واشنطن تصعّد ضد طهران بعد «يأسها» من إمكانية إقناعها بتغيير سلوكها

حراك يقطع الطريق على إيران ويلزم إسرائيل الاعتراف بـ«دولة فلسطينية»

القصف الأميركي الأخير على بغداد الذي استهدف قياديين من الميليشيات المدعومة من طهران (آ ب)
القصف الأميركي الأخير على بغداد الذي استهدف قياديين من الميليشيات المدعومة من طهران (آ ب)
TT

واشنطن تصعّد ضد طهران بعد «يأسها» من إمكانية إقناعها بتغيير سلوكها

القصف الأميركي الأخير على بغداد الذي استهدف قياديين من الميليشيات المدعومة من طهران (آ ب)
القصف الأميركي الأخير على بغداد الذي استهدف قياديين من الميليشيات المدعومة من طهران (آ ب)

مع تزايد الكلام عن اتجاه إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن للاعتراف بـ«دولة فلسطينية»، بدا أن حراكاً دبلوماسياً تساهم فيه دول عدة، على رأسها بريطانيا، في طريقه للتحول إلى دينامية مختلفة تسهم بتغيير أولويات «اتفاق أوسلو»، الذي كان يحيل هذا الاعتراف إلى نهاية العملية التفاوضية بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ومع استمرار المفاوضات لإطلاق الرهائن بين إسرائيل و«حماس» والتوصل إلى هدنة مديدة، تزايد الأمل بقرب الإعلان عن وقف إطلاق النار، بما ينهي الحرب في غزة. وفي الوقت عينه، عدّت الضربات غير المسبوقة بشدتها، التي وجهتها الولايات المتحدة إلى ميليشيات طهران، تغيراً مهماً في سياسات واشنطن تجاه القيادة الإيرانية، ما قد يؤشر إلى أن السماح لها بمواصلة التنصل من مسؤوليتها عن «التخريب» الذي تمارسه عبر ميليشياتها في المنطقة، في طريقه ليصبح أكثر كلفة وصعوبة عليها. فهل اقترب الإعلان عن وقف لإطلاق النار في غزة، بما يمهد لخطوة الاعتراف بـ«دولة فلسطينية»، على الرغم من كل الأسئلة حول تفاصيلها، من الحدود مروراً بالشكل، وصولاً إلى السلطة التي ستحكمها، ومَن سيعيد بناء قطاع غزة الذي بات «منطقة غير قابلة للحياة»، وفق الأمم المتحدة؟

أمن البحر الأحمر ... وكيفية التعامل مع الحوثيين (آف ب)

نشرت صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية مقالة للصحافي توماس فريدمان عن «استراتيجية جديدة» من 3 مسارات، سماها كاتبها «عقيدة بايدن»، لمعالجة الحرب المتعددة الجبهات التي تشمل غزة وإيران وإسرائيل والمنطقة.

على المسار الأول، سيكون اتخاذ موقف قوي وحازم تجاه إيران، بما في ذلك الانتقام العسكري القوي من وكلائها وعملائها في المنطقة، رداً على الهجمات التي تُشَن على القوات الأميركية.

وعلى المسار الثاني ستكون هناك مبادرة دبلوماسية أميركية غير مسبوقة للترويج لـ«دولة فلسطينية الآن» تكون منزوعة السلاح، إذ يتشاور مسؤولو إدارة بايدن مع خبراء داخل الحكومة الأميركية وخارجها، حول الأشكال المختلفة التي قد يتخذها هذا الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

وعلى المسار الثالث، بناء تحالف أمني أميركي إقليمي موسّع إلى حد كبير، إذا تبنّت الحكومة الإسرائيلية عملية دبلوماسية تؤدي إلى دولة فلسطينية بقيادة سلطة فلسطينية متغيرة. ويرى فريدمان أنه إذا تمكّنت الإدارة من جمع تطبيق هذه المسارات الثلاثة معاً، وهو أمر ضخم، فإن «عقيدة بايدن» يمكن أن تصبح أكبر إعادة تنظيم استراتيجي في المنطقة منذ «معاهدة كامب ديفيد» عام 1979.

