ارتياح استثماري لقرار «شورى الدولة» بمنع إلغاء التزامات «المركزي» اللبناني

مساهمون عرب في البنوك لوّحوا بمقاضاة السلطة

مصرف لبنان المركزي (رويترز)
مصرف لبنان المركزي (رويترز)
TT

ارتياح استثماري لقرار «شورى الدولة» بمنع إلغاء التزامات «المركزي» اللبناني

مصرف لبنان المركزي (رويترز)
مصرف لبنان المركزي (رويترز)

تلقّف مساهمون خارجيون في القطاع المالي اللبناني، بارتياح ظاهر، قرار «مجلس شورى الدولة»، إبطال قرار سابق لمجلس الوزراء يقضي بإلغاء جزء كبير من التزامات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية تجاه المصارف.

و«مجلس شورى الدولة» هو المرجعية القضائية التي تتولى القضاء الإداري ومراقبة إعداد النصوص التشريعية والتنظيمية، ووضع محدّدات قانونية صارمة للمقاربات الخاصة بمعالجة فجوة الخسائر المالية.

وشكل تصنيف المجلس للجزء الوازن من فجوة الخسائر بوصفها ديوناً قائمة ومتوجبة على الدولة، مرتكزاً لتصحيح ضروري وواعد لمعادلة التوزيع العادل للأعباء، وفقاً لدرجات المسؤوليات على ثلاثي الدولة والبنك المركزي والجهاز المصرفي، حيث لاحظ القرار القضائي أنّ تلك المبالغ، التي تزيد على 60 مليار دولار، كما جاء في متن قرار الإبطال، استدانتها الدولة، وبالتالي يجب أن تردّها للمصارف، وبالتالي للمودعين.

ورغم التنويه بأن ذلك الاقتراض مخالف للقانون، فقد ثبت المجلس صفة الدين على الدولة، مستشهداً بتصريح للحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة، عن إقراض الدولة مبلغ 62 مليار دولار. كما أن وصف المبالغ عينها بوصفها ديوناً قائمة على الدولة ورد في مستندات التدقيق الجنائي في ميزانيات البنك المركزي، الذي نفذته الشركة الدولية «ألفاريز آند مارسال»، بناء لطلب السلطة التنفيذية، وبدعم تشريعي من قبل مجلس النواب عبر قانون رفع السرية عن البيانات المطلوبة.

أمل للمستثمرين والمودعين

ويؤمل أن تسهم هذه الخطوة، المسنودة نصاً إلى ركيزة صلاحية مجلس الشورى للنظر في طلبات الإبطال بسبب تجاوز حد السلطة للمراسيم والقرارات ذات الصفة الإدارية، سواء كانت تتعلق بالأفراد أو بالأنظمة الصادرة عن السلطة الإدارية، في الحؤول دون تحركات مضادة لوّح بها كثير من المستثمرين الاستراتيجيين في القطاع المالي اللبناني، أفراداً كانوا وشركات من دول عربية. وقد تصل، وفقاً لمسؤول مصرفي كبير، إلى حد إقامة دعاوى قضائية في الخارج رداً على التعمّد الرسمي الظاهر لتكبيدهم الكثير من الخسائر في محافظهم من الأسهم وسندات الدين المتنوعة في المصارف المحلية.

ويرفض المستثمرون بشكل قاطع الأذى المعنوي وكذلك المادي الذي تمعن الجهات الحكومية بإلحاقه بهم وبكبار المودعين، من خلال التصنيفات غير العادلة التي ترمي إلى تحميلهم أوزاراً إضافية ناجمة عن الأزمات النظامية التي تعصف بالبلد، عبر الإصرار على تسويق خيارات غير سويّة قانونياً وإجرائياً، من شأنها ليس فقط وضع رساميلهم ومدخراتهم بالتساوي الذي قبلوا به مع أقرانهم اللبنانيين، قيد مصير مجهول، بل وتغريمهم بردّ حقوق استثمارية بمفعول رجعي لسنوات سابقة، وتجاهل تعريفها بوصفها عوائد مشروعة ومتناسبة مع المتوسطات، وأحياناً أدنى من مثيلاتها السارية في أسواق مشابهة.

