واشنطن تصعّد ضد طهران بعد «يأسها» من إمكانية إقناعها بتغيير سلوكها

حراك يقطع الطريق على إيران ويلزم إسرائيل الاعتراف بـ«دولة فلسطينية»

القصف الأميركي الأخير على بغداد الذي استهدف قياديين من الميليشيات المدعومة من طهران (آ ب)
القصف الأميركي الأخير على بغداد الذي استهدف قياديين من الميليشيات المدعومة من طهران (آ ب)
TT

واشنطن تصعّد ضد طهران بعد «يأسها» من إمكانية إقناعها بتغيير سلوكها

القصف الأميركي الأخير على بغداد الذي استهدف قياديين من الميليشيات المدعومة من طهران (آ ب)
القصف الأميركي الأخير على بغداد الذي استهدف قياديين من الميليشيات المدعومة من طهران (آ ب)

مع تزايد الكلام عن اتجاه إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن للاعتراف بـ«دولة فلسطينية»، بدا أن حراكاً دبلوماسياً تساهم فيه دول عدة، على رأسها بريطانيا، في طريقه للتحول إلى دينامية مختلفة تسهم بتغيير أولويات «اتفاق أوسلو»، الذي كان يحيل هذا الاعتراف إلى نهاية العملية التفاوضية بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ومع استمرار المفاوضات لإطلاق الرهائن بين إسرائيل و«حماس» والتوصل إلى هدنة مديدة، تزايد الأمل بقرب الإعلان عن وقف إطلاق النار، بما ينهي الحرب في غزة. وفي الوقت عينه، عدّت الضربات غير المسبوقة بشدتها، التي وجهتها الولايات المتحدة إلى ميليشيات طهران، تغيراً مهماً في سياسات واشنطن تجاه القيادة الإيرانية، ما قد يؤشر إلى أن السماح لها بمواصلة التنصل من مسؤوليتها عن «التخريب» الذي تمارسه عبر ميليشياتها في المنطقة، في طريقه ليصبح أكثر كلفة وصعوبة عليها. فهل اقترب الإعلان عن وقف لإطلاق النار في غزة، بما يمهد لخطوة الاعتراف بـ«دولة فلسطينية»، على الرغم من كل الأسئلة حول تفاصيلها، من الحدود مروراً بالشكل، وصولاً إلى السلطة التي ستحكمها، ومَن سيعيد بناء قطاع غزة الذي بات «منطقة غير قابلة للحياة»، وفق الأمم المتحدة؟

أمن البحر الأحمر ... وكيفية التعامل مع الحوثيين (آف ب)

نشرت صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية مقالة للصحافي توماس فريدمان عن «استراتيجية جديدة» من 3 مسارات، سماها كاتبها «عقيدة بايدن»، لمعالجة الحرب المتعددة الجبهات التي تشمل غزة وإيران وإسرائيل والمنطقة.

على المسار الأول، سيكون اتخاذ موقف قوي وحازم تجاه إيران، بما في ذلك الانتقام العسكري القوي من وكلائها وعملائها في المنطقة، رداً على الهجمات التي تُشَن على القوات الأميركية.

وعلى المسار الثاني ستكون هناك مبادرة دبلوماسية أميركية غير مسبوقة للترويج لـ«دولة فلسطينية الآن» تكون منزوعة السلاح، إذ يتشاور مسؤولو إدارة بايدن مع خبراء داخل الحكومة الأميركية وخارجها، حول الأشكال المختلفة التي قد يتخذها هذا الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

وعلى المسار الثالث، بناء تحالف أمني أميركي إقليمي موسّع إلى حد كبير، إذا تبنّت الحكومة الإسرائيلية عملية دبلوماسية تؤدي إلى دولة فلسطينية بقيادة سلطة فلسطينية متغيرة. ويرى فريدمان أنه إذا تمكّنت الإدارة من جمع تطبيق هذه المسارات الثلاثة معاً، وهو أمر ضخم، فإن «عقيدة بايدن» يمكن أن تصبح أكبر إعادة تنظيم استراتيجي في المنطقة منذ «معاهدة كامب ديفيد» عام 1979.

من جهة ثانية، حسب تقرير لموقع «أكسيوس»، طلب وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن من مساعديه «طرح خيارات بشأن إمكانية اعتراف أميركي ودولي بدولة فلسطينية منزوعة السلاح»، ما يفتح الباب أمام إعادة المضي في التطبيع بين إسرائيل والدول العربية. وهذا ما أوضحه، الثلاثاء الماضي، جون كيربي، الناطق باسم مجلس الأمن القومي، عندما ادعى أن إدارة بايدن «تلقت رداً إيجابياً يفيد باستعداد السعودية وإسرائيل لمواصلة المناقشات الخاصة بتطبيع العلاقات بينهما». وعدّ ذلك استجابة لاستعداد واشنطن للاعتراف بدولة فلسطينية، قد يكون بحثه الوزير بلينكن خلال جولته الخامسة إلى المنطقة.

ويشير الموقع، إلى «وجود ثلاثة خيارات ممكنة أمام واشنطن؛ هي: الاعتراف بدولة فلسطين بشكل ثنائي، أو الإحجام عن عرقلة تصويت مجلس الأمن على قبول فلسطين عضواً دائماً في الأمم المتحدة، أو تشجيع دول أخرى على الاعتراف بفلسطين».

التطبيع مقابل «الدولة الفلسطينية»

غير أن المملكة العربية السعودية شدّدت الأربعاء الماضي، على أن أي تطبيع مع إسرائيل مشروط بالاعتراف بدولة فلسطين، سواءً من قبل واشنطن أو تل أبيب. وأبلغت الرياض موقفها للإدارة الأميركية، وجوهره أنه لن تكون هناك علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ما لم يتحقق الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وليس الاعتراف بدولة «حكم ذاتي». وهو ما عُدّ رداً أيضاً على رفض إيران القبول بـ«حل الدولتين»، ما يضعها في حالة مساواة مع رفض إسرائيل الاعتراف بهذا الحل، رغم اختلاف أهدافهما.

ريتشارد غولدبيرغ، كبير الباحثين في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» في واشنطن، المحسوبة على الجمهوريين والقريبة من إسرائيل، يرى أن التطبيع السعودي الإسرائيلي «لا يزال يحمل القدرة على إحداث تغيير جذري في الأساسيات في الشرق الأوسط وفي جميع أنحاء العالم الإسلامي». وأردف خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» قائلاً: «لقد علمتنا اتفاقيات إبراهيم أن السلام العربي الإسرائيلي أمرٌ لا مفر منه. أما بالنسبة للفلسطينيين، فإن السلطة الفلسطينية تجاوزت حد الانهيار. وستكون ثمة حاجة إلى حملة ضغط هادئة، ولكن قوية، من جانب الدول العربية لفرض إصلاحات كبيرة في رام الله، (في إشارة إلى السلطة الفلسطينية) كي يتبلور طريق قابل للتطبيق لتحقيق السلام الإسرائيلي الفلسطيني»!

غير أن التحليلات أعلاه، عن «إعادة التفكير» الجارية في واشنطن، تشير من جهة إلى تغير في تعاملها مع تهديدات طهران ومساعيها لإخراج القوات الأميركية من المنطقة... والتصدي لترهيب الحلفاء عبر وكلائها، ومن جهة أخرى إلى الضغط على حكومة بنيامين نتنياهو للقبول بحل الدولتين وبناء سلطة فلسطينية برعاية عربية وإقليمية.

