رياح التهدئة في المنطقة... بين التخلي عن النفوذ وسياسة الربح والخسارة

محللون لـ«الشرق الأوسط»: فرص النجاح متوافرة لصناعة مشهد إقليمي جديد

وزراء خارجية السعودية والصين وإيران في بكين أمس (إ.ب.أ)
وزراء خارجية السعودية والصين وإيران في بكين أمس (إ.ب.أ)
TT

رياح التهدئة في المنطقة... بين التخلي عن النفوذ وسياسة الربح والخسارة

وزراء خارجية السعودية والصين وإيران في بكين أمس (إ.ب.أ)
وزراء خارجية السعودية والصين وإيران في بكين أمس (إ.ب.أ)

في 10 مارس (آذار) الماضي وقّع مساعد العيبان مستشار الأمن القومي السعودي، مع نظيره الإيراني الجنرال المعزول علي شمخاني اتفاقاً في بكين برعاية صينية لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة نحو سبع سنوات؛ الأمر الذي شكّل مفاجأة غير متوقعة للجميع.

التساؤلات التي طُرحت حينها - ولا تزال - تتحدث عن فرص نجاح رياح التهدئة والتصالح التي هبّت على المنطقة، إذا ما أضفنا إليها تطبيع العلاقات السعودية - التركية، وعودة سوريا إلى حضن الجامعة العربية، وتحسن العلاقات المصرية - التركية، مع بعض الاستقرار النسبي في العراق، وهدنة مستمرة وغير معلنة في اليمن.

يعبّر محللون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» عن تفاؤل حذر بشأن هذه التطورات والانفتاح الذي لم تشهده المنطقة منذ عقود، مؤكدين أن هذه التهدئة تمر باختبارات كثيرة تشمل حسن النوايا والتخلي عن طموحات النفوذ والتوسع الإقليمي، وتحويل القرارات إلى أفعال.

وكان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، أكد خلال القمة العربية الأخيرة في جدة مُضي الدول العربية نحو السلام والخير والتعاون والبناء، بما يحقق مصالح شعوبها، ويصون حقوق أمتها، مشدداً على «عدم السماح بأن تتحول منطقتنا إلى ميادين للصراعات».

القادة العرب خلال «قمة جدة» التي شهدت عودة سوريا ووُصفت بالتاريخية بعد نجاحها في حسم ملفات سياسية واقتصادية مهمة (أ.ف.ب)

ويعتقد المحللون أن جميع الأطراف في المنطقة وصلت إلى قناعة بأن التدافع العسكري والأمني والسياسي والاقتصادي خلال العقود الماضية كان ذا تكلفة عالية. وفي قراءتهم لتحول السلوك الإيراني ومدى جديته، يرى الخبراء أن التفاهمات والتنسيق بين دول المنطقة قد يبدد القلق الموجود لدى البعض، وربما تغيير هذا السلوك بما يخدم مصالح كل دول المنطقة.

فرص نجاح التهدئة

يعتقد الدكتور عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، أن جهود التهدئة ستكون ناجحة نسبياً، مبيناً أنه من السابق لأوانه القول إن رياح التصالح الجديدة التي عمّت المنطقة مؤخراً ستنعكس على درجة الاستقرار الإقليمي.

وقال بن صقر في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: إن «التجارب السابقة في إنجاز حالة التصالحات والتوافق الإقليمي لم تطل لفترات طويلة، ومنها محاولات التصالح السابقة مع إيران، وكانت هناك قوى مؤثرة داخل بعض الدول الإقليمية لم ترَ مصلحة في استمرار حالة الانضباط، واحترام قواعد الاستقرار الإقليمي؛ لذا من الممكن أن نبني موقف التفائل، ولكن بحذر شديد».

وأضاف: «رياح التصالح الجديدة تطور إيجابي ومفرح، واستمراره سينعكس إيجاباً على استقرار وازدهار جميع دولة المنطقة، بشرط حسن النوايا وتطوير مبادرات التصالح إلى مبادرات فعلية لتسوية الصراعات والخلافات الإقليمية وإنهاء محاولات بناء النفوذ والسيطرة وفرض الهيمنة الإقليمية، وهي مصدر عدم الاستقرار».