وبالفعل، تلقى مسؤولون كبار في كثير من المصارف ذات المساهمات الخارجية الوازنة أو الجزئية، إشعارات مباشرة من مستثمرين رأسماليين ومودعين، تطلب إبلاغ مواقفهم للجهات المعنية في السلطتين التنفيذية والنقدية، خصوصاً لجهة تقديرهم لقرار مجلس الشورى وجديّة الاعتراضات الشديدة من قبلهم على المنهجيات الخاطئة التي تصر الحكومة اللبنانية على اقتراحها، وفي مقدمها شطب التزامات البنك المركزي لصالح البنوك، والتصنيفات غير العادلة التي تطالهم مع كبار المودعين.

قاعدة قانونية للمقاربات المالية اللاحقة

وأكد مسؤول مصرفي كبير ومعني لـ«الشرق الأوسط»، أن تبعات القرار القضائي الأحدث تتعدى النطاق الحصري لاقتراحات مالية سابقة، لتتحول إلى قاعدة قانونية مرجعية لأي مقاربات لاحقة، بما يشمل خصوصاً المندرجات ذات الصلة الواردة في مشروع القانون الجديد والحامل لعنوان «معالجة أوضاع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها»، والذي يفترض إدراجه قريباً على جدول أعمال مجلس الوزراء.

توازياً، ينبغي التشديد، حسب المصرفي، على أن الدولة مسؤولة أساساً عن معالجة أي خسائر تلحق بميزانية البنك المركزي، وفق منطوق المادة 113 من قانون النقد والتسليف، وهو ما أكده الحاكم بالإنابة وسيم منصوري، في بيان رسمي أوائل العام الحالي. كما ارتكز إلى مضمونها أساس الدعوى إلى مجلس الشورى، والتي تقدمت بها مجموعة تضم أكبر 11 مصرفاً محلياً، بغية مواجهة نظريات «الشطب» التي يصر فريق في الحكومة على ورودها في مشاريع قوانين مالية، ولم يفلح في تمريرها لدى السلطة التشريعية.

ورداً على سؤال، أوضح المصرفي أنه يتعذر حالياً تقدير الحجم الفعلي للمساهمات الخارجية في البنوك المحلية، بسبب الالتباسات المحاسبية الناشئة عن الأزمتين المالية والنقدية، ومن المؤكد أنها تشمل مجمل البنوك، ولا سيما الكبيرة منها، وهي تتنوع بين حصص ملكية أسهم والاكتتاب في سندات دين وإيصالات إيداع عمومية، وسواها من أدوات رأسمالية. كما تتنوع مصادرها من غالبية خليجية إلى توظيفات لجهات استثمارية مصرية ويمنية وسورية وأردنية وسواها، فضلاً عن حصص وازنة ترد ضمن قائمة المودعين غير المقيمين، والتي تضم أيضاً لبنانيين عاملين في الخارج ومغتربين.

وبالإضافة إلى الثقل النوعي الذي كانت تمثله هذه الكتلة من التوظيفات الخارجية في القطاع المالي اللبناني، يشير المسؤول المصرفي إلى أولوية محاكاة دورها المرتجى والمفصلي في مرحلة التعافي الموعودة بعد انتظام الاستقرارين السياسي والأمني، إذ إن الدعم العربي عموماً، والخليجي خصوصاً، لطالما أعان لبنان وقطاعاته كافة ولم يتخل عنه بتاتاً في أصعب الظروف، وما من منطق يبرّر الإساءة إلى منظومة علاقات تاريخية ومستمرة في الميادين كافة مع الأشقاء الذين يحتضنون أيضاً مئات الآلاف من اللبنانيين العاملين والمقيمين في بلدانهم.