«التغير الأميركي»... هل هو حقيقي؟

مع هذا، يعتقد البعض أنه لا يوجد تغيير حقيقي في «الستاتس كو» (الوضع الراهن) القائم، سواءً بالنسبة إلى إيران أو إلى أهداف الحرب في غزة والعملية السياسية التي يجري الترويج لها.

وهنا يقول غولدبيرغ: «نحن نشهد السياسة نفسها فيما يتعلق بالدور الإيراني... فما يجري هو تكثيف للهجمات على الميليشيات العربية ولكن بلا أي ضغط على إيران. بل على العكس من ذلك، فإننا نشهد مواصلة واشنطن تخفيف العقوبات عن طهران، وتأكيدات متكرّرة من إدارة بايدن أن إيران ليست هدفاً». ومن ثم، يرى الباحث الأميركي «وجود سياسة واضحة تتمثل في الإحجام عن أي شيء من شأنه إثارة أزمة نووية محتملة... حتى لو أدت هذه السياسة إلى زيادة الإرهاب في المنطقة».

وحقاً، يكرّر المسؤولون الأميركيون، وعلى رأسهم الرئيس جو بايدن، التأكيد على «أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى حرب مع إيران»، رداً على الهجمات المميتة الأخيرة التي استهدفت القوات الأميركية في الأردن. إلا أن حجم الضربات الأخيرة واستمرارها وشدّتها، فضلاً عن مداها، الذي شمل العراق وسوريا واليمن، رأى فيها العديد من المراقبين رسالة واضحة تنم عن «يأس» إدارة بايدن من إمكانية إقناع طهران بتغيير سلوكها، رغم نَسْبها إلى «أسباب انتخابية»، يسعى من خلالها بايدن إلى تحسين صورته «المنحازة» إلى إسرائيل، و«تهاونه» مع سلوك طهران وطموحاتها.

«السعودية تشترط دولة فلسطينية مستقلة، للتطبيع مع إسرائيل»

حذر إيران... وارتباك ساحاتها

في المقابل، فإن رد فعل طهران «الحذر» على هذا «التغير» الأميركي عكس تخوفاً حقيقياً، لا يمكن تجاهله، من إمكانية تعرّضها لهجوم مباشر عالي التكلفة بالنسبة لها. وظهر ذلك من خلال سحبها مستشاريها من كل من العراق وسوريا، وتشديدها على «استقلالية» ميليشياتها.

كذلك مع استبعاد طهران من المفاوضات الجارية، سواءً حول تبادل الرهائن بين إسرائيل و«حماس»، أو مستقبل الأراضي الفلسطينية، رأى متابعون أن دورها بات «تخريب» التسويات، في ظل خسارتها «ورقة» قطاع غزة، والفلسطينيين عموماً، على أمل الحصول على تنازلات من واشنطن.

ولكن، بالتوازي مع حرص إدارة بايدن على تحاشي توسيع الصراع في المنطقة، تواصل السلطات الإيرانية توتير الجبهات في مواجهة استبعادها بوصفها طرفاً لم تعترف واشنطن بأي دور له في المرحلة المقبلة. وهي لا تزال تمتنع عن تقديم أي «صفقة»، سواءً عبر رفع العقوبات عنها، أو حسم مصير ملفها النووي، أو الاعتراف بنفوذها في المنطقة، أو إشراكها في أي ترتيبات دولية وإقليمية بعد انتهاء الحرب في غزة.

كل هذا عمّق، بحسب عدد من المتابعين، ارتباك «الساحات» التي تسيطر عليها طهران، من العراق إلى سوريا واليمن، مروراً بلبنان. وكشفت الهجمات الأميركية المستمرة في العراق، ليس فقط عن «أزمة» بين مكوّناته السياسية والطائفية والمناطقية على خلفية المطالبة بانسحاب القوات الأميركية، بل أيضاً عن مخاوف طهران، من عجزها عن إدارته إذا حصل هذا الانسحاب.

وفضلاً عن أن المطالبة بانسحاب القوات الأميركية، تُعدّ خيار حكومة تسيطر عليها الفصائل الموالية لإيران لا خيار جميع المكوّنات العراقية، فهي تُعد أيضاً اختباراً لطهران التي يجب أن تحسم ما إذا كانت قادرة على ملء الفراغ بكل جوانبه وتعقيداته... وجاهزة له.

وللعلم، واشنطن كانت قد أوضحت أن انسحابها لن يكون «بلا ثمن»، مع ما يعنيه هذا من ضغط سيقع على الحكومة العراقية لتبرير ازدواجية التشكيلات العسكرية فيه، فضلاً عن الضغط الاقتصادي والمالي الذي بدأته مبكراً واشنطن عبر فرضها عقوبات وحصاراً مالياً على عدة بنوك عراقية، مُتهمة بتبييض الأموال لمصلحة إيران ومساعدتها في التهرّب من العقوبات.

أما عن سوريا، فإنها بدأت تشهد حراكاً جدياً في أجهزتها الأمنية وسط تكاثر الكلام عن «تململ» في صفوفها من السيطرة الإيرانية. ولقد نظر متابعون إلى المواجهات والاعتقالات التي نفذتها تلك الأجهزة لميليشيات مدعومة من إيران بعدّها تغييراً في «نظرة» دمشق لمستقبل علاقتها بطهران، وبخاصة بعدما ظهر حجم الانكشاف الأمني... جراء الهجمات الإسرائيلية المتتالية، وعمليات الاغتيال التي طالت «مستشارين» إيرانيين كباراً. بل، وترافق هذا مع كلام عن اعتراضات روسية متنامية على دور ميليشيات إيران في سوريا، وتأثيرها على دور موسكو المستقبلي في هذا البلد، بعدما لمست استقواء طهران بمأزقها في حربها المستمرة في أوكرانيا.

بلينكن مع نتنياهو... التشاور مستمر (رويترز)

تغيير الموقف من الحوثيين هو الأكبر

إلا أن التغيير الأكبر قد يكون الموقف الأميركي من ميليشيا الحوثيين في اليمن، حيث سيسري قرار إعادة تصنيفهم «منظمة إرهابية»، يوم 16 من الشهر الحالي. ومع تحميل الحوثيين وإيران المسؤولية عن «عسكرة البحر الأحمر»، وفق تصريحات تيم ليندركينغ، المبعوث الأميركي الخاص إلى اليمن، لـ«الشرق الأوسط»، يخاطر الحوثيون بتدمير قدراتهم العسكرية، ما قد يضعف، ليس فقط قدرة طهران على استخدامهم، بل وقدرة هذه الميليشيات نفسها على إمساكها بالمناطق التي تسيطر عليها، والإطاحة بالعملية السياسية لوضع حد للحرب في اليمن. فحسب ليندركينغ «إيران تشكل تهديداً كبيراً»، واصفاً إمداد الحوثيين بالمال والسلاح لمهاجمة السفن بأنه «ملائم للغاية لأجندة إيران» التي تتصرف من أجل «زعزعة الاستقرار»، وسلوكها ليس «سلوك عضو في المجتمع الدولي».

