البحر الأحمر... خروقات متصاعدة تنذر بالتحول إلى «صندوق بريد» إقليمي

تحركات دولية تتجاوز حدود «حرب غزة»

ناقلة المواد الكيميائية «MT Strinda» التي أعلن الحوثيون باليمن مسؤوليتهم عن هجوم صاروخي عليها قبل أسبوع (أ.ف.ب)
ناقلة المواد الكيميائية «MT Strinda» التي أعلن الحوثيون باليمن مسؤوليتهم عن هجوم صاروخي عليها قبل أسبوع (أ.ف.ب)
TT

البحر الأحمر... خروقات متصاعدة تنذر بالتحول إلى «صندوق بريد» إقليمي

ناقلة المواد الكيميائية «MT Strinda» التي أعلن الحوثيون باليمن مسؤوليتهم عن هجوم صاروخي عليها قبل أسبوع (أ.ف.ب)
ناقلة المواد الكيميائية «MT Strinda» التي أعلن الحوثيون باليمن مسؤوليتهم عن هجوم صاروخي عليها قبل أسبوع (أ.ف.ب)

تتسارع وتيرة التصعيد في البحر الأحمر من ساعة إلى أخرى، على خلفية قيام جماعة «الحوثي» باستهداف قطع بحرية في منطقة مضيق «باب المندب»، ما استدعى تحركات سياسية وأمنية دولية لحماية الملاحة في البحر الأحمر، الذي يمثل ممراً استراتيجياً عالمياً.

وأعلنت خطوط ملاحية وشركات شحن وطاقة عالمية تعليق أعمالها بالمنطقة، أو توجيه سفنها إلى مسارات أخرى حيث «المياه الآمنة»، في ظل مخاوف من خروج التهديدات في المنطقة عن السيطرة وتحولها إلى «صندوق بريد» إقليمي تتبادل فيه دول وقوى عدة الرسائل.

وقالت شركة شحن الحاويات التايوانية «إيفرغرين»، الاثنين، إنها قررت التوقف مؤقتاً عن قبول البضائع الإسرائيلية بأثر فوري، وأصدرت تعليمات لسفن الحاويات التابعة لها بتعليق الملاحة عبر البحر الأحمر حتى إشعار آخر. وأضافت أن السفن الموجودة في الخدمات الإقليمية لموانئ البحر الأحمر ستبحر إلى المياه الآمنة القريبة، وتنتظر إشعاراً آخر، بينما سيعاد توجيه سفن الحاويات التي من المقرر أن تمر عبر البحر الأحمر حول رأس الرجاء الصالح لمواصلة رحلاتها إلى الموانئ.

وانضمت الشركة التايوانية، بذلك لشركة «بريتش بتروليوم»، التي أعلنت، الاثنين، أنها قررت تعليق جميع عمليات النقل عبر البحر الأحمر مؤقتاً، كما سبقتهما شركات وخطوط شحن دولية عدة منها مجموعة الشحن الفرنسية «سي إم إيه - سي جي إم»، وشركة شحن الحاويات الألمانية «هاباغ لويد»، وشركة «إيه بي مولر - ميرسك» الدنماركية، إلى تعليق جميع شحنات الحاويات عبر البحر الأحمر في أعقاب الهجمات على سفن تجارية في المنطقة.

وتأتي تلك التحركات في أعقاب تصاعد هجمات مليشيات الحوثيين التي تستهدف سفناً تجارية تمر عبر مضيق باب المندب، بإطلاق صواريخ ومُسيّرات، مبررين أفعالهم، بأنها من أجل الضغط على إسرائيل والولايات المتحدة، ورداً على الانتهاكات الإسرائيلية في قطاع غزة.

أهمية استراتيجية

ويُعد مضيق باب المندب أحد أهم الممرات الملاحية في العالم لشحنات السلع العالمية المنقولة بحراً، خصوصاً النفط الخام والوقود من الخليج المتجه إلى البحر المتوسط عبر قناة السويس أو خط أنابيب «سوميد»، بالإضافة إلى السلع المتجهة إلى آسيا.

وقالت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، وهي وكالة فيدرالية مسؤولة عن جمع وتحليل ونشر المعلومات عن الطاقة، إن 12 في المائة من إجمالي النفط المنقول بحراً في النصف الأول من 2023، وكذلك 8 في المائة من تجارة الغاز الطبيعي المسال مرت من باب المندب وخط أنابيب «سوميد» وقناة السويس.

