باب المندب... سفن إيرانية وصينية بحماية مسلحة تشق طريقها بحذر

«الشرق الأوسط» تصل لأقرب نقطة من جهته الغربية وترصد التطورات

TT

باب المندب... سفن إيرانية وصينية بحماية مسلحة تشق طريقها بحذر

منطقة باب المندب من الجهة الغربية كما بدت الثلاثاء (الشرق الأوسط)
منطقة باب المندب من الجهة الغربية كما بدت الثلاثاء (الشرق الأوسط)

كانت سفينة الشحن الإيرانية «غولسان» تمر عبر مضيق باب المندب الاستراتيجي صباح الثلاثاء، في أثناء وصولنا لهذا المضيق الحيوي من الجهة الغربية بمعية خفر السواحل الجيبوتية، الذين وصفوا الوضع في حديث لـ«الشرق الأوسط» بأنه هادئ مشوب بالحذر الشديد.

شوهدت سفينة الشحن الصينية «لانهاي 1» تمر عبر الممر الحيوي باتجاه بحر العرب، مصرحة بأن على متنها مسلحين للحماية، وهو إجراء أصبحت السفن التجارية تتخذه منذ بدء الهجمات الحوثية على الملاحة في البحر الأحمر قبل أسابيع.

على الجانب الآخر للبحر الأحمر، أعلن المتمردون الحوثيون شنّ هجومين بالصواريخ على سفينتين بريطانية وأميركية، وبدا الممر الدولي الذي يمثل شريان التجارة العالمية شبه خالٍ من السفن التجارية والناقلات، باستثناء سفينة واحدة كانت تبحر تحت اسم «غولسان».

عناصر من خفر السواحل الجيبوتية في باب المندب الثلاثاء (تصوير: عبد الهادي حبتور)

من جانبه، أكد العقيد ركن بحري، وعيس عمر بقري قائد خفر السواحل الجيبوتية لـ«الشرق الأوسط»، أنهم قدموا المساعدة والخدمات الأمنية لعدد كبير من السفن المارة في باب المندب خلال الفترة الماضية، ولفت العقيد وعيس في حوار سينشر قريباً، إلى أن بعض السفن التي تضررت بفعل هجمات البحر الأحمر تمت صيانتها في جيبوتي، ومن ثم واصلت رحلتها بأمان.

ويمثل مضيق باب المندب الذي تتقاسم السيطرة عليه دولتا اليمن وجيبوتي من الجهتين الآسيوية والأفريقية، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وورقة رابحة، لا سيما في أوقات الحروب والنزاعات.

يصل الممر المائي الحيوي البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وخليج عدن وبحر العرب، والمحيط الهندي، ويبلغ طوله نحو 30 كيلومتراً، وتقسمه جزيرة ميون اليمنية إلى قناتين، قناة إسكندر وهي الصغرى، وتقع بمحاذاة السواحل اليمنية، وقناة دقة المايون، وهي القناة الكبرى، وتقع متاخمة للسواحل الأفريقية.

كما يعد المضيق عصب التبادل التجاري بين آسيا وأوروبا؛ حيث تمر عبره نحو 10 في المائة من حركة الملاحة والتجارة العالمية، ويحتل باب المندب المرتبة الثالثة من حيث عبور موارد الطاقة بعد مضيقي ملقة وهرمز.

وتعد «الشرق الأوسط» وسيلة الإعلام الأولى والوحيدة التي تصل لأقرب نقطة في مضيق باب المندب من الجانب الغربي في ظل التوتر الحالي الذي يشهده البحر الأحمر بفعل هجمات الحوثيين على الملاحة الدولية.

 

بداية الرحلة

كان صوت أذان الفجر يدوي عبر مكبرات الصوت من مسجد حمودي، أقدم المساجد التاريخية في جيبوتي العاصمة، عند مرورنا بجانبه في أثناء توجهنا نحو الميناء مع ساعات الصباح الأولى، وكانت درجة الحرارة 24 درجة مئوية.