من جهة ثانية، حسب تقرير لموقع «أكسيوس»، طلب وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن من مساعديه «طرح خيارات بشأن إمكانية اعتراف أميركي ودولي بدولة فلسطينية منزوعة السلاح»، ما يفتح الباب أمام إعادة المضي في التطبيع بين إسرائيل والدول العربية. وهذا ما أوضحه، الثلاثاء الماضي، جون كيربي، الناطق باسم مجلس الأمن القومي، عندما ادعى أن إدارة بايدن «تلقت رداً إيجابياً يفيد باستعداد السعودية وإسرائيل لمواصلة المناقشات الخاصة بتطبيع العلاقات بينهما». وعدّ ذلك استجابة لاستعداد واشنطن للاعتراف بدولة فلسطينية، قد يكون بحثه الوزير بلينكن خلال جولته الخامسة إلى المنطقة.

ويشير الموقع، إلى «وجود ثلاثة خيارات ممكنة أمام واشنطن؛ هي: الاعتراف بدولة فلسطين بشكل ثنائي، أو الإحجام عن عرقلة تصويت مجلس الأمن على قبول فلسطين عضواً دائماً في الأمم المتحدة، أو تشجيع دول أخرى على الاعتراف بفلسطين».

التطبيع مقابل «الدولة الفلسطينية»

غير أن المملكة العربية السعودية شدّدت الأربعاء الماضي، على أن أي تطبيع مع إسرائيل مشروط بالاعتراف بدولة فلسطين، سواءً من قبل واشنطن أو تل أبيب. وأبلغت الرياض موقفها للإدارة الأميركية، وجوهره أنه لن تكون هناك علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ما لم يتحقق الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وليس الاعتراف بدولة «حكم ذاتي». وهو ما عُدّ رداً أيضاً على رفض إيران القبول بـ«حل الدولتين»، ما يضعها في حالة مساواة مع رفض إسرائيل الاعتراف بهذا الحل، رغم اختلاف أهدافهما.

ريتشارد غولدبيرغ، كبير الباحثين في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» في واشنطن، المحسوبة على الجمهوريين والقريبة من إسرائيل، يرى أن التطبيع السعودي الإسرائيلي «لا يزال يحمل القدرة على إحداث تغيير جذري في الأساسيات في الشرق الأوسط وفي جميع أنحاء العالم الإسلامي». وأردف خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» قائلاً: «لقد علمتنا اتفاقيات إبراهيم أن السلام العربي الإسرائيلي أمرٌ لا مفر منه. أما بالنسبة للفلسطينيين، فإن السلطة الفلسطينية تجاوزت حد الانهيار. وستكون ثمة حاجة إلى حملة ضغط هادئة، ولكن قوية، من جانب الدول العربية لفرض إصلاحات كبيرة في رام الله، (في إشارة إلى السلطة الفلسطينية) كي يتبلور طريق قابل للتطبيق لتحقيق السلام الإسرائيلي الفلسطيني»!

غير أن التحليلات أعلاه، عن «إعادة التفكير» الجارية في واشنطن، تشير من جهة إلى تغير في تعاملها مع تهديدات طهران ومساعيها لإخراج القوات الأميركية من المنطقة... والتصدي لترهيب الحلفاء عبر وكلائها، ومن جهة أخرى إلى الضغط على حكومة بنيامين نتنياهو للقبول بحل الدولتين وبناء سلطة فلسطينية برعاية عربية وإقليمية.

«التغير الأميركي»... هل هو حقيقي؟

مع هذا، يعتقد البعض أنه لا يوجد تغيير حقيقي في «الستاتس كو» (الوضع الراهن) القائم، سواءً بالنسبة إلى إيران أو إلى أهداف الحرب في غزة والعملية السياسية التي يجري الترويج لها.

وهنا يقول غولدبيرغ: «نحن نشهد السياسة نفسها فيما يتعلق بالدور الإيراني... فما يجري هو تكثيف للهجمات على الميليشيات العربية ولكن بلا أي ضغط على إيران. بل على العكس من ذلك، فإننا نشهد مواصلة واشنطن تخفيف العقوبات عن طهران، وتأكيدات متكرّرة من إدارة بايدن أن إيران ليست هدفاً». ومن ثم، يرى الباحث الأميركي «وجود سياسة واضحة تتمثل في الإحجام عن أي شيء من شأنه إثارة أزمة نووية محتملة... حتى لو أدت هذه السياسة إلى زيادة الإرهاب في المنطقة».

