منذ قرون في إعداد الأطعمة والمشروبات، كما حظي باهتمام متزايد بسبب ما يُنسب إليه من فوائد صحية.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
صحتك «آيس كريم» البطيخ المثلج يُعد خياراً سهل التحضير (بيكسلز)

ترند «آيس كريم» البطيخ... هل هو فعلاً حلوى صحية؟

في كل صيف، تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي وصفات جديدة تقدم نفسها بوصفها بديلًا أخف وأكثر صحة للحلويات التقليدية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الحلويات لذيذة المذاق ويزداد ارتباطنا بها عندما نستخدمها لمكافأة أنفسنا (بيكسلز)

عندما تشتد الرغبة في الحلويات... 9 طرق تساعدك على مقاومتها

قد تبدو الرغبة الشديدة في تناول الحلويات أمراً يصعب مقاومته، خصوصاً عندما تتحول قطعة حلوى صغيرة إلى رغبة متكررة في تناول المزيد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك تناول بعض المكمّلات بالتزامن مع مسحوق البروتين قد يؤثر في امتصاص العناصر الغذائية أو يزيد احتمال حدوث اضطرابات هضمية (بيكسلز)

مكمّلات يُفضّل عدم تناولها مع مسحوق البروتين

قد يؤدي تناول بعض المكمّلات مع مسحوق البروتين إلى إعاقة امتصاص عناصر غذائية أو التسبب في آثار جانبية، أبرزها الانتفاخ واضطرابات الجهاز الهضمي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك عندما تأكل أقل من حاجة جسمك خلال وقت مبكر من اليوم يزيد دماغك هرمونات الجوع في المساء (بيكسلز)

لماذا تزداد الشهية في المساء؟ وكيف تتحكم بها؟

تناول الوجبات الخفيفة ليلاً هو أحد أكثر المخاوف شيوعاً بين من يسعون للتحكم في الوزن أو الشعور بمزيد من السيطرة على علاقتهم بالطعام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

ديني كوتيه: «عنف لا يخص أحداً» يطرح أسئلة الحياة والموت

بدأت فكرة الفيلم خلال مرض المخرج  (مهرجان لوكارنو)
بدأت فكرة الفيلم خلال مرض المخرج (مهرجان لوكارنو)
TT

ديني كوتيه: «عنف لا يخص أحداً» يطرح أسئلة الحياة والموت

بدأت فكرة الفيلم خلال مرض المخرج  (مهرجان لوكارنو)
بدأت فكرة الفيلم خلال مرض المخرج (مهرجان لوكارنو)

قال المخرج الكندي ديني كوتيه إن نقطة انطلاق فيلمه الجديد «عنف لا يخص أحداً» (Nobody’s Violence) ارتبطت بحالته الشخصية، إذ كان يعاني من قصور في وظائف الكلى منذ 18 عاماً، وكانت حالته الصحية تتدهور تدريجياً عندما بدأ العمل على المشروع، لافتاً إلى أنه كان يعيش آنذاك واحدة من أصعب مراحل حياته، مع تراجع طاقته وشعوره بأن العالم من حوله بات محاطاً بعدم اليقين.

وأضاف كوتيه، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر البريد الإلكتروني، أن شخصية «ميرا» خرجت تدريجياً من هذه الحالة، موضحاً أنها «عالقة في عالم موازٍ وغير محتمل، منشغلة بمستقبلها، وتبحث عن الأدوات التي تساعدها على تحديد طريقها».

ويروي الفيلم قصة «ميرا»، وهي امرأة غامضة تعيش حياة على هامش العالم، وتساعد أشخاصاً اختاروا إنهاء حياتهم عبر تزويدهم بمسحوق قاتل يخلطونه بالماء ويتناولونه بأنفسهم. ومع تنقّلها بين حالات مختلفة، تتجاوز علاقتها ببعض هؤلاء الأشخاص حدود المهمة التي تؤديها، فتجد نفسها أمام أسئلة عن معنى الحياة والموت، وما الذي يجعل الاستمرار ممكناً.