وعبر مضيق باب المندب نحو 7.8 مليون برميل يومياً من شحنات النفط الخام والوقود في أول 11 شهراً من 2023، ارتفاعاً من 6.60 مليون برميل يومياً طوال 2022، وفقاً لشركة تحليلات النفط «فورتيكسا».

والأحد، قال الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس، إن هيئة القناة تتابع من كثب التوترات الجارية في البحر الأحمر، وتدرس مدى تأثيرها على حركة الملاحة بالقناة في ظل إعلان بعض الخطوط الملاحية عن تحويل رحلاتها بشكل مؤقت إلى طريق «رأس الرجاء الصالح». وأفاد ربيع بتحول 55 سفينة للعبور عبر طريق رأس الرجاء الصالح خلال الفترة من 19 نوفمبر (تشرين الثاني)، لكنه أكد أنها تظل «نسبة ضئيلة»، مقارنة بعبور 2128 سفينة خلال تلك الفترة، وفق تقديره.

توتر مؤقت

ويرى اللواء نصر سالم المستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات الاستراتيجية، ورئيس جهاز الاستطلاع بالجيش المصري سابقاً، أن ما يجري حالياً في مضيق المندب هو «توتر مؤقت»، معرباً عن توقعه بألا تكون له تأثيرات كبيرة إلا إذا طال أمد ذلك التوتر.

وأضاف سالم لـ«الشرق الأوسط» أن السبب الرئيسي لهجمات «الحوثيين» يرتبط بالعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ومن ثم فإن على الولايات المتحدة أن تسعى لإزالة سبب التوتر بدلاً من تصعيد وتوسيع نطاق المواجهات.

وأوضح رئيس جهاز الاستطلاع بالجيش المصري سابقاً أن توسيع حدة ووتيرة التحركات الأميركية ومن جانب دول غربية، رغم وجود قوات كافية لتأمين حركة الملاحة بالمنطقة: «قد يحمل أهدافاً تتعلق بالضغط على قوى إقليمية، أو بإيعاز من إسرائيل لتكريس حماية دولية لها عبر التحركات الأميركية، التي ستستغل الموقف لتعزيز مصالحها، ولتوفير مزيد من الضمانات لحماية أمن إسرائيل».

وسبق أن صرح المبعوث الأميركي إلى اليمن تيم ليندركينغ، منتصف الشهر الحالي، بأن الولايات المتحدة تريد تشكيل «أوسع تحالف بحري ممكن» لحماية السفن في البحر الأحمر وإرسال «إشارة مهمة» إلى الحوثيين بأنه لن يجري التسامح مع مزيد من الهجمات. كما قال مستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض جيك سوليفان للصحافيين، الأسبوع الماضي، إن واشنطن تجري محادثات مع دول أخرى بشأن قوة عمل بحرية «تضمن المرور الآمن للسفن في البحر الأحمر»، دون ذكر مزيد من التفاصيل. وحذرت إيران، الخميس، من أن مثل هذه القوة ستواجه «مشكلات استثنائية».

حالة من الضبابية

بدوره، قال الدكتور طارق فهمي أستاذ العلاقات الدولية، ورئيس وحدة الدراسات الإسرائيلية بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، إن الأزمة الحالية في البحر الأحمر: «دخلت سياق الترتيبات الأمنية الإقليمية»، مشيراً إلى أن الأقوال الأميركية في هذا الشأن «بدأت تتحول إلى أفعال».

وأوضح فهمي لـ«الشرق الأوسط» أن وجود وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن في المنطقة قد يحمل طرح مقاربة من جانب واشنطن لمواجهة تصاعد استهداف السفن التجارية بمدخل البحر الأحمر، مشيراً إلى وجود كثير من أطر التعاون العسكري البحري الموجودة في المنطقة ومنها القوة المركزية الأميركية التي تضم في عضويتها دولاً عربية إلى جانب إسرائيل، وهو ما يجعل من فكرة بناء تحالفات أمنية جديدة «مضيعة للوقت»، على حد تعبيره.

