مفاتيح غروندبرغ: التزامات خريطة السلام اليمني

تبدأ بوقف نار وتنتهي بعملية سياسية شاملة

المبعوث الأممي لليمن هانس غروندبرغ خلال مشاركته في مشاورات اليمنية ـ اليمنية برعاية خليجية في نهاية مارس 2022 (أ.ف.ب)
المبعوث الأممي لليمن هانس غروندبرغ خلال مشاركته في مشاورات اليمنية ـ اليمنية برعاية خليجية في نهاية مارس 2022 (أ.ف.ب)
TT

مفاتيح غروندبرغ: التزامات خريطة السلام اليمني

المبعوث الأممي لليمن هانس غروندبرغ خلال مشاركته في مشاورات اليمنية ـ اليمنية برعاية خليجية في نهاية مارس 2022 (أ.ف.ب)
المبعوث الأممي لليمن هانس غروندبرغ خلال مشاركته في مشاورات اليمنية ـ اليمنية برعاية خليجية في نهاية مارس 2022 (أ.ف.ب)

قبل 28 شهراً، تحدث رجل سويدي أمام مجلس الأمن قائلاً: ليست لديّ أوهام حول صعوبة المهمة، ولن تكون هناك مكاسب سريعة.

الشاب نفسه الذي عمل سنيناً قبل أن يتولى منصبه الأممي سفيراً للاتحاد الأوروبي لدى اليمن، وقبلها داخل دهاليز وزارة الخارجية في استوكهولم؛ حصل بعد عامين ونيّف، على التزامات شكلت عناصر سوف ترسم خريطة السلام اليمني، أولها وقف النار وآلية تثبيته وآخرها عملية سياسية شاملة، وأكثرها إثارة خروج القوات غير اليمنية، وهو ما كشفه هانس غروندبرغ المبعوث الأممي لدى اليمن خلال حوار موسع مع «الشرق الأوسط» جرى كتابياً وأتبعته مكالمة هاتفية.

وتقول مصادر غربية ويمنية لـ«الشرق الأوسط»، إن خروج القوات غير اليمنية يرتبط بإنجاز المرحلة الأولى ومدتها 6 أشهر. وشرحت المصادر ذاتها مصطلح «القوات غير اليمنية»، وقالت إنه يشمل «قوات التحالف، وقوات فيلق القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، وقوات (حزب الله) اللبناني وعناصرهم».

المبعوث الخاص للأمم المتحدة في إحدى إحاطاته لمجلس الأمن حول الوضع اليمني (أ.ف.ب)

هذه الالتزامات مقسمة بحسب المبعوث على مراحل، وستكون تفاصيلها واضحة في خريطة الطريق التي ترعاها الأمم المتحدة. وسيبدأ تنفيذ الالتزامات بمجرد اتفاق الأطراف على الخريطة برعاية الأمم المتحدة، والتي ستشمل المراحل وآليات التنفيذ.

في المقابل، يجد المبعوث انتقادات مختلفة وشكوكاً في استطاعته على إنجاح المهمة.

يقول البراء شيبان، الزميل المشارك في المعهد الملكي البريطاني للدفاع والأمن (روسي)، لـ«الشرق الأوسط»: «يحتاج المبعوث الأممي إعادة ترتيب أولوياته حتى تتوافق مع احتياجات اليمنيين في تعزيز سلطات الدولة وإعادة بناء المؤسسات التي انهارت طيلة فترة الحرب».

يعي غروندبرغ أنه من الطبيعي أن تكون الثقة مفقودة بين طرفي الحرب، لهذا سيعمل على بنائها، ولكن ليس بالخطوات الإنسانية، أو الاتفاقات التي لا يمكن تنفيذها، بل بالهياكل أو البنى الحوارية (dialogue structures)، متكئاً على «مداخل السلام».

وقبل الاسترسال في القصة تجدر الإشارة إلى رسالة المبعوث لليمن واليمنيين بمناسبة العام الجديد، إذ قال: «أتمنى لليمن سلاماً يليق بصمود شعبه وبقدر المعاناة التي خلفتها سنون الحرب، سلاماً عادلاً وشاملاً ومستداماً يؤسس لمستقبل يأمن فيه اليمنيون واليمنيات على حيواتهم وحياة أبنائهم، ويُمَكِّنهم من التطلع لما هو أبعد من حد الكفاف، ويكفل كامل حقوقهم وحرياتهم».

عناصر الخريطة

ترمي الوساطة الأممية بحسب المبعوث، إلى حوار سياسي جاد يهدف بشكل واضح لإنهاء النزاع والتأسيس لسلام مستدام ومستقبل يلبي تطلعات اليمنيين في الحكم الخاضع للمساءلة والتنمية الاقتصادية والمواطنة المتساوية. يقول غروندبرغ إن «الأطراف التزمت بالفعل بالعمل معنا من أجل تحقيق هذه الغاية». مضيفاً: «نحرص على أن تتضمن خريطة الطريق الأممية التزاماً واضحاً من الأطراف بخطوات ملموسة نحو استئناف عملية سياسية شاملة وجامعة يملكها اليمنيون برعاية أممية».

هذه الالتزامات تشكل عناصر خريطة السلام التي يتحدث عنها المبعوث، وقال إنها تسعى لتفعيل وتنفيذ التزامات الأطراف التي تشمل «وقف إطلاق نار في عموم اليمن، وفتح الطرق في تعز وغيرها من المحافظات، ودفع رواتب القطاع العام بجميع أنحاء البلاد، واستئناف تصدير النفط، والمزيد من تخفيف القيود على مطار صنعاء وميناء الحديدة، وإطلاق سراح المحتجزين لأسباب ترتبط بالنزاع، والتحضير لعملية سياسية جامعة يملكها اليمنيون برعاية أممية. كما التزمت الأطراف برحيل القوات غير اليمنية (وهي التي قالت المصادر إنها تشمل التحالف، وفيلق القدس، وقوات حزب الله وعناصره)، وإعادة الإعمار، والانخراط في عملية سياسية جامعة للتوصل إلى حل سياسي شامل ودائم. وقد تعهدت الأطراف بهذه الالتزامات تجاه الشعب اليمني، وليس فقط تجاه بعضهم».

