عبد ربه: السنوار فاجأ حلفاءه وفوجئ بحجم اختراق 7 أكتوبر

«الشرق الأوسط» تعيد فتح دفاتر الرحلة الفلسطينية بمفاوضاتها الشائكة وعلاقاتها الصعبة (1 من 3)

TT

عبد ربه: السنوار فاجأ حلفاءه وفوجئ بحجم اختراق 7 أكتوبر

عرفات وإلى يساره ياسر عبد ربه عام 1993 (غيتي)
عرفات وإلى يساره ياسر عبد ربه عام 1993 (غيتي)

وضعتْ عملية «طوفان الأقصى» الشعب الفلسطيني على مفترق طرق يراوح بين نكبة جديدة وفتح الأفق أمام قيام الدولة الفلسطينية. أسئلة كثيرة تُطرح في الشارع الفلسطيني وخارجه: ماذا عن العملية التي شنتها «حماس»؟ وماذا عن الرد الإسرائيلي؟ وماذا عن شروط انضمام «حماس» إلى التسوية السلمية؟ وماذا أيضاً عن السلطة و«اليوم التالي»؟ ولأن الحاضر ابن تجارب الماضي فقد بحثتُ عمَّن كان شريكاً وشاهداً في العقود الماضية.

منذ «معركة الكرامة» في 1968، انخرط ياسر عبد ربه في العمل الفلسطيني. جاء من حركة القوميين العرب وشهد ولادة «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» وبعدها «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين»، وصولاً إلى حزب «فدا». وإضافةً إلى هذه المواقع القيادية الفصائلية، كان عبد ربه أميناً لسر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ومقرباً من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وإلى جانبه في المفاوضات مع الإسرائيليين والأميركيين وكذلك في العلاقات مع بغداد ودمشق وطرابلس. كان الغرض من الحوار الانطلاق من الحاضر واسترجاع بعض محطات الماضي وعبره، وهنا نص الحلقة الأولى:

سألت عبد ربه إنْ كان الشعب الفلسطيني يتجه حالياً نحو الدولة المستقلة أم نحو نكبة ثانية، فأجاب: «نحن وسط نكبة فلسطينية غير مسبوقة، وربما هذه النكبة، من حيث حجم المأساة التي وقع بها الشعب الفلسطيني، تتجاوز كثيراً النكبة الأولى. في النكبة الأولى، كانت الحركة الوطنية الفلسطينية مهشمة، بل استبُدلت بالقرار العربي وتحالف عدد من الدول العربية الشكليّ في ما بينها، باسم حماية حقوق الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه».

نكبة جديدة... وظرف مختلف

في هذه النكبة، الحركة الوطنية الفلسطينية، رغم كل نواقصها وعيوبها التي كشفت عنها أيضاً أحداث مأساة غزة وما سُمي «طوفان الأقصى»، لا يمكن القضاء عليها أو استبدالها مهما كانت النتائج العسكرية على الأرض. المقارنة ليست بين وحشية ووحشية احتلالية إسرائيلية. تكنولوجيا القتل والدمار تتجاوز الآن بكثير ما كان متوفراً في عام 1948، ولكنّ الهدف واحد. في 1948 أُزيل ما يعادل 500 قرية فلسطينية وبلدة ومدينة، ونُفِّذ مخطط للتهجير الجماعي، وبقسوة لا تقل عن القسوة التي نشهدها اليوم.

لكن الآن، الفلسطيني لديه ذاكرة أكثر حدّة مما كانت عليه يومها. ربما لم نصدق عام 1948 أنه سيتم اقتلاعنا بالكامل من أرض وطننا. اليوم الفلسطيني، الكبير والصغير، يخشى أن يُقذف به مرة أخرى خارج أرض وطنه، وينظر إلى هذا الخطر على أنه شيء واقعي وملموس، وبالتالي يستميت في الدفاع، وترتفع صرخات الألم، وليست صرخات اليأس، رغم كل ما وقع من دمار في قطاع غزة من أقصى شماله حتى جنوبه.

الفلسطيني تحت الأنقاض اليوم يقول: لن أغادر أرض وطني. وهذه ليست شعارات، بل تعبير عن الوعي الذي تراكم عند الفلسطينيين على امتداد أكثر من سبعين عاماً. أنا أعتقد أن للدور الذاتي الفلسطيني في هذه اللحظة تأثيراً ليس بالقليل على كيفية اتجاه الأمور والأحداث.

عالم اليوم، ليس منحازاً بشكل قطعي لإسرائيل. هناك دوائر سياسية في الدول الغربية تنحاز لإسرائيل ولكن «بتردد»، وأحياناً أجرؤ على القول: «بخجل»، بينما لم نشهد في عام 1948 الملايين تتظاهر في العواصم الغربية، خصوصاً من جيل الشباب، كما نشهده اليوم.

أظن أن الشعور بأن الدولة الفلسطينية هي الحل سائدٌ حتى عند الدول الأكثر تملقاً لإسرائيل في هذه المأساة التي نمرّ بها. هذه الدول تحاول أن تقلل من حجم الجريمة الإسرائيلية التي ارتكبتها في قطاع غزة، ولا تزال. تحاول أن تغضّ النظر عن أفعال إسرائيلية وأقوال إسرائيلية. لم يكن يجرؤ الجيل الإسرائيلي الذي سبّب النكبة الأولى على النطق بها. اليوم هناك من يسمينا «حيوانات بشرية»، وهناك من يجاهر بضرورة مسح قطاع غزة وإخلائه من سكانه وطردهم نحو المجهول، واستيطان قطاع غزة وزرعه بالمستوطنات على أبعد أو أوسع مدى.

هناك أيضاً العالم اليوم يسارع إلى محاكمة إسرائيل. إسرائيل لم تخضع لأي محاكمة في تاريخها منذ نشأتها على المستوى الذي نشهده اليوم. محكمة العدل الدولية، هذا ليس حدثاً عابراً وطارئاً ومحدود الأثر. لم يقل لإسرائيل: أنت متهمة بإبادة الجنس البشري، مرة واحدة بكل تاريخها رغم أن هذا التاريخ مفعَم بالجرائم، مفعَم بالمذابح، مفعَم بالانتهاكات التي ارتُكبت بحق الشعب الفلسطيني.

أيُّ دور لـ«حماس»؟

وهل يمكن أن تكون «حماس» جزءاً من الحل؟ هذا السؤال يصعب عليّ أن أجيب عنه، ما لم تسارع «حماس» إلى استخدام هذه الفرصة لإعادة النظر في بعض المواقف والأفكار والأساليب التي اتّبعتها. أقول «بعض» ولا أقول «كل». يجب ألا أنكر أن «حماس» قوة وطنية فلسطينية، وأنها قوة مقاومة وأنها فعلت الكثير من أجل قضية الشعب الفلسطيني منذ نشأتها ومشاركتها في الانتفاضة الأولى.

ياسر عبد ربه خلال المقابلة مع رئيس تحرير «الشرق الأوسط» غسان شربل

لكي تعيد «حماس» الدور الذي بدأت به، وأن تستمر به، فهي تحتاج إلى مراجعة حقيقية. وهذا لا يمكن تفاديه بعد هذه المأساة التي حصلت، والمستمرة في قطاع غزة ولا ندري ما آفاقها بشكل كامل لكنّ مؤشراتها واضحة؛ وهي أن إسرائيل تريد غزة خالية من شعبها، أن تُلحقَ الدمار بقطاع غزة بحيث لا يعود بمقدور هذا الشعب أن يعود إلى مكانه الأصلي: لا بيوت، لا طرقات، لا بنية تحتية، لا إمكانية لتوفر أبسط مقومات الحياة. هذا ما هو قائم. فكيف ستتصرف «حماس» الآن، بغضّ النظر عن الاتهامات التي توجَّه ضدها، وبغضّ النظر عن عقوبات يمكن أن يتم إنزالها بها من هذا البلد أو ذاك، غربياً، وبعض هذه العقوبات فيها درجة عالية من النفاق.