عُرض الفيلم في المسابقة الدولية لمهرجان «لوكارنو السينمائي» بسويسرا، وحصل على تنويه خاص عن أداء الممثل الكندي كزافييه بيرجيرون، في عودة كوتيه إلى المهرجان بعد عقدين من فوزه بـ«الفهد الذهبي».

وعن عودته إلى «لوكارنو»، قال كوتيه إن الحصول على التكريم أمر ممتع، لكنه لا يصنع أفلامه من أجل الجوائز، ولا يبني مشروعاته وفق حسابات الوصول إليها؛ لأن الجوائز بطبيعتها ملتبسة، ونادراً ما تحظى بإجماع، ورأى أن هذه المساحة من الاختلاف جزء مما يحبه فيها.

المخرج الكندي ديني كوتيه (مهرجان لوكارنو)

وأوضح المخرج الكندي أن تجربة كتابة الفيلم كانت مشبعة بحالته الشخصية، لكنها لم تكن واضحة بالنسبة إليه حينها، إذ وجد نفسه أمام عمل غامض لا يعرف تماماً إلى أين يقوده. وقال: «إن عملية زراعة الكلى والحصول على عضو جديد، إلى جانب استعادة قدر أكبر من التوازن في حياتي اليومية، غيّرت علاقتي بالفيلم، فأصبحت أنظر إليه من منظور سينيفيلي يرتبط أكثر بحبي للسينما، بعيداً عن كونه انعكاساً مباشراً لتجربتي».

ولفت كوتيه إلى أن «ميرا» تعيش في حالة من التعليق داخل مساحة بين عالمين، إذ تتقاطع لديها أسئلة الحياة والموت مع بحثها عن موقع خاص بها، مؤكداً أن قسوة الفيلم وعدم يقينه جزء من لغته الجمالية، وأن طبيعته الاستكشافية تمنحه خصوصيته.

وأضاف أن الموت لا يمثّل بالنسبة إليه موضوعاً يحتاج إلى معالجة صريحة أو استفزازية، خصوصاً أنه يعيش في كندا، حيث أصبحت المساعدة الطبية على الموت متاحة ضمن نظام آمن ومدروس وخاضع للرقابة، مشيراً إلى أن وجود هذا الخيار يفتح بطبيعته أسئلة أخلاقية معقدة، من دون حاجة إلى إصدار أحكام أو تبنّي موقف مباشر منها.

وأوضح أن «الكشف التدريجي عن طبيعة عمل (ميرا) كان ضرورياً للحفاظ على المسافة بينها وبين المشاهد، فلم أرغب في تقديمها بوصفها شخصية باردة وروبوتية تنتمي إلى فيلم من أفلام النوع»، لافتاً إلى أن «الأسئلة التي يثيرها الفيلم حول المساعدة على الموت لا تمثّل بالنسبة إليه بياناً اجتماعياً مباشراً؛ لأن عالم الأحداث خيالي وملتوٍ ويميل إلى الديستوبيا».

وأشار إلى أن الأفلام الوثائقية تستطيع معالجة الجوانب الاجتماعية والروحية للقضية بصورة مباشرة، في حين اختار هو الاقتراب منها بطريق أكثر خيالاً والتواءً، يترك الأسئلة مفتوحة أمام المتلقي؛ فـ«ميرا» لا تؤدي وظيفتها فحسب، وإنما تتحرك بين عوالم وطاقات وعلاقات وحالات نفسية مختلفة، بحثاً عن مكانها الصحيح.

وعدّ أن «هذه المشاعر لا تحتاج إلى سرد محكم»، مؤكداً أنه يحب الأفلام التي تجعل المشاهد يشعر بالضياع ويسأل عمّا يشاهده. وأضاف: «لذلك جاء هذا الجزء متعرجاً وعائماً، حتى لو لم ينسجم مع ذائقة الجميع؛ لأن الاغتراب وفقدان الطريق كانا جزءاً من التجربة التي أردت بناءها».