بعد وصولنا وإتمام التجهيزات كافة، بدأ محركان بقوة 3000 حصان في مخر عباب البحر، وذلك في السادسة تماماً في دورية مباشرة نحو باب المندب، حيث تستغرق الرحلة نحو ثلاث ساعات ذهاباً، وأخرى إياباً، بسرعة 26 عقدة بحرية تم خلالها قطع أكثر من 120 ميلاً بحرياً.

بمحاذة الموانئ الجيبوتية تنتشر عشرات السفن التجارية والناقلات، بعضها لتفريغ البضائع القادمة من آسيا، وبعضها الآخر قرر التوقف في جيبوتي لأسباب أمنية، خشية التعرض لهجمات الحوثيين، والانتظار أملاً في خفض التوتر وربما توقف الهجمات قريباً.

وتمر عبر مضيق باب المندب أكثر من 21 ألف سفينة سنوياً، ما يعادل 57 سفينة يومياً، كما يشهد يومياً مرور أكثر من 6 ملايين برميل من النفط الخام، أي 9 في المائة من النفط المنقول بحراً في العالم.

بعد نحو نصف ساعة مررنا بجزيرة مسكلي السياحية وفيها العديد من الأماكن للإقامة، وليس ببعيد عنها توجد جزيرة مصحا، كما تنتشر العلامات البحرية للسفن التجارية في العديد من الاتجاهات لإرشاد السفن والناقلات القادمة إلى الموانئ الجيبوتية.

ميناء أبخ الجيبوتي وتبدو بعض المراكب تفرغ حمولتها من البضائع (الشرق الأوسط)

 

مدينة أبخ الجيبوتية

في الطريق إلى باب المندب توقفنا للحظات في ميناء مدينة أبخ الساحلية، وكان هناك عدد من السفن المتوسطة تقوم بإفراغ حمولتها من البضائع، علمنا أنها قد تكون قادمة من الموانئ اليمنية القريبة، مثل المخا وغيرها، وعادة ما تستغرق الرحلة عبر هذه المراكب شبه المهترئة نحو أربع ساعات بحراً.

بسبب قربها من المياه الإقليمية اليمنية يستغل المهربون أبخ في عمليات الهجرة غير الشرعية نحو اليمن، ومن ثم إلى المملكة العربية السعودية، ولذلك فإن دوريات خفر السواحل الجيبوتية تقوم بتكثيف عملياتها في هذه المنطقة.

وبحسب خفر السواحل الجيبوتي، فإن دوريات باب المندب عادة ما تنطلق من ميناء أبخ؛ نظراً لقربه من المنطقة، لمراقبة عمليات التهريب، أو تقديم المساعدة للسفن التجارية التي تطلب ذلك.

 

مسلحون على متن السفن التجارية

انطلقنا مرة أخرى باتجاه باب المندب، أظهرت شاشات الرادار سفينة شحن صينية تحت اسم «لانهاي 1» قادمة من البحر الأحمر، وتتجه إلى الموانئ الجيبوتية، وكان لافتاً في معلومات السفينة تصريحها بأن على متنها مسلحين للحماية، في إشارة للتوتر وعدم الاستقرار اللذين تعيشهما المنطقة.

ووفقاً للمعلومات الملاحية، وصلت السفينة «لانهاي 1» الموانئ الجيبوتية في 6 فبراير (شباط)، وترفع العلم الصيني، ويبلغ طولها 159 متراً، وعرضها 25 متراً، وصنعت عام 2011، وفي طريقها للبحر العربي.

موفد «الشرق الأوسط» عبد الهادي حبتور في باب المندب

ويعد إغلاق باب المندب كابوساً تجارياً للسفن المارة التي تحملها عملية الإغلاق مسافة إضافية قدرها 6 آلاف ميلاً بحرياً للوصول لهدفها، فضلاً عن تكاليف إضافية للشحن والتأمين.

وتشير المعلومات الملاحية المفتوحة إلى أن السفينة الإيرانية «غولسان» وصلت إلى خليج عدن، ويبلغ طولها نحو 168 متراً، وعرضها 26 متراً، وتبحر تحت العلم الإيراني.

 

التحقق من قوارب الصيد والمهربين

في الطريق إلى باب المندب رصد عناصر خفر السواحل الجيبوتية قارباً صغيراً على مسافة ليست بعيدة، فأعلنوا التأهب والجاهزية الكاملة، وقاموا بكل الترتيبات اللازمة للتعامل مع أي طارئ، في حال كانوا مهربين أو قراصنة.