ويؤمن المبعوث بأن هناك كثيراً من المعوقات التي تقف حائلاً دون بدء مفاوضات سياسية شاملة للتوصل إلى حل مستدام للنزاع، ويرى أن أولها انخفاض مستوى الثقة بين الأطراف بعد سنوات طويلة من الحرب. ويقول: «أنا مدرك لصعوبة الأمر وتعقيده الشديد». ويعتقد بأن الحل يكمن في استدامة الحوار كوسيلة لبناء الثقة وحل الخلافات وإحراز التقدم، وهو هدف رئيسي لخريطة الطريق الأممية التي نسعى لتحقيق التوافق حول بنودها مع الأطراف. «إذا وُجِدَت الإرادة السياسية لاستدامة الحوار بحسن نية، وصَدَقَ مقصد إبداء مصلحة الشعب اليمني على المكاسب السياسية والعسكرية قصيرة النظر، فالتغلب على كل المعوقات ممكن واستئناف العملية السياسية والتوصل إلى تسوية سياسية جامعة هي أهداف ممكنة التحقيق».

توضيح «الالتزامات»

لم تكتمل الخريطة لدى غروندبرغ، إذ يبدو أن الدبلوماسي الأممي لا يفضل تعليب الحلول، أو تجزئتها، وإنما جعل الحل يصيغه اليمنيون ويكتبونه بأنفسهم، وإن كانت الطريق طويلة وشاقة.

وبسؤاله عن إعلانه نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عن التوصل إلى التزامات، وما جاء بعد ذلك من ردود، أجاب غروندبرغ: «اسمح لي بتوضيح بعض ما التبس بخصوص ما تم التوصل إليه الآن، وما نحن بصدده في الفترة المقبلة. أدت النقاشات التي دارت على مدى الأشهر السابقة لتوافق الأطراف حول عدد من الالتزامات. وأنا ممتن للدور الذي لعبته المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان من أجل الوصول إلى هذه النقطة، فقد كان هدف الدعم الإقليمي والدولي في الفترة السابقة تقريب الأطراف من الاجتماع تحت رعاية الأمم المتحدة للتقدم نحو الدفع بتسوية سياسية جامعة ومستدامة. وبالفعل، توصلت الأطراف إلى عدد من الالتزامات بخصوص وقف إطلاق للنار يشمل عموم اليمن، وعدة إجراءات لتحسين ظروف المعيشة، واستئناف عملية سياسية جامعة برعاية أممية. ووافقت الأطراف أيضاً على أن أعمل ومكتبي معهم من أجل تفعيل تلك الالتزامات من خلال خريطة طريق أممية. فالمقصد من خريطة الطريق الأممية أن تكون وثيقة لتفعيل ما توصلت الأطراف إليه من التزامات بالفعل من خلال تحديد آليات التنفيذ اللازمة للإيفاء بتلك الالتزامات، كما سترسم خريطة الطريق أيضاً الخطوات المقبلة بما يشمل التحضير من أجل استئناف عملية سياسية جامعة بقيادة يمنية ورعاية أممية».

 

وتابع بالقول: «سأعقد وفريقي حواراً مع الأطراف حول عناصر خريطة الطريق الأممية في الأيام المقبلة تفعيلاً لما التزموا به. فمهمتنا في الفترة المقبلة تركز على بناء توافق حول آليات التنفيذ، وحول كيفية البناء على التزامات الأطراف من أجل استئناف العملية السياسية».

مداخل السلام

مفاتيح غروندبرغ لا تشبه أسلافه، لم يستخدم اتفاقاً إطارياً أو سعى تجاه فسيفساء من الاتفاقات التي يستحيل تنفيذها على الأرض، ولم يصل إلى نقطة توافق كبيرة كتلك التي كادت تنهي الأزمة في مشاورات الكويت، ولم يُصِغ اتفاقات سلام وشراكة تنتهي بتمكين طرف من الانقلاب، لعله استفاد من تلك الدروس، أو على الأقل اتخذ من استراتيجية النفس الطويل مساراً هادئاً. يقول المبعوث: «جزء مهم من تركيزنا في المرحلة الحالية، وفي سياق بناء التوافق حول خريطة الطريق منصب على تأمين مشاركة الأطراف في بُنَى حوارية على المسارات السياسية والاقتصادية والعسكرية تدعم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه من إجراءات لتحسين الظروف المعيشية في اليمن على المدى القصير، وتبتدئ النقاش حول القضايا طويلة الأمد التي تضمن استدامة تلك الإجراءات، وتمهد للوصول إلى تسوية سياسية جامعة».

وللاستدلال على ذلك، يستحضر المبعوث تفعيل تلك المنصات الحوارية منذ الهدنة، «كانت أولاها لجنة التنسيق العسكري التي جمعت ممثلين للأطراف عملوا معاً أثناء شهور الهدنة على خفض حدة التوترات والتعامل السريع مع أي مخالفات حتى لا تنفلت الأمور وينهار الاتفاق... استمر عملنا مع أعضاء اللجنة حتى بعد انتهاء الهدنة لضمان استمرار خفض التصعيد وللنقاش حول محددات اتفاق وقف إطلاق النار المأمول وطرق المضي قدماً نحو إجراءات أمنية انتقالية مسؤولة وواقعية. ونسعى الآن للتوصل إلى اتفاق حول إنشاء آلية يقودها الأطراف بتيسير أممي لإدارة وقف إطلاق النار المرتقب بناءً على تجربة لجنة التنسيق العسكري».

وتقول الأمم المتحدة إنها مستمرة في الدفع نحو الجمع بين الأطراف في منصات حوارية مماثلة اقتصادية وسياسية كلبنة أولى في طريق التوصل إلى حل شامل، وهو أمر يسانده الفاعلون الإقليميون والدوليون في إطار دعمهم لجهود الوساطة الأممية. وهناك يقين لدى غروندبرغ بأن «استدامة الحوار هي الضمان الرئيسي لاستمرار الحركة في اتجاه الحل السياسي ولتجنب النكوص عن الالتزامات. وتقع على عاتق الأطراف مسؤولية الالتزام بمواصلة العمل بشكل بناء معنا، ومع بعضهم، لضمان الحفاظ على الزخم واستمرار التقدم».

وتصف هانا بورتر وهي باحثة في «إيه آر كي»؛ وهي مؤسسة دولية تعنى بالتنمية والأبحاث، الخطوات، بأنها «حاسمة نحو تحسين سبل عيش اليمنيين والحصول على السلع الأساسية والرعاية الصحية. ومع ذلك، من المهم أن نتذكر أن هذه هي القضايا المحددة التي واجهت تحديات متكررة في الجولات السابقة من المفاوضات. ومن غير الواضح كيف سيتم حل هذه المشاكل، أو مدى الالتزام الذي سنراه من كل طرف في دفع الرواتب فعلياً أو فتح الطرق».