استخدم المخرج رؤية بصرية تتماشى مع رؤيته للحياة خلال مرضه (مهرجان لوكارنو)

وعن التصوير والإضاءة باستخدام شريط 16 مليمتراً، قال كوتيه: «يرتبط هذا الاختيار بالفعل بالطريقة التي كنت أرى بها العالم أثناء مرضي؛ فقد كنت أشعر بنفور متزايد من الجمال المصقول واللامع في المسلسلات والسينما التجارية، إذ أصبح كل شيء مطالباً بأن يبدو مثالياً وجذاباً»، مشيراً إلى رغبته في مقاومة هذا التصور للجمال، إذ يجد جمالاً أكثر تحرراً من القواعد البصرية السائدة.

وفيما يتعلق بتداخل تجربته الصحية مع الفيلم، رفض كوتيه التعامل مع العمل بوصفه سيرة ذاتية مقنّعة، موضحاً أنه لا يريد أن تصبح خلفية المخرج مفتاحاً إلزامياً لفهم الفيلم؛ لأن معرفة ما مرّ به في أثناء الكتابة قد تدفع المشاهد إلى قراءة العمل بطريقة مختلفة، حين يفضّل أن «يُستقبَل الفيلم بوصفه عملاً سينمائياً مستقلاً».


مصر تسترد عشرات القطع الأثرية النادرة من أميركا

القطع المستردَّة تعود لعصور مختلفة (وزارة الخارجية المصرية)
القطع المستردَّة تعود لعصور مختلفة (وزارة الخارجية المصرية)
TT

مصر تسترد عشرات القطع الأثرية النادرة من أميركا

القطع المستردَّة تعود لعصور مختلفة (وزارة الخارجية المصرية)
القطع المستردَّة تعود لعصور مختلفة (وزارة الخارجية المصرية)

​استردت مصر 48 قطعة أثرية نادرة من الولايات المتحدة، في مراسم رسمية بمدينة لوس أنجليس، بحضور مسؤولي مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي(FBI) وقنصل مصر العام في لوس أنجليس، وذلك في إطار التعاون القائم بين الجانبين في مجال استرداد الآثار المصرية المهرَّبة، والحفاظ على الإرث الحضاري المصري.

ووفق وزارة الخارجية المصرية، قام الدكتور حسام الدين علي، قنصل مصر العام في لوس أنجليس، بتسلُّم الآثار المستردة، وألقى كلمة أعرب خلالها عن تقدير مصر لإعادة هذه القطع الأثرية النادرة إلى أرض الوطن، مشيداً بمستوى التعاون بين مصر والولايات المتحدة في مختلف المجالات، وخصوصاً في مجال استرداد الآثار المصرية المهرَّبة، والحفاظ على الإرث الحضاري.

وتتضمن القطع المستردَّة من أميركا تمائم وحُلياً وأدوات جنائزية تعود لعصور تاريخية مختلفة، وفق وسائل إعلام محلية.

قنصل مصر بلوس أنجليس يتسلَّم القطع المستردة (وزارة الخارجية المصرية)

وجاءت عملية استرداد القطع الأثرية في إطار اتفاقية بين مصر والولايات المتحدة تم توقيعها عام 2016، لاسترداد الممتلكات الثقافية، تتيح للولايات المتحدة فرض قيود على استيراد فئات محددة من المواد الأثرية والإثنولوجية القادمة من مصر.