هذا، ومع تصاعد الأضرار من الهجمات التي يشنها الحوثيون في البحر الأحمر «نصرة لغزة»، توسعت لائحة المتضررين أيضاً، وعلى رأسهم الصين. ومع أن بكين لا تزال تحاول الاستفادة من تلك الضربات للنيل من هيبة الولايات المتحدة في المنطقة، فإن «حرب غزة» وتداعياتها، كشفت عن عجز دولي غير مسبوق في التأثير على مجريات الأحداث في الشرق الأوسط، من الصين إلى روسيا ودول «البريكس»، وغيرها من الداعين لبناء نظام دولي جديد.

وسواءً كان ذلك نتيجة للحرب الأوكرانية، أو لأزمات الصين البنيوية المتصاعدة - من إفلاس شركة إيفرغرين العقارية العملاقة... إلى تراجع نموها الاقتصادي وعجزها عن الحصول على التقنيات المتقدمة من الولايات المتحدة - يبدو أن الميل لوقف «التخريب» الإيراني في البحر الأحمر، هو الذي قد يفرض على طهران إعادة حساباتها.

الخطة القطرية ــ المصرية ــ الأميركية... «المتعثرة»

مع «تعثر» الخطة التي قدمها الوسطاء القطريون والمصريون والأميركيون، جدّدت إسرائيل، بلسان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، إصرارها على مواصلة حربها ضد «حماس» حتى «تحقيق النصر». وجاء هذا بعدما نشرت وسائل إعلام عدة رد «حماس» الذي اقترحت فيه وقفاً لإطلاق النار من 3 مراحل، كل مرحلة مدتها 45 يوماً على مدى 135 يوماً، وتتضمن تبادلاً للرهائن الإسرائيليين بسجناء فلسطينيين.المرحلة الأولى تقترح «تبادل السجناء الفلسطينيين والإفراج عن بعض الرهائن الإسرائيليين من غير العسكريين، وتسليم المساعدات الإنسانية، والسماح بإعادة بناء المستشفيات ومخيمات اللجوء وخروج القوات البرية الإسرائيلية من المناطق السكنية».وتقترح المرحلة الثانية «إطلاق سراح جميع الرهائن الإسرائيليين مقابل عدد معين من السجناء الفلسطينيين، وانسحاب كامل للقوات الإسرائيلية من غزة».وفي المرحلة الثالثة تطالب «حماس» بإعادة إعمار غزة و«ضمان» الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية، وتبادل الرفات والجثث.إسرائيل -عبر نتنياهو- عدّت شروط «حماس» انسحاب القوات الإسرائيلية نصراً لمحاولات طهران تخريب أي اتفاق لا تشارك فيه، وقد ركز نتنياهو على أن الجيش الإسرائيلي لن يعود من قطاع غزة «حتى تحقيق النصر»، وأنه أمره بمباشرة عملية عسكرية في رفح. غير أن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، قال مخالفاً، إنه لا يزال هناك «مكان لاتفاق» بين إسرائيل وحركة «حماس». وأردف: «نعتقد أن ذلك يُفسح مكاناً للتوصل إلى اتفاق، ونحن نعمل على ذلك من دون كلل حتى التوصل إليه... على الرغم من وجود أمور من الواضح أنها غير مقبولة في رد (حماس)».من جانب آخر، رغم تحذير بلينكن لرئيس الوزراء الإسرائيلي وحكومته من «أفعال تؤجج التوترات»، وأن الأولوية في مدينة رفح هي للمدنيين، لوحظ أنه لم يدعُ إلى وقف تنفيذ العملية فيها. بل كل ما قاله: «إن أي عملية عسكرية تنفّذها إسرائيل يجب أن تأخذ المدنيين في الاعتبار، أولاً وقبل كل شيء!»، مما يشير إلى أن التوصل إلى وقف لإطلاق النار لا يزال بعيد المنال.وهنا، يحذّر غولدبيرغ من الخلط بين التزام إسرائيل بإعادة الرهائن... وقرار إنهاء أي شكل من أشكال سيطرة «حماس» على قطاع غزة. ويضيف أنه «مع استمرار سيطرة (حماس) على رفح وأجزاء من خان يونس، وإفلات يحيى السنوار من القتل أو الأسر، فإن الأهداف العسكرية الإسرائيلية لم تتحقق بعد». لكنه مع هذا يعتقد أن واشنطن ستضغط من أجل إنهاء الحرب، رغم صعوبة موافقة إسرائيل على ذلك.

تدنّي السقف السياسي الفلسطيني

غيث العمري، الباحث بمعهد واشنطن للشرق الأدنى، يعد أن الكلام عن الاعتراف بدولة فلسطينية، وبناء سلطة فلسطينية ذات صدقية وشرعية، تستطيع «في يوم من الأيام» أن تحكم غزة والضفة الغربية بشكل فعّال، «لا يزال مجرد فكرة لم تتبلور بوصف ذلك اقتراحا رسميا، وتواجه الكثير من التحديات». وتابع العمري في حديث سابق مع «الشرق الأوسط»، أن «السلطة الفلسطينية ضعيفة للغاية وفقدت مصداقيتها، بحيث لا يمكنها أن تلعب أي دور في غزة في الوقت الحالي. وبناءً على ذلك، يُعوّل على الدور الدولي لإعادة تأهيلها. ولهذا السبب تحدث الوزير بلينكن عن السلطة الفلسطينية المعاد تنشيطها».غير أن مراقبين يرون أن تدّني السقف السياسي الفلسطيني، الذي يواصل انخفاضه، منذ توقيع «اتفاق أوسلو»، قد يحدّ من شروط نشوء «الدولة الفلسطينية الموعودة» وحدودها وحيثيتها. وحقاً، يعكس هذا «التدني» أيضاً مدى التلاعب الأميركي المترافق الآن مع ما عُد تواطؤاً من قبل واشنطن على تقويض دور الأمم المتحدة. ويأتي هذا التواطؤ ليس فقط انتقاماً من قرار «محكمة العدل الدولية» بعد حكمها بوجود شبهة إبادة جماعية ترتكبها إسرائيل في غزة، بل وتقويض وكالة «الأونروا»، التي يتجاوز دورها تقديم المساعدات الإنسانية للفلسطينيين، عبر إبقاء حق العودة للاجئين الموزّعين في دول الجوار حياً، الأمر الذي تسعى إسرائيل إلى إنهائه.