من جانبه، أوضح الدكتور سمير صالحة، أستاذ القانون والعلاقات الدولية بجامعة إسطنبول، أن فرص النجاح متوافرة باتجاه إنجاز اختراق إيجابي وحقيقي ينهي حالة الاصطفاف والتباعد. ولفت صالحة في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن قناعات القيادات السياسية الفاعلة والمؤثرة في الإقليم، التي تُرجمت على شكل ضرورة الذهاب وراء خطط التهدئة الإقليمية هي التي فتحت الطريق أمام الذهاب بهذا الاتجاه والسير حتى الآن وراء صناعة مشهد إقليمي جديد.

وتابع: «هناك الرغبة والحاجة والمتغيرات، ولعبة التوازنات الموجودة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، كل هذه العوامل كان لها تأثيرها باتجاه صناعة المشهد الإقليمي الذي نتابعه جميعاً في هذه المرحلة، صحيح أن سياسات المصالح وحسابات الربح والخسارة موجودة وقائمة، لكن في رأيي أن هناك قناعة جديدة نحو مطلب التغيير وتبني سياسة انفتاحية فيها الكثير من الإيجابيات والتقارب وضرورات التفاهم والتنسيق».

وأشار الدكتور سمير إلى أن مصالح دول المنطقة وشعوبها والثروات التي تملكها هذه الدول لعبت دوراً أساسياً ومهماً باتجاه بناء هذه القناعات الجديدة، إلى جانب التدخلات الخارجية في شؤون دول المنطقة.

في حين يعتقد الدكتور محمد صدقيان، مدير المركز العربي للدراسات الإيرانية، أن جميع الأطراف في المنطقة اقتنعت في نهاية المطاف بأن التدافع الأمني والسياسي والاقتصادي والعسكري الذي كان موجوداً خلال العقدين الماضيين، كان ذا تكلفة عالية، وبالتالي من الممكن أن تكون هناك خيارات جديدة وأفضل من أجل التعاون والتنسيق وتحديد وتحقيق المصالح لكل الأطراف في المنطقة.

ووفقاً لصدقيان في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، فإن ما أسماه التدافع خلال العقدين الماضيين بين الأطراف لم يحقق أي نتائج، وبالتالي «أي طرف رابح هو خاسر في الوقت ذاته؛ لأن هذه الدول في نهاية المطاف تستطيع أن تتكامل فيما بينها اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً ورياضياً، وعلى مستوى الشباب والمرأة وكل المستويات»، على حد تعبيره.

وأضاف: «لا أعتقد أن هذه العلاقات مفروشة على السجاد الأحمر، هناك مشكلات بين دول المنطقة، وهذا أمر طبيعي، كما هي موجودة في كل المناطق، سواء أوروبا أو أميركا الجنوبية، أو آسيا، هذه موجودة اختلاف وجهات النظر وتعاريف الأمن القومي الإقليمي والعالمي».

وتابع: «لكن عندما تجلس كل الأطراف على الطاولة يجب أن تسعى من أجل التوصل إلى الحد الأدنى من المشتركات لإيجاد أرضية لاحتضان أي توافق أو تفهامات يمكن أن تحصل، وهذا يصبّ في مصلحة جميع بلدان وشعوب هذه المنطقة».

وانغ يي يتوسط مساعد العيبان مستشار الأمن الوطني السعودي ونظيره الإيراني علي شمخاني في بكين (واس)

جدية التحول الإيراني

يصف الدكتور بن صقر، التعامل مع إيران بالأمر «الصعب والمعقد»؛ وعليه يدعو إلى عدم الإفراط في التفاؤل إلى حين ظهور الأدلة على حدوث تغييرات جذرية في السلوك والمواقف الإيرانية على المستوى الإقليمي.

