إسرائيل تبذل جهوداً ضخمة كي تقلب محكمة لاهاي «رأساً على عقب»

سيقول فريقها إن ما تفعله في غزة «رد فعل» على عملية «حماس» لإبادة الدولة اليهودية

TT

إسرائيل تبذل جهوداً ضخمة كي تقلب محكمة لاهاي «رأساً على عقب»

رئيسة محكمة العدل الدولية جوان دونوغو والقضاة الآخرون في المحكمة قبيل بدء جلسة الاستماع في قضية الإبادة التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل في لاهاي (إ.ب.أ)
رئيسة محكمة العدل الدولية جوان دونوغو والقضاة الآخرون في المحكمة قبيل بدء جلسة الاستماع في قضية الإبادة التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل في لاهاي (إ.ب.أ)

على الرغم من أن قوى اليمين المتطرف في الحكومة الإسرائيلية، كانت معنية بمقاطعة محكمة العدل الدولية في لاهاي، والامتناع عن التعاون معها خلال المداولات في الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا، يعمل فريق ضخم في إسرائيل وفي الخارج على «قلب الدعوى رأسا على عقب»، وإغراق الفضاء الإعلامي في العالم بالصور التي تظهر أن «كل ما نفعله في غزة هو مجرد رد فعل على حرب الإبادة التي شنتها (حماس) على الدولة اليهودية»، والضغط على المحكمة ليكون قرارها «معتدلاً، ويأخذ في الاعتبار الحجج الإسرائيلية».

فمن يرفضون التعاون عادة مع المؤسسات الدولية التابعة للأمم المتحدة، يدركون بأن ما يطرح في هذه المحكمة، قد يشكل انعطافاً رسمياً في التاريخ؛ إذ إن إسرائيل التي تعد دولة الشعب اليهودي، الذي كان ضحية محاولة إبادة من النازية الألمانية، فهل تصبح إسرائيل، بقرار محكمة، متهمة وربما مدانة بارتكاب جريمة إبادة بحق الفلسطينيين في غزة؟

لقد حاولت إسرائيل طيلة 75 عاماً إنكار مسؤوليتها عن النكبة الفلسطينية، وما تخلل حربها في ذلك الوقت من مجازر (سعسع ودير ياسين والطنطورة واللد وعيلبون وعيلوط وغيرها). وحصلت على «تكفير عن الذنب» من ألمانيا يتمثل في دعم مالي هائل ودعم سياسي دائم، ونجحت في استدرار عطف شعوب العالم الغربي. فهل تخسر كل هذا الآن، من خلال محكمة لاهاي التي تُعرض فيها صور رهيبة عن تدمير غزة وقتل الألوف من أطفالها ونسائها؟

صبي فلسطيني جريح يُحمل إلى مدخل مستشفى الشفاء في مدينة غزة 3 نوفمبر 2023 (أ.ب)

لهذا السبب، قررت الحكومة الإسرائيلية بغالبية مركباتها السياسية (اليمين اللبرالي والوسط اللبرالي والمتدينين)، والأجهزة الأمنية (الجيش والمخابرات)، تفعيل كل أسلحتها الإعلامية والقضائية والسياسية لمواجهة الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا إلى محكمة لاهاي. شكلت فريقاً من رجال السياسة والقانون والإعلام، هدفه الأول «إبراز الأفعال الشنيعة التي قام بضع عشرات من الأشخاص خلال هجوم (حماس) في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي على البلدات الإسرائيلية في غلاف غزة، وشملت قتل أبرياء، والتمثيل بجثث، واختطاف نساء وأطفال ومسنين. وحاولت إسرائيل نشر إعلانات ضخمة في لاهاي والطرق المؤدية إليها من مطار أمستردام، تبين صور المخطوفين الإسرائيليين لدى «حماس»، بالقول: «هؤلاء لا تستطيعون سماع صوتهم»، لكن شركات الإعلانات (نحو 120 شركة) رفضت الطلب.