مقالات ذات صلة

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حصاد الأسبوع حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

تزداد القناعة لدى قطاعات واسعة من الليبيين بأن بلادهم عالقة في دوامة بالغة التعقيد، بين فوضى أمنية تتفاوض فيها التشكيلات المسلحة بالنار، وتتجاذب النفوذ على

علاء حموده (القاهرة)
حصاد الأسبوع مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً

خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

لم يصل خافيير بيسيرا إلى صدارة السباق على حاكمية ولاية كاليفورنيا الأميركية بوصفه المرشح الأكثر شهرة أو صاحب البرنامج الأكثر صخباً. إذ انتزع المركز الأول

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع ريغان (آ ب)

من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

تعاقب على كاليفورنيا منذ عقد الستينات حكّام من الحزبين ترك كل منهم تعريفاً مختلفاً لدور الولاية وحدود السلطة التنفيذية. وتُظهر القائمة التاريخية الرسمية أن

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع أحد الأسواق في وسط العاصمة التونسية (غيتي)

الاقتصاد التونسي... صمود تحت ثقل الديون

بدأت تونس النصف الثاني من 2026 وسط تباين التقييمات لأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية وانعكاساتها السياسية والأمنية. فالحكومة ترى في تحسن عدد من المؤشرات المالية

كمال بن بونس (تونس)
حصاد الأسبوع صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على

رائد جبر (موسكو)

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
TT

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)

تزداد القناعة لدى قطاعات واسعة من الليبيين بأن بلادهم عالقة في دوامة بالغة التعقيد، بين فوضى أمنية تتفاوض فيها التشكيلات المسلحة بالنار، وتتجاذب النفوذ على ممرات التهريب وتجارة المخدّرات والهجرة غير النظامية، وبين «مبادرة أميركية» تستهدف إنهاء الانقسام في بلد أنهكته الصراعات منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011. في الساحل الغربي الليبي، بات مشهداً متكرراً أن تتراجع الحلول السياسية وتخفت أصوات الحوار أمام تمدد الفوضى الأمنية. وهذا المشهد وصفته المبعوثة الأممية هانا تيتيه، بلغة دبلوماسية هادئة، بأنه «هشّ»، في ظل تنافس جماعات مسلحة على النفوذ والموارد، وانخراط بعضها في أنشطة «غير مشروعة»، بما يضاعف تعقيدات المشهد ويبدد فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة.

تبدو مدينة الزاوية، بشمال غربي ليبيا، مرآة تعكس جانباً من واقع البلاد؛ إذ باتت الاشتباكات بين التشكيلات النافذة فيها مشهداً مألوفاً اعتاده السكان، حتى «تحوّل ليلهم إلى نهار»، بحسب الناشط المدني عبد الرحمن شعيب، في وصفه لأحدث موجة من الاشتباكات التي اندلعت في الثالث من أغسطس (آب) الحالي داخل مناطق سكنية في الزاوية وصرمان، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى.

استهداف مرافق النفط

ولم يتوقف أثر هذا الانفلات عند حدود الأمن، بل امتد إلى ما يُعرف بـ«قوت الليبيين»، في إشارة إلى النفط، مصدر الدخل الرئيس للدولة؛ إذ كان استخدام «طائرات مسيّرة» في استهداف مصفاة الزاوية ومنشآت حيوية فيها، تطوراً نوعياً في المشهد الأمني، أثار مخاوف من أن تتحوّل الهجمات هذه إلى ورقة ضغط تهدد أحد أهم مصادر الإيرادات، وتفتح الباب أمام اضطراب أوسع في إنتاج النفط وتصديره.

وحقاً، لا يبدو أن ما شهدته الزاوية مرشح للبقاء معزولاً عن محيطها؛ حيث يحذّر باحثون من انتقال نمط الفوضى نفسه إلى مدن أخرى في غرب ليبيا، وصولاً إلى العاصمة طرابلس، في ظل استمرار غياب احتكار الدولة لأدوات القوة. وهذه أيضاً رؤية الباحث العسكري محمد الترهوني، الذي حذّر من أن هذا الواقع قد يتكرّر بصورة «أكثر قسوة»، ما دامت أدوات الإكراه والقوة لا تزال موزعة بين فصائل مسلحة خارج السيطرة الكاملة لمؤسسات الدولة.

تحت وطأة هذا المشهد، يستحضر ليبيون لقاءات متكرّرة جمعت رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة ومستشاره للأمن القومي إبراهيم الدبيبة بعدد من قادة التشكيلات المسلحة البارزين. وتحوّلت صور هذه اللقاءات، التي تداولتها صفحات ليبية على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى مادة للنقاش بشأن طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية في طرابلس والتشكيلات المسلحة النافذة.

إرث أمني «ثقيل»!

في معرض الدفاع عن الحكومة، يقول مؤيدو الدبيبة إنها «تسلمت إرثاً أمنياً مثقلاً بواقع ميليشياوي»، ما فرض عليها في بعض المراحل عقد تفاهمات مؤقتة مع القوى المسلحة لتجنب صدامات أوسع. لكن عضو «المجلس الأعلى للدولة» أبو القاسم قزيط يُحمّل «الوحدة الوطنية» جانباً من المسؤولية عن تنامي نفوذ هذه التشكيلات خلال السنوات الماضية، قائلاً إنها «دعمتها بالمال والسلاح، وعقدت معها تفاهمات مؤقتة أسهمت في تعاظم قوتها»، ومعتبراً أن الحكومة لم تمتلك «الإرادة السياسية الكافية» لتفكيك التشكيلات المنفلتة.

مع هذا، يميز قزيط بين التشكيلات المسلحة، فيرى أن «بعضها تحوّل إلى قوى عسكرية وأمنية شبه نظامية تتمتع بقدر من التراتبية والانضباط، ويمكن أن تشكل نواة يمكن البناء عليها في إطار أي ترتيبات أمنية مقبلة، بدلاً من التعامل معها جميعاً باعتبارها كتلة واحدة».

ومن قلب هذا التعقيد، يطرح خالد الترجمان، أمين سر «المجلس الانتقالي الليبي» السابق ورئيس «مجموعة العمل الوطني»، سؤالاً يتجاوز حدود المشهد الأمني الراهن، وهو: هل تمتلك الولايات المتحدة والدول المنخرطة في الملف الليبي جدية حقيقية لنزع سلاح التشكيلات المسلحة في غرب البلاد؟ أم أن أي مبادرة سياسية ستظل رهينة موازين القوة التي تفرضها هذه التشكيلات على الأرض؟

مع بقاء ليبيا رهينة لنفوذ المسلحين وانتظار حل يضع حداً لأوجاع الليبيين تظل الأنظار معلقة بحلول دولية طال انتظارها

وضع شرقي ليبيا

وفي شرق البلاد، حيث تفرض قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر حالة من الاستقرار الأمني النسبي منذ سنوات، لم يكن المشهد بمنأى عن المفاجآت الأمنية. فقد أدى انفجار عبوة ناسفة إلى مقتل مدير الاستخبارات العسكرية اللواء فوزي المنصوري ببنغازي في 10 أغسطس (آب) الحالي، في حادثة أعادت إلى الواجهة تساؤلات بشأن احتمال وجود «خلايا نائمة» لمسلحين أو متطرّفين في شرق البلاد وجنوبها، قادرة على استغلال أي ثغرات أمنية لضرب شخصيات ومؤسسات عسكرية وأمنية.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية أكبر في ظل تحذيرات سابقة من استمرار مخاطر الخلايا المسلحة والمتطرفة، وهو ما أشار إليه رئيس الأركان العامة بـ«الجيش الوطني» الفريق خالد حفتر، في وقت مبكّر، بما يعكس أن الهدوء الأمني الذي يميّز شرق ليبيا لا يعني بالضرورة انحسار التهديدات.

حلول دولية طال انتظارها

بالتالي، مع بقاء ليبيا رهينة لنفوذ المسلحين، وانتظار حل يضع حداً لأوجاع الليبيين، تظل الأنظار معلقة بحلول دولية طال انتظارها، بعدما عجزت المسارات الداخلية عن إنهاء الانقسام، وسط تحرّك الأطراف المتنازعة إقليمياً ودولياً. ومن بين هذه الحلول «مبادرة أميركية» يقودها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، وتستهدف التوصل إلى صيغة لتقاسم السلطة بين طرفي الصراع في البلاد.

