الأسد في موسكو «بطلب» من بوتين.. وواشنطن تستغرب استقبال رئيس استخدم الكيماوي

بوتين اجرى اتصالاته مع خادم الحرمين وزعماء تركيا والأردن ومصر لبحث الوضع * كيري إلى الأردن والسعودية قريبًا

الرئيسان فلاديمير بوتين وبشار الأسد يعبران إلى القاعة الرئيسية في الكرملين مساء أول من أمس في زيارة مفاجئة لم يعلن عنها مسبقا (إ.ب.أ)
الرئيسان فلاديمير بوتين وبشار الأسد يعبران إلى القاعة الرئيسية في الكرملين مساء أول من أمس في زيارة مفاجئة لم يعلن عنها مسبقا (إ.ب.أ)
TT

الأسد في موسكو «بطلب» من بوتين.. وواشنطن تستغرب استقبال رئيس استخدم الكيماوي

الرئيسان فلاديمير بوتين وبشار الأسد يعبران إلى القاعة الرئيسية في الكرملين مساء أول من أمس في زيارة مفاجئة لم يعلن عنها مسبقا (إ.ب.أ)
الرئيسان فلاديمير بوتين وبشار الأسد يعبران إلى القاعة الرئيسية في الكرملين مساء أول من أمس في زيارة مفاجئة لم يعلن عنها مسبقا (إ.ب.أ)