ولفت أستاذ العلاقات الدولية إلى وجود حالة من الضبابية في الطرح الأميركي الحالي بشأن الموقف في البحر الأحمر، سواء فيما يتعلق بالأدوار أو الأهداف، وهل الهدف هو تنظيم عمليات تفتيش بحري وتأمين للسفن العابرة أم سيتضمن عمليات برية كذلك، كما تثار تساؤلات حول ما إذا كان الأمر سيمتد إلى دول أخرى مثل إيران التي لم يتضح إذا ما كانت ستدخل ضمن الترتيبات الجارية، أم سيمثل الأمر «استفزازاً لها»، وهو يدفع باتجاه احتمالات كثيرة قد تتضمن تصعيداً يتجاوز نطاق السعي لتأمين إسرائيل ومنع استهداف ميناء إيلات، خصوصاً أن إسرائيل أرسلت بالفعل قطع بحرية عدة إلى منطقة باب المندب دون أن توضح إن كان ذلك قراراً منفرداً أم ضمن الترتيبات التي تسعى الولايات المتحدة لبنائها.

وكان موقع «سيمافور» الأميركي قد نقل عن مسؤولين أميركيين قولهم إن «البنتاغون» بدأ بالفعل مناقشة إمكانية شن ضربات مباشرة على أهداف عسكرية حوثية. كما حذّرت وزيرة الخارجية الفرنسية من أن الهجمات في البحر الأحمر لا يمكنها أن تبقى من دون رد.

يُشار إلى أن الفريق مهاب مميش مستشار الرئيس المصري للموانئ، ورئيس هيئة قناة السويس السابق، طالب في تصريحات متلفزة، الأحد، بضرورة توفير قوة تأمين مصرية بهدف مصاحبة قوافل السفن المتجهة إلى قناة السويس والمارة بمضيق باب المندب، مؤكداً أن مضيق باب المندب في الجنوب ومضيق جبل طارق في الشمال «يمثّلان مداخل المسرح الاستراتيجي لمصر».


مقالات ذات صلة

مصر تشدد على وحدة الصومال وتُحذر من زعزعة استقرار «القرن الأفريقي»

العالم العربي وزير الخارجية المصري يلتقي الممثل الشخصي لسكرتير عام حلف «الناتو» لشؤون الجوار الجنوبي الثلاثاء (الخارجية المصرية)

مصر تشدد على وحدة الصومال وتُحذر من زعزعة استقرار «القرن الأفريقي»

شددت مصر، الثلاثاء، على تمسكها بوحدة وسيادة الصومال على أراضيه، محذرةً من أن يؤدي الاعتراف إسرائيل بما يسمى "أرض الصومال"، إلى تقويض أسس الاستقرار في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي رئيس جيبوتي إسماعيل عمر غيلة يستقبل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

آبي أحمد يزور جيبوتي ويعيد الجدل بشأن «صفقة المنفذ البحري»

زار رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، جيبوتي، وركز على قضايا التجارة والخدمات اللوجيستية، وسط جدل مستمر بسبب تمسكه بحصول بلاده، الحبيسة، على منفذ بالبحر الأحمر.

محمد محمود (القاهرة)
خاص وزير الخارجية الصومالي عبد السلام علي (الخارجية الصومالية)

خاص وزير الخارجية الصومالي: أي اعتراف أحادي بمناطق انفصالية غير قابل للحياة

وجّه وزير الخارجية الصومالي تحذيراً واضحاً من مغبة أي اعتراف أحادي بمناطق انفصالية، معتبراً أن مثل هذه الخطوات غير قابلة للحياة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
شمال افريقيا لا خسائر بشرية في حادث جنوح قارب بالبحر الأحمر (أرشيفية - محافظة البحر الأحمر)

إنقاذ 20 سائحاً في مصر بعد جنوح قارب بالبحر الأحمر

شهدت سواحل مدينة مرسى علم المصرية الواقعة على ساحل البحر الأحمر، الاثنين، جنوح قارب سياحي يقل 28 شخصاً بينهم سائحون أجانب.