بنود التفاوض بشأن هذه المبادرة لا تزال طي الكتمان، الأمر الذي دفع البعض إلى وصفها بـ«الصفقة» لا «المبادرة»، في ظل محدودية ما كُشف عنها حتى الآن، والذي لم يتجاوز مقترحاً بتولي صدام حفتر، نجل قائد «الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي، بالتزامن مع تشكيل حكومة موحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

وللعلم، دأب بولس على إبراز ما يعدّها «نجاحات» حقّقها حراكه الدبلوماسي منذ صيف العام الماضي، وتوجّت في أبريل (نيسان) هذا العام سواءً في التوصل إلى اتفاق لتوحيد الميزانية للمرة الأولى منذ 13 سنة، أو في جمع قوتين عسكريتين من شرقي البلاد وغربها في مناورة مشتركة بمدينة سرت. غير أن المبادرة لا تزال تواجه رفضاً صارماً من أطراف في الغرب الليبي، ولا سيما في مدينة مصراتة، مسقط رأس الدبيبة، بما تتمتع به مصراتة من ثقل عسكري، إلى جانب مدن وقوى أخرى ترى أن الترتيبات المطروحة لا تحقّق توازناً مقبولاً بين أطراف المشهد السياسي، وتحذّر من مخاطر ما تصفه بـ«عسكرة الدولة».

عضو المجلس الأعلى للدولة قزيط جدد هذا الموقف، قائلاً إن المبادرة «ليست فقط متعثرة، وإنما تحمل في طياتها أسباب تعثرها»، ومشيراً إلى أن الغموض الذي يكتنف مسارها وتفاعلاتها يزيد من «التساؤلات والشكوك» حول فرص نجاحها ومآلاتها.

مبادرة وإشكاليات

تطرح المبادرة، من منظور قزيط، إشكالية أعمق، مفادها أن «الحل نفسه قد يتحول أحياناً إلى عائق أمام الحل»؛ إذ يرى أن المبادرة التي يفترض أن تفتح الطريق أمام التسوية قد تتحول إلى عقبة في طريقها إذا أفضت إلى إعادة إنتاج توازنات القوى ذاتها التي أسهمت في تكريس حالة الانسداد السياسي القائمة.

ومقابل المتحمسين لـ«المبادرة الأميركية» الذين يرون فيها «الحل الواقعي» لوقف صراع دامَ سنوات أنهك الليبيين واستنزف طاقاتهم، يستند معارضوها، ومن بينهم قزيط، إلى أن التفاهمات بين طرفي الصراع الرئيسين «لن تقود بالضرورة إلى تسوية مستقرة»، خصوصاً مع تجاهل مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، وما تبقى من قوى وفعاليات سياسية وقبلية وبلديات ومكوّنات من المجتمع المدني وتشكيلات مسلحة فاعلة.

ومع أن شرق ليبيا قد يكون متّفقاً إلى حد كبير على تمثيل «الجيش الوطني» بقيادة المشير حفتر لها في هذه الترتيبات، فإن قزيط يرى أن «المنطقة الغربية ترفض بشكل واسع» تمثيل حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة لها، لا سيما في ظل المعارضة التي واجهتها حكومته في غرب البلاد خلال السنوات الأخيرة.

أيضاً، لا تقتصر الأصوات الرافضة أو المتحفّظة أو المتشكّكة في المبادرة على الداخل الليبي؛ إذ تمتد المخاوف إلى دوائر غربية لا تخفي قلقها من مآلات تحرك بولس. وهذا ما عكسه «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، الذي وصف المفاوضات بأنها بمثابة «أوكسجين سياسي» للنخب الليبية، التي قد تتعامل معها بوصفها فرصة لتحقيق «مكاسب شخصية وعائلية».

وفي هذه الأثناء، يحتفظ بعض الليبيين بقدر من التفاؤل المشروط بإمكان نجاح المبادرة، بينهم الناشط السياسي المقرّب من القيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، عمر بوسعيدة، الذي يرى أن «هناك زخماً دولياً وإقليمياً محيطاً بمبادرة المبعوث الأميركي مسعد بولس، وأدوات ضغط ونفوذاً اقتصادياً وسياسياً غير مسبوق».

ومع ذلك، ينتهي بوسعيدة إلى التحذير من أن هذا الزخم لن يكون كافياً لتجاوز العقبات المحلية وتوحيد السلطة التنفيذية ما لم تتبلور الإرادة الدولية بصورة كاملة، وتتمكّن الإدارة الأميركية وحلفاؤها من تحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات أمنية ومؤسسية مستدامة على الأرض. وبالتالي، إجراء الأطراف الليبية، الممثلة في «الجيش الوطني» وحكومة «الوحدة» مباحثات بين القاهرة وأنقرة وواشنطن وموسكو؛ سعياً للتوصل إلى تفاهمات تفضي إلى توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام السياسي والأمني.

15 سنة من الصراع على الشرعية السياسية في ليبيا

تسعى التحركات الدولية والأممية إلى إخراج ليبيا من دوامة المراحل الانتقالية وإنهاء حالة الانسداد السياسي، ويظل السؤال المحوري: هل تنجح البلاد في كسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها منذ عام 2011؟ هذا التساؤل الذي أثاره «المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية» قبل نحو أربع سنوات، ظل بلا إجابة حاسمة، متقاطعاً مع المعضلة الحقيقية المتمثلة في تراجع الثقة وغياب الضمانات اللازمة لحل الأزمة في ظل صراع قائم على الشرعية السياسية. يتجلى هذا المشهد في المسارات التي أعقبت إسقاط نظام معمر القذافي، حين تعاقبت صيغ سياسية متعددة؛ حملت كل منها وعداً بالوصول إلى دولة مستقرة ومؤسسات دائمة، غير أن كل تسوية كانت تنتهي قبل تحقيق غايتها، مفسحة المجال أمام صيغة انتقالية أخرى أكثر تعقيداً وأقل قدرة على توحيد البلاد. بدأت الرحلة مع «المجلس الوطني الانتقالي» الذي أدار البلاد عقب سقوط النظام السابق، قبل أن يسلّم السلطة إلى «المؤتمر الوطني العام» المنتخب في أغسطس (آب) 2012. وبدا ذلك الانتقال كأنه تأسيس سياسي جديد، لكنه أخفق في بناء مؤسسات قادرة على احتواء الخلافات. ومع انتخابات مجلس النواب عام 2014، دخلت الأزمة مرحلة جديدة بتدوير التنافس السياسي إلى انقسام مؤسسي بين حكومتين واقتتال أهلي، ليرسم الانقسام خريطة القوة بين شرق البلاد وغربها، ويغدو توحيد المؤسّسات شرطاً متكرّراً في كل تسوية وسبباً رئيساً لتعثرها. بعدها، جاء «اتفاق الصخيرات» بالمغرب في ديسمبر (كانون الأول) 2015 محاولةً لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات عبر حكومة «الوفاق الوطني». لكنه لم يُنهِ الانقسام، بل ظلت ترتيبات الحكم مرهونة بتوازنات القوى المسلحة والسياسية، ليبقى الاتفاق «معالجة انتقالية» لا تأسيساً لنظام مستقر. «حرب طرابلس» عام 2019 عكست حدود تلك التسويات، قبل أن يفتح اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 الطريق أمام مسار أممي جديد أسفر في فبراير (شباط) 2021 عن اختيار «سلطة تنفيذية مؤقتة»، تمثلت مهمتها الأساسية في إيصال البلاد إلى انتخابات وطنية بحلول نهاية ذلك العام. لقد كان مُفترضاً أن تشكّل انتخابات 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021 نقطة الخروج من المراحل الانتقالية، لكنها تعثرت نتيجة الخلافات حول القاعدة الدستورية وشروط الترشح ونزاهة المؤسسات المنظمة. ومنذ ذلك الحين، دخلت البلاد في دوامة مفتوحة بلا أفق محدد. وفي عام 2022، أدى ظهور حكومة منافسة في الشرق إلى إعادة إنتاج الانقسام التنفيذي، فيما واصلت المؤسسات السيادية والعسكرية عملها عبر ترتيبات متوازية، لـتتحول الانتخابات من أداة لإنهاء الانقسام إلى محور صراع حول شرعية إدارة الدولة. اليوم، تسعى المبعوثة الأممية هانا تيتيه إلى تعديل المعادلة عبر مسار يجمع بين إصلاح الإطار الانتخابي، وتوحيد المؤسسات، ومعالجة الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية. وعلى خط موازٍ، تتحرك واشنطن بشكل مباشر عبر مبادرة للحل، معتمدة على توحيد الحكومة والمؤسسات لتهيئة البيئة الملائمة للانتخابات. ويرهن مراقبون نجاح هذه التحركات بقدرة الأطراف الليبية والدولية على معالجة جذور المعضلة وصولاً إلى إنهاء الصراع الفردي على الشرعية السياسية، وإجراء الانتخابات العامة وإعادة السيادة للدولة.


خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
TT

خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً

لم يصل خافيير بيسيرا إلى صدارة السباق على حاكمية ولاية كاليفورنيا الأميركية بوصفه المرشح الأكثر شهرة أو صاحب البرنامج الأكثر صخباً. إذ انتزع المركز الأول في الانتخابات التمهيدية بنسبة 28 في المائة، مستفيداً من تفكّك مجموعة منافسيه وانسحاب أسماء كانت تتقدّمه، ثم وجد نفسه المرشح الديمقراطي في ولاية تميل بقوة إلى حزبه. إلا أن المفارقة أن الرجل الذي خدم نحو 35 سنة في مواقع تمتد من برلمان الولاية إلى الكونغرس ووزارة الصحة، لا يزال، في نظر كثيرين في ساكرامنتو، عاصمة كاليفورنيا، مجهولاً سياسياً: يعرفون سجلّه ولا يعرفون تماماً كيف سيحكم. هذه ليست مسألة أسلوب فقط. فحاكم كاليفورنيا المقبل سيرث رابع أكبر اقتصاد في العالم، لكنه سيرث أيضاً أزمة سكن وتأمين وطاقة وتشرّد، وقلقاً من الضرائب والقيود التنظيمية وهجرة السكان والأعمال. وبالتالي، سيُطلب من بيسيرا أن يحدّد ما إذا كان سيواصل نموذج الحاكم الديمقراطي الحالي غافين نيوسوم، أم يعيد توجيه الحزب الديمقراطي من المعارك الرمزية الكبرى إلى اختبار يومي أبسط وأقسى: هل تستطيع حكومة تقدمية جعل الحياة أقل كلفة من دون إضعاف القدرة التنافسية للولاية؟

وُلد خافيير بيسيرا في مدينة ساكرامنتو، العاصمة السياسية لولاية كاليفورنيا، عام 1958، وهو ثالث أربعة أبناء لعائلة عاملة محدودة الدخل.

كان والده مانويل قد وُلد أيضاً في ساكرامنتو، لكنه نشأ في مدينة تيخوانا المكسيكية الحدودية، في حين تربّت والدته ماريا تيريزا في مدينة غوادالاخارا، ثاني كبرى مدن المكسيك، قبل انتقالها إلى الولايات المتحدة.

ولقد عمل الأب عاملاً زراعياً في الحقول ثم في شق الطرق، وعملت الأم سكرتيرة. وبحسب السيرة الرسمية في مجلس النواب، عاش الأبناء في منزل صغير قرب حي لاند بارك، وكان خافيير أول فرد في العائلة يحصل على شهادة جامعية.

بداية الصعود والحياة الأسرية

تبدو قصة دخول خافيير جامعة ستانفورد الشهيرة أقرب إلى الحكايات الأميركية الكلاسيكية؛ إذ عثر على طلب التحاق فارغ كان صديق له يريد التخلّص منه، فملأه وقُبل.

وفي ستانفورد درس الاقتصاد وتخرّج عام 1980، ثم نال شهادة القانون من كلية الحقوق في الجامعة ذاتها، عام 1984. وهناك تعرّف إلى كارولينا رييس، التي أصبحت طبيبة وزوجته وأم بناتهما الثلاث. وبعد التخرّج انتقل إلى ولاية ماساتشوستس، في الجانب الآخر من أميركا، حيث كانت زوجته تدرس الطب في جامعة هارفارد، وعمل في مجال المساعدة القانونية، قبل أن يعود إلى كاليفورنيا مساعداً للسيناتور المحلي آرت توريس ثم نائباً للمدعي العام في الولاية.

هذه السيرة تمنح خافيير بيسيرا «لغة سياسية» تتجاوز الانتماء الإثني؛ فهو ابن عامل نقابي، وأول جامعي في أسرته، ومحام بدأ بخدمة محدودي الدخل. وكل هذه عناصر تفسر تركيزه الدائم على الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والهجرة، لكنها توفر له أيضاً مَدخلاً إلى ناخبين بيض ومستقلّين لا تتحرك خياراتهم على أساس الهويّة بقدر ما تتأثر بالطبقة والاستقرار الاقتصادي.

صعود بلا ضجيج

بدأ بيسيرا طريقه الانتخابية عام 1990 بمفاجأة تشبه فوزه الأخير؛ إذ دخل سباقاً على مقعد في برلمان كاليفورنيا وهو قليل الشهرة، وخاض حملة طرق أبواب مكّنته من التواصل مع الطبقة الوسطى اللاتينية والأحياء الأفقر في شرق لوس أنجليس، ففاز في الانتخابات التمهيدية بنسبة 35 في المائة. وبعد ولاية واحدة فقط، انتقل عام 1993 إلى مجلس النواب الأميركي ممثلاً إحدى مناطق مدينة لوس أنجليس، وبقي فيه 24 سنة.

في العاصمة واشنطن، بنى بيسيرا نفوذه بالتدرّج: ترأس كتلة النواب من أصول لاتينية، وأصبح أول لاتيني ينضم إلى لجنة الوسائل والموارد النافذة، ثم ترأس الكتلة الديمقراطية في مجلس النواب بين 2013 و2017. وبعدها اشتغل على الهجرة والضرائب والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، وكان قريباً من نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب، لكنه حرص على ألا يُختصر في قضايا اللاتينيين، قائلاً مبكراً إن مَن لديه مشكلة ضريبية أو صحية يجب أن يراه ممثلاً له أيضاً.