ومن أبرز الأمثلة على صعوبة التنبؤ بالسلوك الإيراني، ما أعلنه المدير التنفيذي لشركة النفط الوطنية الإيرانية، محسن خجسته مهر، مؤخراً، أن هناك «استعدادات كاملة لبدء الحفر» في حقل الدرّة، الذي تطلق عليه طهران اسم «أرش»، وهو الأمر الذي رفضته الكويت التي تتقاسم الحقل مع السعودية، في حين أكدت السعودية أن ملكية الثروات الطبيعية في المنطقة المغمورة المقسومة، بما فيها حقل الدرّة بكامله، هي مشتركة بين المملكة ودولة الكويت فقط.

كما أعلنت البحرية الأميركية أن إيران حاولت الاستيلاء على ناقلتين نفطيتين قرب مضيق هرمز فجر الخميس، وأطلقت النار على إحداهما. وبعد تحذير من البحرية الأميركية تراجعت السفن الإيرانية وواصلت السفينتان التجاريتان رحلاتهما.

وعلى الرغم من أن إيران من أكثر دول العالم مركزية في آلية اتخاذ قراراتها - بحسب بن صقر - فإن التعامل معها أمر صعب ومعقد، ويضيف بقوله: «تعامل الدول الخارجية مع إيران يجري عبر مؤسسات الدولة السياسية والدبلوماسية وهي مؤسسات الواجهة، وعلى رأسها رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية، ولكن ليس من العسير اكتشاف حقيقة أن هذه المؤسسات التي يتم التفاوض والاتفاق عبرها هي مؤسسات محدودة السلطة، ومحدودة التأثير والنفوذ، وأن القوى العقائدية المتطرفة تسيطر على القرار والسلوك الحقيقي للدولة عبر مؤسساتها الخاصة، وأن هذه المؤسسات العقائدية لها أجنداتها الخاصة التي لا تتوافق دوماً مع مواقف مؤسسات الواجهة التي تمثل الدولة».

ويؤكد رئيس مركز الخليج للأبحاث أن «قيادة (الحرس الثوري) الإيراني تلعب دوراً محورياً في تحديد طبيعة السياسة الخارجية للدولة، وطبيعة العلاقات مع الدول الإقليمية والعالم، وهنا يكمن السؤال الأساسي الذي سيتحكم بمسيرة وتطورات العلاقات الإقليمية للمرحلة المقبلة: هل مؤسسة (الحرس الثوري) وأذرعها الخارجية تجد مصلحة في ترسيخ الاستقرار الإقليمي؟».

ويجيب قائلاً: «شخصياً غير متفائل من التزام الجناح العقائدي في تشكيلة السلطة في إيران بمتطلبات تحقيق استقرار إقليمي دائم وحقيقي؛ لكون هذا الهدف يتطلب تنازلات وتغير سلوك جذرياً للمؤسسات العقائدية، ويتطلب التنازل عن مبدئين أساسيين تم اعتمادها من قِبل الجناح العقائدي، وهما مبدأ التدخل في الشؤون الداخلية للدول الإقليمية، ومبدأ التوسع في بناء قواعد النفوذ الإقليمي عبر تأسيس المليشيات العقائدية المسلحة التي تخدم الأهداف الاستراتيجية وغيرها من أدوات النفوذ والتوسع الإقليمي».

وتابع: «حتى الآن لا توجد أدلة مشجعة تشير إلى حدوث تغيير جذري في السلوك الإيراني من مناطق عدم الاستقرار التي يشكل التواجد الإيراني لاعباً أساسياً فيها، مثل لبنان، العراق، سوريا، واليمن».

في هذه النقطة، يرى الدكتور سمير صالحة، أنه من المبكر الحديث عن السياسية الإيرانية في المرحلة المقبلة، مطالباً بالانتظار بعض الوقت لاختبار «الرغبة» الإيرانية الجديدة المعلنة باتجاه التغيير والانفتاح في المنطقة.