محمد عجم (القاهرة)
الاقتصاد سفينة الحاويات «ميرسك هانغتشو» تبحر في قناة وييلينغن بويسترسشيلد (رويترز)

«ميرسك» تُكمل أول رحلة لها في البحر الأحمر منذ عامين تقريباً

أعلنت شركة الشحن الدنماركية «ميرسك» يوم الجمعة أن إحدى سفنها نجحت في عبور البحر الأحمر ومضيق باب المندب لأول مرة منذ نحو عامين.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن )

إعلان «ولاية شمال شرق» الصومالية رسمياً يقلص ذرائع الانفصال

الرئيس الصومالي يشارك في مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرق (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي يشارك في مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرق (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

إعلان «ولاية شمال شرق» الصومالية رسمياً يقلص ذرائع الانفصال

الرئيس الصومالي يشارك في مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرق (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي يشارك في مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرق (وكالة الأنباء الصومالية)

بدأت ولاية «شمال شرق الصومال»، المتاخمة للإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، مهام عملها رسمياً بعد أشهر من إعلانها وبدء تشكيل هياكلها الحكومية، وسط حضور رئاسي مدعوم عربياً وترحيب صيني بالولاية الجديدة.

ويُعد إعلان تلك الولاية رسمياً بمثابة تقليص فعلي لذرائع الانفصال في شمال البلاد، حيث توجد بجوار الإقليم الانفصالي وتعزز فرص وحدة البلاد والاستعداد لأي مخاطر تهددها في المستقبل، وفق تقديرات خبير في الشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط».

وفي 30 أغسطس (آب) 2025، انتخب برلمان ولاية شمال شرق الصومال عبد القادر أحمد أو علي، رئيساً للولاية خلال الفترة الممتدة بين عامي 2025 و2030، بعد فوزه في الجولة الثانية من الانتخابات التي جرت في لاسعانود عاصمة الولاية.

وبعد ثلاثة أسابيع من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، شارك الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، السبت، في مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرق الصومال، أو علي، ونائبه عبد الرشيد يوسف جبريل، معلناً في كلمة أن تلك الولاية باتت «عضواً كامل العضوية في جمهورية الصومال الفيدرالية».

وأضاف: «شمال شرق الصومال ولاية تابعة لجمهورية الصومال الفيدرالية، ولها جميع الحقوق التي تتمتع بها الولايات الأخرى في البلاد، وأدعو إدارة هرغيسا (الإقليم الانفصالي) إلى الاستجابة لرغبة إخوانهم في الشمال الشرقي في السلام والأخوة، فنحن لا نفترق، وقد أثبتنا ذلك»، داعياً المجتمع الدولي للتعاون مع حكومة شمال شرق البلاد، بحسب ما نقلته «وكالة الأنباء الصومالية» للبلاد السبت.

مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرق الصومال (وكالة الأنباء الصومالية)

وأدان الرئيس الصومالي في كلمته من العاصمة لاسعانود اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، وحذَّر من التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للصومال، مضيفاً: «أقولها بصوت عالٍ، إنه من المستحيل على إسرائيل أن تقيم حكومة في الصومال أو أن تنفذ استراتيجياتها التخريبية هنا».

وتعد لاسعانود عاصمة إقليمية متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي؛ فيما تعد زيارة حسن شيخ محمود هي الأولى التي يُجريها رئيس في المنصب للمنطقة منذ نحو 50 عاماً.

وكان إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يسيطر على لاسعانود منذ عام 2007، لكن قواته اضطرت إلى الانسحاب منها بعد اشتباكات عنيفة مع القوات الصومالية وميليشيات مُوالية لمقديشو خلَّفت عشرات القتلى في 2023، فيما تضم ولاية شمال شرق الصومال أجزاء من ثلاث محافظات صومالية هي صول وسناج وعين، وعاصمتها لاسعانود.

وسارع أرض الصومال، الإقليم المنفصل عن الحكومة منذ 1991، للرد؛ إذ قال وزير شؤون الرئاسة في الإقليم الانفصالي، خضر حسين عبدي، إن لاسعانود هي جزء من أرض الصومال، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورغم الإعلان عن تأسيس الإدارة الإقليمية لشمال شرق الصومال، فإن مراسم تنصيب رئيسها جاءت في توقيت مهم بعد الاعتراف بأجزاء من الأقاليم الشمالية لجمهورية الصومال الفيدرالية، وفق ما يرى الخبير في الشؤون الأفريقية علي محمود كلني، الذي أشار إلى أن حضور الرئيس إلى مدينة لاسعانود، عاصمة الإدارة الإقليمية الجديدة، يحمل رمزية سياسية وسيادية بالغة الأهمية.

وحملت مراسم التنصيب، بحسب كلني، رسائل سياسية وأمنية واجتماعية متعددة الاتجاهات، فقد وُجّهت رسالة مباشرة إلى إسرائيل مفادها أن وحدة الأراضي الصومالية تمثل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، كما وجَّهت المناسبة رسائل غير مباشرة إلى دول أخرى قد تكون تراقب المشهد من الخلفية، بهدف اختبار مدى تماسك الدولة الصومالية وردود فعل شعبها ومؤسساتها.