مقالات ذات صلة

زيتون جنوب لبنان في مرمى النيران الإسرائيلية

المشرق العربي مزارعون لبنانيون يقطفون الزيتون في قرية «زوطر الغربية» جنوب لبنان بالقرب من قرية «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)

زيتون جنوب لبنان في مرمى النيران الإسرائيلية

حوّل الاستهداف الإسرائيلي لمؤهل أول متقاعد في الجيش اللبناني أثناء تفقده منزله وكرم الزيتون في بلدة ياطر، الأحد، موسم القطاف في جنوب لبنان إلى خطر

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي سكان من الضاحية الجنوبية يعبرون قرب مبانٍ مدمرة يوم 6 يوليو 2026 (رويترز)

أمطار الخريف تربك ساكني المنازل المتضررة في ضاحية بيروت الجنوبية

دفعت الأمطار الأخيرة سكاناً وأصحاب متاجر في الضاحية الجنوبية لبيروت إلى مواجهة جانب آخر من آثار الحرب.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي مناصر لـ«حزب الله» يرفع علمه في موقع قصف إسرائيلي تزامن مع إنزال ببلدة النبي شيت شرق لبنان مارس 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

لبنان يتشدد بملاحقة أسلحة «حزب الله» من سوريا… وفي الداخل

يتشدد لبنان في ملاحقة أسلحة «حزب الله» وذخائره التي يهربها من سوريا إلى لبنان، وكان آخرها شحنة متفجرات ضُبطت على حاجز أمني في منطقة ضهر البيدر، شرقي لبنان.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي علم لبناني مرفوع على شجرة زيتون محروقة بفعل القصف الإسرائيلي في بلدة زوطر الغربية بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

إسرائيل تستأنف الغارات الجوية على جنوب لبنان

تصاعدت وتيرة الغارات الجوية الإسرائيلية على جنوب لبنان السبت، بعد أيام على هدوء حذر ساد المنطقة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي إحدى طائرات «الميدل إيست» في مطار بيروت (شاترستوك)

ترحيب لبناني بإلغاء ترمب القيود على النقل الجوي مع بيروت

رحَّب لبنان بقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب القاضي بإلغاء القرارات الرئاسية الأميركية التي تفرض قيوداً على النقل الجوي مع لبنان.

نذير رضا (بيروت)

إسرائيل تسمح لشركة أميركية بدخول غزة لتسلُّم سلاح «حماس»

أفراد من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» خلال تسليم رهينة أميركي- إسرائيلي بخان يونس في فبراير (شباط) 2025 (رويترز)
أفراد من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» خلال تسليم رهينة أميركي- إسرائيلي بخان يونس في فبراير (شباط) 2025 (رويترز)
TT

إسرائيل تسمح لشركة أميركية بدخول غزة لتسلُّم سلاح «حماس»

أفراد من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» خلال تسليم رهينة أميركي- إسرائيلي بخان يونس في فبراير (شباط) 2025 (رويترز)
أفراد من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» خلال تسليم رهينة أميركي- إسرائيلي بخان يونس في فبراير (شباط) 2025 (رويترز)

ذكرت هيئة البث الإسرائيلية العامة (كان)، مساء الأحد، أن إسرائيل وافقت، أخيراً، على دخول الشركة الأميركية المكلَّفة من قِبل «مجلس السلام» إلى قطاع غزة، خلال الأيام القليلة المقبلة، لبدء خطوات تتعلق بمواقع يُفترض أن تسلِّم حركة «حماس» سلاحها فيها.

وقالت في تقرير مساء الأحد، إن الشركة «ستبدأ في البحث، ومسح عدة مواقع، يمكن لـ(حماس) تسليم البنادق والأسلحة فيها، لإتلافها». وأكدت أن تسليم سلاح «حماس» يعد من النقاط الرئيسية في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وحسب التقرير، سيدخل فريق الشركة الأميركية إلى مواقع تخضع للسيطرة الإسرائيلية في منطقتَي رفح وخان يونس جنوبي قطاع غزة، على أن يُجري مسحاً ميدانياً «لتحديد مجمعات تضمن وصول الغزيين المسلحين إليها، وذلك تحت (إشراف أمني) ما من الجيش الإسرائيلي».

ولم تُحدَّد بعد آلية التسليم، وكيف سيُسلِّم مسلحو الحركة في غزة سلاحهم «من دون أن يشكلوا تهديداً لقوات الجيش الإسرائيلي».