تصوّرْ أن «حماس»، مثلاً، تُصنّف قوةً إرهابيةً بينما (لا تُصنَّف كذلك) حركة الاستيطان الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية التي تصاحبها أعمال قتل وسرقة أراضٍ وتدمير بيوت وتدمير مزروعات ومحاولة حرق حتى بعض القرى والمدن وتقديمها نموذجاً للطرد الشامل للفلسطينيين خصوصاً في الضفة الغربية!

رغم هذا كله، أقول إن الباب لا يزال مفتوحاً، والمجال مفتوح، أمام «حماس». هذه ليست السابقة الأولى. كانت هناك سوابق عديدة. والفلسطينيون وياسر عرفات وحركة «فتح»، كان هناك وقت قيل إنها انتهت، بعد معركة بيروت، على سبيل المثال، وأنها أصبحت أبعد بعشرات آلاف الكيلومترات عن أرض وطنها وأصبحت في منفى قَصيٍّ وبعيد. ولكن استطاعت «فتح» أن تعيد دورها، ومعها منظمة التحرير وبقية القوى الفلسطينية، وأن تطرق باب التسوية السياسية بقوة. «حماس» تحتاج إلى درجة ما من التعامل بواقعية مع عالم اليوم، ومع التجربة الفلسطينية. وليس في كل يوم يمكن لهذه التجربة، المريرة والقاسية، أن تتكرر.

السنوار ونموذج عرفات

سألته إن كان يحيى السنوار، زعيم «حماس» في غزة، يستطيع أن يقبل الآن بما قبل به ياسر عرفات في «اتفاق أوسلو» 1993، فجاء الجواب: «لا أعرف بالضبط، أو لا أستطيع أن أفكر بعقل يحيى السنوار، ولكنَّ الجواب عندي سأسارع إلى قوله وهو: نعم. لأن التجربة المريرة تُعلم دروساً، وأنا أعرف، إذا كان المعنيّ هو الشخص بحد ذاته، أمرين: السنوار ليس من سلالة (الإخوان المسلمين) المكوَّنين عقائدياً بطريقة يصعب فيها عليهم التعامل البراغماتي والواقعي مع تطورات الأحداث. هو جاء إلى (حماس) بوصفها حركة ذات لون إسلامي وحركة مقاومة، بمعنى بعد عام 1987 عندما بدأت (حماس) تتكون وتشترك في الانتفاضة الأولى.

إسماعيل هنية ويحيى السنوار خلال اجتماع لقادة فصائل فلسطينية في غزة عام 2017 (أ.ف.ب)

الأمر الثاني، أنا أعتقد أنه لم يكن يُتوقع في 7 أكتوبر (تشرين الأول) النتائج التي حققها الاختراق (الحماسي) الفلسطيني لحدود قطاع غزة. ربما كان يريد القيام بعملية محدودة يتخللها اختطاف بعض العسكريين واشتباك محدود. معركة محدودة مع إسرائيل يتخللها أيضاً قليل من القصف والتدمير لتحسين الشروط بين قطاع غزة والاحتلال الإسرائيلي الذي يفرض الحصار الخانق على القطاع. تحسين شروط حياتية، وتحسين شروط اقتصادية، وتحسين شروط ربما جغرافية، وميناء أو مطار... إلخ، وتحسين شروط قبول إسرائيل بـ(حماس) قيادةَ أمرٍ واقع في قطاع غزة من الناحية السياسية. هذا الانفجار الذي حدث والذي نتج عن تقصير، كما يسميه الإسرائيليون، غير مسبوق، هو الذي ربما فاجأ السنوار مثلما فاجأ آخرين».

«طوفان الأقصى» قرار العسكريين

لكن هل شعر عبد ربه لدى إطلاق «طوفان الأقصى» بتوقيت اقليمي؟ يرد: «على الإطلاق. أنا لا أظن أن هذا الحدث في بداياته وفي التداعيات التي تلت ناتجٌ عن تخطيط إيراني مثلاً، كما كان يشاع، أو بعض قوى من معسكر الممانعة. أنا لا أظن ذلك. (حماس) لها علاقات مع إيران ومع غيرها من القوى، و(حماس) كانت مستعدة وترجو أن تقيم علاقات مع قوى أخرى في الخليج وفي العالم العربي من خارج ذلك المعسكر.

الذي حصل لم يكن بمعرفة قيادة «حماس» في الخارج، وإلا لَمَا استقبلت هذا الحدث بنفس الدهشة والاستغراب، وحتى أجرؤ على القول، الصدمة التي استقبلها بها الآخرون من خارج (حماس)، بمن فيهم أنا. هم حاولوا أن يلملموا أنفسهم وألا يبدوا كأنهم في حالة تعارض مع قيادة الداخل، وحاولوا أن يجدوا الذرائع والمبررات بالقول إن هذا قرار القيادة العسكرية في الداخل، وإن القيادة العسكرية مخوّلة بأن تتخذ ما تشاء من قرارات، وأين أنتم كقيادة سياسية؟ تكتموا على هذا الموضوع حتى اليوم.

لا أريد أن أنتقص من دورٍ للخارج ولا للداخل في (حماس)، ومن مسؤولية الخارج والداخل عن هذا العمل الذي قاد إلى استغلال إسرائيلي من أجل توسيع نطاقه ومن أجل القيام بحملة مدمِّرة شرسة عنصرية مثل الحملة التي نشهدها الآن. أظن أن إسرائيل كانت تتمنى أن تتوافر ظروف من هذا النوع، وربما أقل حدة من نتائج (طوفان الأقصى) في يومه الأول، لكنها سرعان ما لملمت نفسها وعرفت كيف توجه الضربة المقابلة وأن تستغل ما حدث.

مقاتلون فلسطينيون يتحركون من خان يونس باتجاه إسرائيل في 7 أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

أنا أجزم بأن قوى الخارج بما فيها (حزب الله) فوجئت بانطلاق العملية. ردود الفعل ومحاولات التنصل الضمني مما حدث وقعت منذ اليوم الأول، في أقوال القيادات الإيرانية وقيادات (حزب الله) ومختلف التيارات. إذا كانت قيادة (حماس) نفسها لم تكن على علم، فكيف ستكون هذه الأطراف الأخرى على علم؟

أنا أظن أن القرار ذاتيٌّ من قيادة (حماس) في داخل غزة. وكما قلت، اعتقدتْ (هذه القيادة) أنها يمكن أن تقوم بعمل محدود نسبياً، ليس بالحجم الذي وقع، وأنّ رد الفعل الإسرائيلي أيضاً سيكون محدوداً نسبياً، أي بحجم، على الأقل، المعارك السابقة في 2014 و2018 وما قبلها، لكن أيضاً هم فوجئوا بحجم الإنجاز الذي تحقق لهم وسارعوا إلى محاولة استثمار هذا بعد أن وقع وأصبحت في يدهم أسلحة ثمينة من أسرى، مما أحدث هزة عميقة داخل إسرائيل».