واستدرك قائلاً: «لكن الانتظار لن يطول؛ لأننا في مرحلة انتقالية وفيها الكثير من الاختبارات، أسباب التحول الإيراني معروفة؛ فهناك انسداد حاصل في سياسات إيران على مستوى الداخل الإيراني وعلى مستوى العلاقات مع دول المنطقة، إيران تشعر أنها تعيش عزلة إقليمية وهذه العزلة ستحملها المزيد من الأعباء والخسائر السياسية والاقتصادية والأمنية بطابع استراتيجي؛ لذلك قررت الذهاب وراء التغيير، لكن معرفة النتائج تحتاج إلى متابعة طريقة إيران في ترجمة قرار التحول والتغيير، وهل ستستجيب لمطالب دول المنطقة بمراجعة سياساتها، بالتخلي عن سياسات معينة اعتمدتها حتى الآن، والذهاب إلى طاولة حوار حقيقي حول تفاهمات تنهي أزمات خلافية تاريخية بين إيران والكثير من دول المنطقة».

بدوره، أفاد الدكتور محمد صدقيان، بأن لدى إيران حسن النوايا من أجل الوصول إلى تفاهمات، مشيراً إلى أن «بعض القلق لدى بعض الدول الإقليمية من السلوك الإيراني، التفاهمات والتنسيق والتعاون يمكن أن يبدده ويمكن أن يغير من السلوك بما يخدم مصالح كل دول المنطقة».

وتابع: «لا أريد الدفاع عن الموقف الإيراني، لكنني أعتقد أن إيران دولة من دول المنطقة، وبالتالي لديها مصالح ومقاصد ومثل بقية دول المنطقة تسعى إلى تكوين شراكة وتعاون وتنسيق، ونتذكر أنها طرحت مشروع هرمز للسلام، لكن لم تتم الاستجابة إليه بسبب الأوضاع السياسية حينها، كما طرحت في عهد الرئيس حسن روحاني منتدى للسلام والأمن في المنطقة أيضاً لم تتم الاستجابة له، والآن هناك دعوة أخرى لأن الأمور تحسنت كثيراً والأوضاع، لإنشاء منتدى للسلام والأمن في المنطقة طرحها وزير الخارجية الإيراني في جولته الخليجية». وأضاف: «علينا أن نسير وفق برامج تنفيذية تتحرك على الأرض وفي الميدان، مثل هذه البرامج من الممكن أن تساهم في إيجاد أرضية لاحتضان التفاهمات، وعلينا أن نعلم أن إيران تعدّ نفسها دولة مهددة من إسرائيل والولايات المتحدة والكثير من الأمور، وبالتالي عندما يكون هناك تعاون وتنسيق وطاولة حوار هناك الكثير من القلق يمكن أن يبدد من خلال هذا الاتجاه».

عبداللهيان لدى استقبال الأمير فيصل بن فرحان في طهران يونيو الماضي (الشرق الأوسط)

مستقبل المنطقة

اختلف المحللون في رؤيتهم لمستقبل الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، ففي حين يراه البعض غامضاً، ومن المبكر الحديث عن الخريطة التي تتشكل نظراً لارتباطها بالتطورات الإقليمية والدولية، يعتقد آخرون بأن المنطقة ذاهبة باتجاه التفاهمات.

يقول الدكتور عبد العزيز بن صقر: إن «مستقبل المنطقة لا يمكن اختزاله بمواقف أو نوايا الأطراف الإقليمية، فالقوى الخارجية والتطورات الدولية لها تأثيرات مباشرة على طبيعة الوضع الإقليمي، سلباً أو إيجاباً».

وبحسب رئيس مركز الخليج للأبحاث، فإن «الصراع الدائر في أوكرانيا وانعكاساته المتوقعة على الوضع الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، فالكيفية التي سينتهي إليها الصراع الأوكراني، ونتائج هذا الصراع سيكون لها أصداء وانعكاسات واضحة على الوضع الإقليمي (...) مستقبل الاستقرار الإقليمي يعدّ مسألة غامضة في هذه المرحلة وتنتظر تطورات إقليمية ودولية متشابكة، يمكن إدراك تأثيراتها، ولكن لا يمكن التنبؤ بمسيرتها ونتائجها النهائية».

في حين يستبعد الدكتور سمير صالحة، أستاذ القانون والعلاقات الدولية، بناء اصطفافات إقليمية جديدة، لافتاً إلى أهمية متابعة ورصد عملية التغيير بحد ذاتها كيف ستكون ثم متابعة نتائج هذه الخطوات العملية الملموسة على الأرض بين دول المنطقة، خاصة الدول التي كانت علاقاتها متباعدة ومتوترة في العقدين الأخيرين تحديداً.