وحقاً، يكرّر المسؤولون الأميركيون، وعلى رأسهم الرئيس جو بايدن، التأكيد على «أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى حرب مع إيران»، رداً على الهجمات المميتة الأخيرة التي استهدفت القوات الأميركية في الأردن. إلا أن حجم الضربات الأخيرة واستمرارها وشدّتها، فضلاً عن مداها، الذي شمل العراق وسوريا واليمن، رأى فيها العديد من المراقبين رسالة واضحة تنم عن «يأس» إدارة بايدن من إمكانية إقناع طهران بتغيير سلوكها، رغم نَسْبها إلى «أسباب انتخابية»، يسعى من خلالها بايدن إلى تحسين صورته «المنحازة» إلى إسرائيل، و«تهاونه» مع سلوك طهران وطموحاتها.

«السعودية تشترط دولة فلسطينية مستقلة، للتطبيع مع إسرائيل»

حذر إيران... وارتباك ساحاتها

في المقابل، فإن رد فعل طهران «الحذر» على هذا «التغير» الأميركي عكس تخوفاً حقيقياً، لا يمكن تجاهله، من إمكانية تعرّضها لهجوم مباشر عالي التكلفة بالنسبة لها. وظهر ذلك من خلال سحبها مستشاريها من كل من العراق وسوريا، وتشديدها على «استقلالية» ميليشياتها.

كذلك مع استبعاد طهران من المفاوضات الجارية، سواءً حول تبادل الرهائن بين إسرائيل و«حماس»، أو مستقبل الأراضي الفلسطينية، رأى متابعون أن دورها بات «تخريب» التسويات، في ظل خسارتها «ورقة» قطاع غزة، والفلسطينيين عموماً، على أمل الحصول على تنازلات من واشنطن.

ولكن، بالتوازي مع حرص إدارة بايدن على تحاشي توسيع الصراع في المنطقة، تواصل السلطات الإيرانية توتير الجبهات في مواجهة استبعادها بوصفها طرفاً لم تعترف واشنطن بأي دور له في المرحلة المقبلة. وهي لا تزال تمتنع عن تقديم أي «صفقة»، سواءً عبر رفع العقوبات عنها، أو حسم مصير ملفها النووي، أو الاعتراف بنفوذها في المنطقة، أو إشراكها في أي ترتيبات دولية وإقليمية بعد انتهاء الحرب في غزة.

كل هذا عمّق، بحسب عدد من المتابعين، ارتباك «الساحات» التي تسيطر عليها طهران، من العراق إلى سوريا واليمن، مروراً بلبنان. وكشفت الهجمات الأميركية المستمرة في العراق، ليس فقط عن «أزمة» بين مكوّناته السياسية والطائفية والمناطقية على خلفية المطالبة بانسحاب القوات الأميركية، بل أيضاً عن مخاوف طهران، من عجزها عن إدارته إذا حصل هذا الانسحاب.

وفضلاً عن أن المطالبة بانسحاب القوات الأميركية، تُعدّ خيار حكومة تسيطر عليها الفصائل الموالية لإيران لا خيار جميع المكوّنات العراقية، فهي تُعد أيضاً اختباراً لطهران التي يجب أن تحسم ما إذا كانت قادرة على ملء الفراغ بكل جوانبه وتعقيداته... وجاهزة له.

وللعلم، واشنطن كانت قد أوضحت أن انسحابها لن يكون «بلا ثمن»، مع ما يعنيه هذا من ضغط سيقع على الحكومة العراقية لتبرير ازدواجية التشكيلات العسكرية فيه، فضلاً عن الضغط الاقتصادي والمالي الذي بدأته مبكراً واشنطن عبر فرضها عقوبات وحصاراً مالياً على عدة بنوك عراقية، مُتهمة بتبييض الأموال لمصلحة إيران ومساعدتها في التهرّب من العقوبات.

أما عن سوريا، فإنها بدأت تشهد حراكاً جدياً في أجهزتها الأمنية وسط تكاثر الكلام عن «تململ» في صفوفها من السيطرة الإيرانية. ولقد نظر متابعون إلى المواجهات والاعتقالات التي نفذتها تلك الأجهزة لميليشيات مدعومة من إيران بعدّها تغييراً في «نظرة» دمشق لمستقبل علاقتها بطهران، وبخاصة بعدما ظهر حجم الانكشاف الأمني... جراء الهجمات الإسرائيلية المتتالية، وعمليات الاغتيال التي طالت «مستشارين» إيرانيين كباراً. بل، وترافق هذا مع كلام عن اعتراضات روسية متنامية على دور ميليشيات إيران في سوريا، وتأثيرها على دور موسكو المستقبلي في هذا البلد، بعدما لمست استقواء طهران بمأزقها في حربها المستمرة في أوكرانيا.

