هوكستين عدَّ مساندة «حزب الله» لـ«حماس» جزءاً من عملية «طوفان الأقصى»

سأل عن الرئاسة اللبنانية ودعا المعارضة للحوار مع بري

بري مستقبلاً هوكستين في بيروت (أ.ب)
بري مستقبلاً هوكستين في بيروت (أ.ب)
TT

هوكستين عدَّ مساندة «حزب الله» لـ«حماس» جزءاً من عملية «طوفان الأقصى»

بري مستقبلاً هوكستين في بيروت (أ.ب)
بري مستقبلاً هوكستين في بيروت (أ.ب)

الجديد في الزيارة الثالثة للوسيط الأميركي أموس هوكستين لبيروت يكمن في مقاربته للمرة الأولى الملف الرئاسي، ولو من باب الأسئلة التي طرحها على رئيسي المجلس النيابي نبيه بري وحكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، ونواب المعارضة، في سياق الاستفسار عما إذا كانت هناك معطيات لتسهيل انتخاب رئيس للجمهورية، ما يعني أنه أضاف انتخابه للمهمة التي بدأها منذ زيارته الأولى للبنان، والتي جاءت فور بدء الاجتياح الإسرائيلي لغزة رداً على عملية «طوفان الأقصى» التي قامت بها حركة «حماس» ضد المستوطنات الإسرائيلية الواقعة في نطاق غلاف غزة، وتلازمت مع مبادرة «حزب الله» إلى مساندتها في تصدّيها للعدوان الإسرائيلي.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر سياسية واسعة الاطلاع، أن الوسيط الأميركي تطرّق إلى الملف الرئاسي على هامش مهمته المتمثلة بتفضيل الحل الدبلوماسي على العسكري لوقف المواجهة العسكرية بين «حزب الله» وإسرائيل، وذلك من خلال توفير الأجواء السياسية المواتية لتطبيق القرار الدولي 1701.

وبحسب المعلومات، فإن هوكستين سأل بري عما آلت إليه الاتصالات الرامية لإخراج الاستحقاق الرئاسي من التأزم بانتخاب رئيس للجمهورية، وكان جوابه أنه دعا الكتل النيابية للحوار منذ أغسطس (آب) الماضي، تحت قبة البرلمان، «لعلنا نتوصل إلى توافق من شأنه أن يسهّل انتخابه، لكن لم نلق التجاوب المطلوب».

وأضاف بري أن هناك مبادرة جديدة، و«كنت أول من رحب بها»، في إشارة إلى المبادرة التي أطلقتها كتلة «الاعتدال الوطني»، وتعمل على تسويقها نيابياً، و«أنا أنتظر ردود الفعل عليها، وأترقب ما ستؤول إليه ليكون في وسعي أن أبني على الشيء مقتضاه».

توافق بين بري وهوكستين

واللافت في معرض الحديث عن الملف الرئاسي، كما تقول المصادر السياسية، أن بري وهوكستين توافقا على عدم ربط انتخاب الرئيس بالحرب الدائرة في غزة، أو تلك المشتعلة في جنوب لبنان، مع أن الوسيط الأميركي تطرق إلى اللجنة «الخماسية» ودورها في مساندة الكتل النيابية لتسهيل انتخاب الرئيس، مشدداً، في الوقت نفسه، على أهمية تزخيم الحوار النيابي الذي من شأنه أن يدفع باتجاه لبننة الاستحقاق الرئاسي، و«نحن من جانبنا - كما نُقل عنه - ندعم الدور الذي تقوم به الخماسية».

وكشفت المصادر نفسها عن أن انتخاب الرئيس حضر في اجتماع الوسيط الأميركي بنواب المعارضة، التي أبدت خشيتها، على حد قول أحد النواب ممن شاركوا في اللقاء، من وجود مقايضة بين تطبيق القرار 1701 وانتخاب رئيس تعود فيه كلمة الفصل لـ«حزب الله»، وهذا ما استبعده هوكستين.

وقالت إن الوسيط الأميركي استمع إلى وجهة نظر المعارضة حول عدم تلبيتهم دعوة بري للحوار، فيما تتعامل بإيجابية مع المبادرة التي أطلقتها كتلة «الاعتدال» لتحريك انتخاب الرئيس، بخلاف تعاطيها مع دعوة بري للحوار، بذريعة أنه يربط دعوة المجلس للانعقاد لانتخاب الرئيس بالاتفاق مسبقاً على اسمه.