وقال مسؤول أمني وصفه التقرير برفيع المستوى، إن واشنطن «تمارس ضغوطاً شديدة على إسرائيل للمضي قدماً في الخطة، رغم تشاؤم إسرائيل بشأن نجاحها، ورغم إعلان (حماس) ظاهرياً نيتها التخلي عن السلاح، إلا أنها في الواقع تعيد بناء قوتها في القطاع».

وتروِّج أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية -وفق التقرير- أن حركة «حماس» تكثِّف استعداداتها لاحتمال تجدد القتال في قطاع غزة، مستغلة الفترة الحالية لإعادة بناء قدراتها وتجميع السلاح، على أساس تقدير لدى الحركة بأن إسرائيل لن تحصل قبل الانتخابات الإسرائيلية والأميركية على ضوء أخضر أميركي، للعودة إلى العمليات العسكرية الواسعة في القطاع.

وكانت صحيفة «معاريف» قد نشرت الاثنين الماضي أن «صورة استخباراتية عُرضت على المستوى السياسي الإسرائيلي، تشير إلى أن (حماس) تعمل على تخزين السلاح ونقله، في إطار استعدادها لاحتمال تغيُّر الظروف السياسية بعد الانتخابات، واتساع هامش العمل العسكري الإسرائيلي في غزة».


زيتون جنوب لبنان في مرمى النيران الإسرائيلية

مزارعون لبنانيون يقطفون الزيتون في قرية «زوطر الغربية» جنوب لبنان بالقرب من قرية «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)
مزارعون لبنانيون يقطفون الزيتون في قرية «زوطر الغربية» جنوب لبنان بالقرب من قرية «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)
TT

زيتون جنوب لبنان في مرمى النيران الإسرائيلية

مزارعون لبنانيون يقطفون الزيتون في قرية «زوطر الغربية» جنوب لبنان بالقرب من قرية «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)
مزارعون لبنانيون يقطفون الزيتون في قرية «زوطر الغربية» جنوب لبنان بالقرب من قرية «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)

حوّل الاستهداف الإسرائيلي لمؤهل أول متقاعد في الجيش اللبناني أثناء تفقده منزله وكرم الزيتون في بلدة ياطر، الأحد، موسم القطاف في جنوب لبنان إلى عنوان جديد للمخاطر التي تواجه المزارعين عند الوصول إلى أراضيهم. وتتزامن الحادثة مع استمرار حرمان أهالي قرى حدودية من مواسمهم منذ نحو ثلاث سنوات، ومع شكوى أمام القضاء الفرنسي تتهم الجيش الإسرائيلي باقتلاع نحو 600 شجرة زيتون معمّرة في زوطر الشرقية، في وقت يحذّر مسؤولون محليون من تداعيات اقتصادية واجتماعية تتجاوز خسارة المحاصيل.

استهداف أثناء تفقد الأرض

أعلن الجيش اللبناني، الأحد، مقتل المؤهل الأول المتقاعد علي عبد الحسن سويدان، وهو في العقد السابع من العمر، إثر استهدافه مباشرة بدبابة إسرائيلية أثناء تفقد ممتلكاته في بلدة ياطر بقضاء بنت جبيل، مشيراً إلى أن وحدة عسكرية واكبت سحب جثمانه بعد فقدان الاتصال به. وأوضحت بلدية ياطر أنه كان يتفقد منزله وكرم الزيتون على أطراف البلدة عندما تعرَّض للقصف من ناحية صربين، محذّرة الأهالي من بلوغ الأطراف غير الآمنة.

وتعيد الحادثة إلى الواجهة الصعوبات التي تعترض الوصول إلى الحقول في موسم اعتادت فيه العائلات التوجه إلى كرومها لجمع المحصول، بعدما صار الانتقال إلى أجزاء من الأراضي الزراعية محفوفاً بمخاطر أمنية متواصلة.