اتضح بعد أن تحقق خفر السواحل، أن القارب يعود لصيادين يمنيين وجيبوتيين ويحملون تصريحاً، لذلك تم السماح لهم بمواصلة عملهم بسلام، وكان لافتاً أن كل الصيادين كانوا يتحدثون باللغة العفرية.

بعد أميال قليلة شوهدت ثلاثة قوارب صغيرة أخرى، وتم التحقق منها جميعاً حيث اتضح لخفر السواحل أنها تعود لصيادين ولا توجد أي مخاوف من نشاطهم في هذه المنطقة الخطيرة.

أحد القوارب التي تم إيقافها (الشرق الأوسط)

 

ضفتا باب المندب

على مشارف باب المندب، بدا جبل على اليسار وكانت الأجواء هادئة، والأفق خالياً من السفن بكل أنواعها، ثم ظهرت سفينة عملاقة من بعيد تسير في الممر الدولي مسجلة تحت اسم «غولسان».

بدا المشهد في الجهة الغربية لباب المندب هادئاً بخلاف ما يحدث في جهته الشرقية بمحاذاة السواحل اليمنية التي أشعلها الحوثيون عبر استهدافهم للسفن التجارية والملاحة الدولية، إلى جانب استهداف السفن الأميركية والبريطانية.

جزيرة ميون اليمنية كانت آخر نقطة يمكننا التحرك فيها من جهة باب المندب الغربية، كان الضباب كثيفاً بحيث حجب رؤية الجزيرة اليمنية، لكن المسافة ليست بعيدة ويمكن رؤية جبال البر اليمني في حال كانت الأجواء صافية، بحسب مرافقينا.


مقالات ذات صلة

«ستاندرد آند بورز»: تأثيرات النزاع الأميركي الإيراني على ائتمان المنطقة «محدودة»

الاقتصاد شعار وكالة «ستاندرد آند بورز» في أحد المباني (رويترز)

«ستاندرد آند بورز»: تأثيرات النزاع الأميركي الإيراني على ائتمان المنطقة «محدودة»

أكدت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن التصنيفات الائتمانية للجهات السيادية والبنوك في منطقة الشرق الأوسط تمتلك قدرة عالية على الصمود أمام معظم سيناريوهات التوتر

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا بعض السفن المارة في قناة السويس المصرية (مجلس الوزراء المصري)

ما تأثير التصعيد الإسرائيلي - الإيراني على قناة السويس؟

أثار التصعيد العسكري الإسرائيلي - الإيراني تساؤلات حول مدى تأثيره على حركة الملاحة في قناة السويس المصرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (د.ب.أ) p-circle

السيسي يؤكد أهمية استعادة الأمن والملاحة في البحر الأحمر وباب المندب

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم (الأحد)، أهمية العمل المشترك لاستعادة الأمن في مضيق باب المندب، وحركة الملاحة في البحر الأحمر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي مشاهد بثّها الحوثيون للحظة مهاجمة السفينة اليونانية «توتور» الغارقة في البحر الأحمر (رويترز)

زعيم الحوثيين يتبنّى مهاجمة 153 سفينة خلال 7 أشهر

تبنّى زعيم الجماعة الحوثية الموالية لإيران عبد الملك الحوثي مهاجمة 153 سفينة خلال 7 أشهر، بالتزامن مع تواصل عمليات الدفاع التي تقودها واشنطن لحماية السفن.

علي ربيع (عدن)
الاقتصاد سفينة تحمل حاويات تمر عبر قناة السويس (الموقع الإلكتروني لقناة السويس المصرية)

الاضطرابات في الممرات البحرية تُلقي بظلالها على أمن الطاقة العالمي

بينما تتجه الأنظار إلى البحر الأحمر للوقوف على حركة التجارة بعد ازدياد الهجمات على السفن العابرة، حذَّر متخصصون من التحديات التي تحيط بالممرات المائية بالمنطقة.