وجاءت تلك الزيارة وفقاً لـ«كلني»، ضمن مجمل التحركات الدبلوماسية التي انتهجتها الحكومة الصومالية خلال هذه المرحلة ضد خطوة أرض الصومال، بدءاً من الخطاب الحازم الذي ألقاه السفير أبو بكر بالّي أمام مجلس الأمن الدولي، مروراً بسلسلة الاتصالات والزيارات الرسمية المتتابعة إلى عدد من الدول، وصولاً إلى الخطابات المتعددة التي وجَّهها الرئيس حسن شيخ محمود وتؤكد عدم تفريط الحكومة الصومالية في الفرص السياسية والدبلوماسية التي أتاحتها هذه المرحلة الحساسة، لكبح أطماع بعض قيادات الإدارة الانفصالية في أرض الصومال، بما يضمن الحفاظ على سيادة ووحدة البلاد.

وكان مستوى المشاركة العربية والتركية في إعلان ولاية شمال شرق رسمياً، مستوى لافتاً، بجانب مشاركة رئيس البلاد ورئيس الوزراء حمزة عبدي بري وكبار المسؤولين في الحكومة الصومالية ودبلوماسيين من عدة دول ووفود من الدول المجاورة في حفل تنصيب رئيس ولاية شمال شرق الصومال.

وبحسب «وكالة الأنباء الصومالية»، شارك في الحدث سفير تركيا لدى الصومال، ألبر أكتاش، وسفير السعودية، أحمد بن محمد المولد، وسفير السودان عبد الرحمن أفندي، بالإضافة إلى دبلوماسيين يمثلون دول الجوار والدول الصديقة، بجانب وفد من حكومة جيبوتي.

وهنأت السفارة الصينية لدى الصومال في بيان، الأحد، عبد القادر أحمد أو علي بمناسبة تنصيبه رئيساً لولاية شمال شرق الصومال خلال مراسم جرت في مدينة لاسعانود، عاصمة الولاية، ووصفت مراسم التنصيب بالناجحة، بحسب الوكالة ذاتها.

ويعتقد كلني أن مشاركة دول مؤثرة على الساحة الإقليمية والدولية، مثل تركيا ومصر والسعودية والسودان والصين، أمراً «يحمل دعماً واضحاً ومهماً للصومال ويسهم ضمن خطوات أخرى في إفشال المشروع الإسرائيلي في المنطقة، في مرحلة دقيقة تتطلب إسناداً دولياً واضحاً».


زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
TT

زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

مع ساعات الفجر الأولى، يجلس برك بو سبعة (63 عاماً) إلى طاولة أحد المقاهي الشعبية في قلب مدينة المكلا القديمة، يتأمل وجوه المارّة، ويتبادل أطراف الحديث مع أصدقائه عن هموم تتشابه وتفاصيل حياة لم تعد كما كانت.

ويُعدّ بو سبعة من قدامى سكان المدينة الساحلية، وقد ارتبط رزقه ورزق أسرته ببحر العرب، الذي يعانق جبال المكلا شرق اليمن، ويمنح الصيادين ما تجود به أمواجه؛ يوماً بعد آخر.

قدم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» أكثر من 200 قارب للصيادين في المكلا (الشرق الأوسط)

يستعيد برك، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، ملامح الحياة القديمة في المكلا، قائلاً إن «الأيام كانت أبسط وأجمل»، مضيفاً: «الناس كانوا طيبين... لا يميلون إلى المشكلات، ويحبون الضيف ويكرمونه».

وأثناء احتسائه الشاي بالحليب، يتابع بو سبعة حديثه عن العادات اليومية قائلاً: «كما ترى، يبدأ الناس صباحهم هنا بالباخمري والمطبق (من الأكلات الشعبية)، فيما تختلف الطقوس بعد الظهر، حيث يتناولون الأرز الصيادية، ويشتهر بها عمر عبود باسعد».

برك بو سبعة أحد قدامى الصيادين في مدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

ولا يزال بعض المظاهر القديمة حاضراً في ذاكرة بو سبعة، ومنها جلسات العصر التي كان الناس يلتفون فيها لسماع قصص عنترة، تُروى على شكل حلقات متتابعة تمتد أياماً عدة. ويقول: «من أشهر من كان يروي هذه القصص عبد أحمد، وكان الناس ينتظرون جلساته بشغف».