جلبت إسرائيل وفداً من عائلات المخطوفين الأسرى لدى «حماس» إلى المحكمة ليتحدثوا عن معاناتهم، وحرصت بشدة على ألا يكون بينهم أحد من أولئك الذين يتهمون رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بـ«التخلي عن المخطوفين والعمل على إطالة الحرب لكي يطيل عمر حكومته». كما ضمت القاضي أهرون باراك، إلى هيئة القضاة (في المحكمة 15 قاضياً. وبحسب نظامها، يحق لكل دولة معنية بالقضية ضم قاضٍ إضافي. لذلك، أضيف باراك من إسرائيل وقاض آخر من جنوب أفريقيا).

وباراك شخصية معروفة في العالم بوصفه قاضياً ذا بصمات، ومع أنه معارض لحكومة نتنياهو واتهمها بتدمير الديمقراطية الإسرائيلية، فقد تم اختياره لتمثيلها بفضل سمعته الدولية من جهة، ولكونه ابناً لعائلة من الناجين من المحرقة النازية.

تفحص قضاة المحكمة

وقام هذا الفريق الإسرائيلي بإجراء تحقيق خاص حول القضاة أعضاء هيئة المحكمة. والهدف هو ليس فقط التعرف عليهم، بل معرفة سيرة كل منهم وفهم طريقة تفكيره ودراسة السيناريوهات المتوقعة للأحكام التي سيصدرونها، وهل يمكن أن يدينوا إسرائيل بـ«جريمة إبادة شعب» في غزة، والأهم من هذا: كيف يمكن لإسرائيل أن تؤثر على المحكمة حتى تمتنع عن إدانتها؟

مبنى سكني دمرته الغارات الجوية الإسرائيلية في دير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء (إ.ب.أ)

وبحسب البروفسور عميحاي كوهين، الخبير في القانون الدولي للنزاعات المسلحة في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، فإنه «لن تكون هناك آثار جنائية على المسؤولين الإسرائيليين إذا حكمت محكمة العدل الدولية ضدها، على الرغم من أن ذلك قد يؤدي إلى تداعيات دبلوماسية شديدة من حيث العقوبات المحتملة وغيرها من التدابير التي يمكن للأمم المتحدة والهيئات الدولية الأخرى اتخاذها ضد إسرائيل».

أضاف: «مع أن هناك مكاناً للتخوف من تعامل المحكمة بإيجابية مع طلب جنوب أفريقيا من هيئتها، (تطبيق إجراءات مؤقتة) قد تشمل إصدار أمر بوقف العمليات القتالية في غزة، لضمان امتثال إسرائيل لالتزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، فإنني لا أظن أن المحكمة ستصدر أمراً صريحاً كهذا، وأنها ستأمر إسرائيل فقط بزيادة المساعدات الإنسانية والوقود والإمدادات الطبية».

وقال كوهين، إن «هناك مجالاً واسعاً للتأثير على المحكمة من الآن. فغالبية القضاة هناك أناس ذوو قامة، ولديهم تجارب من قضايا سابقة، وبعضهم أصدر قرارات حيال الحرب في أوكرانيا وكوسوفو وفي أفريقيا وغيرها. مثل قرار قاضٍ بأن التصريحات الروسية بإبادة أوكرانيا لا تكفي لإدانة روسيا. سيكون صعباً تغيير مواقفهم الآن فقط لأن المتهمة هي إسرائيل».

وصول جرحى فلسطينيين إلى مستشفى الشفاء بعد غارات جوية إسرائيلية على مدينة غزة وسط قطاع (أ.ب)

تمهيد لـ«جرائم الحرب»

وقال البروفسور محمد وتد، رئيس كلية القانون في جامعة صفد في الشمال الإسرائيلي، إنه من الناحية القضائية تعد قضية جنوب أفريقيا خاسرة. لكن المحكمة بحد ذاتها وما سيدور فيها يشكل ساحة ستلحق ضرراً معنوياً كبيراً بإسرائيل؛ إذ إنها ستكشف عن ممارسات إسرائيلية عنيفة جداً ضد الفلسطينيين في غزة، من شأنها أن تكون مادة دسمة لإدانتها ليس في هذه المحكمة، بل في المحكمة المجاورة لها في لاهاي، محكمة جرائم الحرب.

تجدر الإشارة إلى أن الدعوى التي قدمتها جنوب أفريقيا تعتمد بالأساس «على «تصريحات فاشية» تفوه بها عدد من القادة. وبين الإجراءات الإسرائيلية لمواجهة المحكمة، استغلال بند في أنظمتها يقول، إنه في حال أقدم القضاء الإسرائيلي على محاكمة هؤلاء المسؤولين، تسقط الحاجة إلى استخدامها في محكمة لاهاي.