في الحقيقة، لم تكن الطريق سلسلة انتصارات متصلة. ففي 2001 جرّب العودة إلى السياسة المحلية مرشحاً لرئاسة بلدية لوس أنجليس، لكنه خسر في معركة تمهيدية مزدحمة. وعندما عرض عليه الرئيس باراك أوباما منصب الممثل التجاري الأميركي عام 2008، فضّل البقاء في مجلس النواب. ويكشف القراران عن سمتين لازمتاه: طموح يتجاوز المقعد النيابي، وحذر يجعله يختار توقيت انتقاله وموقع القوة الذي يريد أن ينطلق منه.

تعيينه محامياً عاماً

عام 2017، عيّنه الحاكم جيري براون مدعياً عاماً خلفاً لكامالا هاريس، ثم فاز بالمنصب انتخابياً. وهناك، تحوّل من مشرّع هادئ إلى أحد أبرز خصوم إدارة دونالد ترمب الأولى، فرفع أكثر من مائة دعوى في ملفات الهجرة والبيئة والرعاية الصحية والحقوق الإنجابية.

وفي عام 2021، اختاره الرئيس جو بايدن وزيراً للصحة والخدمات الإنسانية. وأشرف حينذاك على مرحلة الجائحة (كوفيد - 19) وتنفيذ توسيع التغطية الصحية، وعلى أول مفاوضات لخفض أسعار أدوية ضمن «ميديكير» بموجب قانون خفض التضخم.

لكن تجربته مع السلطة الفيدرالية تركت ظلالاً أيضاً؛ إذ اتهمه مسؤولون سابقون بالبطء وقلة الحضور خلال أزمات، ولاحقته انتقادات بشأن سرعة تسليم القاصرين المهاجرين غير المصحوبين إلى كفلاء لم يخضع بعضهم لتدقيق كافٍ. وهذه الانتقادات يرفضها بيسيرا ويعدُّها هو وحلفاؤه مُجحفة، غير أنها تضع أمامه سؤالاً مشروعاً: هل أسلوبه التشاوري الدقيق ميزة في إدارة مؤسسة ضخمة، أم هو تردّد لا تحتمله الأزمات؟

فوز بين الشقوق

تقول «بوليتيكو» إن بيسيرا لم يكن الخيار الأول لمعظم مراكز القوى في الحزب الديمقراطي؛ إذ أحجم كل من كامالا هاريس وأليكس باديّا عن خوض السباق، وانسحب إريك سوالويل بعد انهيار حملته، في حين أنفق الملياردير توم ستاير مبالغ طائلة ليحتلّ المساحة التقدمية بوعود تشمل الرعاية الصحية ذات الدافع الواحد وفرض ضرائب على المليارديرات وتفكيك احتكارات المرافق. أما بيسيرا فظهر بمظهر «اليد الثابتة» الموثوقة والبديل الأقل مخاطرة.

وفق النتائج الرسمية، نال بيسيرا 28 في المائة مقابل 24.6 في المائة للجمهوري ستيف هيلتون. وهذه نتيجة تمنحه بطاقة العبور، لا تفويضاً كاسحاً. لكنه خرج منها بميزة نادرة: لم يصل محمولاً على قائمة طويلة من التعهّدات أو مُرتهناً بالكامل للنقابات ومجموعات المصالح التي تأخرت في تأييده. وهذا يفسّر جانباً من حذَر ساكرامنتو؛ فالجهات النافذة لا تعرف بعد مَن سيختار لفريقه... ولا أي الملفات سيقدّم.

في المقابل، تبدو الانتخابات العامة أقل غموضاً؛ إذ أظهر استطلاع معهد بيركلي للدراسات الحكومية يوم 13 أغسطس (آب) تقدّمه على هيلتون بـ55 في المائة مقابل 37 في المائة. غير أن ضمان الفوز تقريباً قد يتحوّل إلى مشكلة حكم. ذلك أنه سيكون عليه أن يصنع تفويضه بعد الانتخابات، لا أن يزعم أن المعركة التمهيدية منحته إياه.

برنامج ينتظر التفاصيل

يردّ بيسيرا على من يسأله عما سيفعل بعبارة «انظروا إلى سجلّي!». وفي رد له على «بوليتيكو»، قال إنه يستطيع إطلاق وعود كبيرة، لكنه لا يريد الفوز بتعهّدات مضخّمة قد لا يستطيع تنفيذها.

في نظر مؤيديه، هذا انضباط اكتسبه بيسيرا من إدارة ملفات حياة أو موت إبان جائحة «كوفيد - 19»، أما في نظر منتقديه، فإنها طريقة لطيفة لتأجيل الخيارات الصعبة.

مع هذا، أجندة بيسيرا ليست فارغة. فهو يقترح تجميد زيادات أقساط التأمين على المنازل، وتحديد مشاريع إسكان جاهزة للبناء، ووضع خطة شاملة تجعل قدرة الأسرة المتوسطة على شراء المنزل المتوسط هدفاً قابلاً للقياس.

ثم إنه يتعهّد بالحفاظ على التغطية الصحية لملايين قد يتضرّرون من التخفيضات الفيدرالية، واستعادة تغطية مهاجرين غير موثقين قلّصها الحاكم الحالي نيوسوم، والتحرّك من ثم تدريجياً نحو نظام صحي شامل.

أيضاً طرح منح الأسر المنخفضة الدخل ساعتين مجانيتين من الكهرباء في منتصف النهار للاستفادة من فائض الطاقة الشمسية، مع تقدير وفر قد يصل إلى ألف دولار سنوياً للأسرة المستفيدة. وسيواصل وقف تنفيذ أحكام الإعدام، لكنه يلمّح إلى اختلافات مع نيوسوم. فهو، مثلاً يعارض السماح للشاحنات الذاتية القيادة بالعمل بلا سائق، بعدما قاوم الحاكم الحالي قيود النقابات عليها، وأبدى تردّداً أولياً قبل أن يؤيد إمكان تحقيق هدف وقف بيع السيارات الجديدة العاملة بالبنزين في 2035.

ويؤيد بيسيرا أيضاً رسماً على الشركات التي تدفع أجوراً منخفضة تجعل موظفيها مؤهلين للمساعدات العامة، وقد يستخدم عائداته لتمويل التغطية الصحية. لكن هذا يحتاج إلى أكثرية الثلثين في المجلس التشريعي، وقد يصطدم بغرفة تجارة كاليفورنيا التي أيدته.

هذه التناقضات هي جوهر امتحان بيسيرا الاقتصادي. فوفق معهد السياسات العامة في كاليفورنيا، بلغ اقتصاد الولاية 4.3 تريليون دولار عام 2025، لكنه نما منذ 2020 بوتيرة أبطأ من نمو اقتصاد كل من ولايتي تكساس وفلوريدا. وتفيد وزارة المال في الولاية بأن صافي الهجرة الداخلية سجّل خسارة قدرها 216 ألف شخص للسنة 2024 - 2025.

ويرى مراقبون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها، لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً. ولا يكفي لمواجهتها أن يعِد بيسيرا بجمع الأطراف حول الطاولة؛ عليه تحديد ما سيبسّطه، وما سيموّله، ومن سيدفع الثمن.