بلينكن مع نتنياهو... التشاور مستمر (رويترز)

تغيير الموقف من الحوثيين هو الأكبر

إلا أن التغيير الأكبر قد يكون الموقف الأميركي من ميليشيا الحوثيين في اليمن، حيث سيسري قرار إعادة تصنيفهم «منظمة إرهابية»، يوم 16 من الشهر الحالي. ومع تحميل الحوثيين وإيران المسؤولية عن «عسكرة البحر الأحمر»، وفق تصريحات تيم ليندركينغ، المبعوث الأميركي الخاص إلى اليمن، لـ«الشرق الأوسط»، يخاطر الحوثيون بتدمير قدراتهم العسكرية، ما قد يضعف، ليس فقط قدرة طهران على استخدامهم، بل وقدرة هذه الميليشيات نفسها على إمساكها بالمناطق التي تسيطر عليها، والإطاحة بالعملية السياسية لوضع حد للحرب في اليمن. فحسب ليندركينغ «إيران تشكل تهديداً كبيراً»، واصفاً إمداد الحوثيين بالمال والسلاح لمهاجمة السفن بأنه «ملائم للغاية لأجندة إيران» التي تتصرف من أجل «زعزعة الاستقرار»، وسلوكها ليس «سلوك عضو في المجتمع الدولي».

هذا، ومع تصاعد الأضرار من الهجمات التي يشنها الحوثيون في البحر الأحمر «نصرة لغزة»، توسعت لائحة المتضررين أيضاً، وعلى رأسهم الصين. ومع أن بكين لا تزال تحاول الاستفادة من تلك الضربات للنيل من هيبة الولايات المتحدة في المنطقة، فإن «حرب غزة» وتداعياتها، كشفت عن عجز دولي غير مسبوق في التأثير على مجريات الأحداث في الشرق الأوسط، من الصين إلى روسيا ودول «البريكس»، وغيرها من الداعين لبناء نظام دولي جديد.

وسواءً كان ذلك نتيجة للحرب الأوكرانية، أو لأزمات الصين البنيوية المتصاعدة - من إفلاس شركة إيفرغرين العقارية العملاقة... إلى تراجع نموها الاقتصادي وعجزها عن الحصول على التقنيات المتقدمة من الولايات المتحدة - يبدو أن الميل لوقف «التخريب» الإيراني في البحر الأحمر، هو الذي قد يفرض على طهران إعادة حساباتها.

الخطة القطرية ــ المصرية ــ الأميركية... «المتعثرة»

مع «تعثر» الخطة التي قدمها الوسطاء القطريون والمصريون والأميركيون، جدّدت إسرائيل، بلسان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، إصرارها على مواصلة حربها ضد «حماس» حتى «تحقيق النصر». وجاء هذا بعدما نشرت وسائل إعلام عدة رد «حماس» الذي اقترحت فيه وقفاً لإطلاق النار من 3 مراحل، كل مرحلة مدتها 45 يوماً على مدى 135 يوماً، وتتضمن تبادلاً للرهائن الإسرائيليين بسجناء فلسطينيين.المرحلة الأولى تقترح «تبادل السجناء الفلسطينيين والإفراج عن بعض الرهائن الإسرائيليين من غير العسكريين، وتسليم المساعدات الإنسانية، والسماح بإعادة بناء المستشفيات ومخيمات اللجوء وخروج القوات البرية الإسرائيلية من المناطق السكنية».وتقترح المرحلة الثانية «إطلاق سراح جميع الرهائن الإسرائيليين مقابل عدد معين من السجناء الفلسطينيين، وانسحاب كامل للقوات الإسرائيلية من غزة».وفي المرحلة الثالثة تطالب «حماس» بإعادة إعمار غزة و«ضمان» الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية، وتبادل الرفات والجثث.إسرائيل -عبر نتنياهو- عدّت شروط «حماس» انسحاب القوات الإسرائيلية نصراً لمحاولات طهران تخريب أي اتفاق لا تشارك فيه، وقد ركز نتنياهو على أن الجيش الإسرائيلي لن يعود من قطاع غزة «حتى تحقيق النصر»، وأنه أمره بمباشرة عملية عسكرية في رفح. غير أن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، قال مخالفاً، إنه لا يزال هناك «مكان لاتفاق» بين إسرائيل وحركة «حماس». وأردف: «نعتقد أن ذلك يُفسح مكاناً للتوصل إلى اتفاق، ونحن نعمل على ذلك من دون كلل حتى التوصل إليه... على الرغم من وجود أمور من الواضح أنها غير مقبولة في رد (حماس)».من جانب آخر، رغم تحذير بلينكن لرئيس الوزراء الإسرائيلي وحكومته من «أفعال تؤجج التوترات»، وأن الأولوية في مدينة رفح هي للمدنيين، لوحظ أنه لم يدعُ إلى وقف تنفيذ العملية فيها. بل كل ما قاله: «إن أي عملية عسكرية تنفّذها إسرائيل يجب أن تأخذ المدنيين في الاعتبار، أولاً وقبل كل شيء!»، مما يشير إلى أن التوصل إلى وقف لإطلاق النار لا يزال بعيد المنال.وهنا، يحذّر غولدبيرغ من الخلط بين التزام إسرائيل بإعادة الرهائن... وقرار إنهاء أي شكل من أشكال سيطرة «حماس» على قطاع غزة. ويضيف أنه «مع استمرار سيطرة (حماس) على رفح وأجزاء من خان يونس، وإفلات يحيى السنوار من القتل أو الأسر، فإن الأهداف العسكرية الإسرائيلية لم تتحقق بعد». لكنه مع هذا يعتقد أن واشنطن ستضغط من أجل إنهاء الحرب، رغم صعوبة موافقة إسرائيل على ذلك.