صبري ناجح (القاهرة)

إسرائيل مسؤولة عن ثلثي عدد القتلى القياسي للصحافيين في 2025

أشخاص ورجال إنقاذ يعملون على انتشال جثة المصور الفلسطيني حسام المصري وأشخاص آخرين في غارات إسرائيلية على مستشفى «ناصر» في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم 25 أغسطس 2025 (رويترز)
أشخاص ورجال إنقاذ يعملون على انتشال جثة المصور الفلسطيني حسام المصري وأشخاص آخرين في غارات إسرائيلية على مستشفى «ناصر» في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم 25 أغسطس 2025 (رويترز)
TT

إسرائيل مسؤولة عن ثلثي عدد القتلى القياسي للصحافيين في 2025

أشخاص ورجال إنقاذ يعملون على انتشال جثة المصور الفلسطيني حسام المصري وأشخاص آخرين في غارات إسرائيلية على مستشفى «ناصر» في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم 25 أغسطس 2025 (رويترز)
أشخاص ورجال إنقاذ يعملون على انتشال جثة المصور الفلسطيني حسام المصري وأشخاص آخرين في غارات إسرائيلية على مستشفى «ناصر» في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم 25 أغسطس 2025 (رويترز)

أعلنت لجنة حماية الصحافيين اليوم (الأربعاء) أن 129 صحافياً وعاملاً في وسائل الإعلام قُتلوا حول العالم في عام 2025، في حصيلة قياسية جديدة، محمّلة إسرائيل مسؤولية نحو ثلثي هذه الوفيات.

ويمثل ذلك ثاني رقم قياسي سنوي على التوالي في عدد القتلى الصحافيين، وهو العام الأكثر دموية، منذ أن بدأت اللجنة جمع بياناتها قبل أكثر من 3 عقود.

وقالت المديرة التنفيذية للجنة، جودي غينسبرغ، في بيان: «يُقتل الصحافيون بأعداد غير مسبوقة في وقت أصبح فيه الوصول إلى المعلومات أكثر أهمية من أي وقت مضى».

وأضافت: «نحن جميعاً معرَّضون للخطر عندما يُقتل الصحافيون بسبب تغطيتهم الإخبارية»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأفادت اللجنة في تقريرها بأن أكثر من ثلاثة أرباع الوفيات في عام 2025 وقعت في سياقات نزاع مسلح.

ولفتت إلى أن أكثر من 60 في المائة من أصل 86 من العاملين في الصحافة الذين قُتلوا بنيران إسرائيلية في عام 2025 كانوا فلسطينيين يغطُّون الأحداث من قطاع غزة.

ويقول الجيش الإسرائيلي إنه لا يستهدف الصحافيين عمداً.

وارتفع عدد الصحافيين الذين قُتلوا في أوكرانيا والسودان في 2025، مقارنة بالعام السابق.

وسلَّطت اللجنة الضوء على ازدياد استخدام الطائرات المُسيَّرة، مع توثيق 39 حالة، بينها 28 عملية قتل نفذتها إسرائيل في غزة، و5 عمليات نُسبت إلى «قوات الدعم السريع» في السودان.

وفي أوكرانيا، قُتل 4 صحافيين بطائرات مُسيَّرة عسكرية روسية، وهو أعلى عدد سنوي لضحايا الصحافة في الحرب، منذ مقتل 15 صحافياً عام 2022.

وقالت اللجنة إن الصحافيين باتوا أكثر عرضة للخطر في ظل استمرار ثقافة الإفلات من العقاب، مشيرة إلى غياب تحقيقات شفافة في عمليات القتل.

وفي المكسيك، قُتل 6 صحافيين في عام 2025، ولا تزال جميع القضايا من دون حل، بينما شهدت الفلبين مقتل 3 صحافيين بالرصاص.

وقُتل آخرون على خلفية تحقيقاتهم في قضايا فساد، من بينهم صحافي بنغلاديشي طُعن حتى الموت على أيدي مشتبه بهم مرتبطين بشبكة احتيال، حسب التقرير. وسُجلت حالات مماثلة مرتبطة بالجريمة المنظمة في الهند والبيرو.