ضرورة تجديد السلطة الفلسطينية

أريد الإشارة إلى استخلاص وحيد وقصير بالنسبة إلى معركة غزة اليوم. كلنا يعرف الواقع الإقليمي، وأنا لا أريد أن أدخل لا في التعليق ولا في إلقاء المواعظ والمطالب غير العقلانية مرة أخرى والنابعة من الشكوى ليس من حسابات القوى وموازينها، ولا الوضع الدولي. هناك فرص متاحة. الحركة الوطنية الفلسطينية مطالَبة الآن بأن تعيد تنظيم صفوفها ووضع أولوياتها السياسية من جديد، بما فيها حركة «حماس» وبقية القوى طبعاً.

ما أقصده أيضاً هنا، وبشكل أكثر صراحةً، أنه ينبغي ألا نستهين بالقول الذي أصبح متداولاً دولياً إن هناك حاجة إلى سلطة فلسطينية مجدّدة. ربما البعض ينظر إلى هذا المطلب الدولي كأنه نوع من الذريعة التي يستخدمها بعض القوى دولياً، خصوصاً الولايات المتحدة، للتنصل من القيام بما يتوجب عليها من إطلاق عملية سياسية تجعل هذه المأساة الواقعة في غزة اليوم، ليست فقط مأساة، وإنما فرصة للوصول إلى حل سياسي يشكّل الخاتمة في ما يتصل بالصراع العربي- الإسرائيلي.

ربما هو ذلك. لكن، لو كانت هناك قيادة وطنية فلسطينية موحدة، بمشاركة كل الأطراف بما فيها «حماس»، ألم يكن من الممكن تدارك ما حصل أو القيام بدور، ربما، يوفر ضمانة أكثر لمصالح الشعب الفلسطيني من الطريقة التي وقعت فيها أو انطلقت فيها هذه الأحداث الأخيرة من 7 أكتوبر حتى الآن؟ ألم يكن من الممكن أن نستخدم كل القوى المتوفرة في يدنا، وليست قوة غزة فقط أو قوى وإمكانات متناثرة هنا أو هناك في الضفة الغربية، أنْ نستخدم قوى وطاقات الشعب الفلسطيني كله بطريقة أكثر عقلانية أو أكثر فاعلية من الذي حصل حتى اليوم؟

ياسر عبد ربه خلال المقابلة مع «الشرق الأوسط»

نحن أهملنا، وبعضنا متعمِّدٌ أحياناً، عدداً من الفرص التي توافرت لإعادة تجميع القوى الفلسطينية في الإطار الوطني الواحد، وبالتالي السيطرة على القرار الوطني الفلسطيني، بحيث لا ينفرد به طرف ويفاجئ الأطراف الأخرى. كم مرة دَعَوْنا إلى حوارات ووصلنا إلى نتائج؟ في السعودية، في مصر، حتى مؤخراً في الجزائر... إلخ. موسكو احتضنت حوارات في ما بيننا، ومشينا بعد انتهاء كل لقاء في اتجاهات أعادت الصراع والتناقض الثانوي الداخلي بيننا وجعلته هو الرئيسي.

أنا أظن أنه يجب أن تكون هناك الآن محاولة جدية لإعادة تجميع الصف الوطني الفلسطيني لتكريس وجود قيادة وطنية فلسطينية موحدة ومسؤولة تضم الجميع. وإضافةً إلى ذلك، يجب أن يعاد أيضاً إنتاج قيادة للسلطة الوطنية تستطيع أن تتعامل مع الظرف الحالي ومع النوافذ المفتوحة مهما كانت ضيقة التي يتيحها الكلام وتتيحها المواقف الدولية الحالية».

فرص إصلاح السلطة و«حماس»

هل السلطة قابلة للإصلاح؟ هل منظمة التحرير قابلة للإصلاح؟ هل «حماس» قابلة للتغيير؟ يظن عبد ربه أن كل هذا ممكن. «أي إن (حماس) قابلة للتغيير، ويجب أن تُغيّر وألا تحكم على نفسها بمصير مأساوي أيضاً. (حماس) الآن تَلقى احتضاناً واسعاً من الفلسطينيين في كل مكان، ومن جمهور واسع في المنطقة العربية، وحتى على الصعيد الدولي. هناك مَن يبرر لها ما حدث بالقول إن الصراع لم يبدأ في 7 أكتوبر، والصراع مسؤول عنه العالم الذي احتضن (أوسلو) في البداية ثم تدريجياً تخلى عن الأهداف التي وُضعت أو وُقِّعت من أجلها اتفاقية أوسلو، بما فيها التسليم بالأمر الواقع الذي أعاد إنتاج الاحتلال الإسرائيلي بصيغ أكثر تشدداً وتطرفاً من ناحية التوسع الاستيطاني لإعادة رسم خريطة الضفة الغربية بحيث يستحيل الوصول إلى قيام دولة فلسطينية.

(حماس) تستطيع، و(فتح) تستطيع، ولكنّ هذا يحتاج إلى قرار حقيقي من الطرفين لإعادة مراجعة لكل السلوك السياسي الذي اتخذاه. نحن في حاجة إلى حكومة تشكل نوعاً من التوافق الوطني، ليس حكومة هذا الفصيل أو ذاك الفصيل. لا حكومة غزة (الحمساوية)، ولا حكومة الضفة (الفتحاوية)، بل حكومة توافق وطني تقبل بها كل الأطراف ويقبل بها بالأساس الشارع الوطني الفلسطيني ويثق العالم العربي والدولي بأن مثل هذه الحكومة ستكون قادرة على أن تسير بالوضع الفلسطيني بجدية نحو تحقيق حل منشود وهو الدولة الفلسطينية المستقلة».

صلاحيات الرئيس و«القرار الصحيح»

الرئيس ياسر عرفات لم يتقبل محاولات الحد من صلاحياته، وكنت في خضمّ هذه التجربة. هل يتقبل الرئيس محمود عباس الحد من صلاحياته؟ أجاب: «ليس مطلوباً الحد من صلاحيات أحد، بمن فيهم الرئيس محمود عباس. الرئيس محمود عباس يستطيع من أجل أن يمارس صلاحياته الفعلية أن يبادر إلى تشكيل، أو الدعوة لتشكيل، حكومة توافق وطني (أُجري اللقاء قبل استقالة الحكومة الفلسطينية)، وأن يطلق حواراً سريعاً ومن دون تعقيدات شهدناها في كل أشكال الحوارات السابقة التي وصلت إلى طريق مسدودة. نحن نريد حكومة تستطيع أن تتحدث باسم الفلسطينيين بدعمٍ من كل الفلسطينيين بمن فيهم قواهم المنظمة؛ «فتح» و«حماس»... إلخ.

عباس وعبد ربه خلال زيارة لمعبر رفح عام 2005 (غيتي)

هو يستطيع أن يخرج من إطار الحسابات الضيقة، وأن يحافظ على موقعه ودوره. ولكن يجب أن يأخذ القرار أولاً. لأن ياسر عرفات لم يأخذ القرار المناسب في اللحظة التي كان فيها يحتاج إلى أخذ ذلك القرار. في خضمّ الانتفاضة الثانية الفلسطينية، كان ينبغي وبكل جرأة أن يرفع ياسر عرفات صوته ضد العمليات المسلحة التي كانت تستهدف المدنيين والتي كان الاحتلال الإسرائيلي يستثمرها إلى الحد الأقصى من أجل تبرير تدمير كل قوى وطاقات السلطة الفلسطينية، بما فيها تدمير اتفاقات أوسلو نفسها.