فلسطيني أُصيب في قصف إسرائيلي يتلقى العلاج في المستشفى في مخيم خان يونس للاجئين جنوب قطاع غزة (أ.ب)

ونشرت المستشارة القضائية للحكومة، غالي بهراف ميارا، والنائب العام في الدولة، عميت أسمان، بياناً مشتركاً، أعلنا فيه أن النيابة تفحص التصريحات التي أدلى بها مسؤولون إسرائيليون ويفهم منها «التحريض ودعوة للمساس بالمدنيين غير المذنبين بشكل مقصود». وحذرا من أن هناك احتمالاً بتقديم هؤلاء المسؤولين إلى التحقيق الجنائي، وإن كانوا أعضاء كنيست سيطلب من الكنيست رفع الحصانة عنهم.

وجاء في بيان ميارا وايسمان، أن «دولة إسرائيل عموماً وأجهزتها الأمنية بشكل خاص، ملتزمون بمبادئ القانون الدولي وقوانين الحرب. وكل تصريح يدعو للمساس المقصود بالمدنيين غير المشاركين في الحرب، يكون مناهضاً للسياسة الرسمية، ويمكن أن يشكل مخالفة جنائية للقانون. والنيابة تدرس هذه الملفات حالياً».

وقالت القناة 13، إن بين الملفات التي تدرسها النيابة تصريحات لعضو الكنيست من الليكود موشيه سعدة، قال فيها إنه «واضح الآن أن اليمين صدق في مواقفه من القضية الفلسطينية. وأينما تذهب اليوم تسمع كلمة (أبيدوهم). حتى في الكيبوتسات يريدون إبادتهم. رفاقي الذين عملت معهم في النيابة يقولون لي: (يجب إبادة كل الغزاويين)». لكن سعدة ادعى لاحقاً أنه قصد بذلك رجال «حماس».

كذلك، هناك ملف عضو الكنيست نيسيم فيتوري، وهو أيضاً من الليكود، وقد دعا في منشور له على «إكس»، إلى أنه «يجب إحراق غزة الآن. يجب محو غزة عن وجه الأرض». وعاد لتكرار تصريحه يوم الأربعاء، فطالب «بإحراق قطاع غزة دون رحمة». ونقلت صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية، عن نسيم قوله، قبيل يوم واحد من انطلاق جلسة محكمة العدل الدولية في لاهاي، بأنه لن يعتذر عما نشره على حسابه الرسمي على «إكس» في السابع عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حين دعا إلى «إحراق» قطاع غزة دون هوادة.

وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير يتفقد بنادق آلية قبل تسليمها لمتطوعين في عسقلان في 27 أكتوبر الماضي (إ.ب.أ)

وكان وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، قد دعا في الثاني عشر من نوفمبر الماضي، إلى القضاء على حركة «حماس» الفلسطينية وكل من يدعمها. وقال: «حتى أكون واضحاً، عندما يقال إنه يجب القضاء على حركة (حماس)، فإن هذا الأمر يعني أولئك من يغنّون ومن يدعمون الحركة، وكذلك الذين يوزعون الحلوى. كل هؤلاء الداعمين إرهابيون يجب القضاء عليهم». وهناك بالطبع ملف وزير التراث، عميحاي آلياهو، الذي قال في مقابلة إذاعية إن «إحدى الطرق التي ينبغي فحص تنفيذها، إلقاء قنبلة نووية على غزة».

يأس فلسطيني

يذكر أن الفلسطينيين، رغم التقدير البالغ في صفوفهم لخطوة جنوب أفريقيا باعتبارها دعماً كبيراً لقضيتهم، لا يبنون كثيراً على المحكمة، ويعتقدون بأن الضغوط الشديدة عليها ستمنعها من اتخاذ قرار بوقف الحرب.