و«تمثل استعادة مصر لقطعها الأثرية من الخارج، في جوهرها، استعادة لشواهد مادية تحمل ذاكرة الإنسان المصري، وتكشف عن منظومة متكاملة من المعتقدات والفنون والعادات التي تشكَّلت عبر آلاف السنين»، وفق الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «تكمن أهمية المجموعة المستردَّة في تنوعها؛ فوجود التمائم والحُلي والأدوات والعناصر المرتبطة بالممارسات الجنائزية إلى جانب التماثيل وغيرها، يمنح الباحث فرصة لقراءة الحضارة المصرية من زوايا متعددة. فالتميمة -على سبيل المثال- لم تكن مجرد قطعة للزينة، وإنما ارتبطت في الفكر المصري القديم بمفاهيم الحماية والقوة وتجدد الحياة».

وتابعت: «أما العناصر الجنائزية فتكتسب أهمية خاصة؛ لأنها ترتبط مباشرة بتصور المصري القديم للموت والبعث واستمرار الوجود. ومن ثم، فإن عودة هذه القطع إلى مصر تعني عودة أدلة مادية يمكن دراستها في إطارها الحضاري وربطها بمثيلاتها، بما يساعد على إعادة بناء سياقاتها التاريخية والوظيفية بصورة أكثر دقة».

وترى المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، أن نجاح مصر في استرداد هذه القطع يعكس تحول ملف الآثار المهربة من مجرد قضية وطنية إلى قضية تتطلب تعاوناً دولياً حقيقياً؛ وهو ما تؤكده الشراكة والتنسيق مع الجهات الأميركية المختصة في عمليات التتبع والمصادرة وإعادة الممتلكات الثقافية.

وشهدت الفترة الماضية استعادة مصر كثيراً من القطع الأثرية من أميركا، بعضها بمبادرة أسرة أميركية في يونيو (حزيران) الماضي، سلَّمت 4 قطع أثرية إلى مصر. وفي أبريل (نيسان) الماضي، استردت مصر 13 قطعة أثرية من الولايات المتحدة الأميركية، كانت قد خرجت من البلاد بطرق غير مشروعة.

ويرى الخبير الآثاري المتخصص في المصريات، أحمد عامر، أن «استرداد القطع الأثرية بمنزلة شهادة تعاون دولية مع الحكومة المصرية؛ حيث إن هذه الآثار هي حق أصيل للشعب المصري، فهي تعبر عن أهمية عرض الآثار المصرية في أماكنها». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «استرداد هذه القطع يثري المتاحف المصرية، ويعكس في الوقت ذاته نجاح التعاون الدولي في التصدي لجرائم الاتجار غير المشروع في الآثار، وحماية الممتلكات الثقافية من الضياع أو التداول خارج الأطر القانونية».

وحسب مدير الإدارة العامة لاسترداد الآثار، شعبان عبد الجواد، استردت مصر أكثر من 30 ألف قطعة أثرية خلال العشر سنوات الأخيرة، بالتعاون بين جهات مختلفة، مثل: وزارة السياحة والآثار، ووزارة الخارجية المصرية، ومكتب النائب العام، مؤكداً أن عمليات الاسترداد تتم على مستويات عدة، وبالتنسيق مع جهات مختلفة؛ مؤكداً في تصريحات متلفزة أن عامَي 2025 و2026 شهدا استرداد أكثر من 71 قطعة أثرية من الولايات المتحدة الأميركية.


«المهرجون» يحطُّون رحالهم داخل الأحياء اللبنانية

الجمهور في طرابلس يستعد لحضور العرض (كلاون مي)
الجمهور في طرابلس يستعد لحضور العرض (كلاون مي)
TT

«المهرجون» يحطُّون رحالهم داخل الأحياء اللبنانية

الجمهور في طرابلس يستعد لحضور العرض (كلاون مي)
الجمهور في طرابلس يستعد لحضور العرض (كلاون مي)

لخامس مرة، ينطلق مهرّجو فرقة «كرفانة» لعروض الشارع، في عمل مسرحي جديد، متنقلين بين المناطق اللبنانية، حيث حطوا رحالهم يوم الجمعة الماضي بساحة التل في طرابلس، ومن ثم في ميناء المدينة، ليتابعوا عروضهم بعد ذلك في بيروت والشوف، على أمل الوصول إلى الجنوب اللبناني. وإذا تعذر الأمر؛ بسبب المخاطر الأمنية، فستكون العروض من نصيب جبل لبنان والبقاع.