شبح البحر

حقق ملف السلام اليمني في عام 2023 اختراقات عديدة. سعت إيران إلى عودة العلاقات مع السعودية وجاء اتفاق بكين برعاية صينية، وزار وفد سعودي صنعاء، وزار وفد من صنعاء الرياض. ونعم اليمنيون بأطول سنة هادئة منذ انقلاب سبتمبر (أيلول) 2014. صحيح أن التهدئة بدأت في الشهر الرابع من عام 2022، لكن العام الماضي كان بأكمله عام خفض التصعيد (باستثناء هجمات تتهم الحكومة الحوثيين بتنفيذها في أكثر من محافظة).

لم يكد ينتهي العام الهادئ حتى خرج الحوثيون بهجمات قال مناهضو الجماعة إنها تستهدف الملاحة الدولية في جنوب البحر الأحمر. نفذ الحوثيون عشرات العمليات العسكرية من صواريخ موجهة وقرصنة ومسيرات مفخخة، وفي المقابل شكلت واشنطن «حارس الازدهار»، وهي تحالف بحري (وصل حتى الآن إلى 22 دولة) وأرسلت رسائل إعلامية، وأخرى عسكرية بصد هجمات وإغراق زوارق، فضلاً عن خطوات ناعمة تتمثل في تصنيف ممولين ومحركي أموال إيرانية تذهب للحوثيين في قوائم العقوبات الأميركية.

سألت «الشرق الأوسط» محمد عبد السلام المتحدث باسم الحوثيين، حول ارتباط تأثير تلك العمليات على السلام الداخلي في اليمن، فأجاب: «نعتقد أن مسار الشأن اليمني لا يتأثر بما يجري في البحر الأحمر والبحر العربي من عمليات محدودة تستهدف إسرائيل فقط».

وتتوسط السعودية بمشاركة عمانية بين الحكومة اليمنية والحوثيين ونجحت في مشوار طويل وطريق ليست مفروشة بالورد من التوسط بين الأطراف وتحقيق اختراق يمهد السلام اليمني، برعاية الأمم المتحدة.

وقال عبد السلام إن «العمليات في البحر الأحمر والبحر العربي لا علاقة لها بالملف اليمني أو مسار السلام والنقاش مع الأشقاء في المملكة برعاية عمانية، كون تلك العمليات مرتبطة بشكل محدد واضح؛ وهي تستهدف السفن الإسرائيلية أو التي لها علاقة بها أو متجهة إلى موانئ الكيان الإسرائيلي كموقف داعم للشعب الفلسطيني، ولتخفيف الحصار الخانق عليه، ولا تستهدف العمليات في البحر الأحمر والبحر العربي أي دولة أخرى في العالم غير إسرائيل، وهذه قواعد اشتباك فرضها الإسرائيلي من خلال فرضه حصاراً خانقاً يستهدف الغذاء والدواء، فضلاً عن القتل الوحشي اليومي للأطفال والنساء».

أمام ذلك يرى البراء شيبان أن هناك إشكالية ستؤثر على عملية السلام في اليمن، وقال إنها «شبيهة بمشكلة حزب الله وعلاقته بالدولة اللبنانية». ويشرح الزميل في معهد «روسي» ذلك بالقول: «يعتقد الحوثيون أن بإمكانهم اتخاذ قرارات متعلقة بأمن البحر الأحمر والسياسة الخارجية لليمن من دون التوافق مع المكونات اليمنية... السياسات الخارجية للدولة لا يتخذها طرف معين، هذه يجب أن تحظى بإجماع وطني وتكون متوافقة مع التزامات اليمن الإقليمية والدولية».

وعند سؤاله: «كيف ترى استمرار الهجمات في البحر الأحمر والتهديد المستمر للملاحة البحرية بباب المندب؟ كيف سيؤثر ذلك على جهود الأمم المتحدة في التوصل إلى خريطة طريق؟»، أجاب غروندبرغ قائلاً: «يراقب الأمين العام للأمم المتحدة والهيئات المختصة بالأمم المتحدة عن كثب، تقارير الهجمات على السفن في البحر الأحمر وباب المندب. وأكّدت الأمم المتحدة مراراً أهمية ضمان احترام القانون الدولي بالكامل فيما يتعلق بالملاحة البحرية وضرورة ضمان حرية الملاحة. كما حذر الأمين العام مراراً من خطورة توسع العنف الذي يستمر في الأراضي المحتلة، وشدد على الحاجة العاجلة إلى وقف إطلاق النار فوراً لأسباب إنسانية لإنهاء المأساة التي تتكشف في غزة. وهنا أود أن أضم صوتي لصوت الأمين العام لدق ناقوس الخطر فيما يتعلق بتوسع رقعة العنف وتهديد أمن وسلامة المنطقة».

وأضاف بالقول: «يظل تركيزي منصباً على اليمن، واليمن يستحق فرصة لتحقيق السلام. ومن أجل هذه الغاية سنحتاج إلى أن تظل البيئة مواتية لاستمرار الحوار البنّاء حول مستقبل اليمن».

من ناحيتها، تقول هانا بورتر إن «هناك قلقاً إضافياً من أن هجمات الحوثيين الأخيرة في البحر الأحمر ستؤدي إلى تقويض عملية السلام». تكمل هانا بالقول: «هذه هي اللحظة التي يشعر فيها الحوثيون بالتمكين بشكل خاص، لذلك قد نرى تردداً منهم في تقديم أي تنازلات خلال المفاوضات».

القضية الجنوبية

«المسألة الجنوبية قضية محورية»، يقول المبعوث: «أؤكد على ضرورة التوافق بشأنها بشكل سلمي يعتمد على الحوار في إطار عملية سياسية تشمل الأصوات الجنوبية على تنوعها، وتوفر الدعم لجميع اليمنيين للتوصل إلى اتفاق حول مستقبل اليمن بصورة تشاركية».