ويشير بو سبعة إلى المكان الذي كانت تُعقد فيه تلك الجلسات، خلف سدة يعقوب باوزير، وهي مقبرة كبيرة في المكلا القديمة، لافتاً إلى أن بعض الروايات تقول إن يعقوب باوزير قدم إلى المدينة من العراق.

وعن هموم الصيادين اليوم، يختصرها بو سبعة في 3 عناوين رئيسية: «غلاء المعيشة، وصعوبة توفير المحروقات، وارتفاع أسعار معدات الصيد»، مؤكداً أن هذه التحديات باتت تثقل كاهل من لا يزالون يعتمدون على البحر مصدراً وحيداً للرزق.

«كونتينر الريان»

تدخّل صياد آخر في الحديث قائلاً: «تحسّن وضع الصيادين الآن بعد مغادرة الإماراتيين». سألته كيف؟ فطلب عدم ذكر اسمه، موضحاً: «كانت هناك مناطق يُحظر علينا الصيد فيها من قبل القوة الإماراتية التي كانت موجودة».

وأضاف: «مُنعنا الصيد في منطقة شحير القريبة من مطار الريان، وكذلك في منطقة الضبة. اليوم تنفّسنا الصعداء بعد مغادرتهم».

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، طلب في 30 ديسمبر (كانون أول) الماضي، مغادرة ⁠كل ​القوات ‌الإماراتية ومنسوبيها جميع الأراضي اليمنية في غضون 24 ⁠ساعة.

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

غير أن الرجل، الذي يبدو في عقده الرابع، تحدث بمرارة عمّا يُعرف بـ«كونتينر الصيادين». اعتدل في جلسته، ثم واصل حديثه قائلاً: «كان هناك كونتينر خصصه الإماراتيون في مطار الريان لاحتجاز الصيادين المخالفين تعليماتهم».

وتابع: «كما كانت تُحتجز الهواري (القوارب) لفترات قد تصل أحياناً إلى شهر، وهو أمر كارثي بالنسبة إلى صياد يعتمد في قوت عائلته على صيده اليومي».

وأشار الصياد إلى ملاحظة أخرى وصفها باللافتة، قائلاً: «بعض الصيادين كانت تُصرف لهم رواتب شهرية من قبل الإمارات مقابل الامتناع عن الصيد، وعند تسلمهم تلك الرواتب فوجئوا بأن أسماءهم مُسجّلة في الكشوفات المالية بوصفهم (جنوداً) لدى القوة الإماراتية».

ووفق تقديرات محلية، يبلغ عدد الصيادين في مدينة المكلا نحو 3 آلاف صياد، يتوزعون على عدد من مناطق المدينة. ووفقاً لأحدهم، فقد قدّم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، قبل نحو عامين، أكثر من 200 قارب دعماً للصيادين في المكلا، في إطار الدعم التنموي المستمر الذي تقدمه المملكة للشعب اليمني في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.


سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
TT

سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)

أثار إعلان السلطة المحلية وقوات «تحالف دعم الشرعية» في اليمن عن المصادقة على خطة إخراج المعسكرات من مدينة عدن، التي تُتخذ عاصمة مؤقتة للبلاد، حالة من الارتياح لدى سكان المدينة التي عانت من الصراعات في السابق، وطالبوا بتحويل المعسكرات إلى حدائق ومدارس، عادّين ذلك خطوة مهمة لتجنيب المدينة أي صراعات مستقبلية.

وعبّر سكان في المدينة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، عن سعادتهم بهذه الخطوة، ورأوا أن تحويل المعسكرات إلى حدائق عامة ومدارس سيخدم السكان، ويسهم في تجنيب المدينة الصراعات لتكون آمنة ومستقرة، قائلين إنهم كانوا يتطلعون منذ مدة طويلة إلى مثل هذه الخطوة التي أثّرت على الدور الفاعل للمدينة ودورها الاقتصادي.

وقال صهيب، وهو معلم، إنهم يتطلعون إلى «مزيد من القرارات الجادة التي تصب في مصلحة سكان المدينة وتلبي تطلعاتهم المشروعة؛ لأن سكان عدن دفعوا عبر سنوات طويلة ثمن الصراعات التي أثّرت بشكل واضح على الطابع المدني الذي عُرفت به، وعلى الدور الاقتصادي المنشود بصفتها أكبر موانئ البلاد والعاصمة الاقتصادية لها».