وزير العدل العراقي لـ«الشرق الأوسط»: سجناء «داعش» في موقع محصَّن... ومحال هروبهم

وزير العدل العراقي خالد شواني
وزير العدل العراقي خالد شواني
TT

وزير العدل العراقي لـ«الشرق الأوسط»: سجناء «داعش» في موقع محصَّن... ومحال هروبهم

وزير العدل العراقي خالد شواني
وزير العدل العراقي خالد شواني

قال خالد شواني وزير العدل في العراق لـ«الشرق الأوسط» إن بلاده لن تعيد سجناء أجانب منتمين إلى تنظيم «داعش» إلى دولهم إذا ثبت تورطهم في جرائم ضد مواطنين عراقيين، مؤكداً أن سجناً عراقياً «شديد التحصين» يضم حالياً آلافاً من عناصر التنظيم الذين نُقلوا من سوريا، سيكون من الصعب اختراقه أمنياً، أو حدوث عمليات هروب، أو تهريب، أو تمرد في داخله، رغم ما وصفه بـ«الضغط الهائل» على المؤسسات العدلية ووجود «مجموعة من عتاة الإرهابيين حول العالم» بين المحتجزين.

كان العراق قد وافق على استقبال آلاف السجناء المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» منذ 21 يناير (كانون الثاني)، ومع أن التحالف الدولي نقلهم على دفعات من سجون كانت تشرف عليها قوات «قسد» بعد عمليات عسكرية للجيش السوري في شمال شرق سوريا، أكَّد رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني أن «قرار استقبال السجناء كان عراقياً بامتياز».

منذ ذلك الحين، يقول الوزير شواني إنه «منهمك مع مسؤولين قضائيين وحكوميين وأمنيين» في إدارة عملية شديدة الحساسية والخطورة بهدف استيعاب عدد كبير من السجناء على النحو الذي يمنع تحويلهم إلى «قنبلة موقوتة» وإعادة غالبيتهم إلى بلدانهم حتى لا يتحول سجنهم إلى مدرسة جديدة لإنتاج التطرف.

شواني من مواليد مدينة كركوك (شمال بغداد) عام 1975، ويشغل حقيبة العدل في العراق منذ 2022، وهو قانوني وخبير دستوري، وعضو المكتب السياسي لحزب «الاتحاد الوطني الكردستاني» الذي يتزعمه بافل طالباني.

وزير العدل العراقي خالد شواني

وقال الوزير في مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» إن تسلُّم سجناء «داعش» بهذا العدد الهائل جاء في أعقاب جهود كبيرة لتخفيف اكتظاظ السجون، لكن السلطات العراقية تحملت الأعباء حفاظاً على الأمن الإقليمي.

ووفقاً للوزير شواني، فإنَّ وزارة العدل تمتلك خبرة طويلة في إدارة السجناء الإرهابيين ومواجهة التطرف، إذ تعتمد برنامجاً يسمى «برنامج الاعتدال» يهدف إلى نزع الفكر المتطرف من السجناء بوسائل متعددة، تشمل تعليمهم المهن والحرف، ولهذا السبب يثق بها المجتمع الدولي لإيداع أخطر الإرهابيين في سجونها. وفيما يلي نص الحوار:

* حين أُعلن عن قرار النقل من سوريا إلى العراق، هل كانت وزارة العدل مستعدة لاستقبال هذا العدد من السجناء؟

- بعد مفاتحة الحكومة العراقية لاستقبال هؤلاء، عقدنا اجتماعاً لمجلس الوزراء للأمن الوطني وبدأنا استعداداتنا لاستلامهم. وبالتأكيد، استقبال هذا العدد الكبير ليس أمراً سهلاً أو هيناً، إذ يحتاج إلى بنايات سجنية كبيرة، وتجهيزات وحماية أمنية، إلى جانب كل ما يحتاجه السجين في الدوائر الإصلاحية من مستلزمات، سواء ما يتعلق بالسجناء أنفسهم أو بالمستلزمات الأمنية لحماية هذه السجون.