ويعتقد غروندبرغ أن الوساطة السياسية في كثير من الأحيان تتمثل في «الاستفادة من المداخل المتوفرة التي يتوافق الأطراف بشأنها... لقد دعمنا وصول الأطراف إلى الالتزامات التي وافقوا عليها على مدار الأشهر الماضية، وركزنا جهودنا على ضمان أن يكون واحداً من هذه الالتزامات هو الدخول في عملية سياسية جامعة. فبينما تتعدد المداخل، هدفنا ثابت ولم يتغير. وكانت الهدنة بالنسبة لنا أحد هذه المداخل، كما يشكل اتفاق الأطراف على هذه الحزمة من الالتزامات نقطة دخول أخرى. ونحن في الأمم المتحدة سنعمل من خلال أي نقطة بداية متاحة وصولاً إلى حل سياسي مستدام يلبي تطلعات اليمنيين واليمنيات، والذي ينبغي أن يشمل قضية الجنوب».

في هذا السياق، والحديث للمبعوث، «سنعمل مع الأطراف لوضع خريطة طريق لتفعيل الالتزامات التي توافقوا حولها بالفعل. تلك هي نقطة البداية التي ارتضتها الأطراف لنفسها، وعملنا الآن منصب على تفعيل تلك الالتزامات من خلال خريطة طريق أممية، ودعم الأطراف في تنفيذ هذه الالتزامات بعد الاتفاق على خريطة الطريق، والتقدم نحو عملية سياسية. فخريطة الطريق خطوة على مسار السلام، ولن تكون اتفاقاً شاملاً للسلام، ومنها ستبدأ الاستعدادات للعملية السياسية»، متابعاً: «تهدف تلك المرحلة التحضيرية إلى أن تكون منفتحة وجامعة إلى أقصى حد ممكن، وستشكل العملية السياسية المنبر لمعالجة القضايا السياسية طويلة المدى التي تهدف إلى حل النزاع بشكل مستدام».

المرأة... الشباب... النسيج الاجتماعي

سألت «الشرق الأوسط» المبعوث الأممي: «لماذا لا نرى الشباب ممثلاً في الحكومة ومختلف الكيانات السياسية؟ ونعني الشباب هنا الشبان والفتيات»، فقال: «هذا سؤال وجيه للحكومة ومختلف الكيانات السياسية. المشاركة السياسية للشباب والشابات تمثل قيمة أساسية ومبدأ أساسياً في المنظومة القيمية للأمم المتحدة، وهو موضوع ركز عليه كثير من قرارات مجلس الأمن».

وتابع غروندبرغ بإسهاب: «إلى جانب الإطار القانوني والقيمي، دعنا نفكر في الأمر بمنطقية. شباب اليمن هو مستقبله، ونساء اليمن هن نصف شعبه، إقصاء النساء والشباب من دوائر صنع القرار إقصاء لنصف اليمن وكامل مستقبله. وإشراك الشباب والنساء بشكل فعال أمر أكثر تعقيداً من مجرد التمثيل، إلا أن التمثيل جزء بالغ الأهمية من المعادلة. وندعو الأطراف باستمرار لإشراك النساء والشباب في اجتماعهم بالأمم المتحدة ووفود التفاوض وفي دوائر صنع القرار».

وأوضح المبعوث أن مكتبه بدأ في مجهود توسيع نطاق التشاور بشأن العملية السياسية المرتقبة في اليمن، «عقدنا في الأشهر الماضية عدداً من المشاورات مع ناشطات ونشطاء سلام وخبيرات وخبراء يمنيين في الأردن وعدن ومصر، كما تشاور فريقي مع مجموعة من الإعلاميين وناشطي المجتمع المدني في عدن ومأرب وحضرموت، بالإضافة للمشاورات المستمرة مع ممثلي السلطة المحلية والفاعلين الأمنيين والأحزاب السياسية والوسطاء المحليين على الأرض. ونسعى لتوسيع نطاق تواصلنا مع المجتمعات اليمنية بشكل مباشر لإثراء جهود الوساطة الأممية برؤى وأولويات واهتمامات اليمنيين على تنوعهم، وللتوصل إلى صيغ تشاركية وجامعة في تصميم العملية السياسية المأمولة في اليمن».

برز سؤال آخر: «لطالما أسألك كلما تقابلنا عن النسيج الاجتماعي اليمني وكيف يستطيع اليمنيون في ظل صراع كبير، وهناك صراعات أخرى ليست أصغر تفجرت من رحم هذا الصراع، فهناك مشاكل شمال وجنوب، وهناك صراع آيديولوجي، وهناك اتهامات لحركات قومية وعنصرية بدأت تتسلل وتجد جمهوراً كبيراً، فكيف يستطيع اليمنيون الحفاظ على النسيج الاجتماعي اليمني في ظل تلك العوامل؟»، أجاب غروندبرغ بالقول: «كلما طال أمد النزاع، استمرت الظروف المواتية لتأجيج الاستقطاب والتشرذم. طريق المصالحة والتعايش السلمي طريق شاقة وطويلة لا تنتهي بالتسوية السياسية، بل تبدأ بها. وأكرر مجدداً أن السبيل هي استدامة الحوار على كل المستويات الوطنية والمحلية مهما بلغ قدر الاختلافات للتوصل إلى تفاهمات توافقية وصيغ تشاركية وتقريب وجهات النظر. بالرغم من طول سنوات الحرب وتعقيد المشهد السياسي والاستقطاب الذي صاحب تلك الظروف، فإن هناك قدراً ملحوظاً من التكافل والتعاضد في المجتمعات اليمنية وجهوداً مشكورة من منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص اليمني لسد بعض الفجوات المتعلقة بالخدمات الأساسية وللمساعدة في جهود الإغاثة الإنسانية. كما أن صمود اليمنيين وعمل المجتمع المدني الدؤوب من أجل الحفاظ على النسيج الاجتماعي والتصدي للنعرات الطائفية والمناطقية رغم التحديات؛ كل ذلك يعد أمراً ملهماً ويستحق الإشادة».

الأوضاع الاقتصادية

التعثر والتشرذم الاقتصادي من مسببات المعاناة الرئيسية في اليمن، يقول غروندبرغ: «إنه مجال شهد قدراً كبيراً من التصعيد في الآونة الأخيرة. تسليح الاقتصاد على هذا النحو أمر مكلف للغاية بالنسبة للمدنيين ويجب أن يتوقف. وقد توصلت الأطراف بالفعل إلى عدة التزامات في الملف الاقتصادي؛ منها دفع رواتب القطاع العام واستئناف صادرات النفط. وستعمل خريطة الطريق الأممية على إطلاق لجنة اقتصادية مشتركة بتيسير الأمم المتحدة من أجل دعم تنفيذ تلك الالتزامات وتوفير مساحة للحوار في حال ظهور الخلافات أثناء عملية التنفيذ، وبناء الثقة وبدء المناقشات حول الأولويات الاقتصادية طويلة المدى».