لأول مرة منذ اندلاع أحداث الثورة في سوريا في عام 2011، غادر الرئيس السوري بشار الأسد عاصمة بلاده قاصدا موسكو بناء على «طلب» الرئيس فلاديمير بوتين. وصل الأسد إلى العاصمة الروسية، في وقت متأخر من مساء أول من أمس (الثلاثاء)، ليغادرها في الساعات الأولى من صباح أمس (الأربعاء) وسط أجواء من السرية والكتمان الشديدين.
وكان الكرملين حرص على عدم الإعلان عن هذه الزيارة الخاطفة إلا بعد عودة الأسد إلى بلاده، في الوقت نفسه الذي حرص فيه أيضا على أن تبث القنوات التلفزيونية الروسية صباح أمس المشاهد الأولى للقاء الذي تبادل فيه الرئيسان في مستهله بعض المجاملات، إلى جانب تقديرهما للأوضاع الراهنة والموضوعات المرتقب مناقشتها في عبارات عمومية فضفاضة، وإن كانت تتسع لمختلف التأويلات، ومنها ما قاله بوتين في مستهل اللقاء حول أنه يشكر الأسد على استجابته لـ«طلب» الحضور رغم كل الأوضاع «الدرامية» التي تعيشها سوريا. وبهذا الصدد نشير إلى أن الرئيس بوتين استخدم كلمة «طلب» وليس «دعوة» بما يسمح للمحللين بقراءة أفضل لما بين سطور تلك الزيارة.
وبعد ساعات من إنهاء الرئيس السوري بشار الأسد زيارة مفاجئة إلى موسكو، بدأت روسيا حركة اتصالات دبلوماسية حثيثة في محاولة لإيجاد حل للنزاع المستمر في سوريا منذ نحو خمس سنوات.
وأطلع بوتين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز على نتائج زيارة الرئيس السوري. وشدد الطرفان، بحسب الكرملين، على أهمية الحل السياسي الذي يجب أن يلي العمليات العسكرية. وقالت وكالة الأنباء السعودية إن «خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تلقى اتصالا هاتفيا، أمس، من فلاديمير بوتين رئيس روسيا. وجرى خلال الاتصال بحث العلاقات الثنائية، إضافة إلى الأوضاع في المنطقة ومستجدات الأحداث على الساحتين الإقليمية والدولية».
كما قام بالاتصال بالرئيس التركي رجب طيب إردوغان. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، أن بوتين «أبلغ نظيره التركي بنتائج الزيارة» التي قام بها الأسد إلى موسكو.
وشملت اتصالات بوتين كلا من العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
وأكد بوتين، خلال استقباله الأسد، على استعداد روسيا «للمساهمة ليس فقط بالأعمال العسكرية في مكافحة الإرهاب وإنما أيضا في عملية سياسية»، وفق بيان عن الكرملين. وقال متحدث باسم الرئاسة السورية، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن «بوتين أبلغ الرئيس الأسد بأنه سيجري محادثات مع القوى الدولية بهدف التوصل إلى حل سياسي، مع محاربة الإرهاب في الوقت نفسه».
إلى ذلك وجه البيت الأبيض انتقادات للاستقبال الروسي الحافل الذي حظي به الرئيس السوري بشار الأسد في موسكو مساء أول من أمس الثلاثاء. وقال إريك شولتز، المتحدث باسم البيت الأبيض، للصحافيين المصاحبين للرئيس أوباما في رحلته إلى مدينة شارلستون بغرب فيرجينيا: «إننا نرى أن الاستقبال الحافل للترحيب بالأسد، الذي استخدم الأسلحة الكيماوية ضد شعبه، يعد غريبا مع موقف الروس الذي يعلنون أنهم يساندون القيام بعملية انتقال سياسي في سوريا».
وأشارت مصادر بالخارجية الأميركية إلى أن وزير الخارجية الأميركي تحدث مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، مساء أمس الأربعاء، حول الوضع في سوريا، والتحضير لاجتماع فيينا يوم غد الجمعة. فيما أشار جون كيربي، المتحدث باسم الخارجية الأميركية، خلال المؤتمر الصحافي، مساء الثلاثاء، إلى أن وزير الخارجية الأميركي سيعقد اجتماعا ثنائيا مع نظيره الروسي سيرغي لافروف يوم غد الجمعة في فيينا، قبل الاجتماع الرباعي الذي سيضمهما مع وزيري خارجية السعودية وتركيا. وأوضح المتحدث باسم الخارجية الأميركية أن كيري سيزور كلا من الأردن والسعودية يومي السبت والأحد المقبلين.
وشدد المتحدث باسم الخارجية الأميركية على أن موقف واشنطن هو ضرورة تحقيق عملية انتقالية بعيدا عن الأسد، سواء رحل الأخير خلال الشهر الأول أو الشهر الثامن. وأكد أن الاجتماع الرباعي سيكون مهما، لكنه لن ينهي الأزمة، وستعقبه اجتماعات أخرى.
ونذكر أن لقاء بوتين والاسد حضره من الجانب الروسي وزيرا الخارجية سيرجي لافروف والدفاع سيرجي شويجو، بينما لم يحضره من الجانب السوري مع الأسد سوى سكرتيره الشخصي الذي ظهر إلى جانبه منكبا على تسجيل اللقاء، بينما قالت المصادر الرسمية إن الرئيسين استأنفا هذا اللقاء بآخر موسع حضره آخرون، وكان من ظهر منهم في معظمهم، رؤساء أجهزة الأمن والمخابرات من الجانبين مما يشير إلى أولوية الموضوعات التي تناولتها المباحثات السورية الروسية.