وأصدرت وزارة الخارجية والمغتربين في رام الله، بياناً رحبت فيه بالدعوى، وقالت إن «إسرائيل، وتصريحات مسؤوليها وممارساتها وحربها التدميرية على شعبنا في قطاع غزة هي إبادة جماعية. وأن تشبيه الشعب الفلسطيني «بالحيوانات البشرية وأطفال الظلام» يعكس نوايا قوات الاحتلال بارتكاب هذه الجريمة، بالإضافة إلى القطع الفعلي للماء، والغذاء، والكهرباء، ومنع دخول الدواء، والوقود، واستهداف البيوت، والمستشفيات وأماكن الإيواء، وتدمير محطات توليد الكهرباء وخزانات الماء، بحيث إن من لم يمت بالقصف والدمار، فإنه يموت من الجوع والعطش».

وطالبت الخارجية، محكمة العدل الدولية، بسرعة الاستجابة لطلب الأصدقاء في جنوب أفريقيا للإجراءات المؤقتة، وبشكل عاجل من أجل منع ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، من خلال إصدار قرار بوقف العدوان، وإطلاق النار، والطلب من الدول المتواطئة في ارتكاب الجريمة ضد شعبنا أن تتوقف عن ذلك، وأن تطالب جميع الدول بوقف إطلاق النار الفوري.

وعلى الصعيد الشعبي، نظم مئات المواطنين وقفات في رام الله ونابلس والخليل، تقديراً لخطوة جنوب أفريقيا


مقالات ذات صلة

ميانمار ترفض اتهامها بإبادة الروهينغا أمام «العدل الدولية»

آسيا مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز) p-circle

ميانمار ترفض اتهامها بإبادة الروهينغا أمام «العدل الدولية»

رفضت ميانمار، الجمعة، اتهامها بارتكاب إبادة جماعية في حقّ أقليّة الروهينغا في الدعوى المرفوعة عليها أمام محكمة العدل الدولية، قائلة إنه «لا أساس» لهذه المزاعم.

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
المشرق العربي الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثمانين بمقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك 23 سبتمبر 2025 (رويترز)

غوتيريش يهدد بإحالة إسرائيل إلى محكمة العدل الدولية بسبب «الأونروا»

حذّر الأمين العام ​للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إسرائيل من أنه قد يحيلها إلى محكمة العدل الدولية إذا لم تلغ القوانين التي تستهدف وكالة «الأونروا».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
آسيا يتصاعد الدخان من منزل محترق في قرية غودو زارا شمال ولاية راخين حيث كانت تعيش الغالبية العظمى من الروهينغا البالغ عددهم 1.1 مليون نسمة في ميانمار (أرشيفية - أ.ب)

«العدل الدولية» تنظر قضية الإبادة الجماعية للروهينغا في ميانمار

ستنظر أعلى محكمة للأمم المتحدة اليوم (الاثنين) في قضية تاريخية تتهم ميانمار بارتكاب إبادة جماعية ضد أقلية الروهينغا المسلمة.

«الشرق الأوسط» (لاهاي )
تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أثناء مؤتمر صحافي مشترك في بالم بيتش بفلوريدا في اللقاء الخامس بينهما الثلاثاء الماضي (رويترز) p-circle

تحليل إخباري اختطاف مادورو بعيون إسرائيلية: هل يخدمنا مع إيران؟

لم تكتف إسرائيل بالترحيب بالهجمات الأميركية ضد فنزويلا واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو، بل إن الملابسات كلها فتحت أعين وشهية تل أبيب لما بعد هذه الهجمات وتبعاتها.

نظير مجلي (تل أبيب)
أوروبا أرشيفية من داخل محكمة العدل الدولية (رويترز)

بلجيكا تنضم إلى دعوى جنوب إفريقيا ضد إسرائيل لدى محكمة العدل الدولية

أعلنت محكمة العدل الدولية، الثلاثاء، انضمام بلجيكا إلى الدعوى المرفوعة من جانب جنوب إفريقيا، والتي تتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (لاهاي)

تركيا تدفع لـ«عملية عسكرية بسيطة» ضد «العمال» في العراق

مسلحون من «العمال الكردستاني» في جبل قنديل شمال العراق (رويترز)
مسلحون من «العمال الكردستاني» في جبل قنديل شمال العراق (رويترز)
TT

تركيا تدفع لـ«عملية عسكرية بسيطة» ضد «العمال» في العراق

مسلحون من «العمال الكردستاني» في جبل قنديل شمال العراق (رويترز)
مسلحون من «العمال الكردستاني» في جبل قنديل شمال العراق (رويترز)

لمحت تركيا إلى احتمال شن عملية عسكرية تستهدف عناصر «حزب العمال الكردستاني» في سنجار، شمال العراق، مؤكدة في الوقت ذاته استعدادها للتعامل مع أي حكومة تتولى السلطة في العراق.