يضيف المبعوث أنه «لا يمكن فصل المسار الاقتصادي عن المسار السياسي أيضاً»، إذ كشفت الأشهر الماضية «عن حجم المعاناة التي خلفتها سنوات الحرب، والذي ظهر جلياً، ومُؤكِداً بما لا يدع مجالاً للشك أن الحلول الجزئية والمؤقتة لا تكفي، وأن عملية سياسية شاملة هي السبيل الوحيدة لمعالجة القضايا المتعلقة بالتعافي الاقتصادي والإنساني بشكل مستدام». ويرى أن «معالجة الأعراض الآنية للقضايا السياسية العالقة أمر مهم في سبيل تخفيف المعاناة الإنسانية لليمنيين واليمنيات، وهو ما نحن بصدده الآن». إلا أن الحلول لن تكون كافية أو مستدامة دون أن يصاحبها تقدم حقيقي على المسار السياسي.


مقالات ذات صلة

تدمير باليستيين و4 «مسيَّرات» حوثية جنوب السعودية

الخليج اللواء الركن تركي المالكي المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن (الشرق الأوسط)

تدمير باليستيين و4 «مسيَّرات» حوثية جنوب السعودية

أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن اعتراض وتدمير صاروخين باليستيين في خميس مشيط وجازان (جنوب السعودية)، و4 طائرات مسيّرة في خميس مشيط.

«الشرق الأوسط» (خميس مشيط)
الخليج الهجوم الإرهابي الحوثي استهدف أحد الأعيان المدنية لتقديم الخدمات الكهربائية للمسجد النبوي (واس)

الحوثيون يستهدفون محطة لتقديم الكهرباء للمسجد النبوي

أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن وقوع هجوم إرهابي عند الساعة 5:11 دقيقة فجر الثلاثاء على محطة طيبة لتوزيع الكهرباء في المدينة المنورة.

«الشرق الأوسط» (المدينة المنورة)
الخليج صورة بالقمر الاصطناعي لمضيق باب المندب (ناسا)

لتأمين الملاحة... تصاعد التنسيق العسكري الدولي مع الرياض

أكد مراقبون سياسيون أن ازدياد الإدانات الدولية حول تهديد ميليشيا الحوثي للملاحة البحرية واستهداف المملكة يعكس تصاعد الإدراك الدولي بالتهديد الذي تمثله الميليشيا

غازي الحارثي (الرياض)
العالم العربي رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي يتحدث في خطاب للشعب بمناسبة ذكرى ثورة 26 سبتمبر (سبأ)

العليمي يدعو الشعب اليمني إلى التعبئة العامة والنفير لمواجهة الحوثيين

دعا رئيس مجلس القيادة اليمني، رشاد العليمي، أبناء الشعب إلى التعبئة العامة والنفير الوطني والالتفاف حول القوات المسلحة والأمن، والالتحاق بصفوفها.

«الشرق الأوسط» (عدن)
الخليج وقع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في 7 أغسطس الماضي (الرئاسة التركية)

تركيا: «اتفاقية مكة» خطوة قوية لحلول مشاكل المنطقة

وصف الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بأنها «خطوة قوية في الاتجاه الصحيح» لوضع حلول لمشاكل المنطقة نابعة من داخلها

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

تعز تصدّ هجمات حوثية متزامنة هي الأعنف منذ سنوات

عنصر حوثي يغلق أذنيه خلال إطلاقه قذيفة هاون حيث تكثف الجماعة هجماتها على جبهات تعز (أ.ب)
عنصر حوثي يغلق أذنيه خلال إطلاقه قذيفة هاون حيث تكثف الجماعة هجماتها على جبهات تعز (أ.ب)
TT

تعز تصدّ هجمات حوثية متزامنة هي الأعنف منذ سنوات

عنصر حوثي يغلق أذنيه خلال إطلاقه قذيفة هاون حيث تكثف الجماعة هجماتها على جبهات تعز (أ.ب)
عنصر حوثي يغلق أذنيه خلال إطلاقه قذيفة هاون حيث تكثف الجماعة هجماتها على جبهات تعز (أ.ب)

شهدت جبهات محافظة تعز اليمنية خلال الساعات الماضية موجة ضارية من القتال هي الأعنف منذ سنوات مع شن الجماعة الحوثية المتحالفة مع إيران هجمات متزامنة على محاور عدة، وفتحها جبهة جديدة من جهة مديرية سامع، في وقت كثفت فيه القوات الحكومية ضرباتها البرية والجوية واستهدفت تعزيزات وآليات ومواقع حوثية في تعز ولحج وشبوة ومحافظات أخرى.

وتزامن اتساع رقعة المواجهات مع إعلان القوات الحكومية تنفيذ 468 عملية استهداف ضد عناصر وعتاد الحوثيين في الجبهات الشرقية والبيضاء ومنطقة المنصورة في الوازعية غربي تعز، قالت إنها أسفرت عن مقتل وجرح المئات وتدمير معدات وآليات عسكرية.

وتشير التطورات الميدانية إلى انتقال القتال في تعز إلى نمط أكثر اتساعاً، بعدما حاول الحوثيون الضغط على مواقع القوات الحكومية في أكثر من اتجاه، من الجبهة الشمالية للمدينة وشرقها، إلى محاور جبل حبشي ومقبنة والأقروض وسامع، بالتزامن مع استمرار المواجهات في الجبهات الغربية والجنوبية الغربية.

وقال المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري إن القوات الحكومية خاضت معارك عنيفة في بني بكاري بمديرية جبل حبشي، وحمير بمديرية مقبنة، والأقروض جنوب شرقي المحافظة، مؤكداً تكبيد الحوثيين خسائر في الأرواح والعتاد.

قوات الحكومة اليمنية تخوض مواجهات ضارية لمنع الحوثيين من التوغل في تعز (إعلام عسكري)

وفي الجبهة الشمالية، أفادت مصادر ميدانية بأن القوات الحكومية تصدت لهجوم واسع للحوثيين في منطقة الأربعين، بالتزامن مع إحباط محاولات تسلل في الكريفات وعقبة منيف والتشريفات شرقي مدينة تعز.

وامتدت المواجهات إلى جبهة الشقب في مديرية صبر الموادم، بينما استمر القصف المدفعي المتبادل بكثافة على الجبهة الشرقية للمدينة.