المصادر الرسمية الروسية قالت إن الرئيسين تناولا المسائل المتعلقة بتطورات العملية الجوية الفضائية الروسية في سوريا، وكذلك خطط الجيش السوري في الوقت الراهن في مواجهة فصائل الإرهاب في سوريا. وكان الرئيس بوتين أكد في مستهل حديثه «أن الشعب السوري كان يقاوم ويحارب وحده عمليات الإرهاب الدولي طوال عدة سنوات ويتحمل خسائر جدية، ومع ذلك يحقق في الفترة الأخيرة نتائج إيجابية جدية». وأعلن الرئيس الروسي أن روسيا تنطلق في تقديرها للوضع الراهن في سوريا، من أن التسوية هناك لا يمكن أن تتم إلا «على أساس العملية السياسية»، حيث أشار إلى أن بلاده «تنطلق من أنه على أساس الديناميكية الإيجابية في سير العمليات العسكرية يمكن التوصل في نهاية المطاف إلى تسوية مستقرة على أساس العملية السياسية بمشاركة كل القوى السياسية والمجموعات الإثنية والدينية، وبما يجب أن يكون معه القول الفصل للشعب السوري وحده». ومضى الرئيس الروسي ليشير إلى ما استهدفته فصائل الإرهاب الدولي من محاولات السيطرة على أراض كبيرة في الشرق الأوسط، مما يثير مخاوف الكثير من بلدان العالم بما في ذلك روسيا، مشيرا إلى أن زهاء أربعة آلاف شخص على أقل تقدير من مواطني جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق يقاتلون مع الإرهابيين في سوريا، وهو ما لا يمكن معه أن تتركهم بلدانهم ليعودوا إليها لاحقا بعد اكتساب الخبرات القتالية والقناعات الآيديولوجية الأمر الذي ينذر بأخطار كثيرة.
وبينما شكر الرئيس السوري مضيفه الروسي على ما تتلقاه بلاده من دعم ومعونة، فضلا عن إصرار روسيا وتمسك قياداتها بوحدة أراضي سوريا واستقلالها، وبما يتفق مع القانون الدولي معربا عن أمله في أن تكون روسيا في صدارة المشاركين في إعادة إعمار بلاده، قال الأسد إن الجميع يعرف «أن أي عمل عسكري يفترض خطوات سياسية لاحقة»، بينما استطرد ليقول إنه «لولا ما اتخذه الرئيس بوتين من قرارات وقام به من أعمال لكان الإرهاب الذي انتشر في المنطقة ابتلع مساحات أكبر بكثير، وانتشر في مناطق أوسع مما وصل إليها الآن. وأعرب عن اتفاقه مع بوتين فيما قاله حول «أن الهدف يجب أن يكون ما يريد الشعب السوري رؤيته في مستقبل بلاده»، بينما أعرب عن يقينه من تحقيق النصر على الإرهاب. ورفض دميتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين، التعليق على سؤال حول ما إذا كانت مباحثات الرئيسين تطرقت إلى مناقشة مستقبل الأسد، كذلك المصادر الرسمية الروسية رفضت التعليق أيضا على ما تردد من أنباء حول أن «بلدانا عربية» عرضت على الرئيس بوتين 300 مليار دولار مقابل إقناع الأسد بالرحيل عن منصبه، بينما أشارت مصادر أخرى إلى «أن موسكو ليست في حاجة إلى مثل هذه العروض، لتأكيد ثوابت سياساتها التي تقول إن مصلحتها الوطنية ليست في الارتباط بأشخاص بقدر ما هي ترتبط بالشعوب وبالمصالح المتبادلة».
وأكدت مصادر دبلوماسية روسية في تصريحاتها لـ«الشرق الأوسط»، «عبثية» مثل هذه الشائعات، وإن «طالبت بقراءة جيدة لما يصدر من تصريحات تعلق بتأمين وضمان رحيل الأسد». وبهذا الصدد قالت بروفسور إيرينا زفياغيلسكايا كبيرة الباحثين في معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن الرئيس الأسد قد يكون مهموما بتأمين مستقبله، لكن موسكو تبدو مهتمة أكثر بتنسيق الخطوات اللازمة والمواقف التي يجب أن تفضي إلى الحل المنشود شريطة استناده إلى الشرعية والقانون الدولي ومراعاة رأي الشعب السوري. وأضافت أن القيادة السياسية الروسية أكدت أكثر من مرة سواء من خلال تصريحات الرئيس بوتين أو رئيس الحكومة ميدفيديف أو وزارة الخارجية الروسية، تمسك موسكو بالحوار بين كل الأطراف السورية المعنية كمقدمة للتحول إلى المرحلة الانتقالية، وبما يمكن معه التحول إلى تنفيذ بيان جنيف. وقالت إن القيادة السياسية الروسية قد تكون أبلغت الأسد خلال زيارته الأخيرة بضرورة المضي قدما نحو التنازلات المتبادلة وبما يكفل احتواء الخلافات الراهنة. وأضافت «أن الأسد قد يكون مهموما بالحصول على ضمانات»، لكن أحدا في موسكو لا يستطيع تقديم مثل هذه الضمانات التي قالت إنها مرتبطة بمدى اتساقها مع مصالح الوطن. وأضافت زفياغيلسكايا، أن موسكو لا تريد في الوقت نفسه أن تسوء علاقاتها مع أي من البلدان العربية أو الغربية وكذلك إسرائيل بسبب الارتباط بنظام هو على خلاف مع هذه البلدان، وإن أشارت إلى ضرورة تفهم الآخرين لمواقف القيادة الروسية واستيعاب ما يصدر عنها من تصريحات.
وعادت زفياغيلسكايا إلى تأكيد ثوابت الموقف الروسي تجاه الأزمة السورية، ومنها ما يتعلق بالتزام النظام السوري بتنفيذ الإصلاحات السياسية، وهو ما كان أكده الرئيس بوتين في مباحثاته الأخيرة مع الرئيس السوري، وما قالت بـ«ضرورة قراءته على النحو الواجب».
أعلنت الخارجية الروسية، أمس الأربعاء، أن وزيري الخارجية الروسي سيرغي لافروف والأميركي جون كيري سيلتقيان نظيريهما السعودي عادل الجبير والتركي فريدون سنيرلي أوغلو، في فيينا الجمعة لبحث الوضع في سوريا. هذا في الوقت إلى قالت فيه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، «نعمل لإيجاد حل سياسي في سوريا، لكن هذا لا يبدو قابلا للتحقق قريبا».
وكانت الخارجية الروسية قد أصدرت بيانا قالت فيه، إن الحديث عن الاستعدادات للقاء بين الوزراء «الروسي والأميركي والسعودي والتركي» الذي سيعقد في 23 أكتوبر (تشرين الأول) في فيينا، جرى في اتصال هاتفي بين لافروف وكيري.
وفي الاتصال الهاتفي الذي «تم بمبادرة أميركية» اقترح لافروف تنظيم اجتماع للجنة الرباعية للشرق الأوسط في اليوم والمكان نفسيهما.
ووفقا للافروف فإن من المزمع أيضا عقد لقاء للجنة الرباعية للشرق الأوسط لإجراء مشاورات حول الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين.
يذكر أن الرباعية تضم إلى جانب روسيا والولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.