وقال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إن حزب «العمال الكردستاني» سيصبح قضية رئيسية في العراق، مشدداً على أنه لا منطقة في تركيا يمكن لهذا «التنظيم الإرهابي» (العمال الكردستاني) أن يحتلها، بينما يقوم باحتلال مساحات واسعة من الأراضي في العراق.

وتساءل فيدان: «كيف يمكن لدولة ذات سيادة أن تسمح بحدوث ذلك؟»، لافتاً إلى أن «تغييرات في المنطقة قد تحدث قريباً»، بما في ذلك سنجار ومخمور وقنديل.

عملية عسكرية في سنجار

وقدم الوزير التركي تفاصيل ميدانية عن توزيع مراكز القوى الجديدة لحزب «العمال». وقال إن مخمور (جنوب أربيل بمحاذاة محافظة نينوى) تضم الأجهزة المدنية للحزب، بينما تضم ​​سنجار (شمال غربي الموصل قرب الحدود مع سوريا) العناصر العسكرية، في حين تتمركز عناصر القيادة والسيطرة في جبال قنديل. وتظل معاقل الحزب في منطقة كاره (شمال شرقي مدينة دهوك قرب الحدود مع تركيا) على الجانب الآخر من المنطقة التي تغطيها عملية «المخلب» العسكرية التركية.

فيدان خلال لقاء مع رئيس «الحشد الشعبي» صالح الفياض في أنقرة يوم 30 أغسطس 2025 (الخارجية التركية)

وتحدث فيدان عن احتمال شن عملية عسكرية تستهدف وجود «العمال الكردستاني». وقال خلال مقابلة تلفزيونية ليل الاثنين- الثلاثاء، إن قضاء سنجار «محاط بعناصر (الحشد الشعبي) الذي عقدنا مع رئيسه فالح الفياض نحو 20 اجتماعاً بهدف حسم الأمر».

وقال فيدان: «إنها عملية عسكرية بسيطة؛ يتقدم (الحشد الشعبي) براً في القضاء، وتنفِّذ تركيا عمليات جوية، ولن يستغرق سوى يومين أو 3 أيام».

وأطلقت تركيا منذ 2024 مبادرة للتفاوض مع زعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين عبد الله أوجلان، أسفرت عن إطلاقه نداء للحزب في 27 فبراير (شباط) 2025، للحزب لحل نفسه وإلقاء أسلحته، في إطار ما أطلق عليها «عملية السلام والمجتمع الديمقراطي».

واستجاب الحزب بإعلان وقف إطلاق النار، ثم إعلان حل نفسه في 12 مايو (أيار) من العام ذاته، وأعقبت ذلك مراسم رمزية لإحراق الأسلحة في جبل قنديل، يوم 11 يوليو (تموز)، ثم إعلان سحب جميع المسلحين من تركيا إلى مناطق الدفاع الإعلامي (ميديا) في جبل قنديل، يوم 26 أكتوبر (تشرين الأول)، ولا يزال البرلمان التركي يدرس اتخاذ تدابير قانونية لمواكبة هذه الخطوات.

موقف بغداد

وشدد فيدان على أن الحكومة العراقية ستضطر إلى إظهار إرادة حقيقية تجاه «العمال الكردستاني»، مؤكداً أنه لا يمكنه ولا ينبغي له البقاء في سنجار.

وقال فيدان: «قبل 6 أو 7 سنوات، كان الهدف هو تركيا، وكانت هناك توازنات أخرى في العراق، أما الآن، عملياً، لم تعد هذه هي الحال»؛ مشيراً إلى أن «الحكومة العراقية بدأت معالجة هذه القضية مع وصول رئيس الوزراء العراقي السابق مصطفى الكاظمي إلى السلطة».

وذكر أنه خلال فترة حكومة محمد شياع السوداني، بدأ حزب «العمال الكردستاني» تدريجياً ترسيخ وجوده في بغداد، ولطالما كانت حجتنا هي أن الحزب منظمة إرهابية تأسست ضد تركيا، ولكنها لا تحتل أي أرض في تركيا، ومع ذلك يحتل مساحات شاسعة من الأراضي في العراق، كما يحتل أراضي في سوريا، وقلنا: «لقد أصبحت المشكلة مشكلتكم أكثر منها مشكلتنا».