ولفت النائب في المعارضة، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، إلى أن محور الممانعة ليس في وارد الانفتاح على الخيار الرئاسي الثالث، وهو لا يزال يتمسك بدعم ترشيحه لرئيس تيار «المردة» النائب السابق سليمان فرنجية، ويرفض استبعاده من المنافسة الرئاسية، بالتلازم مع استبعاد منافسه الوزير السابق جهاد أزعور لمصلحة انتخاب رئيس توافقي يقف على مسافة واحدة من الجميع، ويتمتع بالمواصفات التي حددتها «الخماسية».

لكن الوسيط الأميركي لمح إلى أن بري لم يقفل الباب أمام البحث عن مرشح توافقي، ونصح بضرورة الحوار معه كونه يبدي مرونة وانفتاحاً. وأكد، كما نقل عنه أحد النواب، أن هناك ضرورة لانتخاب الرئيس، وعدم ربطه بالحرب المتنقلة بين جنوب لبنان وغزة، وهذا يتطلب من الكتل النيابية التعاون على قاعدة تقديم التسهيلات المطلوبة لإنهاء الشغور الرئاسي.

إلا أن استحضار الوسيط الأميركي للملف الرئاسي، من خارج جدول أعمال المهمة الموكلة إليه بإعادة الهدوء إلى جنوب لبنان، انسحب أيضاً، ولو بصورة عابرة، على الورقة الفرنسية التي تقدمت بها باريس لإعادة الهدوء إلى الجنوب، مكتفياً بالقول إن باريس تشاورت مع واشنطن بخصوصها، من دون أن يستفيض في التعليق عليها.

هوكستين: الهدنة في غزة قد لا تنسحب على لبنان

وفي هذا السياق، توقفت المصادر أمام قول هوكستين، رداً على سؤال، إن الهدنة في غزة قد لا تنسحب تلقائياً على لبنان، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن ما قصده من وراء قوله هذا يكمن في أن واشنطن ترى أن مساندة «حزب الله» لـ«حماس» هي جزء من عملية «طوفان الأقصى» التي قامت بها ضد المستوطنات الإسرائيلية في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وبكلام آخر، فإن إسرائيل، كما يقول الوسيط الأميركي، تنظر إلى مبادرة «حزب الله» بإشعال الجبهة الشمالية على أنها مرتبطة بأمن المستوطنات الواقعة على تخوم الحدود اللبنانية، وبالتالي، تصر على عدم ربط المواجهة مع الحزب باجتياحها غزة رداً على عملية «طوفان الأقصى».

لذلك، تصر إسرائيل، بحسب قول هوكستين، على ربط وقف العمليات العسكرية على امتداد حدودها مع لبنان بتجاوب «حزب الله» مع الجهود الرامية لتطبيق القرار 1701، بمعزل عما سيؤول إليه الوضع على الجبهة الغزاوية، وهذا يعني، من وجهة نظر الذين واكبوا لقاءاته في بيروت، أن ليس هناك ما يُلزم إسرائيل بتوسعة الهدنة في غزة لتشمل لبنان؛ لأن ما يهمها هو إعادة المستوطنين إلى أماكن سكنهم الأصلية، بالتوازي مع إعادة النازحين اللبنانيين إلى قراهم وبلداتهم.

وعليه، فإن عودة الاستقرار إلى الجنوب تبدأ من لبنان، وإن مجرد ربطها بغزة يعني التمديد للمواجهة العسكرية بدلاً من الدخول في مفاوضات غير مباشرة ترعاها واشنطن لتهيئة الأجواء أمام الشروع بتطبيق القرار 1701 وعدم تجزئته، استجابة لرغبة الوسيط الأميركي باعتماد الحل الدبلوماسي، لقطع الطريق على إسرائيل لتوسعة الحرب جنوباً بذريعة إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل 8 أكتوبر الماضي.