من الهوية إلى اختبار الحكم

في أي حال، إذا فاز بيسيرا فسيصبح أول لاتيني يُنتخب حاكماً لكاليفورنيا، وأول من يتولّى المنصب منذ روموالدو باتشيكو الذي شغله لعشرة أشهر عام 1875 بعد شغوره.

هنا للرمزية وزن واضح في ولاية يشكل فيها اللاتينيون 38 في المائة من البالغين، وقد خاطبهم بيسيرا بالإسبانية وعبر «تيك توك» تحت صورة «العم خافيير». لكنها ليست شيكاً انتخابياً مفتوحاً: اللاتينيون لا يمثلون سوى 29 في المائة من الناخبين المرجّح اقتراعهم، وقد حقّق الجمهوريون تقدماً بينهم في دورات أخيرة.

ولذا يحتاج بيسيرا إلى ائتلاف أوسع. وتظهر بيانات معهد السياسات العامة أن البيض يمثلون نصف الناخبين المرجح اقتراعهم، وأن 51 في المائة من المُستقلين يعدّون أنفسهم «معتدلين». وهنا قد يخدمه أسلوبه غير الاستعراضي وخلفيته العمالية، شرط أن يحوّل الاعتدال في النبرة إلى وضوح في النتائج. فالمستقل لا يطلب منه تقليد الجمهوريين، بل إثبات أن حماية المناخ والمهاجرين والعمال لا تعني تجاهل فاتورة الكهرباء أو عجز الأسرة عن شراء منزل.

بعض القراءات تلتقط، راهناً، تحولاً حقيقياً في مسار الحزب الديمقراطي؛ إذ ترى أن تركيزه على أسعار الدواء والإيجارات والخدمات المحلية ينقله من قوة ذات رؤية «كونية» إلى حزب أكثر انكفاءً على الشأن المحلي. غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة نزعة انعزالية؛ فقد أظهر استطلاع أُجري في مايو (أيار) 2026 أن الناخبين باتوا أقل استعداداً لمكافأة الخطاب المجرّد؛ إذ وضع 44 في المائة منهم كلفة المعيشة والاقتصاد في صدارة مشاكل الولاية، تليهما أزمة السكن. ثم إن وظيفة الحاكم تقوم أساساً على إدارة هذه التفاصيل، بينما تتجاوز عادةً، آثار سياسات كاليفورنيا في المناخ والتكنولوجيا والخصوصية والسيارات حدود الولاية.

آيديولوجياً، بيسيرا نفسه ليس تجسيداً صافياً لانتفاضة «تقدّمية» على «المؤسسة»؛ فهو ابن المؤسسة الديمقراطية، وإن كان تقدمياً في الصحة والهجرة والحقوق. ولذا قد لا يكون صعوده انكفاءً عن «الكونية»، بل محاولة لإعادة بنائها من أسفل؛ أي إقناع الناخب أولاً بأن الحكومة قادرة على خفض كلفة الدواء والسكن والطاقة، ثم تقديم نموذج كاليفورنيا إلى البلاد.

نجاحه في ذلك قد يمنح الديمقراطيين جواباً عن أزمة القيادة المقبلة؛ أما فشله فسيحوّل رمزية انتخاب أول حاكم لاتيني منذ قرن ونصف قرن إلى إنجاز تاريخي محدود الأثر.


من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

ريغان (آ ب)
ريغان (آ ب)
TT

من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

ريغان (آ ب)
ريغان (آ ب)

تعاقب على كاليفورنيا منذ عقد الستينات حكّام من الحزبين ترك كل منهم تعريفاً مختلفاً لدور الولاية وحدود السلطة التنفيذية. وتُظهر القائمة التاريخية الرسمية أن الهيمنة الديمقراطية الراهنة حديثة نسبياً، بعدما حكم الجمهوريون معظم الفترة الممتدة من 1983 إلى 1999، ثم عادوا مع أرنولد شوارتزنيغر. وهذا التاريخ يجعل الحاكمية أيضاً مختبراً لإنتاج زعامات وطنية، لا مجرد إدارة محلية لولاية كبيرة.

إدموند «بات» براون (ديمقراطي، 1959-1967): يُعد مهندس كاليفورنيا الحديثة؛ وسّع الجامعات والطرق ومشاريع المياه في مرحلة نمو سكاني هائل. لكن اضطرابات الستينات والقلق من الضرائب والجريمة مهّدت لهزيمته أمام رونالد ريغان.

رونالد ريغان (جمهوري، 1967-1975): وصل بخطاب محافظ ضد الاحتجاجات على خلفية «حرب فيتنام» والإنفاق الحكومي، وحوّل الحاكمية إلى منصة وطنية قادته لاحقاً إلى البيت الأبيض. إلا أن سجله التنفيذي كان أكثر براغماتية من شعاراته؛ وافق على زيادات ضريبية ووقّع قوانين اجتماعية وتنظيمية لا تنسجم كلها مع صورته المحافظة اللاحقة.

شوارتزنيغر (آ ب)

إدموند «جيري» براون (ديمقراطي، 1975-1983 و2011-2019): ابن الحاكم حكم ولايتين تفصل بينهما ثلاثة عقود. في الأولى مثّل جيلاً ديمقراطياً جديداً وواجه ثورة الضرائب التي جسّدها الاقتراح 13. وعندما عاد، قدّم نفسه حارساً مالياً، عالج عجزاً كبيراً وراكم احتياطيات، فيما دفع بقوة بسياسات المناخ والقطار السريع.

جورج ديوكمجيان (جمهوري، 1983-1991): جعل مكافحة الجريمة وتوسيع السجون محور حكمه، وتمسك بمقاومة الضرائب. جسّد مرحلة كان فيها الجمهوريون قادرين على الفوز بأكثرية مستقرة في الولاية.

بيت ويلسون (جمهوري، 1991-1999): واجه ركوداً قاسياً واضطر أولاً إلى زيادات ضريبية، ثم تبنى الاقتراح 187 الذي حرم المهاجرين غير الموثّقين خدمات عامة. عزز ذلك فوزه عام 1994، لكنه أسهم على المدى البعيد في نفور اللاتينيين من الحزب الجمهوري.

نيوسوم (غيتي)

غراي ديفيس (ديمقراطي، 1999-2003): أعاد الديمقراطيين إلى الحاكمية، لكن أزمة الكهرباء والعجز وصورته بوصفه سياسياً شديد الارتباط بالمانحين قادت إلى عزله من منصبه في اقتراع تاريخي.

أرنولد شوارتزنيغر (جمهوري، 2003-2011): فاز في الانتخابات التي أجريت بعد عزل ديفيس بقوة شهرته السينمائية، وبدأ محافظاً إصلاحياً ثم تحرك نحو الوسط. أبرز إرثه قانون خفض الانبعاثات لعام 2006 ومشروعات البنية التحتية، فيما ظلت أزمة الموازنة نقطة ضعفه الكبرى.

غافين نيوسوم (ديمقراطي، 2019-2027): حوّل الولاية إلى رأس حربة ديمقراطية في مواجهة ترمب، ووسّع سياسات المناخ والصحة والحقوق الإنجابية، ونجا من محاولة عزل عام 2021. لكنه يترك لخلفه أزمات السكن والتشرد والتأمين وكلفة المعيشة، ومعضلة الفصل بين قوة «نموذج كاليفورنيا» وطنياً وصعوبة تقديم خدمات مقنعة يومياً.