هذه المرة، يأتي مهرجو جمعية «كلاون مي»، منظمة الحدث، إلى الناس في أحيائهم وشوارعهم وحواريهم، بعرض جديد يحمل اسم «الكرفانة: وحكاياتنا ترن»، مستوحى من التجارب المعيشية لشباب تتراوح أعمارهم بين 17 و24 عاماً.

الممثلون يستعدون للعرض (كلاون مي)

مسرح متحرك يجوب الشوارع، يتوقف في أماكن مكتظة، حيث لم يعتد الناس رؤية أعمال فنية في مناطقهم من قبل. بمكبر الصوت، ينادي المهرجون معلنين أن مسرحيتهم ستبدأ بعد نصف ساعة. يأخذ الناس في التجمع أمام الكرفانة الجوالة، التي سرعان ما تمتد أمامها منصتان خشبيتان، إحداهما أعلى من الأخرى، كمسرح ثابت وقريب من الجمهور. يعتلي المهرجون المنصة، كلٌّ يروي حكايته على طريقته، بينما يجلس الحضور على الكراسي التي هُيئت لهم. وبين المزاح والجدّ، تطلع الحكايات مؤثرة على ألسن المهرجين. المتفرجون الذين تجمعوا، إمّا كانوا يمرون في المكان بالصدفة، وإما عرفوا بالموعد ولبّوا النداء، لكنهم جميعهم مشدودون إلى مهرج يتحدث عن فقده والده، وعودته إلى منزله ليكتشف الخراب الذي أحدثته الحرب. حكايته تشبه ما عاشه كثر في خضم صراعات متواصلة تعيشها المنطقة. آخر يروي قصة هروبه من الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان عام 2024، وها هو يعود إلى وطنه، لكنه لا يزال ضائعاً بين البقاء والهجرة من جديد. آخر يحكي عن معضلة استخدام القاف في أثناء الكلام بالعامية بدلاً من الكاف، ودلالتها الاجتماعية وانعكاساتها على سلوكيات الناس تجاهه وتقديرهم له.

كل الأماكن تصلح لعمل المهرجين على الخشبة وبين الحضور (كلاون مي)

سبع حكايات يتناوب على روايتها ست ممثلات طيلة نصف ساعة. هي تبدو قصصاً فردية لأول وهلة، لكنها تشبه مئات القصص الأخرى التي يتماهى معها الجمهور؛ مما يفتح باب الحوار، بعد انتهاء العرض، بين حضور متأثر قد اندمج في ما رواه لهم المهرجون، وشباب جاءوا يخبرون عن مواجعهم، وهم يعبرون عنها بالفكاهة مرة، وبالغضب أخرى، من دون أن تخلو من الحنين واللامبالاة والعبث الساخر.

المؤديات اختِرن من بين 30 شخصاً شاركوا في ورشة عمل، ورووا قصصهم، وطُورت، ومن ثم سُجلت بأصواتهم، مصحوبة بمؤثرات تجعلها أقرب إلى المذاق العام. اختيرت الحكايات الأعلى جذباً، والأقرب إلى انشغالات الناس. أما الممثلات فلسن بالضرورة صاحبات القصص، لكنهن يقدمنها بأجسادهن وحيويتهن ونبضهن وإيماءاتهن، على منصة رَدمت المسافة بينها وبين الجمهور، لفرط الحميمية والتلقائية في الأداء.