متطوعون من محافظة عكار (أقصى شمال لبنان) ومدينة صيدا يشاركون في مبادرة لقطف الزيتون بقرية جبشيت الجنوبية 11 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

600 شجرة في دعوى قضائية

في باريس تقدّم رجل أعمال فرنسي من أصل لبناني، يبلغ 37 عاماً، بشكوى ضد مجهولين في 22 سبتمبر (أيلول)، يتهم فيها الجيش الإسرائيلي باقتلاع نحو 600 شجرة زيتون من أرض عائلته في زوطر الشرقية. وحسب ما أعلنه محاموه ونقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، فإن بعض الأشجار يبلغ عمرها نحو 500 عام، وتزرع العائلة الأرض منذ 250 عاماً.

وتتناول الشكوى اتهامات بالسرقة والتدمير والإضرار بالممتلكات بوصفها جرائم حرب محتملة، في حين يشتبه مقدّمها في نقل الأشجار إلى إسرائيل من دون ثبوت ذلك قضائياً. ويقول إن منزل عائلته دُمّر بغارة إسرائيلية في أبريل (نيسان)، قبل اقتلاع الأشجار بعد سيطرة القوات الإسرائيلية على المنطقة.

نصف الحقول خارج متناول أصحابها

يقول رئيس بلدية رميش حنا العميل لـ«الشرق الأوسط»: «منذ بداية الحرب، قبل نحو ثلاث سنوات، حُرمنا من الوصول إلى جزء كبير من حقول الزيتون؛ لأن معظمها يقع بمحاذاة الحدود، حيث لا تتوافر الظروف الأمنية التي تسمح للأهالي بالوصول إليها وقطاف محاصيلها. وحتى اليوم، لا نعرف ما إذا كنا سنتمكن من قطاف الزيتون هذا العام، خصوصاً أننا لم نبدأ الموسم بعد، ولا تزال المخاطر الأمنية تحول دون الوصول إلى الأراضي».

ويوضح أن «نحو ثلاثة أرباع أراضي رميش تقع بمحاذاة الحدود، وأكثر من 50 في المائة من حقول الزيتون لم يتمكن أصحابها من قطافها طوال السنوات الثلاث الماضية»، لافتاً إلى أن «استمرار هذا الواقع يحرم العائلات من مورد رزق أساسي، في وقت تعاني فيه البلدة أوضاعاً اقتصادية بالغة الصعوبة نتيجة الحرب وتوقف الكثير من الأعمال».

متطوعون من محافظة عكار (أقصى شمال لبنان) ومدينة صيدا في مبادرة تضامنية لقطاف الزيتون بقرية جبشيت الجنوبية 11 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

ويضيف أن «الخسائر الزراعية لا تقتصر على الزيتون، بل تشمل أيضاً زراعة التبغ، التي تشكل النشاط الزراعي الأول في رميش، تليها زراعة الزيتون»، موضحاً أن «إنتاج التبغ هذا العام بلغ نحو 60 في المائة مما كان عليه قبل الحرب؛ ما يعني خسارة جزء كبير من المداخيل التي كانت تعتمد عليها العائلات».

وشدد العميل على أن «علاقة أبناء الجنوب بشجرة الزيتون تتجاوز قيمتها المادية ومردودها الاقتصادي، فهي جزء من تاريخنا وارتباطنا بأرضنا. زرعها أجدادنا، وواصل آباؤنا الاعتناء بها، ونحن نكمل هذه المسيرة، ونريد أن نورّثها لأبنائنا وأحفادنا ليواصلوا الاهتمام بها. إنها شجرة مباركة ورمز للسلام، فضلاً عن كونها مصدر رزق تنتظره عائلات كثيرة، خصوصاً في هذه الظروف الصعبة».

ويحذر العميل من التداعيات الاقتصادية المحتملة مع اقتراب انتهاء مهمة «يونيفيل»، قائلاً: «نعيش وضعاً اقتصادياً سيئاً جداً، وما يقلقنا أكثر هو المستقبل. نحن اليوم غير قادرين على استثمار أراضينا الزراعية، ومع انتهاء مهمة (يونيفيل)، نخشى أن يتدهور الوضع الاقتصادي أكثر فأكثر، وأن ينعكس ذلك سلباً على صمود الأهالي، وصولاً إلى نزوح اقتصادي يضطر فيه السكان إلى مغادرة بلداتهم بحثاً عن مصادر رزق».