صورة تجمع بين الوزراء والمسؤولين المشاركين في الاجتماع الخامس لآلية التعاون الأمني بين تركيا والعراق في أنطاليا يوم 13 أبريل 2025 (الخارجية التركية)

وخلال العامين الماضيين، توصلت أنقرة والعراق إلى آلية للتعاون الأمني رفيع المستوى، للتعامل مع تهديد حزب «العمال الكردستاني» واعتباره «تنظيماً إرهابياً»؛ حيث عُقدت 5 اجتماعات في أنقرة وبغداد، كان آخرها على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي، جنوب تركيا، في 13 أبريل (نيسان) 2025، بمشاركة وزراء الخارجية والدفاع ورئيسي المخابرات، وممثل لـ«الحشد الشعبي».

وأعلن مجلس الأمن الوطني العراقي حزب «العمال الكردستاني» الذي خاض صراعاً مسلحاً ضد تركيا منذ عام 1984 خلَّف نحو 40 ألف قتيل كما تقول أنقرة، تنظيماً محظوراً، في أعقاب زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان للعراق في 22 أبريل 2024.

بين سوريا والعراق

وقال فيدان إن للملف الكردي في سوريا بعداً عراقياً؛ مشيراً إلى أنه بعد الانتهاء من الملف السوري، سيكون هناك الجانب العراقي، معرباً عن أمله في أن يستخلص العراق الدروس مما حدث في سوريا (الاتفاق على اندماج قوات «قسد» في الجيش السوري)، وأن يتخذ قرارات أكثر حكمة تسهِّل مرحلة الانتقال هناك.

الرئيسة المشاركة لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» تولاي حاتم أوغولاري خلال تصريحات الثلاثاء (حساب الحزب في إكس)

بدورها، انتقدت الرئيسة المشاركة لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» التركي المؤيد للكرد، تولاي حاتم أوغولاري، تصريح فيدان بأن على العراق أن ينظر إلى ما حدث في سوريا، وحديثه عن أن المرحلة القادمة ستكون في العراق بعد الانتهاء من سوريا، ووصفته بأنه «مؤسف للغاية».

وقالت أوغولاري، في تصريح عقب اجتماع المجموعة البرلمانية لحزبها، الثلاثاء: «لا نرى تصريح فيدان متوافقاً مع روح عملية السلام في تركيا».

الموقف من نوري المالكي

من ناحية أخرى، وبخصوص ترشح رئيس الوزراء العراقي الأسبق، نوري المالكي، لمنصب رئيس الوزراء مجدداً، قال فيدان إن سياسة تركيا الرسمية لم تكن معارضة لأي حكومة أو رئيس وزراء يصل إلى السلطة عبر الانتخابات أو البرلمان، وبخاصة في العراق، وتابع: «سنعمل مع أي شخص يصل إلى السلطة».

نوري المالكي (رويترز)

وذكر الوزير التركي أن المشكلات التي ظهرت خلال فترة المالكي في الماضي، دفعت البعض إلى الاعتقاد بأن هذه المشكلات نفسها ستعود للظهور، لافتاً إلى أن معارضة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لترشيحه، ستؤخذ بعين الاعتبار في العراق.

وأضاف فيدان أن هناك قرارات صادرة عن مجلس الأمن الدولي بشأن العراق، وأن عائدات النفط العراقي لا تزال تُحوَّل إلى الولايات المتحدة، وإذا لم تصل مبالغ معينة من الدولارات إلى البنوك العراقية من نيويورك شهرياً، فلن يكون للاقتصاد العراقي أي فرصة للاستمرار.

ولفت إلى أن هذه الآلية لا تزال قائمة، ولدى أميركا كثير من الموارد المتاحة، كما أنها تمتلك أداة العقوبات ضد العراق، وتُذكِّرهم بذلك بين حين وآخر.