وإن كان مسرح الشارع معروفاً في لبنان وشهده الجمهور، فإن المهرجين الجوالين ليسوا ظاهرة شائعة. والفضل في تشكيل هذا الفريق يعود إلى سابين شقير، التي بدأت عملها منذ عام 2005، وشكلت بعدها بـ3 سنوات مؤسسة «كلاون مي إن» لفن التهريج والمسرح والفنون التشاركية، وبدأت بتنظيم الأنشطة في المناطق المحرومة وبين النازحين، وفي أكثر من بلد وبيئة. ومن خلال ورشات العمل، أُهّل عشرات المهرجين طيلة السنوات الماضية، الذين يرفهون عن المتألمين في المستشفيات والمخيمات وأماكن الإيواء.

تفاعل الجمهور جزء أساسي من العمل (كلاون مي)

أما العروض المسرحية الجوالة، فوُلدت عام 2015 إثر النزوح السوري الكثيف إلى لبنان. يومها نشطت المؤسسة في المخيمات، وسجلت قصص النازحين وقدمت عملها المسرحي الجوال «كرفانة: والعالم يسمع». العرض، الذي يروي فيه النازحون قصصهم، لقي قبولاً وأحدث ضجة، وقُدّم مائة مرة في لبنان. بعد هذا النجاح، قُدّم عمل آخر عن النزوح بعنوان: «كرفانة: هيملاد»، وذهبت به الفرقة إلى تونس، وحاز جائزة تعدّها سابين تتويجاً لجهدها.

وعلى الأثر، صُنعت نسخة أخرى من الفكرة نفسها، عن المهاجرين؛ الفلسطينيين والعراقيين والألمان والدنماركيين والسويديين الذين يعيشون في السويد والولايات المتحدة، في قلب عرض مسرحي بالشارع، من خلال استخدام تسجيلات صوتية لسرد القصص. فسويديون كثر هاجروا إلى أميركا في بداية القرن الـ19؛ بسبب المجاعة والحروب. وجاب هذا العمل السويد التي استقبلت السوريين؛ لتذكير المواطنين هناك بأنهم هم أيضاً كانوا ضحية مثلهم ذات يوم.

على المسرح الحكايات تتوالى (كلاون مي)

واكبت «كلاون مي» الناس في مشاغلهم وهمومهم. فحين طفت مشكلة التسرب المدرسي على السطح عام 2019، جابت القافلةُ المسرحيةُ المناطق وهي تشجع العائلات على إلحاق أولادها بالمدارس الحكومية، من خلال «كرفانة: لنرجع عَالمدرسة»، مُظهرة أن ارتفاع الأقساط المدرسية ليس عائقاً أمام التعليم، بل البدائل متوفرة وبسهولة. ومن بعدها، كان عمل آخر عن حقوق الناس والطفل، كي يتنبه كل فرد إلى حقوقه ويدافع عنها.

هذه المشروعات المسرحية، المستمرة منذ سنوات، بدأتها سابين شقير؛ مؤسسةُ «كلاون مي إن»، التي درست الفنون المسرحية، وتخصصت في المسرح الجسماني، ومثلت مع روجيه عساف وآخرين. خلال مسارها هذا، اكتشفت عالم التهريج، ووجدت فيه ضالتها، فانخرطت في سحره وكرست نفسها له. وحين عادت إلى لبنان من مُغتَرَبها عام 2011، كانت الثورة السورية قد بدأت، والاحتجاجات في لبنان قد اشتعلت، فمارست التهريج مع زملاء لها في المظاهرات والأماكن العامة، ونظمت ورشات عمل لتأهيل مهرجين جدد.

تقول سابين إنها لم تحب يوماً العمل في أماكن مغلقة؛ استهواها دائماً الفضاء المفتوح، والوجود مع الناس، والإصغاء إلى مواجعهم وانشغالاتهم. فمنذ عام 2006، وهي تعمل في الشارع، وإن تغيرت الأدوار والمهام. تعلق سابين: «الشارع مدرسة؛ نتعلم من خلالها، بحكم التجربة والممارسة المتكررة، ما يصلح وما لا يصلح، ونشق طريقنا إلى جمهور أوسع وأرحب».