وفي تطور لافت، دخلت جبهة سامع على خط المواجهات المكثفة، وسط إفادات محلية عن تراجع العناصر الحوثية بعد تعرضها لضربات برية، ومقتل وإصابة عشرات من عناصرها، إضافة إلى اغتنام القوات الحكومية بعض العتاد العسكري.

كما تعرضت مناطق مأهولة للقصف الحوثي، إذ قالت مصادر محلية إن الجماعة أطلقت 23 قذيفة هاون على قرى في منطقة الضباب غربي تعز، وسط حالة من الخوف بين السكان.

وفي المقابل، قال المركز الإعلامي لمحور تعز إن الطيران المسيّر استهدف مواقع حوثية في جبهة الكدحة، ودمر مدفعاً عيار 120 ملم وأحرق مخزناً للذخيرة، بينما قصفت القوات مواقع وتجمعات للجماعة في جبل غراب وتبة ياسين والأشروح وعصيفرة والصلو.

ضربات جوية واسعة

تزامنت المعارك مع تكثيف الغارات الجوية على مواقع الحوثيين في تعز ومناطق أخرى. وأفادت المصادر بأن الطيران الحربي نفذ غارات على مواقع وآليات حوثية في جبهات الأكبوش والأحكوم وحيفان جنوب شرقي تعز، بالتزامن مع ضربات استهدفت مواقع للجماعة في الوازعية غربي المحافظة.

وقال المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن القوات الحكومية نفذت عمليات استهداف دقيقة طالت تعزيزات وأسلحة ومعدات حوثية، بينها ثلاث بطاريات مدفعية في جبهة الوازعية، ومنظومة دفاع جوي متنقلة قال إن خبراء إيرانيين طوروها في المخا، إضافة إلى استهداف قيادات وعناصر حوثية في المنصورة ومنطقة باب المندب.

قدرات الحوثيين تتعرض لضربات جوية مكثفة في جبهات القتال كافة (رويترز)

كما أعلن النزيلي في وقت سابق تنفيذ 468 عملية استهداف في ثلاث جبهات، بينها الوازعية، وقال إن العمليات أسفرت عن مقتل وجرح المئات من عناصر الحوثيين وتدمير معدات وآليات تابعة لهم.

وتأتي هذه الضربات ضمن تصعيد عسكري أوسع امتد إلى محافظات صعدة وعمران ومأرب والحديدة وتعز، مع تقارير عن استهداف مواقع ثابتة ومتحركة ومخازن أسلحة وبطاريات وشبكات اتصالات وتعزيزات حوثية.

جبهات ممتدة

لم تقتصر المواجهات على تعز، إذ شهدت الحدود الغربية لمحافظة لحج مع تعز اشتباكات في منطقة الأغبرة الواقعة على أطراف مديرية المضاربة والعارة، بالتزامن مع إعلان القوات العسكرية والقبائل استعادة أجزاء من منطقة المنصورة.

وفي شبوة، أعلنت «قوات دفاع شبوة» إحباط محاولات هجومية وعمليات تسلل حوثية في أربع جبهات هي حريب وعين وبيحان ومرخة العليا، وقالت إن الحوثيين تكبدوا خسائر وأجبروا على التراجع، بالتزامن مع ضربات نفذتها طائرات مسيّرة ضد مواقع وتحركات للجماعة.

عناصر من القوات الحكومية اليمنية حيث تدور المعارك ضد الحوثيين في تعز (رويترز)

ويعكس تزامن هذه العمليات اتساع نطاق المواجهة خارج محاور تعز المباشرة، في وقت تستمر فيه القوات الحكومية في محاولة تثبيت خطوطها الدفاعية ومنع الحوثيين من تحقيق اختراقات جديدة على الجبهات المتصلة بالساحل الغربي ومداخل تعز ولحج.

وبالتوازي مع التطورات العسكرية، بدأت الحكومة اليمنية ترجمة توجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بشأن التعبئة العامة والنفير العام إلى ترتيبات عملية.

ففي عدن، عقد وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي اجتماعاً عسكرياً لمناقشة الإجراءات المطلوبة ورفع مستوى الجاهزية والتنسيق بين الجهات المعنية، مؤكداً أن مواجهة الحوثيين، وفق موقف الحكومة، تتطلب تكامل المؤسسة العسكرية مع مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع.

كما عقد نائب رئيس هيئة الأركان العامة اللواء الركن أحمد البصر اجتماعاً مع اللجان التي شكلها وزير الدفاع، لمناقشة آليات تنفيذ توجيهات التعبئة العامة وتحديد المهام والمسؤوليات، بما يشمل حشد الموارد البشرية والمادية وتعزيز التنسيق بين الجهات المختلفة.


ارتفاع أعداد المشردين جراء الهجمات الحوثية إلى 198 ألفاً

أطفال في مخيم للنازحين بتعز بعد فرار عائلاتهم من الهجمات الحوثية (أ.ب)
أطفال في مخيم للنازحين بتعز بعد فرار عائلاتهم من الهجمات الحوثية (أ.ب)
TT

ارتفاع أعداد المشردين جراء الهجمات الحوثية إلى 198 ألفاً

أطفال في مخيم للنازحين بتعز بعد فرار عائلاتهم من الهجمات الحوثية (أ.ب)
أطفال في مخيم للنازحين بتعز بعد فرار عائلاتهم من الهجمات الحوثية (أ.ب)

اتسعت دائرة النزوح القسري في اليمن مع استمرار التصعيد العسكري الحوثي في مختلف الجبهات، وتدهور الأوضاع الأمنية، ما دفع آلاف الأسر إلى مغادرة منازلها بحثاً عن مناطق أكثر أمناً، وسط احتياجات إنسانية متنامية وقدرة محدودة على الاستجابة.

وحسب التقرير الإنساني الموحد المحدث الصادر عن الوحدة الحكومية لإدارة مخيمات النازحين، ارتفع عدد النازحين المسجلين رسمياً حتى 29 سبتمبر (أيلول) إلى 29,519 أسرة، تضم 197,906 أفراد، يتحدرون من عشر محافظات شملها الرصد الميداني.

وتشير البيانات إلى أن الأسر النازحة لا تواجه فقدان مساكنها فحسب، بل تفقد أيضاً مصادر دخلها وممتلكاتها وسبل عيشها، فيما تصل بعض الأسر إلى مناطق النزوح وهي تفتقر إلى الاحتياجات الأساسية.