وزير إسرائيلي يصف إجراءات الضفة الغربية بأنها «سيادة واقعية» ويستبعد قيام دولة فلسطينية

وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين (رويترز)
وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين (رويترز)
TT

وزير إسرائيلي يصف إجراءات الضفة الغربية بأنها «سيادة واقعية» ويستبعد قيام دولة فلسطينية

وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين (رويترز)
وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين (رويترز)

قال وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين، الثلاثاء، إن الإجراءات التي تبنتها الحكومة والتي تعزز السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة ترقى إلى مستوى تنفيذ «سيادة واقعية»، مستخدماً لغة تعكس تحذيرات النقاد بشأن الغرض من وراء هذه التحركات.

ووفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية»، قال كوهين، لإذاعة الجيش الإسرائيلي إن هذه الخطوات «تؤسس في الواقع حقيقة على الأرض مفادها أنه لن تكون هناك دولة فلسطينية». ووصفت الأطراف الفلسطينية والدول العربية وجماعات حقوق الإنسان التحركات التي تم الإعلان عنها الأحد بأنها ضمٌ للأراضي التي يقطنها نحو ثلاثة ملايين وأربعمائة ألف فلسطيني يسعون لجعلها دولة مستقبلية لهم.

وتأتي تعليقات كوهين عقب تصريحات مماثلة أدلى بها أعضاء آخرون في حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بمن فيهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الدفاع يسرائيل كاتس.


أنقرة: لا انسحاب عسكرياً من سوريا بعد

عناصر من «قسد» خلال الانسحاب من الحسكة الثلاثاء (رويترز)
عناصر من «قسد» خلال الانسحاب من الحسكة الثلاثاء (رويترز)
TT

أنقرة: لا انسحاب عسكرياً من سوريا بعد

عناصر من «قسد» خلال الانسحاب من الحسكة الثلاثاء (رويترز)
عناصر من «قسد» خلال الانسحاب من الحسكة الثلاثاء (رويترز)

أكدت تركيا أن سحب قواتها من سوريا ليس مطروحاً، على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج الموقّع بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تشكل «وحدات حماية الشعب الكردية» عمادها الأساسي.

في الوقت ذاته، أفادت تقارير بسعي تركيا إلى نقل نحو ألفين من مواطنيها المنضمين إلى تنظيم «داعش» الإرهابي، ممن كانوا في السجون الخاضعة لسيطرة «قسد» ونُقلوا إلى العراق.

وقال وزير الدفاع التركي، يشار غولر، إن «انسحاب القوات التركية في سوريا ليس مطروحاً على جدول الأعمال، وليست لدينا نية للانسحاب أو مغادرة الأماكن التي توجد بها قواتنا في سوريا»، لافتاً إلى أن الأمر نفسه ينطبق على القوات الموجودة في العراق.

وزير الدفاع التركي يشار غولر (الدفاع التركية)

وأضاف غولر، حسبما نقلت عنه صحيفة «حرييت» القريبة من الحكومة التركية، أن «قرار الانسحاب من سوريا ستتخذه الجمهورية التركية، ولن نستمع إلى ما يقوله أي طرفٍ آخر، ولا يوجد مثل هذا القرار حالياً».

ورداً على سؤال بشأن ما إذا كان يمكن القول إن «إرهاب حزب العمال الكردستاني» قد انتهى، بالإضافة إلى بدء اندماج «قسد» في الجيش السوري وتفكيك «وحدات حماية الشعب الكردية»، مما قد يعني انتهاء الإرهاب، قال غولر: «نحن نخطط لجميع البدائل الممكنة، لا توجد أي مؤشرات حالياً على عودة الإرهاب، لكنَّ هذا لا يعني أنه لن يحدث، لذلك، نواصل اتخاذ الاحتياطات اللازمة».

عناصر من «قسد» خلال الانسحاب من الحسكة الثلاثاء (رويترز)

وأضاف أن «تحقيق الاستقرار الكامل ومعايير الأمن في المنطقة شرط أساسي قبل أي تغيير، وأنه من دون خروج العناصر الإرهابية الأجنبية، ومن دون إرساء معايير الاستقرار والأمن بشكل كامل في المنطقة، ستظل آلية المراقبة والسيطرة التركية في المنطقة حاضرة بكل قوتها».