ويبقى السؤال: كيف سيتعاطى «حزب الله» مع الوساطة الأميركية؟ وهل يوافق على فك ارتباط الجنوب بغزة أم أن الوضع فيه سيبقى مفتوحاً على كل الاحتمالات، وأولها ارتفاع منسوب المواجهة العسكرية؟ وهذا ما يفتح الباب أمام استمرار تبادل الحملات السياسية بين محور الممانعة والمعارضة التي تتشدد بتطبيق القرار 1701، وتصر على أن يبقى قرار السلم والحرب بيد الدولة، وعدم استخدام الجنوب منصة لخدمة أجندات خارجية قد تأخذه إلى المجهول، وتستدرج مواجهات مع إسرائيل غير محسوبة، بدلاً من الانخراط في الجهود الرامية لإخراج لبنان من دائرة الخطر التي يتخبط فيها حالياً.


مقالات ذات صلة

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

المشرق العربي أهالي جنوب لبنان يلبسون رئيس الحكومة نواف سلام العباءة خلال جولة له نهاية الأسبوع الماضي في المناطق التي تعرضت للقصف الإسرائيلي (الشرق الأوسط)

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

تعكس المؤشرات السياسية والمواقف المعلنة في الأيام الأخيرة أن «حزب الله» بدأ  الانتقال من مرحلة المواجهة إلى مرحلة «تنظيم الخلاف» والعودة إلى الدولة

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

بحث وفد من «صندوق النقد الدولي»، الثلاثاء، مع المسؤولين اللبنانيين في بيروت، في الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

رفع القرار الصادر عن السلطات السورية، المتعلّق بتنظيم دخول الشاحنات اللبنانية إلى الأراضي السورية، مستوى التحذيرات من تداعيات مباشرة تطول تكلفة التبادل التجاري.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي ناخبة تدلي بصوتها بمنطقة الشوف في الانتخابات المحلية الأخيرة مايو 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)

القوى السياسية اللبنانية مطالبة بخطوات عملية لإجراء الانتخابات في موعدها

التعميم الذي أصدره وزير الداخلية العميد أحمد الحجار بفتح الباب للترشح للانتخابات النيابية لا يعني أن الطريق معبّدة سياسياً وقانونياً أمام إنجاز الاستحقاق.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي وزير الداخلية يواكب انطلاق تقديم الترشيحات للانتخابات النيابية (وزارة الداخلية)

لبنان: مرشحو الانتخابات النيابية يقدمون طلباتهم... ومصير اقتراع المغتربين مجهول

مع إعلان رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، أنه لن يدعو إلى جلسة لتعديل قانون الانتخاب، وأن الانتخابات ستُجرى في موعدها وفق القانون الحالي، يحتدم السجال السياسي...

بولا أسطيح (بيروت)

الجيش السوري يعلن بدء الانسحاب من محيط مدينة الحسكة تطبيقاً للاتفاق مع «قسد»

مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)
مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)
TT

الجيش السوري يعلن بدء الانسحاب من محيط مدينة الحسكة تطبيقاً للاتفاق مع «قسد»

مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)
مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)

أفادت هيئة العمليات في الجيش السوري، اليوم الثلاثاء، بأن قوات الجيش بدأت الانسحاب من محيط مدينة الحسكة في شمال شرق البلاد، تطبيقاً للاتفاق المبرم بين الحكومة و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد.

وأضافت هيئة عمليات الجيش في بيان نشرته قناة «الإخبارية السورية» التلفزيونية أن قوى الأمن الداخلي انتشرت في المناطق التي انسحبت منها قوات الجيش.

وذكر الجيش أن «قسد» تلتزم بتطبيق الاتفاق «وتقوم بخطوات إيجابية»، مضيفاً: «نقوم بالمراقبة والتقييم لتحديد الخطوة التالية».

وأعلنت الحكومة السورية و«قسد» أواخر الشهر الماضي توصلهما لاتفاق شامل لوقف إطلاق النار والدمج التدريجي للقوات والهياكل الإدارية الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية.

ويتضمن الاتفاق، الذي تم التوصل إليه بعد أن انتزعت قوات الحكومة السورية السيطرة على مساحات كبيرة من شمال وشرق سوريا من «قسد»، دخول قوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية إلى مدينتي الحسكة والقامشلي اللتين كانتا خاضعتين لسيطرة «قسد».