الاستيطان مشكلة «أوسلو»

ياسر عرفات في «أوسلو» كان غير مقتنع بالتدرجية، أي سياسة تنفيذ الاتفاق مع الإسرائيليين على مراحل. وكانت عنده خشية حقيقية، وثبت أنها خشية مشروعة، من أن الإسرائيليين يمكن أن يتوقفوا عند المرحلة الأولى التي احتوتها «اتفاقية أوسلو»، ثم التنصل من إكمال هذه المرحلة نحو المراحل الفعلية التي تتناول القدس وكل الأراضي الفلسطينية والانسحاب منها، وتتناول اللاجئين، وتتناول إزالة الاستيطان عن الأراضي الفلسطينية. كان يخشى ذلك، ولكنه قام بتجربة.

أنت تعرف في مفاوضات أوسلو، حتى لما كدنا نصل إلى اتفاق كان الإسرائيليون يعرضون علينا فقط الانسحاب من غزة وتبقى الضفة الغربية محتلة من الإسرائيليين للمرحلة الثانية، أي بعد خمس سنوات. ياسر عرفات هو الذي تدخل بقوة لكي يقول: أقبل بالانسحاب من غزة، ولكن أريد موطئ قدم أيضاً في الضفة الغربية. ولذلك، وصلنا إلى «اتفاق غزة وأريحا»، هذا كان بفضل ياسر عرفات وتدخلاته وليس بفضل المفاوضين الفلسطينيين والإسرائيليين الذين توصلوا إلى النسخة الأولى من «اتفاق أوسلو».

عرفات وإلى يساره ياسر عبد ربه عام 1993 (غيتي)

بعد أن قبلت إسرائيل بصيغة «غزة وأريحا»، ويمكن قبلها، كانوا يفكرون بأن جزءاً من منطقة جنين مثلاً يمكن أن يحيلوه إلى السلطة لتكون مسؤولة عنه أو غيرها من المناطق، ثم رسا الأمر على منطقة أريحا بمبادرة إسرائيلية. ربما لأنهم اعتقدوا أن هذه المنطقة هي المنطقة التي لا تحتوي على كثافة استيطانية نسبية في ذلك الوقت، ولأنها هامشية بالقياس إلى المناطق الأخرى سكانياً وجغرافياً في بقية الضفة الغربية، لكنَّ مشكلة ياسر عرفات كمشكلة الذين اشتركوا في «عملية أوسلو»، وأنا منهم، ومن دون أن أزيّن دوري بهذه الدرجة أو تلك، أنهم لم ينظروا إلى خطر الاستيطان الإسرائيلي النظرة التي يستحقها والتي يتطلبها في ذاك الوقت.

كان هناك مَن يعتقد أنه بمجرد قيام السلطة الفلسطينية في غزة وفي أريحا، سيدرك المستوطنون أنفسهم أن هذه بداية المسار وعليهم أن يهيِّئوا أنفسهم للرحيل، وأن يعودوا من حيث جاءوا. هذا على أرض الواقع لم يحصل، الذي حصل عكس ذلك. على امتداد السنوات، تمدد الاستيطان أكثر فأكثر. فلم يكن هناك تقدير حقيقي ناتج عن إدراك واقعي لحجم الاستيطان، لانتشاره في الأراضي الفلسطينية، ولمعرفة حتى ثقافية بالفكر الصهيوني الذي إذا تخلى عن الاستيطان تخلى عن عمادٍ رئيسي في المشروع الصهيوني منذ بدايته.

مطبخ «أوسلو» الفلسطيني

مَن كان أفراد مطبخ «أوسلو»، وهل كانت لمحسن إبراهيم، الأمين العام لـ«منظمة العمل الشيوعي»، علاقة به؟ قال: «ياسر عرفات ومحمود عباس وأحمد قريع وشخصي المتواضع وحسن عصفور، الذي كان مشاركاً مع قريع في مفاوضات أوسلو المباشرة. القرار كان يُتخذ هناك، ولكن الكلمة الأخيرة في القرار كانت لياسر عرفات. محسن إبراهيم كان على علاقة، وكان يتم إطلاعه أولاً بأول على تطور المفاوضات، لكن طبعاً كان محسن على درجة من الذكاء لكي ينأى بنفسه عن الدخول في صميم الحوار الفلسطيني الداخلي، أي الدخول في مناقشة القرار الفلسطيني الختامي والنهائي.

كان محسن يقدم ملاحظات ونصائح وتساؤلات، وكلها كانت ذات قيمة، ولكن لم يكن يقول إن عليكم أن تقبلوا أو لا تقبلوا بهذا البند الذي توصلتم إليه. كان ينأى بنفسه، إدراكاً منه كشخص لامع الذكاء، بأنه مهما بلغت معرفته بتفاصيل وتعقيدات الوضع الفلسطيني ليس من الناحية السياسية حتى من الناحية الجغرافية والديموغرافية والوضع القائم على الأرض في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، لم يكن على إلمام كافٍ، فبالتالي لا يستطيع مَن هو في هذا الوضع أن يُدلي بدلوه في أن تقبل بهذا الشرط الإسرائيلي أو لا تقبل به».

وهل كان محمود درويش، الشاعر الكبير، على اطّلاع على «أوسلو»؟ يجيب: «أنا كنت شخصياً أُطلعه عليه، ومحمود كان حذراً منذ البداية. تحذيراته كانت تحذيرات عامة؛ أنه عليكم أن تحاولوا عدم الوقوع في الأفخاخ الإسرائيلية أولاً، وأن تحصلوا على التزامات محددة ودقيقة في ما يتعلق بالمواضيع الرئيسية: القدس، والانسحاب التام، والاستيطان، وطبعاً قضية اللاجئين. محمود يعرف ماذا يعني الاستيطان، بشكل أكثر دقة وأكثر واقعية من الآخرين.

أستطيع أن أقول وبناءً على خبرة مباشرة، إنني كانت لديَّ معرفة كافية للتحذير من خطر النظر إلى الاستيطان بشكل هامشي، وأن نتائج وجودنا ووضع أقدامنا مرة أخرى على جزء من أرض وطننا سوى تجعل الاستيطان ينعطف نحو الخلف ويزول من تلقاء نفسه بالتدريج. لم أكن من ذلك التيار، كنت أحذّر، لكن لم يكن تحذيري بالحدة الضرورية، ليس حدة الصوت بل حدة الموقف.

من ناحية أخرى، ياسر عرفات لم يكن يعرف الواقع الحقيقي للاستيطان ووجود المستوطنات، وآخرون كذلك، وأجزم بأنه حتى أبو مازن (الرئيس عباس)، لم يكن يعرف. كانت لديهم انطباعات أكثر من معرفة حقيقية، انطباعات مثل أن هذا وجود مؤقت وليس وجوداً راسخاً له طابع الديمومة على الأرض.

في مرات كثيرة، كثيرٌ من الناس في المنطقة العربية، حتى قادة، كانوا يعتقدون أن المستوطنات هي كرفانات متنقلة يمكن في لحظة إخراجها وسحبها كما جيء بها.

صدمة عرفات من المستوطنات

بعد عام 1996 عندما تمددت السلطة، «غزة وأريحا» ثم تلاها التمدد في أخذ السلطة المدنية والأمنية داخل المدن الرئيسية في الضفة الغربية، وهذا ما سُمي وقتها «اتفاقية إعادة الانتشار للقوات الإسرائيلية خارج المدن»، خارج «منطقة أ»، وتقسيم الضفة إلى ثلاث مناطق: «منطقة أ»، حيث للسلطة سيطرة كاملة، و«منطقة ب» حيث للسلطة سيطرة مدنية، و«منطقة ج» تبقى فيها لإسرائيل السيطرة المدنية والأمنية على مساحة تعادل 60 في المائة من أراضي الضفة. المهم، بعد أن حصل هذا، وكان حديثاً توصّلنا إلى انسحاب إسرائيلي من رام الله.