ويقدَّر عدد القوات التركية الموجود في سوريا بنحو 3 آلاف جندي، كما يحتفظ الجيش التركي بعدد من القواعد العسكرية في شمال وشمال شرقي سوريا، و12 نقطة مراقبة حول إدلب، أشارت تقارير إلى أنه تم الانطلاق منها خلال العملية التي أطاحت بنظام بشار الأسد.

انتقادات كردية لفيدان

في السياق ذاته، انتقدت الرئيسة المشارك لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» المؤيد للأكراد، تولاي حاتم أوغولاري، تصريحات لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان، بشأن التطورات في سوريا وإشارته إلى أنه تم الانتهاء من الخطر التي تشكله وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا، وأن المرحلة القادمة ستكون في العراق.

الرئيسة المشاركة لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» التركي المؤيد للأكراد (حساب الحزب)

وقالت أوغولاري في تصريح، عقب اجتماع المجموعة البرلمانية لحزبها، الثلاثاء، إنه يجري العمل على تنفيذ بنود الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين دمشق و«قسد»، ومهمة المجتمع الدولي هي المساهمة في تنفيذه، كما تقع على عاتق تركيا مسؤوليات جسيمة، يجب عدم تخريب الاتفاق، ولم يعد لدى الحكومة التركية أي عذر.

ووصفت تصريحات فيدان، التي جاءت في مقابلة تلفزيونية ليل الاثنين - الثلاثاء، بأنها «غير موفقة».

وكان فيدان قد ذكر خلال المقابلة، أن الأكراد في سوريا سينظرون إلى الأمور من زاوية مختلفة كما هو الحال في تركيا، إذا أُتيحت لهم فرص وتوفرت بدائل، مشيراً إلى أن انسحاب «وحدات حماية الشعب الكردية (قسد)» من المناطق التي تحتلها في شمال شرقي سوريا، بشكل كبير، وتمركزها في مناطق يسكنها الأكراد، يُعد وضعاً أفضل بكثير من السابق، لكن من الممكن الوصول إلى وضع أفضل من هذا أيضاً.

فيدان خلال مقابلة تلفزيونية مساء الاثنين - الثلاثاء (الخارجية التركية)

ولفت فيدان إلى استمرار العلاقة بين قائد «قسد» مظلوم عبدي، وحزب العمال الكردستاني، وأن الأكراد في سوريا ما زالوا يشعرون بحالة من انعدام الثقة، لأن هناك دعاية من جانب «قسد» تحاول تصوير كل عربي سُني، بما في ذلك الحكومة السورية، على أنه داعشي.

وأوضح أن للملف الكردي في سوريا بعداً عراقياً، مشيراً إلى أنه بعد الانتهاء من الملف السوري، سيكون هناك الجانب العراقي، معرباً عن أمله أن يستخلص العراق الدروس مما حدث في سوريا، ويتخذ قرارات أكثر حكمة تسهّل مرحلة الانتقال هناك.

تركيا لاستعادة الداعشيين

في الوقت ذاته، أفادت تقارير بوجود اتصالات بين أنقرة وبغداد وواشنطن حول نقل مواطنين أتراك من أعضاء «داعش»، نُقلوا من سجون شمال شرقي سوريا إلى العراق، لمحاكمتهم في تركيا.

قافلة تحمل عناصر من «داعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)

وحسبما ذكرت صحيفة «كيسا دالغا»، الثلاثاء، يُزعم أن الفارين من منفذي عملية إرهابية لـ«داعش» في أنقرة في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2015، مدرجون على قائمة العناصر التي تطالب تركيا بنقلهم إليها لمحاكمتهم بتهمتي «ارتكاب جرائم ضد الإنسانية» و«الإبادة الجماعية»، منهم إلياس أيدين، الملقب بـ«أبو عبيدة» والمُدرج في الوثائق بصفته أمير «داعش» في إسطنبول، وهو مطلوب بموجب نشرة حمراء، ومن بين المسلحين المقرر ترحيلهم إلى العراق.

وذكر التقرير أن هناك نحو 2000 مواطن تركي محتجزين في سجون شمال سوريا أعلنوا عن هوياتهم، لكن لم يتم تحديد هويات جميع مقاتلي «داعش» بشكل نهائي، ويزعم أن عناصر «داعش» يُخفون جنسياتهم بناءً على تعليمات تنظيمية، وحرصاً على سلامتهم بعد خروجهم من السجن.