وعُلم أن ثمة استعدادات لفتح طريقي الحسكة – الرقة، والحسكة – ديرالزور أمام حركة الحافلات والمسافرين والقوافل التجارية تمهيداً لإعادة ربط المحافظة ببقية المحافظات السورية بعد نحو شهر من انقطاع الطرق نتيجة التوترات الأمنية الأخيرة.وقد يُطلق سراح دفعة من الأسرى من الجانبين خلال 48 ساعة ضمن إجراءات بناء الثقة، وسط توقعات بإنهاء إجراءات تسليم مطار القامشلي وحقول النفط للحكومة السورية في غضون أسبوع.وهذه هي المرحلة الثانية ضمن خطة تنفيذ الاتفاق وتشمل تسلّم الدولة لآبار النفط ومطار القامشلي، على أن تليها مرحلة ثالثة تتضمن إشراف الدولة على المعابر الحدودية، وخاصة معبر نصيبين مع تركيا ومعبر سيمالكا مع إقليم كردستان العراق.


فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على السجون

مصافحة تجمع الوزير جان نويل بارو ونظيره السوري أسعد الشرع في دمشق يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)
مصافحة تجمع الوزير جان نويل بارو ونظيره السوري أسعد الشرع في دمشق يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)
TT

فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على السجون

مصافحة تجمع الوزير جان نويل بارو ونظيره السوري أسعد الشرع في دمشق يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)
مصافحة تجمع الوزير جان نويل بارو ونظيره السوري أسعد الشرع في دمشق يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)

ثلاث رسائل رئيسية نقلها جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي، إلى السلطات السورية خلال جولته التي قادته إلى دمشق وبغداد وأربيل وبيروت والتي كان منطلقها الرئيسي، في المحطتين الأوليين، التحديات التي تطرحها مواصلة الحرب على «داعش» وإدارة التحولات التي شهدها الشمال الشرقي في سوريا بالنظر للمخاوف الفرنسية بشأن مصير الأكراد ومستقبل «قوات سوريا الديمقراطية».

وقالت مصادر دبلوماسية في باريس، إن فرنسا تعتبر أن «أولوية الأولويات» تتمثل في منع بروز «داعش» مجدداً وأن ثمة حاجة لقيام تنسيق ضروري وجدي بين «قسد» التي كانت تتولى سابقاً مسؤولية حراسة السجون ومراكز الاعتقال وبين القوات السورية التي انتقلت إليها مسؤولية الإشراف على عدد من هذه السجون. كذلك ترى باريس أن المهم الاستفادة من الخبرات التي تراكمت لدى «قسد» التي حظيت برعاية واهتمام فرنسيين كبيرين فيما يخص محاربة الإرهاب. ولذا، فإن من الأهمية بمكان ألا تذهب هذه الجهود سُدى.

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً إلى الصحافة في مقر إقامة سفير بلاده في بيروت (أ.ف.ب)

ووفق القراءة الفرنسية، فإنه من المجدي أن تتم الاستفادة من هذه القدرات في إطار اندماج «قسد» في الجيش السوري. وتنظر فرنسا بإيجابية لما تراه من انخراط السلطات الجديدة في محاربة «داعش» ورغبتها بالتنسيق مع الأسرة الدولية، خصوصاً بعد أن انضمت دمشق رسمياً إلى التحالف الدولي لمحاربة «داعش».

وفي اللقاءات التي عقدها بارو مع المسؤولين في دمشق وبغداد، كان همه الأول التركيز على أهمية منع «داعش» من «التشتت» أو «التبعثر»، خصوصاً بصدد عملية نقل إرهابييها من مناطق «قسد» سابقاً إلى السجون العراقية. وحصل الوزير الفرنسي على تعهدات سورية وعراقية بخصوص أن أمراً كهذا لن يحصل.

رغم أهمية ما سبق، فإن باريس حريصة على أن يتم الوفاء بالتعهدات التي قدمت للوزير الفرنسي وأن توفر لذلك القدرات اللازمة لتنفيذها. وقلق باريس ليس مرتبطاً برغبة السلطات السورية وإرادتها السياسية، بل بخصوص القدرات المتوافرة لديها؛ انطلاقاً من مبدأ أن تأمين هذه المواقع التي آل الإشراف إليها إلى القوات السورية الرسمية ليس بالأمر السهل. ولذا، فإن باريس تبدو مستعدة اليوم للعمل مع هذه القوات كما عملت سابقاً مع «قسد» لرفع جاهزيتها وقدراتها بما يضمن مواصلة محاربة «داعش» من جهة وضمان أن تكون الرقابة على السجون ومواقع الاحتجاز مضمونة تماماً.