لدينا اكتظاظ في السجون أصلاً، لكن لأننا نعتقد بأهمية هذا الموضوع، ولأنه يتعلق بحماية أمن المنطقة من سجناء على مستوى شديد الخطورة، كان لا بد من اتخاذ إجراءات عاجلة لتهيئة الأقسام السجنية لاستلامهم وإيداعهم. وبالدعم الذي قدَّمه رئيس الوزراء (محمد شياع السوداني) والجهات المختصة في الحكومة والقضاء، استطعنا أن ننجح في المهمة، إذ تم إيداع جميع الذين استلمناهم في السجن. والآن وفَّرنا كل المستلزمات الخاصة بالسجن، وكذلك المستلزمات الأمنية لحمايته.

عنصر من «داعش» في «سجن الكرخ» ببغداد (أ.ب)

* ماذا تعني بالمستلزمات الخاصة؟

- الموقوفون الآن مودعون في سجون نظامية، مكيفة، مع حمامات ومستلزمات تنظيف. يحصلون على ثلاث وجبات طعام يومياً، ويحرسهم طاقم محترف من الحراس والباحثين. أستطيع القول إن المؤسسة العدلية تتصرف معهم بطريقة مهنية، تختلف أغلب الظن عما كان عليه الحال في سوريا، كما أن ظروفهم الآن أفضل مما كانت عليه قبل نقلهم إلى العراق.

* هل هناك ضغوط واكتظاظ في السجون بعد إضافة هذا العدد؟ كيف توزع السجناء؟

- بسبب الظروف الاستثنائية التي مرَّ بها العراق، من احتلال مناطق من قبل تنظيم «داعش»، وقبلها تفجيرات تنظيم «القاعدة»، وبقية العصابات الإرهابية، إضافة إلى الجريمة المنظمة، كانت نسبة الاكتظاظ في السجون عند تسلمي الوزارة قبل ثلاث سنوات تبلغ 300 في المائة. وضعنا خطة منهجية، واستطعنا تخفيض الاكتظاظ إلى 25 في المائة فوق الطاقة الاستيعابية الطبيعية.

لكن استلام 5704 سجناء دفعة واحدة أدى إلى ارتفاع نسبة الاكتظاظ مرة أخرى، لأن توفير منشآت سجنية لنحو ستة آلاف سجين يتطلب الضغط على سجون أخرى، وهذا أثَّر على جهود تخفيف الاكتظاظ.

* أين تم إيداعهم؟

- تم وضعهم في سجن واحد. العملية معقدة، لأن تصنيفهم يتطلب إيداعهم في سجن محكم من الناحية الأمنية، حصين ومحمي، سواء أمنياً أو عسكرياً أو استخبارياً.

* كيف تم إيداعهم وهم موقوفون، فوزارة العدل تتعامل مع المحكومين فقط؟

- وفق القانون العراقي، عندما يكون الموقوف خطيراً، يمتلك القاضي صلاحية إيداعه في مكان مؤمَّن لا يمكن الهروب منه أو يُخشى هروبه منه، ويمكن ضمان حمايته. هذه ليست حالة استثنائية، بل قانونية بحتة. هؤلاء موقوفون بقرارات قضائية، وبسبب خطورتهم أُودعوا في هذا السجن، وهم موجودون فيه دون سجناء آخرين.

* كيف تتحملون الأعباء؟ كيف يدار هذا العدد الكبير من السجناء؟

- هناك ثقل كبير يقع على عاتقنا على كل المستويات. نحن بحاجة إلى كوادر بشرية لإدارة هذا السجن، وبنية تحتية، وطاقات بشرية إضافية، وقوات عسكرية وأمنية للحماية، إضافة إلى مصاريف وتكاليف الإيواء والإدامة وتقديم الخدمات لـ5704 سجناء. هذا ليس بالأمر السهل أو الهيِّن، ولذلك نواجه تحديات، خاصة التحديات المالية. لكن هناك تواصل مع التحالف الدولي لتحمُّل التكاليف، وقد أبدوا استعدادهم بهذا الخصوص.

* كيف يتم تمويل هذا الملف؟

- هناك تفاهم وتواصل مع التحالف الدولي، وقد أبدوا استعدادهم لتحمُّل أعباء مالية متعلقة بإيوائهم، وتوفير البنى التحتية والمستلزمات السجنية وبعض المستلزمات الأمنية. أعددنا مشروعاً متكاملاً وأرسلناه إلى التحالف الدولي، ونحن ننتظر إجابتهم وإجراءاتهم.