تدنّي السقف السياسي الفلسطيني

غيث العمري، الباحث بمعهد واشنطن للشرق الأدنى، يعد أن الكلام عن الاعتراف بدولة فلسطينية، وبناء سلطة فلسطينية ذات صدقية وشرعية، تستطيع «في يوم من الأيام» أن تحكم غزة والضفة الغربية بشكل فعّال، «لا يزال مجرد فكرة لم تتبلور بوصف ذلك اقتراحا رسميا، وتواجه الكثير من التحديات». وتابع العمري في حديث سابق مع «الشرق الأوسط»، أن «السلطة الفلسطينية ضعيفة للغاية وفقدت مصداقيتها، بحيث لا يمكنها أن تلعب أي دور في غزة في الوقت الحالي. وبناءً على ذلك، يُعوّل على الدور الدولي لإعادة تأهيلها. ولهذا السبب تحدث الوزير بلينكن عن السلطة الفلسطينية المعاد تنشيطها».غير أن مراقبين يرون أن تدّني السقف السياسي الفلسطيني، الذي يواصل انخفاضه، منذ توقيع «اتفاق أوسلو»، قد يحدّ من شروط نشوء «الدولة الفلسطينية الموعودة» وحدودها وحيثيتها. وحقاً، يعكس هذا «التدني» أيضاً مدى التلاعب الأميركي المترافق الآن مع ما عُد تواطؤاً من قبل واشنطن على تقويض دور الأمم المتحدة. ويأتي هذا التواطؤ ليس فقط انتقاماً من قرار «محكمة العدل الدولية» بعد حكمها بوجود شبهة إبادة جماعية ترتكبها إسرائيل في غزة، بل وتقويض وكالة «الأونروا»، التي يتجاوز دورها تقديم المساعدات الإنسانية للفلسطينيين، عبر إبقاء حق العودة للاجئين الموزّعين في دول الجوار حياً، الأمر الذي تسعى إسرائيل إلى إنهائه.


مقالات ذات صلة

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)
حصاد الأسبوع خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب

«الشرق الأوسط» ( واشنطن)
حصاد الأسبوع 
مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)

سانشيز يضع مدريد في مواجهة مباشرة مع واشنطن

عندما وقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على مدخل مقر رئاسة الحكومة في الرابع من هذا الشهر ليقول إن موقف بلاده من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران

شوقي الريّس ( مدريد)
حصاد الأسبوع سانشيز يخطب امام البرلمان (آ ف ب)

سانشيز يراهن على المشاعر وتعاطف الحلفاء والأصدقاء

لا يغيب عن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن الخروج عن «بيت الطاعة» الأميركي في ظل إدارة دونالد ترمب، تترتب عليه تكلفة باهظة. إلا أنه يدرك أيضاً أن له


الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.