أظهرت نتائج التتبع الميداني أن محافظة تعز تستضيف العدد الأكبر من النازحين، إذ بلغ عدد الأسر المسجلة فيها 13,925 أسرة، تضم 97,529 فرداً، موزعين على 15 مديرية. ولا تزال الفرق الميدانية تتابع حركة الأسر التي اضطرت إلى النزوح حديثاً، وترصد مسارات انتقالها واحتياجاتها المتغيرة.

وتأتي لحج في المرتبة الثانية، حيث تستضيف 7,179 أسرة تضم 50,253 فرداً موزعين على تسع مديريات، غالبيتهم قدموا من مناطق النزاع في تعز والحديدة.

موجة النزوح القسري مستمرة مع تصاعد الهجمات الحوثية في اليمن (إعلام محلي)

وفي العاصمة المؤقتة عدن، بلغ عدد الأسر النازحة المسجلة 3,741 أسرة، تضم 17,782 فرداً، موزعين على مديريات المحافظة الثماني.

أما أبين، فسجلت 2,097 أسرة تضم 14,679 فرداً، معظمهم في مخيمات وتجمعات بمديريتي خنفر وزنجبار.

وفي الحديدة، تشير البيانات المتاحة إلى وجود 1,471 أسرة تضم 10,297 فرداً في مديريتي حيس والخوخة. وتتابع الفرق الميدانية مؤشرات على حركة نزوح ثانوية حديثة لبعض هذه الأسر باتجاه عدن، وسط حاجة إلى تقييم أوضاعها والاحتياجات التي فرضها انتقالها الجديد.

وتتوزع بقية الأسر المسجلة على محافظات أخرى، من بينها مأرب بـ412 أسرة، والضالع بـ240 أسرة، وحضرموت بـ214 أسرة، والمهرة بـ124 أسرة، وشبوة بـ116 أسرة.

وأكدت الوحدة المعنية بإدارة مخيمات النازحين أن بيانات محافظة الحديدة ظلت عند آخر تحديث متاح في 8 سبتمبر (أيلول)، فيما تعكس بقية الأرقام التحديثات الميدانية الممتدة حتى 28 من الشهر ذاته.

احتياجات كثيرة

حسب الوحدة الحكومية اليمنية، فإن موجات النزوح الأخيرة جاءت في كثير من الحالات بصورة مفاجئة وتحت ظروف قاسية، ما أجبر أسراً على ترك منازلها وممتلكاتها ومصادر دخلها خلال وقت قصير.

وأضافت أن الخطر لا ينتهي بالنسبة لهذه الأسر بمجرد الوصول إلى منطقة أكثر أمناً، إذ تبدأ رحلة أخرى من الاحتياجات المتعلقة بتوفير المأوى والغذاء والمياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي والرعاية الصحية والحماية.

فصول دراسية مؤقتة للأطفال النازحين في جنوب تعز (إعلام محلي)

ويزيد تدفق النازحين من الضغوط الواقعة أصلاً على المجتمعات المضيفة، التي تواجه بدورها تحديات اقتصادية وخدمية كثيرة، الأمر الذي يوسع الفجوة بين حجم الاحتياجات والموارد المتاحة للاستجابة لها.

وتبرز الحاجة بصورة خاصة إلى حماية الفئات الأكثر عُرضة للمخاطر، وفي مقدمتها الأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة، إلى جانب توفير خدمات الرعاية الصحية الأولية والمياه والإصحاح البيئي وإدارة النفايات.

استجابة عاجلة

في مواجهة اتساع حركة النزوح، تواصل فرق وحدة إدارة المخيمات وغرف عملياتها تسجيل الأسر النازحة والتحقق من بياناتها وتحديث قواعد المعلومات، إلى جانب إحالة الحالات الأكثر احتياجاً إلى الشركاء الإنسانيين.

وجددت الوحدة الحكومية دعوتها السلطات المحلية ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية والجهات المانحة إلى حشد الموارد بصورة عاجلة وتفعيل آليات الاستجابة السريعة، دون انتظار اكتمال جميع التقييمات التفصيلية.

فارون من جحيم الحوثيين لا يمتلكون أي مقومات للحياة (إعلام محلي)

ورأت أن المساعدات المنقذة للحياة ينبغي أن تسير بالتوازي مع عمليات المسح والتقييم الميداني، مع إعطاء الأولوية للأسر التي نزحت حديثاً ولم تحصل بعد على أي مساعدات.

ومع استمرار حركة النزوح، تبدو الحاجة إلى تنسيق أكثر فاعلية بين الجهات الإنسانية ملحة، ليس فقط لتسريع وصول المساعدات، وإنما أيضاً لضمان عدم ترك أسر خارج نطاق الاستجابة أو تكرار المساعدات في مناطق على حساب أخرى.

وتكشف أرقام النزوح اتساع الاحتياجات الإنسانية المرتبطة بالمواجهات، في وقت تجد فيه الأسر التي فقدت مساكنها ومصادر رزقها نفسها أمام رحلة جديدة من البحث عن المأوى والغذاء والخدمات الأساسية.


تحذيرات يمنية من أخطار حوثية عابرة للحدود

حشد حوثي تعبوي في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (إ.ب.أ)
حشد حوثي تعبوي في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (إ.ب.أ)
TT

تحذيرات يمنية من أخطار حوثية عابرة للحدود

حشد حوثي تعبوي في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (إ.ب.أ)
حشد حوثي تعبوي في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (إ.ب.أ)

تزامنت تحذيرات حكومية يمنية من تجنيد الأطفال في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية مع اتهامات للجماعة بتوسيع أنشطتها العسكرية والأمنية إلى ما وراء الحدود اليمنية، وصولاً إلى القرن الأفريقي وتهديد الملاحة والطيران المدني في جنوب البحر الأحمر، في صورة تقول الحكومة إنها تعكس اتساع نطاق المخاطر المرتبطة بالجماعة وداعميها.

وفي أحدث هذه التحذيرات، دعت وزارة حقوق الإنسان اليمنية الأسر في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى حماية أطفالها من الاستدراج والتجنيد والزج بهم في جبهات القتال، وقالت إنها وثَّقت مقتل ما لا يقل عن 100 طفل جندتهم الجماعة خلال المواجهات التي شهدها سبتمبر (أيلول) الماضي.

وقالت الوزارة، في بيان، إن الرقم استند إلى أسماء ومعلومات وصور جرى التحقق منها، وإنه يمثل الحالات التي تمكنت من توثيقها، بينما تشير المعطيات المتوفرة، وفق روايتها، إلى احتمال أن تكون الأعداد الفعلية أكبر.