جاء عرفات إلى رام الله، وكان في حاجة إلى السفر إلى الأردن. وكانت الأجواء فيها ضباب ومُنعت المروحية من نقله من رام الله إلى عمان، فأردنا أن نأخذ طريق البر الذي يقود من رام الله إلى ضواحي القدس تقريباً، مروراً إلى الأغوار فأريحا ثم الانتقال إلى الأردن. كنت مع عرفات في السيارة وحدنا. نزلنا من رام الله عبر ضواحي القدس. أنا كنت قبل ذلك، حتى قبل أن ينسحب الإسرائيليون، قد تجولت في الضفة الغربية كلها، منطقةً منطقةً، لأتعرف على بلدي وعلى تضاريسه وعلى واقع الاستيطان في ذلك البلد، وربما بادرت منذ اللحظة الأولى لتشكيل مؤتمر وطني لمقاومة الاستيطان، ونحن ما زلنا في أريحا ولم نصل إلى بقية المدن.

في الطريق راح ياسر عرفات يسألني: «إيه ده؟» فأقول له: هذه مستوطنات. يُدهَش: «دي مستوطنات؟». مستوطنات بمعنى بلدات، وبنية تحتية حتى أكثر تقدماً من البنية التحتية للقرى الفلسطينية، وبلدات منتشرة وواسعة وفيها كل مقومات الحياة المدنية على الأرض. كل كيلومتر يسأل وأقول له: هذه مستوطنة. صمت ياسر عرفات وأُصيب بما يشبه الصدمة، ليست العاطفية، بل السياسية، لأنه تعرَّف على واقع الاستيطان أفضل مما تعرف عليه في غزة. في غزة كانت مستوطنات صغيرة، بؤراً محاطة ومطوَّرة بوجود بشري وجغرافي فلسطيني، فكان هذا الوجود هشاً لا يعمّر كثيراً، بعكس الواقع الذي كان قائماً في الضفة الغربية.

«استخفاف» عباس بالاستيطان

مرة كنت أنا وأبو مازن في الطريق إلى إسرائيل لإجراء لقاء في السفارة المصرية مع عدد من الإسرائيليين بحضور ومشاركة السفير المصري حينها. في هرتسيليا، محل إقامة السفير المصري، وليس في السفارة بتل أبيب. كان هذا في نهاية التسعينات.

وفي الطريق، هناك أرض حرام بين الضفة الغربية وإسرائيل. كانت منطقة حراماً، أي منطقة فاصلة. الإسرائيليون دخلوا إلى هذه المنطقة وبدأوا ببناء مستوطنات جديدة. أشرت لأبو مازن وقلت له: هؤلاء الذين يتحدثون عن التسوية، هذه المنطقة الحرام الفاصلة التي يجب أن تعود لنا أو على الأقل نتقاسمها، بدأوا ببناء مستوطنة عليها. أبو مازن نظر إليَّ وقال: «مش مشكلة. هذا كله سيعود إلينا. كله سنستعيده».

كانت نظرته إلى الاستيطان فيها درجة عالية من الاستخفاف، وأظن أنه حتى بعد أن أصبح رئيساً كانت نظرته ذاتها إلى الاستيطان أنه هذا كله سيزول، وقابل لاستعادته ولا يشكل خطراً كبيراً كما يتصور البعض الآخر، سواء منظمات أهلية فلسطينية أو شخصيات فلسطينية أو قيادات... إلخ.

عرفات وشخصنة حلم الدولة

سألت عبد ربه: هل تعتقد أن ياسر عرفات أراد أن يدخل التاريخ بصفته مَن استعاد قسماً من الأراضي الفلسطينية وبعدما تعب من حروب العواصم ومن الوضع العربي والوضع الدولي، وأنه يريد قبراً في الأراضي الفلسطينية؟ فردَّ بأن «ياسر عرفات كان طبعاً يريد أن يكرَّس أولَّ فلسطيني أنشأ للفلسطينيين أو قاد الفلسطينيين نحو إنشاء دولة مستقلة. وهذا الحلم لم يفارقه.

أحياناً كثيرة، بعض القادة يصبحون مسكونين بفكرة معينة، ويتماهون بين شخصهم وبين الفكرة. بين شخصهم والحقوق الوطنية أو السياسية لشعب بأكمله. كان لديه حلم شبيه بما حلم به نيلسون مانديلا وربما غاندي وغيرهما. ياسر عرفات كان يريد أن يكون هذا البطل الذي يَرسخ في ضمير الشعب الفلسطيني لأجيال. ذكراه وإنجازاته تَرسخ للأجيال القادمة.

مصافحة بين عرفات وإسحق رابين في حديقة البيت الأبيض برعاية بيل كلينتون (أ.ف.ب)

مشكلة ياسر عرفات أنه كان يعطي الأولوية لسيطرة السلطة على المواقع التي فيها تجمعات رئيسية للشعب الفلسطيني. سيطرة السلطة على الشعب، على الناس، وليس بالمعنى السيئ للسيطرة، بل بالمعنى السيادي، بمعنى أن يكون هو الممثل لهذا الشعب، ويستهين إلى حد غير قليل بموضوع الأرض، كأنَّ الأرض ستعود من تلقاء ذاتها عندما تصبح هناك سلطة لها مؤسسات لها هيئات مختلفة؛ لها حكومة ولها تمثيل، وأيضاً يخضع لها كل الشعب الفلسطيني. وهذا الشعب يختار ممثليه لهذه السلطة عبر الانتخابات.

أُريد هنا أن أعطي نموذجاً لذلك؛ في المرحلة التي كنا نتفاوض فيها بعد عودة السلطة إلى أرض الوطن وبدء التفاوض على اتفاق ما سُميت إعادة الانتشار والسيطرة الفلسطينية على المدن الرئيسية في الضفة الغربية سيطرة كاملة، كانت هناك لقاءات مستمرة، سواء في طابا المصرية أو أحياناً في بعض الأماكن مثل غزة، محيط غزة، وأحياناً كثيرة في رام الله وفي داخل بعض المناطق الفلسطينية، تجمع ياسر عرفات وشمعون بيريز الذي كان مكلفاً بدرجة رئيسية، وقبلها في حياة إسحاق رابين كانت تجمعه برابين.

عندما توصلنا إلى اتفاق حول انتشار السلطة في كل المدن، كان هناك لقاء مع بيريز. في هذا اللقاء، أنا كنت أجلس إلى جانب عرفات، قال له بيريز بكل صراحة وقحة: نحن لا نستطيع إكمال إعادة الانتشار في الضفة الغربية لأن هناك بعض المستوطنات المعزولة التي لم يُبتّ بمصيرها لأن هذا له علاقة بمفاوضات حول الوضع النهائي. هناك مستوطنات معزولة يجب أن تجد سبيلها للصلة بإسرائيل من دون المرور بمناطق مأهولة فلسطينية. وقال: كلها مجرد خمس طرق.