امرأة لبنانية تقطف الزيتون في قرية «زوطر الغربية» بجنوب لبنان بالقرب من «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)

ذاكرة عائلات وأجيال

ويؤكد رئيس بلدية زوطر الشرقية محمد إسماعيل لـ«الشرق الأوسط» أن «أشجار الزيتون في البلدة ليست مجرد أشجار أو مصدر رزق، بل هي تراث وتاريخ وذكريات أجيال، تحتضن الروابي والحقول، وتظلّل أزقة زوطر، وتنشر نسمات باردة تخفف من قيظ الصيف»، مشيراً إلى أنها «تشكل مصدر رزق للأهالي، ويستمد منها جزء كبير من أبناء البلدة حطب التدفئة».

ويقول إن «موسم قطاف الزيتون يشكل مناسبة سنوية تجتمع فيها العائلات بأكملها، كباراً وصغاراً، ليس لجمع المحصول فحسب، بل لتجديد الصلة بالأرض والأجداد الذين زرعوا هذه الأشجار واعتنوا بها، ولإبقاء الذاكرة المتوارثة بين الأجيال حية».

ويضيف: «اليوم، يأتي المحتل لينزع منا الروح، وليقطع صلتنا بالتاريخ والأجداد والحياة. يريد أن يمحو أثر الحياة من نفوسنا وعقولنا، وأن يمسح من ذاكرتنا عبقها»، عادَّاً أن «ما يجري لا يقتصر على اقتلاع الأشجار، بل هو اقتلاع للقلوب من الصدور، ومحاولة لاقتلاع ذاكرة الأهالي وارتباطهم بأرضهم»، ومؤكداً: «لن ننسى، لن نستسلم. سنعود ونعيد الحياة إلى قريتنا، وبدل الشجرة سنزرع عشر أشجار».

الزيتون جزء من الهوية

يقول نائب رئيس بلدية ياطر إبراهيم سويدان لـ«الشرق الأوسط» إن «كروم الزيتون أصبحت جزءاً من هوية الجنوب، وشجرة الزيتون ليست مجرد شجرة بالنسبة إلى الجنوبي، بل هي جزء من هويته وانتمائه إلى أرضه»، عادَّاً أن «أكبر دليل على هذا التعلّق هو عودة الجنوبيين إلى قراهم ومنازلهم، رغم الظروف الأمنية الصعبة، وإصرارهم على البقاء فيها والتمسك بأرضهم».

مزارع لبناني يعرض ثمار الزيتون التي تم قطفها بقرية «زوطر الغربية» جنوب لبنان بالقرب من قرية «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)

ويرى أن «استهداف أشجار الزيتون واقتلاعها يحمل دلالات تتجاوز الأضرار الزراعية المباشرة؛ إذ إن الانتقام من شجرة الزيتون هو في جوهره استهداف لما تمثّله من رمزية وهوية وانتماء».

ويشير سويدان إلى أن «بلدة ياطر تعرَّضت خلال العدوان الأخير لدمار كبير طال المؤسسات والمرافق العامة، وبينها مبنى البلدية والمدرسة والمنشآت الاجتماعية وقاعات المناسبات، فضلاً عن منظومات الطاقة الشمسية وشبكة الكهرباء التي تعرضت لأضرار واسعة»، عادَّاً أن «استهداف الأراضي الزراعية والمرافق العامة والمنازل يندرج في سياق واحد، يقوم على ضرب مقوّمات بقاء السكان في قراهم، ومحاولة المساس بكل ما يربط الجنوبي بأرضه وهويته».

ويشدد على أن «أهالي الجنوب أثبتوا، رغم الاعتداءات والدمار والظروف الأمنية الصعبة، أنهم متمسكون بأرضهم وقراهم، وأن لديهم من الصمود والتعلّق بأرضهم وهويتهم ما يكفي لمواجهة هذه الظروف والاستمرار فيها».