وقال: «أعتقد أن شكل خريطة التفاهمات الإقليمية في المرحلة المقبلة مسألة مبكرة للحديث عنها، البعد الخارجي يدفع دول المنطقة ربما إلى مراجعة السياسات، لكن هذا لا يعني أن نرى ترجمة عملية أو ذهاباً وراء قطيعة أو تغييراً في علاقات الكثير من دول المنطقة مع الخارج، هذه التحالفات - برأيي - لن تتغير بهذه السهولة والسرعة بين دول في المنطقة وبعض اللاعبين الإقليميين والدوليين».

وأضاف: «علينا أن نتفاءل بحذر مرتبط بالترجمة العملية لمواقف أو ما سمعناه من مواقف حول التغيير، خصوصاً في الجانب الإيراني».

أما الدكتور صدقيان، مدير المركز العربي للدراسات الإيرانية، فيرى أن المنطقة تسير باتجاه التفاهمات، لكنه يشترط لتحقيق ذلك أن «تستغل الأنظمة السياسية في المنطقة الأجواء الإيجابية الموجودة حالياً، بما يحقق المصالح لكل دول المنطقة».

وتابع: «أنا متفائل، لكن لدي بعض القلق، بألا تتم الاستفادة الكاملة من هذه الأجواء وبالتالي ربما هناك جهات في هذا البلد أو ذاك لا تريد العلاقة والتنسيق بين الجانبين العربي والإيراني (...) يجب علينا أن نضع حداً لهذا التدافع الأمني والسياسي ونضعه خلف ظهورنا لنتطلع إلى وضع وتصور جديد».


مقالات ذات صلة

السعودية تستدعي السفير الإيراني وتؤكد رفضها انتهاك سيادة الدول

الخليج وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي خلال استدعاء السفير الإيراني لدى المملكة علي رضا عنايتي (الخارجية السعودية)

السعودية تستدعي السفير الإيراني وتؤكد رفضها انتهاك سيادة الدول

استدعت وزارة الخارجية السعودية، السفير الإيراني لدى المملكة، علي رضا عنايتي، وذلك على خلفية الاعتداءات الإيرانية السافرة التي طالت المملكة وعدداً من الدول.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص السفير الإيراني لدى السعودية علي رضا عنايتي (الشرق الأوسط)

خاص عنايتي لـ«الشرق الأوسط»: توافق إيراني مع السعودية على تجنيب المنطقة الحرب

قال السفير عنايتي إن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أكدا على «ضرورة تحقيق الأمن والسلام في المنطقة وتجنب الحرب».

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص ولي العهد السعودي لدى استقباله أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني سبتمبر الماضي (واس)

خاص عنايتي لـ«الشرق الأوسط»: السعودية شريك محوري… والعلاقة معها «محصَّنة»

أكد السفير الإيراني لدى المملكة أن العلاقات مع السعودية «محصَّنة» ولا يمكن الخدش بها، مؤكداً حرص طهران والرياض على أمن المنطقة واستقرارها.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص من مراسم استقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الحديقة الجنوبية بالبيت الأبيض نوفمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

خاص العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

كرّست الشراكة السعودية الأميركية في 2025 موقع الرياض كوسيط دولي موثوق انعكس أيضاً في حزمة اتفاقيات شملت الدفاع الاستراتيجي والذكاء الاصطناعي والطاقة وغيرها.

غازي الحارثي (الرياض)
الخليج انعقاد الاجتماع الثالث للجنة الثلاثية السعودية الصينية الإيرانية المشتركة لمتابعة اتفاق بكين في طهران (الخارجية السعودية)

السعودية وإيران والصين لتوسيع التعاون الاقتصادي والسياسي

أعربت السعودية وإيران والصين عن تطلعها لتوسيع نطاق التعاون فيما بينها في مُختلف المجالات بما في ذلك المجالات الاقتصادية والسياسية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)

أدان وزراء الخارجية العرب التهديدات الإيرانية الرامية إلى إغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة الدولية، مطالبين في اجتماع، الثلاثاء، عبر تقنية الاتصال المرئي، بإلزام طهران بالتعويض وجبر الضرر عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن هذه التهديدات.