أنا كنت أجلس إلى جانب ياسر عرفات الذي كان بين خيار أن يستمر الانسحاب من بقية المدن أو أن يوافق. همستُ له وكتبت: لا تقبل يا أبو عمار. لا تقبل. لأنه أصبح ليس إحساساً بل معرفة، بأن الطرق الخمس يمكن أن تصبح خمسين طريقاً. والطريقة الإسرائيلية في التفاوض هي: يسهِّل ما يريده منك ويعقِّد ما تريده منه، حتى لو كان هناك ألف توقيع، وألف التزام، ومحدَّد بالتفصيل وبدقة. وهذا ما حصل. ياسر عرفات فكَّر قليلاً، على الأقل، كنت أتوقع أنه سيرفع الاجتماع، ثم قال له بالإنجليزية: take it (خُذها). شمعون بيريز فهم الدرس. يمكن أن تساوم ياسر عرفات على توسيع سلطته ونفوذه في الضفة الغربية مقابل أن تحصل على مكاسب بالنسبة للمستوطنات وأن يقبل بها من دون أن يثار حولها أي ضجيج».

غداً حلقة ثانية

حقائق

من هو ياسر عبد ربه؟

ولد ياسر عبد ربه في يافا في 1945. هاجرت عائلته بعد النكبة إلى لبنان. كان في سن الخامسة عشرة حين نجح السياسي اليساري اللبناني محسن إبراهيم في إقناعه بالانضمام إلى «حركة القوميين العرب». تابع في الجامعة الأميركية في القاهرة دراسته في مجال الاقتصاد والعلوم السياسية.

في 1968 كان إلى جانب جورج حبش ونايف حواتمة ووديع حداد في تأسيس «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». وشارك في السنة التالية في تأسيس «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين» وهو كان الرجل الثاني فيها بعد حواتمة. غادر الجبهة عام 1990 وأسس حزب «فدا»، قبل أن يتخلى عن قيادته ويعمل مستقلاً منذ 2004.

كان لقاؤه الأول مع ياسر عرفات في 1968 إبان «معركة الكرامة» حين تصدت المنظات الفلسطينية الناشئة بدعم من مدفعية الجيش الأردني لقوات إسرائيلية هاجمت بلدة الكرامة الحدودية. ربطته لاحقاً بعرفات علاقة ثقة وطيدة مكنته من لعب دور بارز في الحوار بين أميركا ومنظمة التحرير الفلسطينية.

ترأس عبد ربه الجانب الفلسطيني في أول حوار مع الولايات المتحدة عام 1989، وكان شريكاً فاعلاً في ما عُرف بـ«مطبخ اتفاق أوسلو». وتولى بعد ذهاب القيادة الفلسطينية إلى الأراضي المحتلة مناصب وزارية. وشارك في معظم لقاءات عرفات مع كبار المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين.

تولى بين 2005 و2015 منصب أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وأخرج من منصبه في ختام تلك الفترة بعد خلافات علنية مع الرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس. أتاح له دوره في منظمة التحرير المشاركة في لقاءات رفيعة مع زعماء من العالم العربي وخارجه. وربطته علاقة مودة عميقة مع الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش.

متزوج من الروائية ليانة بدر، وله ولدان.


مقالات ذات صلة

«رد إيجابي» من «حماس» في القاهرة قد يفضي لاتفاق قريباً

خاص فلسطينيون في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم السبت (أ.ف.ب)

«رد إيجابي» من «حماس» في القاهرة قد يفضي لاتفاق قريباً

أكدت مصادر عدة من حركة «حماس» أن وفدها الموجود في القاهرة قدّم «رداً إيجابياً» على مقترح قدمه الوسطاء بشأن تنفيذ «اتفاق متزامن» ما بين المرحلتين الأولى والثانية

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

خاص ضغط قوي على «حماس» للموافقة على نزع سلاح غزة

تواجه حركة «حماس» أكبر حالة ضغط من الوسطاء وأطراف أخرى للموافقة على وثيقة «مجلس السلام» حتى ولو بشكل مبدئي، قبل التفاوض عليها بشأن خطة نزع سلاح الفصائل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
المشرق العربي صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (أرشيفية - رويترز)

اجتماعات وزارية إسرائيلية سرية بضغط أميركي لبحث «رؤية غزة الجديدة»

أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعقد اجتماعَين سريَّين لكبار المسؤولين في وزارات عدة، بضغط أميركي؛ للتداول في مستقبل قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فلسطيني يحمل جثمان فتى (12 عاماً) قُتل برصاص إسرائيلي خلال تشييعه خارج «مستشفى الشفاء» بمدينة غزة الجمعة (أ.ب)

فوضى واستقالات «ممنوعة» في «لجنة غزة»

علمت «الشرق الأوسط» من مصدرين مطلعين أن عضوين على الأقل في «اللجنة الوطنية» من سكان قطاع غزة، قدما استقالتَيهما لرئيس اللجنة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

باريس حريصة على أن تكون قريبة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المرتقبة

ماكرون وسلام على مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 23 يناير 2026 (أ.ف.ب)
ماكرون وسلام على مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 23 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

باريس حريصة على أن تكون قريبة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المرتقبة

ماكرون وسلام على مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 23 يناير 2026 (أ.ف.ب)
ماكرون وسلام على مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 23 يناير 2026 (أ.ف.ب)

تأتي زيارة رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، إلى باريس التي يصلها من دوقية لوكسمبورغ بعد لقاء وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في «لحظة حرجة» بالنسبة للبنان. وترى مصادر دبلوماسية في العاصمة الفرنسية أن جولة سلام، رغم اقتصارها على محطتين، «بالغة الأهمية» لجهة إيصال صوت لبنان إلى العواصم الأوروبية، مضيفة أنه رغم استبعادها من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المقبلة، فإن فرنسا قادرة على «لعب دور إيجابي ولصالح لبنان».

وتؤكد المصادر المشار إليها أن باريس «تريد أن تكون إلى جانب لبنان» في هذه المفاوضات، وأنها «لعبت وتلعب دوراً مهماً في إيصال مجموعة من الرسائل إلى الأطراف كافة». من هنا، فإنها عبرت عن «انزعاجها» من تصريحات يحيئيل ليتر، السفير الإسرائيلي في واشنطن، بعد جلسة المحادثات مع سفيرة لبنان ندى معوض بحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. وقال ليتر: «إننا، بالتأكيد، لا نريد أن نرى الفرنسيين يتدخلون في هذه المفاوضات» مضيفاً أن «وجودهم ليس ضرورياً؛ إذ ليس لهم أي تأثير إيجابي، لا سيما في لبنان». ومهما يكن الموقف الإسرائيلي، فإن المصادر الفرنسية تؤكد أن تواصلها مع الطرف الأميركي «قائم دوماً»، وأنها «دائمة التنسيق معه»، وقد «لعبت دوراً» لإقناع الرئيس دونالد ترمب بفرض وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله» لمدة 10 أيام، وأنها تسعى لأن يتم تمديده.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جانب رئيس وزراء بولندا دونالد تاسك خلال زيارة مشتركة لمدينة غدانسك الاثنين (رويترز)

وهناك ملفات كثيرة ستُطرح خلال الاجتماع بين الرئيس إيمانويل ماكرون ونواف سلام، عصر الثلاثاء، في قصر الإليزيه الذي استبق الزيارة لإعادة التأكيد على المواقف الثابتة لباريس إزاء لبنان سواء بالنسبة لاحترام وقف إطلاق النار، أو دعم استقرار وسيادة الدولة على جميع أراضي الجمهورية، والوصول إلى حصرية السلاح بيد القوى الشرعية. وترى باريس أن الهدف الأخير يمثل «السبيل الوحيد لتوفير الاستقرار المستدام في لبنان، والعيش بسلام مع جيرانه»، في إشارة إلى إسرائيل.