* كم ضابط تحقيق يتولى ملفات السجناء؟

- نحو 150 ضابط تحقيق ينجزون ملفات آلاف السجناء، ويقع على عاتقهم عمل جبار، ويساعدهم في ذلك جيش من الموظفين والخبراء المختصين.

* كيف يتم تصنيفهم؟

لدينا إرهابيون من العتاة، نصنفهم وفق سياقات أمنية ومعايير دولية معتمدة للتعامل مع السجناء. لا يمكن أن يختلط السجناء شديدو الخطورة وذوو الفكر الإرهابي مع السجناء الاعتياديين. سجوننا مصنَّفة حسب نوع الجريمة، وخطورة الجريمة، والفئات العمرية.

* ما مدى احتمالية حدوث اختراق أو تمرد داخلي؟

- هذا السجن محصَّن، وغير قابل للاختراق، لن أفصح عن تفاصيل أكثر، لكن الموقع محمي ولا يمكن اختراقه، كما لا يمكن الحديث عن تمرد داخلي، لأن الأجهزة الأمنية المساندة لوزارة العدل اتخذت احتياطاتها بكل حرفية ومهنية، لذلك هذا الأمر لا يمكن أن يحصل.

* كيف تُدار شؤون السجناء داخل السجن، وما الإجراءات التي تعتمدونها لمنع تحوُّل بعضهم إلى بؤر محتملة لنشاطات إرهابية؟

- أولاً، لدينا تواصل مع دولهم لإعادتهم حسب جنسياتهم بعد انتهاء التحقيقات، بشرط ألا يكونوا ممن حاربوا العراق أو قتلوا من العراقيين أو شاركوا في نشاطات إرهابية داخل العراق. باستثناء هؤلاء الذين لن يعودوا إلى بلدانهم حتى لو طالبت بهم، لدينا تواصل من أجل إعادة الآخرين، والتحالف الدولي يعمل معنا لتسريع عملية نقلهم.

أما فيما يتعلق بإدارتهم، فلدى وزارة العدل خبرة طويلة في هذا المجال. في سجون أخرى من نفس التصنيف يوجد إرهابيون خطرون من قادة تنظيم «داعش» الذين أُلقي القبض عليهم خلال عمليات تحرير الأراضي العراقية من تنظيم «داعش». وقد أُدخلوا في برامج تأهيلية وإصلاحية.

لدينا برنامج يسمى «برنامج الاعتدال» يهدف إلى نزع الفكر المتطرف بوسائل فكرية وثقافية واجتماعية ورياضية وفنية، إضافة إلى تعليمهم المهن والحرف. هذا البرنامج حقق نجاحات كبيرة. نسعى لأن يكون وجودهم مؤقتاً إلى حين تسفيرهم، وخلال فترة بقائهم لدينا برنامج وخبرة في التعامل مع سجناء من عتاة الإرهابيين.

عناصر من «داعش» أثناء إيداعهم في سجن الكرخ المركزي في بغداد (أ.ب)

* وماذا لو لم تنجح جهود إعادتهم، كيف سيكون الوضع لو بقي هؤلاء في السجون العراقية لفترة طويلة؟

- المتفاهَم عليه مع الدول ومع التحالف الدولي هو إعادتهم بأسرع وقت، لدينا تنسيق واضح بهذا الشأن، مع استثناء مَن حاربوا القوات الأمنية العراقية أو ارتكبوا جرائم ضد العراقيين كما قلت سابقاً، هؤلاء سيُحاكَمون ويبقون في العراق.

* هل هناك دول ترفض استلام رعاياها؟

- الموضوع ما زال في بداياته، وكذلك المحاولات. التحالف الدولي والولايات المتحدة الأميركية يعملان معنا لحثّ الدول التي لديها سجناء على استلامهم، ونحن مستمرون في هذا المسعى.