تحقيق الأمن والاستقرار ركيزة أساسية لاستعادة عدن مكانتها الاقتصادية (إعلام محلي)

من جهته، يرى سامي عبد الباسط، وهو طالب جامعي، أن سكان عدن عانوا من الصراعات نتيجة انتشار المعسكرات فيها، وأنه حان الوقت لإغلاق هذه الصفحة من خلال تعزيز دور شرطة المدينة وإخراج المعسكرات منها، مبيناً أن وجود المعسكرات وسط التجمعات السكنية من شأنه أن يفتح الباب أمام أي مغامرة، كما حدث في عامي 2018 و2019.

الأمر ذاته عبّرت عنه نسرين، وهي موظفة حكومية، وأكدت أن الناس يتطلعون إلى أن تعود عدن كما عُرفت؛ مدينة مسالمة ومستقرة ومركزاً للأنشطة الثقافية والفنون، مشيرة إلى أنها بحاجة إلى تحسين الخدمات والفرص الاقتصادية، وأن إخراج المعسكرات سيشكّل خطوة مهمة في دعم وتعزيز الطابع المدني الذي عُرفت به منذ زمن طويل، قبل أن تدفع ثمن الصراعات.

آليات تنفيذية

وكانت قيادة السلطة المحلية بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، برئاسة وزير الدولة محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، قد عقدت اجتماعاً مشتركاً مع قيادة التحالف الداعم للشرعية في اليمن، ممثلة باللواء الركن فلاح الشهراني، وبحضور قيادات أمنية وعسكرية؛ لمناقشة خطة إعادة تموضع المعسكرات خارج نطاق المدينة.

وذكر إعلام السلطة المحلية أن الاجتماع ناقش الآليات التنفيذية وخطة إخراج المعسكرات وإعادة تموضعها في المواقع المتفق عليها، على أن يعلَن عن تفاصيل ذلك لاحقاً من قبل الجهات المختصة؛ وذلك في إطار الجهود الهادفة إلى تعزيز الطابع المدني لمدينة عدن وترسيخ الأمن والاستقرار فيها.

وطبقاً لما أوردته المصادر، فإن «تنفيذ خطة إعادة التموضع سيكون على 3 مراحل، وفق خطوات وآليات واضحة جرى التوافق عليها، بما يضمن تحقيق الأهداف الأمنية والتنظيمية المنشودة».

وشدد المجتمعون على أن تحقيق الأمن والاستقرار يمثل ركيزة أساسية لاستعادة مكانة عدن ودورها الريادي، لا سيما في الجوانب الاقتصادية والاستثمارية، بما يسهم في دعم مسار التنمية وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.

استقرار الوقود

وفي لقاء آخر، ناقشت السلطة المحلية بعدن مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، ممثلة بمستشار قائد القوات المشتركة اللواء الركن فلاح الشهراني، سبل تعزيز استقرار إمدادات الغاز المنزلي والمشتقات النفطية، وتحسين خدمات الطاقة في العاصمة المؤقتة للبلاد والمحافظات المحررة.

وكرّس الاجتماع، الذي حضره وكيل محافظة عدن لشؤون التنمية، عدنان الكاف، ووكيل وزارة النفط والمعادن، طلال بن حيدرة، لمناقشة التحديات المرتبطة بغياب الخزانات الاستراتيجية للغاز وتداعيات توقف الإمدادات مؤخراً، والتوجه إلى إنشاء خزانات استراتيجية تضمن استقرار التموين وتفادي الأزمات مستقبلاً.

حضور فاعل لـ«تحالف دعم الشرعية» في تحسين الخدمات لسكان عدن (إعلام حكومي)

كما ناقش المشاركون آليات تأمين الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، وتعزيز التنسيق بين الجهات ذات العلاقة لضمان استمرارية تزويد السوق المحلية بالغاز والحد من أي اختناقات.

وثمن الحاضرون في الاجتماع الدعم الذي تقدمه السعودية في مجال المشتقات النفطية، وما أسهم به في تحسين خدمة الكهرباء واستقرار التيار خلال الأيام الماضية، ضمن الاستعدادات المبكرة لفصل الصيف.