دور فرنسي في المفاوضات

كان لا بد من أن تأتي باريس على أنواع الدعم الذي توفره للبنان، وتمسكها بالإصلاحات المطلوبة من الحكومة اللبنانية كمقدمة لمؤتمر دعم لبنان المؤجل حتى تنفيذ هذه الإصلاحات، علماً أن مؤتمر دعم الجيش كان مقرراً في 5 مارس (آذار) الماضي بسبب الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»، ولا موعد جديداً لعقده حتى اليوم. والمستجد هو مقتل جندي فرنسي من قوة «يونيفيل» في حادث تحمِّل باريس مسؤوليته لـ«حزب الله»، وتشدد على ضرورة جلاء ظروفه، والقبض على المسؤولين عنه ومحاكمتهم.

لا شك أن ملف المفاوضات المرتقبة بين لبنان وإسرائيل سيحتل القسم الأكبر من لقاء ماكرون - سلام. وتجدر الإشارة إلى أن باريس أعدت «ورقة غير رسمية» لمفاوضات لبنانية - إسرائيلية تهدف إلى إنهاء حالة الحرب بين الطرفين. وقد حاول جان نويل بارو، وزير الخارجية، في زيارته للبنان وإسرائيل من 18 إلى 20 مارس الماضي تسويقها، لكن إسرائيل تحفظت عليها، كذلك عرضت باريس استضافة المفاوضات، لكن من الواضح أنها لن تحدث على الأراضي الفرنسية. وفي تصريحاته، الاثنين، لم يذكر الرئيس جوزيف عون زمن انطلاقها أو مكان انعقادها. وعلى أية حال، فإن الدبلوماسية الفرنسية لن تكون بعيدة عن هذه المفاوضات عند انطلاقها، رغم أن الجانب اللبناني يراهن على «الصديق» الأميركي «وفق تسمية عون»؛ للضغط على إسرائيل، ولجم تصرفاتها في لبنان. وعلى أية حال، فإن القناعة الفرنسية تؤكد أن لبنان «سيكون بحاجة لدعم أصدقائه» في العالم وأولهم، داخل الاتحاد الأوروبي، فرنسا.

رجل يقود دراجته النارية في منطقة بئر العبد في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث يعم الدمار المكان (إ.ب.أ)

تريد باريس أن تحقق المفاوضات نتائج إيجابية؛ ولذا، فإن، وفق مصادرها، تعمل على تنفيذ بعض المقترحات «العملية» حول كيفية «تسهيل» مجرياتها حتى لا تواجه، منذ انطلاقها، جبلاً من الصعوبات وافتراق المواقف، خصوصاً في موضوع نزع سلاح «حزب الله»، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.

والسؤال المطروح: ما الذي يتعين أن يتحقق أولاً؟ حصر السلاح أم الانسحاب؟ والواضح أن كل طرف يستخدم موقف الطرف الآخر لتبرير موقفه؛ لذا، فإن مصادر فرنسية ترى أن الحل يقوم على اقتراح العمل بمبدأ «الخطوات المتوازية والمتقابلة»، بحيث لا يعاود ارتكاب الخطأ الذي وقع فيه المبعوث الأميركي توم براك الذي طلب من لبنان نزع سلاح «حزب الله» أولاً وبالكامل قبل أن تقبل إسرائيل الانسحاب من النقاط الخمس التي تمركزت فيها داخل الأراضي اللبنانية.

فراغ ما بعد «يونيفيل»

ثمة موضوعان إضافيان سيحظيان بالمناقشة بين ماكرون وسلام، الأول هو الاعتداء على عناصر من الوحدة الفرنسية العاملة في إطار قوة السلام الدولية في جنوب لبنان منذ عام 1978؛ حيث قُتل عنصر برتبة رقيب، وجرح ثلاثة آخرون. ويرتبط هذا الملف عضوياً بملف إضافي يدور حول كيفية ملء الفراغ في الجنوب اللبناني بعد رحيل «يونيفيل» مع نهاية العام الحالي. وتجدر الإشارة إلى أن قرار التجديد للقوة الدولية الذي تم، الصيف الماضي، نص على أنه الأخير، وذلك بضغط أميركي ــ إسرائيلي، بينما بذلت فرنسا جهوداً كبيرة لتجنبه. وليس سراً أن باريس تقوم بالعديد من الاتصالات، خصوصاً مع الدول الأوروبية المعنية بالإبقاء على حضور عسكري لها في الجنوب اللبناني، ومنها إيطاليا وإسبانيا وألمانيا وهولندا... وثمة العديد من الطروحات قيد المناقشة، وتتناول مهمة القوة متعددة الجنسيات وانتدابها وتمويلها، علماً أن ثمة من يريد أن تكون تحت راية الأمم المتحدة. ولا شك أن المشاورات سوف تتكثف كلما اقترب موعد رحيل «يونيفيل».

ثلة من الجنود الفرنسيين تحمل نعش الرقيب الفرنسي فلوريان مونتورو الذي قتل في جنوب لبنان خلال نقله إلى طائرة في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت (رويترز)

وبخصوص الموضوع الأول، فإن باريس سارعت لكشف ما تريده من السلطات اللبنانية وهو التحرك السريع لكشف المسؤولين عن الحادث وملاحقتهم ومحاكمتهم. وقال بارو، الأحد، إن باريس «تلقت تأكيدات بأن السلطات اللبنانية ستعطي الأولوية المطلقة للعثور على المسؤولين عن هذه الجريمة وتوقيفهم». ودعا الوزير الفرنسي إلى استئناف الخطة الحكومية المكونة من عدة مراحل لجمع سلاح «حزب الله» بدءاً من منطقة جنوب الليطاني، وقد أنجزت أولاها، نهاية العام الماضي. وبنظره «يجب استئناف (الخطة)؛ لأن... الحل السياسي الوحيد لضمان السلام والاستقرار في لبنان هو نزع سلاح (حزب الله)... ثم بالطبع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان».


سوريا تشهد تسريعاً في مسار عملية «العدالة الانتقالية»

الاجتماع الثلاثي لرئيس هيئة العدالة ووزير الداخلية ووزير العدل  (حساب الهيئة)
الاجتماع الثلاثي لرئيس هيئة العدالة ووزير الداخلية ووزير العدل (حساب الهيئة)
TT

سوريا تشهد تسريعاً في مسار عملية «العدالة الانتقالية»

الاجتماع الثلاثي لرئيس هيئة العدالة ووزير الداخلية ووزير العدل  (حساب الهيئة)
الاجتماع الثلاثي لرئيس هيئة العدالة ووزير الداخلية ووزير العدل (حساب الهيئة)

قال عضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا المحامي رديف مصطفى إن وضع قوائم بأسماء المرتبطين بالنظام البائد ليس إقصاءً أو تعميم أحكام.

وتابع، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الهدف منها بناء قاعدة بيانات دقيقة ومنظمة، مع مراعاة «مبدأ عدم إدراج أي اسم دون أساس قانوني مثبت»، موضحاً أن هذه «البيانات» ستستخدم «كأداة مساندة في إعداد الملفات القانونية ضمن مسار شامل للعدالة الانتقالية».

وكانت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية قد شاركت، الأحد والأربعاء، في جلسة عمل ثلاثية مع وزارتي العدل والداخلية، حضرها رئيس الهيئة العميد عبد الباسط عبد اللطيف ووزير الداخلية أنس خطاب ووزير العدل مظهر الويس، بهدف وضع منهجية متكاملة لإعداد قوائم بالأشخاص المرتبطين بالنظام البائد وبحث آليات حصر الأسماء وتدقيقها وفق معايير قانونية دقيقة تضمن موثوقية المعلومات وقابليتها للاعتماد القضائي، بالإضافة إلى بحث الأطر القانونية والإجرائية اللازمة لتنظيم قواعد البيانات وإعداد الملفات والتقارير القانونية، بما يمهّد لاتخاذ الإجراءات القضائية وفق الأصول المعتمدة.