مركبات عسكرية أميركية ترافق حافلات تنقل معتقلي تنظيم «داعش» من سوريا إلى العراق في مدينة القامشلي السورية - 8 فبراير 2026 (رويترز)

ثمة تساؤل طُرح بمناسبة زيارة بارو ويتناول عدم لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع. وثمة من اعتبر أن ذلك مرده إلى الانتقادات الفرنسية لكيفية التعامل مع «قسد» التي كانت باريس وما زالت أحد الداعمين الرئيسيين لها. لكن الجهات الفرنسية تنفي هذه المزاعم وتربط عدم حصول الاجتماع لتضارب في الأجندات بين الشرع وبين الرئيس الفرنسي، وتذكر أن زيارة بارو إلى دمشق لم تدم سوى ثلاث ساعات.

تنظر باريس بـ«إيجابية» إلى ما تحقق حتى اليوم من العمل بالاتفاق الأخير المبرم بين دمشق و«قسد» رغم أنها، في الأساس، كانت مستاءة من لجوء السلطات السورية إلى القوة العسكرية للتوصل إلى هذه النتيجة.

قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ولاحقاً، أكدت فرنسا أنها لعبت دوراً فاعلاً في الدفع باتجاه الاتفاق المذكور. لكن النظرة الإيجابية لا تلغي تماماً بعض «المخاوف» الفرنسية لجهة تطبيق مضمون الاتفاق، باعتبار أن «الشيطان يكمن في التفاصيل» أكان في كيفية دمج مقاتلي «قسد» في صفوف الجيش السوري أم بشأن تسمية شخصيات كردية في مناصب مدنية وعسكرية.

والأهم من ذلك أن هناك تخوفاً لدى الأكراد من تراجع الاهتمام الدولي بقضيتهم ما قد يدفع النظام إلى التشدد في التعامل معهم. لذا، فإن باريس ترى أن زيارة بارو كانت بالغة الأهمية لأنها تعكس جانباً من الاهتمام الدولي لمتابعة مصير الاتفاق المبرم ووضعه موضع التنفيذ.

وبكلام آخر، فإن زيارة بارو تعد، بشكل ما، رسالة «طمأنة» للأكراد. وأثار بارو في لقاءاته حاجة الأكراد إلى مواصلة جهودهم على المستوى السياسي ليكونوا قادرين على إثبات حضورهم والمشاركة الكاملة في بناء سوريا الجديدة.

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يعقد مؤتمراً صحافياً مشتركاً مع رئيس إقليم كردستان العراق في أربيل 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أما في الملف العراقي، فإن قلق باريس مرده المخاوف من انعكاس حرب جديدة بين الولايات المتحدة وإيران على العراق في حال لم تنجح المفاوضات بين الطرفين الإيراني والأميركي. ولذا، فإن الرسالة الرئيسية التي حملها بارو إلى بغداد تحث القادة العراقيين على العمل لمنع انجرار العراق إلى هذه الحرب الممكنة بسبب ما قد تقوم به بعض الميليشيات المرتبطة إلى حد بعيد بإيران.

ونقل عن مسؤولين عراقيين إشارتهم إلى هذه المخاوف التصعيدية التي يسعون لمنع حصولها، فيما أفضت التدخلات الأميركية في موضوع تسمية رئيس للوزراء في العراق إلى تشنج سياسي واضح. وإذ تشدد باريس على عدم رغبتها في التدخل في الشؤون الداخلية للعراق، فإن الامتناع لا يردعها عن الإشادة برئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، الذي تؤكد أنها عملت معه بشكل جيد وأنه نجح في تثبيت استقرار العراق وإطلاق عجلته الاقتصادية.


نشر المسودة الأولى لدستور مؤقت لدولة فلسطينية

خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)
خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)
TT

نشر المسودة الأولى لدستور مؤقت لدولة فلسطينية

خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)
خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)

نشرت اللجنة المكلفة بصياغة دستور لدولة فلسطينية، الثلاثاء، المسودة الأولى لدستور مؤقت ليتسنى للجمهور الاطلاع عليها، وإبداء الملاحظات قبل الصياغة النهائية، وذلك في إطار إصلاحات قانونية ودستورية تجريها السلطة الفلسطينية، عقب اعتراف دول غربية كبرى، العام الماضي، بدولة فلسطينية، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وكلّف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لجنة من الخبراء والسياسيين في أغسطس (آب) الماضي، لصياغة دستور مؤقت. وتقول اللجنة في منصتها الإلكترونية إنها مكلفة بصياغة دستور مؤقت «للانتقال من السلطة إلى الدولة».