طلبة مدارس في صنعاء قام الحوثيون بتجنيدهم في صفوف الجماعة (إ.ب.أ)

وأوضحت أن عمليات الاستقطاب شملت، بحسب ما وثَّقته، حالات اختطاف واستدراج لأطفال في محافظات عدة، قبل نقلهم إلى معسكرات التعبئة والزج بهم في جبهات القتال. وحذرت من استخدام ما تسميه الجماعة «الدورات الثقافية» و«المراكز الصيفية» و«برامج التعبئة العامة» في عمليات الاستقطاب، إلى جانب استغلال الظروف الاقتصادية والمعيشية للأسر.

ودعت الوزارة الآباء والأمهات إلى عدم تسليم أبنائهم لأي جهات أو أفراد يعملون على استقطابهم أو إبعادهم عن أسرهم ومقاعد الدراسة، كما طالبت المشايخ والوجهاء والتربويين والشخصيات الاجتماعية في مناطق سيطرة الحوثيين برفض تجنيد الأطفال والعمل على إعادة من جرى استقطابهم إلى أسرهم ومؤسساتهم التعليمية.

وحمّلت الوزارة قيادات الحوثيين والقائمين على عمليات الاستقطاب والتعبئة والتدريب والزج بالأطفال في الأعمال القتالية المسؤولية القانونية عن سلامتهم، معتبرة أن تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاعات المسلحة من الانتهاكات الجسيمة التي تستوجب المساءلة.

كما دعت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المعنية بحماية الطفولة إلى تكثيف الرصد والتوثيق، والضغط لوقف عمليات التجنيد، والعمل على الإفراج عن الأطفال المجندين ودعم برامج إعادة تأهيلهم وإدماجهم في المجتمع.

شبكة تتجاوز اليمن

في سياق التحذيرات الحكومية اليمنية دعت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين، أفراح الزوبة، المجتمع الدولي إلى التعامل مع ما وصفته بنشوء محور تقوده جماعة الحوثيين المدعومة من إيران ويمتد على ضفتي البحر الأحمر وصولاً إلى القرن الأفريقي، باعتباره شبكة مترابطة.

وقالت أفراح الزوبة، في تصريحات رسمية، إن تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن وثَّقت تعاوناً بين الحوثيين وحركة «الشباب» في الصومال يتجاوز تهريب الأسلحة، ليشمل، وفق ما نقلته، نقل الخبرات والتنسيق العملياتي وإرسال مهندسين تابعين للجماعة إلى الصومال للتدريب على تعديل الطائرات المسيَّرة، إلى جانب تدريب مقاتلين من الحركة في معسكرات الحوثيين.

وأضافت أن هذا التعاون، بحسب تقديرها، يعكس سعياً إلى توسيع النفوذ الإقليمي، مشيرة إلى أن تهديد باب المندب يفرض كلفة إضافية على التجارة العالمية، من خلال تغيير مسارات الشحن وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.

مسلحون من حركة الشباب الصومالية (أرشيفية - أ.ب)

وأشارت الوزيرة كذلك إلى اعتراض الاستخبارات الصومالية اتصالات بين الحوثيين وحركة «الشباب» وتنظيم «داعش»، وإلى تعاون عناصر من تنظيم «القاعدة» مع استخبارات الجماعة، وقالت إن الاختلافات المذهبية والآيديولوجية لم تمنع هذه الأطراف من التعاون لتحقيق أهداف مشتركة.

وحددت أربع أولويات للتحرك الدولي، تشمل التعامل مع هذه الشبكات في الأطر القانونية وقوائم العقوبات، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية بشأن أنشطتها في اليمن والقرن الأفريقي، ودعم القوات الحكومية التي تواجه الحوثيين، إضافة إلى إنهاء التعامل مع الحكومة اليمنية والجماعة المسلحة على قدم المساواة.

خطر جديد في الأجواء

بالتوازي مع التحذير من المخاطر البحرية والإقليمية، صعّدت الحكومة اليمنية تحذيرها من تهديد تقول إنه يستهدف سلامة الطيران المدني الدولي فوق جنوب البحر الأحمر.

وفي رسالة إلى رئيس مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة، قالت المندوبية الدائمة لليمن لدى المنظمة الدولية إنها وثقت استخدام الحوثيين أسلحة دفاع جوي إيرانية المنشأ أُطلقت من مناطق سيطرة الجماعة في محافظة الحديدة باتجاه مسارات جوية دولية.

ووفق الرسالة، جرى تعديل هذه الأسلحة داخل اليمن بمشاركة خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني، وتحويلها إلى صواريخ يمكنها البقاء في الجو لمدة تصل إلى 25 دقيقة، بينما تستخدم أنظمة تتبع حراري.

وقالت الحكومة إن إطلاق هذه الأسلحة بالقرب من المسارات الجوية الدولية يمثل، وفق تقييمها، تهديداً مباشراً للطائرات المدنية وركابها، بما في ذلك رحلات الأمم المتحدة والرحلات الإنسانية العاملة في اليمن والمنطقة.

وربطت الرسالة بين هذا التطور والهجمات السابقة على السفن التجارية وتهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب، معتبرة أن الجماعة تطور قدراتها لتوسيع نطاق التهديد من المجال البحري إلى المجال الجوي.

وطالبت الحكومة اليمنية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بالتنفيذ الكامل لحظر السلاح المفروض على الحوثيين بموجب قرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 2216 لعام 2015، وتعزيز التعاون مع الحكومة اليمنية لمنع نقل الأسلحة والمكونات والتكنولوجيا والخبرات العسكرية إلى الجماعة.

صواريخ حوثية ضمن شحنة اعترضتها البحرية اليمنية في وقت سابق (إعلام عسكري)

كما طلبت الحكومة اليمنية تحركاً عاجلاً بالتنسيق مع منظمة الطيران المدني الدولي «إيكاو» والهيئات الدولية المعنية بالطيران لتقييم المخاطر التي تواجه الطائرات والمسارات الجوية فوق جنوب البحر الأحمر واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الطيران المدني.

وأبدت استعدادها لتزويد فريق الخبراء المعني باليمن والجهات الدولية المختصة بالأدلة الفنية والمعلومات المتاحة، بما فيها بيانات مواقع الإطلاق ومسارات المقذوفات، مطالبة بفحصها لتحديد طبيعة الأسلحة ومنشأها وآلية عملها والشبكات المتورطة في نقلها وتطويرها.