وهدفت الجلسة إلى وضع منهجية متكاملة لإعداد قوائم بالأشخاص المرتبطين بالنظام البائد، حيث تم بحث آليات حصر الأسماء وتدقيقها وفق معايير قانونية دقيقة تضمن موثوقية المعلومات وقابليتها للاعتماد القضائي.

وفي بيان صادر عن الهيئة بعد الجلسة، أكدت أن دورها هو الدفع «نحو بناء منظومة عدالة متكاملة، وتعزيز التنسيق بين الجهات الوطنية بما يخدم مسار العدالة الانتقالية ويرسّخ سيادة القانون».

وقال عضو لجنة المحاسبة والمساءلة في الهيئة المحامي رديف مصطفى، لـ«الشرق الأوسط»، إن الاجتماع الثلاثي «جاء في إطار تطوير أدوات مؤسسية تدعم مسار العدالة الانتقالية وترسّخ سيادة القانون». لافتاً إلى أنه «يتم العمل على تطوير منهجية قانونية واضحة تستند إلى معايير دقيقة، تشمل التحقق من المعلومات عبر مصادر موثوقة، والتقاطع بين الأدلة والوثائق، مع مراعاة مبدأ عدم إدراج أي اسم دون أساس قانوني مثبت».

وشدد على أن هذه القوائم (البيانات) ستستخدم «كأداة مساندة في إعداد الملفات القانونية، ودعم عمل الجهات القضائية المختصة، إلى جانب دورها في تنظيم عملية التوثيق وتحليل الأنماط المرتبطة بالانتهاكات، ضمن مسار شامل للعدالة الانتقالية».

وأكد مصطفى أن العمل في هذا الاتجاه «بدأ بالفعل على مستوى إعداد الأطر المنهجية والتنسيق بين الجهات المعنية، وسيتم الانتقال تدريجياً إلى مراحل التنفيذ وفق خطة عمل مدروسة تضمن الدقة والموثوقية»، مع التأكيد على أن هذا المسار «يتم وفق مقاربة قانونية ومؤسسية، توازن بين تحقيق العدالة، وحماية الحقوق، وضمان عدم التسرع أو التعميم».

رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» مع الأهالي في دير الزور بعد تسلم المبنى الخاص (حساب الهيئة)

من جانبه، أعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا، الاثنين، أن «هناك مستجدات مهمة قريبة في ملف العدالة الانتقالية». وكتب البابا، في منشور على حسابه في «فيسبوك»: «يُخطئ المخلوع ومجرموه الفارّون من وجه العدالة إن ظنّوا أنّهم بمنأى عن المساءلة، أو أنّ جرائمهم قد طواها النسيان، فالدولة السورية ماضية بعزم لا يلين في مواصلة العمل ليلاً ونهاراً لتقديمهم إلى القضاء المختص»، لافتاً إلى أن الهدف هو إجراء محاكمات عادلة تُنصف الضحايا وتعيد الحقوق إلى أصحابها. وقال: «قريباً سيتم الإعلان عن مستجدات مهمة في ملف العدالة الانتقالية»، وإن هذه الخطوات تأتي ثمرة تنسيق مشترك بين وزارتي الداخلية والعدل، والهيئة العامة للعدالة الانتقالية.

وتشهد هيئة العدالة الانتقالية تسريعاً في نشاطها من حيث توسيع حضورها في المحافظات السورية، حيث استلمت، الأحد، مبنى فرعها في محافظة دير الزور، ليكون الفرع الثاني لها بعد فرع حمص.

وقالت الهيئة، في بيان نشرته عبر معرفاتها الرسمية، إن افتتاح الفروع في المحافظات يشكّل خطوة أساسية نحو بناء مسار وطني متكامل للعدالة الانتقالية، قائم على القرب من المواطنين وتعزيز الثقة.

جلسة لـ«الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في اللاذقية (حساب الهيئة)

وبدأت الهيئة، الأسبوع الماضي، تنظيم سلسلة جديدة من اللقاءات في المحافظات، بهدف تعزيز الشراكة مع مختلف الفعاليات، شملت عقد جلسات في حلب واللاذقية ودير الزور بمشاركة واسعة من الفعاليات الرسمية والمجتمعية، وأعضاء مجلس الشعب، وحقوقيين، ومديري مناطق، وقيادات أمنية، وممثلين عن المجتمع المدني في المحافظات الثلاث.

وناقشت الجلسات التحديات التي تواجه عمل الهيئة وأدوات العمل في التعامل مع الملفات الحساسة، وموقع هذا المسار في المرحلة الحالية. كما طرح الحضور تساؤلات حول مصير القضايا العالقة وآليات التوثيق، في حوار مباشر يعزز الفهم المشترك لدور الهيئة وآليات عملها.

رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» عبد الباسط عبد اللطيف (سانا)

يشار إلى أن الآلية الدولية المحايدة المعنية بالمساعدة في التحقيق في أخطر الجرائم في سوريا، التابعة للأمم المتحدة، اعتبرت في 15 أبريل (نيسان) الحالي، أن الانتقال السياسي في البلاد أتاح فرصاً جديدة وفريدة للمساءلة بما في ذلك عبر الحوار المباشر مع المؤسسات السورية والهيئات الوطنية المكرسة لتحقيق العدالة الانتقالية.

كما أكدت في تقريرها خلال اجتماع في الجمعية العامة للأمم المتحدة، أنها حققت تقدماً ملموساً في النهوض بالعدالة الشاملة في سوريا، رغم القيود الكبيرة والمستمرة المتعلقة بالموارد.

وشكلت السلطات السورية قبل نحو العام، الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، برئاسة العميد عبد الباسط عبد اللطيف، بهدف محاسبة كل من ارتكب الجرائم بحق السوريين في عهد النظام السابق. وتواجه الهيئة تحديات كبيرة ومعقدة في مسار عملها وسط انتقادات شعبية تتعلق بتأخر تحقيق العدالة الانتقالية وجبر الضرر لمئات الآلاف من ضحايا الحرب.


مسيّرة إسرائيلية تهاجم محيط مجرى الليطاني في جنوب لبنان

طائرة مسيّرة تحلّق فوق إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 17 أبريل 2026 (رويترز)
طائرة مسيّرة تحلّق فوق إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 17 أبريل 2026 (رويترز)
TT

مسيّرة إسرائيلية تهاجم محيط مجرى الليطاني في جنوب لبنان

طائرة مسيّرة تحلّق فوق إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 17 أبريل 2026 (رويترز)
طائرة مسيّرة تحلّق فوق إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 17 أبريل 2026 (رويترز)

شنّت إسرائيل، الاثنين، هجوماً بمسيّرة في جنوب لبنان، على الرغم من وقف إطلاق النار المعلن لمدة 10 أيام بين الدولة العبرية و«حزب الله»، وفق ما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية اللبنانية.

وأوردت الوكالة أن «مسيّرة معادية استهدفت محيط مجرى نهر الليطاني في بلدة قعقعية الجسر»، من دون الإشارة إلى أي أضرار.

وكانت إسرائيل قد أعلنت أنها ستستخدم «كامل قوتها» للتصدي «لأي تهديد»، بالرغم من الهدنة.