واعترفت دول غربية كبرى، بما فيها فرنسا، رسمياً بدولة فلسطينية في سبتمبر (أيلول)، في إطار ضغوط على إسرائيل لوقف حرب غزة، والرغبة في دعم حل الدولتين للصراع في الشرق الأوسط. وترفض إسرائيل فكرة إقامة دولة مستقلة للفلسطينيين.

وأصبح قطاع غزة تحت إدارة مؤقتة بموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب التي استمرت عامين وألحقت دماراً هائلاً بالقطاع، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 71 ألف فلسطيني.

وهدأ القتال إلى حد كبير في غزة بعد سريان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول)، في إطار خطة ترمب. واندلعت الحرب في السابع من أكتوبر 2023 بعد هجوم قادته حركة «حماس» على جنوب إسرائيل في الساعات الأولى لهذا اليوم، في هجوم أسفر عن مقتل 1200 شخص.

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في نوفمبر (تشرين الثاني) إن بلاده ستساعد السلطة الفلسطينية في صياغة دستور لدولة فلسطينية مستقبلية.

وعندما تأسست السلطة الفلسطينية في عام 1994، كان الفلسطينيون يأملون أن تكون نقطة انطلاق نحو إقامة دولة في الضفة الغربية وقطاع غزة عاصمتها القدس الشرقية.

لكن هذا الهدف صار فيما يبدو بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى، رغم الاعتراف الدولي المتزايد بدولة فلسطينية. فقد تسارعت وتيرة بناء المستوطنات الإسرائيلية، ويرفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إقامة دولة فلسطينية بوصفها تهديداً لإسرائيل.

ودائماً ما تحث الدول المانحة السلطة الفلسطينية على إجراء إصلاحات والتصدي للفساد.

وقالت لجنة الصياغة على موقعها إن نشر المسودة جاء بناء على قرار من عباس، مشيرة إلى فتح الباب لتلقي الملاحظات خلال 60 يوماً.

وجاء في ديباجة المسودة: «انطلاقاً من الحقوق الثابتة، غير القابلة للتصرف، للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وعدالة قضيته، نكتب هذا الدستور المؤقت لدولة ما زالت تحت الاحتلال، دولة تصر على أن تكتب وجودها بحبر من الصمود والأمل».

ومن أهم المواد التي تضمنتها مسودة الدستور المؤقت المادة 79 المتعلقة بتنظيم تولي منصب الرئيس في حال شغوره بسبب الوفاة أو المرض. وجاء فيها أنه «لرئيس الدولة أن يعين نائباً له، وأن يكلفه بما يراه مناسباً من مهام، وأن يعفيه من منصبه، وأن يقبل استقالته».

ونصت أيضاً على أنه «حال خلو منصب رئيس الدولة بالوفاة أو الاستقالة يحل محله رئيس مجلس النواب، وحال خلو منصب رئيس الدولة لفقدان الأهلية أو عدم قدرته على ممارسة مهامه الدستورية، يُعلن خلو المنصب بقرار من المحكمة الدستورية بناء على طلب الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب، ويباشر رئيس مجلس النواب مؤقتاً سلطات رئيس الدولة».

وتوضح المادة ذاتها أنه «إذا كان مجلس النواب غير قائم، يحل رئيس المحكمة الدستورية محل رئيس مجلس النواب».

وتؤكد المادة وجوب انتخاب رئيس جديد في مدة لا تتجاوز 90 يوماً من تاريخ شغور المنصب، وأن تبدأ مدة الرئاسة من تاريخ إعلان نتائج الانتخابات.

وليس واضحاً هل في حال إقرار هذه المسودة سيُلغي المرسوم الذي أصدره عباس في وقت سابق وينص على أن يتولى نائب الرئيس منصب الرئيس المؤقت لحين إجراء انتخابات. واستُحدث منصب نائب الرئيس، العام الماضي، وأُجريت آخر انتخابات لاختيار رئيس السلطة الفلسطينية في عام 2005.

وتتضمن المسودة الجديدة تعديلاً على الفترة الرئاسية ومجلس النواب لتكون خمس سنوات بدلاً من أربع.