* لماذا نقل التحالف الدولي سجناء «داعش» إلى العراق؟

- قد يكون في الأمر جانب سياسي لا علاقة لوزارة العدل به، لكن أُبرز نقاطاً واضحة: هناك ثقة بالمنظومة الدفاعية والأمنية العراقية، وثقة بأن العراق دولة حليفة ومؤثِّرة ضمن التحالف الدولي لمكافحة تنظيم «داعش» الإرهابي، ونظام موثوق به لإيواء هؤلاء المساجين.


مصدر رسمي لـ«الشرق الأوسط»: تبادُل أسرى ومحتجزين في السويداء الأسبوع المقبل

وفد من محافظة السويداء يطّلع على الواقع الخدمي في قرى الريف الغربي (سانا)
وفد من محافظة السويداء يطّلع على الواقع الخدمي في قرى الريف الغربي (سانا)
TT

مصدر رسمي لـ«الشرق الأوسط»: تبادُل أسرى ومحتجزين في السويداء الأسبوع المقبل

وفد من محافظة السويداء يطّلع على الواقع الخدمي في قرى الريف الغربي (سانا)
وفد من محافظة السويداء يطّلع على الواقع الخدمي في قرى الريف الغربي (سانا)

أكد مصدر رسمي سوري لـ«الشرق الأوسط»، إحراز تقدم في المفاوضات بين الحكومة السورية وما تُعرف بـ«قوات الحرس الوطني» المنتشرة في محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية؛ للتوصل إلى صفقة تبادل محتجزين وأسرى بين الجانبين، ورجح إتمام الصفقة خلال الأسبوع المقبل.

وقال مدير العلاقات الإعلامية بمحافظة السويداء، قتيبة عزام، في تصريح مقتضب لـ«الشرق الأوسط»: «هناك تقدم في المفاوضات حول ملف تبادل المحتجزين والأسرى».

وذكر عزام أنه لم يتم تحديد موعد لإتمام الصفقة، لكنه رجح أن تحصل عملية التبادل خلال الأسبوع المقبلـ بحضور ممثلين عن بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، موضحاً أنه تجري حالياً ترتيبات إجراءات التسلم والتسليم.

تبادل أسرى بين فصائل درزية وعشائر عربية في السويداء خلال أكتوبر الماضي (الأناضول)

كان عزام قد صرح لـ«الشرق الأوسط» في 19 فبراير (شباط) الجاري، بأن مفاوضات غير مباشرة تُجرى حالياً بين الحكومة السورية و«الحرس الوطني» بوساطة أميركية؛ بهدف التوصل إلى صفقة تبادل أسرى بين الجانبين. وذكر آنذاك، أن المفاوضات تُجرى بطريقة غير مباشرة عبر طرف ثالث هو الولايات المتحدة.

ووفق تقارير، فقد تسلم مكتب المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم برّاك، موافقة من الطرفين لإنجاز الصفقة، التي ستشمل إطلاق سراح 61 مدنياً من أبناء السويداء موقوفين في سجن عدرا بريف دمشق منذ أحداث صيف 2025، مقابل 30 أسيراً من عناصر وزارتَي الدفاع والداخلية محتجزين لدى «الحرس الوطني» في السويداء.

الشيخ حكمت الهجري (أ.ف.ب)

ورأت مصادر مراقبة أن هذا الإعلان يعكس «انفراجاً في حالة الاستعصاء السياسي القائم بين الحكومة السورية؛ وشيخ العقل حكمت الهجري و(الحرس الوطني) التابع له»، وهو استعصاء مستمر منذ أشهر على خلفية أزمة السويداء التي انفجرت مع اشتباكات دامية، في يوليو (تموز) 2025، بين فصائل مسلَّحة درزية من جهة؛ ومسلَّحين من عشائر البدو وقوات أمن سورية من جهة أخرى، سقط خلالها عشرات القتلى من جميع الأطراف، وتدخلت إسرائيل عسكرياً في الاشتباكات بزعم حماية الدروز.

وتعدّ مسألة الإفراج عن جميع المحتجزين في أحداث يوليو 2025 أحدَ بنود «خريطة الطريق» التي أُعلن عنها من دمشق بدعم أميركي وأردني، في سبتمبر (أيلول) الماضي، لحل أزمة السويداء، التي غاب مؤخراً الحديث عنها.

Your Premium trial has ended