السلطات اللبنانية تضبط مجدداً مواد متفجرة مهرّبة من سوريا

صورة من المواد المتفجرة التي ضبطها الجيش اللبناني (صفحة الجيش على «إكس»)
صورة من المواد المتفجرة التي ضبطها الجيش اللبناني (صفحة الجيش على «إكس»)
TT

السلطات اللبنانية تضبط مجدداً مواد متفجرة مهرّبة من سوريا

صورة من المواد المتفجرة التي ضبطها الجيش اللبناني (صفحة الجيش على «إكس»)
صورة من المواد المتفجرة التي ضبطها الجيش اللبناني (صفحة الجيش على «إكس»)

أعلن الجيش اللبناني، الاثنين، ضبط مواد متفجرة بزنة نحو مئتي كيلوغرام في شرق البلاد، مهرّبة من سوريا المجاورة، وذلك بعد ساعات من تأكيد رئيس الحكومة نواف سلام، أن السلطات ستتعامل بحزم مع أي سلاح خارج إطار الشرعية، على خلفية ضبط شحنة أخرى قبل أيام يُشتبه بارتباطها بجماعة «حزب الله»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهي المرة الثالثة التي تُحبط فيها السلطات اللبنانية تهريب مواد متفجرة شديدة الانفجار منذ مطلع الشهر الحالي. وتمّ في المرّة الأولى توقيف رجلين مرتبطين بـ«حزب الله» خلال العملية.

وفي بيان بعد ظهر الاثنين، أعلن الجيش اللبناني أنه ضبط «في منطقة القصر في الهرمل (شرق) نحو مئتي كيلوغرام من المواد المتفجرة، موضّبة داخل أكياس ومعدّة للتهريب من الأراضي السورية إلى الأراضي اللبنانية».

وذكر البيان أن المهرّبين تمكّنوا من الفرار إلى داخل الأراضي السورية.

وقال مصدر قضائي لوكالة الصحافة الفرنسية إن المواد المتفجرة، وهي من «مادة (سي فور) كانت تُنقل بواسطة حمار عبر معبر غير شرعي في بلدة القصر».

وسبق للجيش اللبناني أن أعلن مطلع الشهر الحالي ضبط ربع طن من مادة «تي إن تي» الشديدة الانفجار، بعد تهريبها من الجانب السوري، مشيراً أيضاً إلى فرار المهربين إلى سوريا.

وأفاد مصدر قضائي لبناني «وكالة الصحافة الفرنسية»، السبت، بأن القوات الأمنية في منطقة ضهر البيدر على الطريق الدولي المؤدي إلى سوريا، أوقفت، الخميس، رجلين يُشتبه بانتمائهما إلى «حزب الله» في أثناء نقلهما 500 كيلوغرام من المواد المتفجرة، موزَّعة بين «250 كيلوغراماً من المتفجرات من نوع (تي إن تي)، و250 كيلوغراماً من نوع (سي فور) الشديد الانفجار».

وعلّق رئيس الحكومة نواف سلام، الاثنين، على هذه العملية التي تمّ خلالها ضبط «مئات الكيلوغرامات من المواد المتفجرة» على متن شاحنة، وقال في منشور على منصة «إكس»، «لن نتهاون في متابعة التحقيق والتوسّع فيه، للوصول إلى تحديد هوية كل المتورطين في هذه العملية الإجرامية، ومن وراءهم، والكشف عن مخططاتهم وأهدافهم» ومقاضاتهم.

وأضاف أن حكومته «ستتعامل بالحزم المطلوب مع أي سلاح خارج إطار الشرعية، حيازةً ونقلاً واستخداماً».

وأقرّت الحكومة اللبنانية عام 2024 خطة لنزع سلاح «حزب الله» وكلّفت الجيش بتنفيذها.

ويعمل الجانبان، اللبناني والسوري، على ضبط التهريب عبر حدودهما المشتركة الممتدة على طول 330 كيلومتراً، والتي تضم عشرات المعابر غير الشرعية.

واعتمد مجلس الاتحاد الأوروبي، الاثنين، قراراً بإنشاء بعثة دعم تابعة للاتحاد الأوروبي في لبنان، على أن تُقدِّم، وفق ما أورد في بيان، «المشورة والمساعدة للقوات المسلحة اللبنانية وقوى الأمن الداخلي لتعزيز سيطرتها على أراضيها وأمن الحدود، والأمن الداخلي».