وأكد الأمين العام للجامعة، أحمد أبو الغيط، أن «الدول العربية لم تكن ولن تكون رهينة في يد إيران لتصفية الحسابات».

وبناء على طلب البحرين، عقد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى وزراء الخارجية، الثلاثاء، اجتماعاً غير عادي، لـ«بحث الهجمات الإيرانية ضد الدول العربية والتزامات إيران المترتبة بموجب القانون الدولي والجهود المبذولة لإنهاء الأزمة التي تشهدها المنطق».

وجدد وزراء الخارجية إدانتهم «بأشد العبارات للهجمات الإيرانية السافرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد الأردن والإمارات، والبحرين، والسعودية، وسلطنة عُمان، وقطر، والكويت، والعراق»، وعدُّوها، بحسب القرار الصادر عن الاجتماع، «انتهاكاً جسيماً لسيادة تلك الدول، يقوض السلم والأمن في المنطقة، ويمثل خرقاً صارخاً للقانون الدولي... ويشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين».

وأكدوا أن «إيران تتحمل المسؤولية الدولية الكاملة عن هجماتها غير المشروعة وغير المبررة ضد الدول العربية، وأنها ملزمة، بموجب قواعد القانون الدولي، بجبر الضرر الكامل عن جميع الأضرار والخسائر الناجمة عن تلك الهجمات، بما في ذلك، الرد، والتعويض، والترضية»، وطالبوها بالوقف الفوري «لجميع هجماتها السافرة ضد الدول العربية والامتثال لالتزاماتها الدولية».

آلية لتوثيق الانتهاكات

أعاد الوزراء التأكيد على «دعم الدول العربية الكامل لحق الدول العربية المتضررة في اللجوء إلى المؤسسات الدولية والإقليمية لاستصدار قرارات تدين هذه الهجمات وتحمّل إيران المسؤولية عن تبعاتها»، داعين الهيئات العربية والإقليمية المختصة بالتنسيق مع الدول المتضررة إلى النظر في إنشاء آليات مناسبة «لتوثيق الانتهاكات وتقييم الأضرار والخسائر ومتابعة السبل الكفيلة بجبر الضرر عبر الوسائل الدبلوماسية والقانونية وغيرها من الوسائل السلمية».

وجدد الوزراء «إدانتهم للإجراءات والتهديدات الإيرانية الهادفة إلى إغلاق مضيق هرمز وباب المندب بعدّها انتهاكاً لأحكام القانون الدولي ولمبدأ حرية الملاحة في المضايق الدولية». وأكدوا في هذا الصدد على حق الدول العربية في الدفاع عن سفنها ووسائل نقلها وفقاً للقانون الدولي.

وكيل وزارة الخارجية السعودية عبد الرحمن الرسي خلال رئاسة وفد المملكة في الاجتماع (حساب الخارجية السعودية على منصة «إكس»)

وشدد وزراء الخارجية العرب على «رفض واستنكار استمرار إيران في تمويل وتسليح وتحريك الميلشيات التابعة لها في عدة دول عربية خدمةً لمصالحها، وبما يُشكل تهديداً خطيراً لأمن واستقرار تلك الدول والمنطقة». وجددوا التأكيد على الحق الأصيل للدول العربية المتضررة في الدفاع عن النفس، فردياً أو جماعياً، وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.

وقال أبو الغيط في كلمته إن الاجتماع «لا يهدف فقط إلى إدانة الهجمات الإيرانية الآثمة على عدد من الدول العربية»، وإنما يستهدف «مطالبة المجتمع الدولي بتحميل المعتدي كامل المسؤولية عن اعتداءاته غير القانونية وغير المبررة وغير المقبولة على عدد من الدول العربية».

«خرق جسيم»

وأضاف الأمين العام للجامعة العربية أن إيران لم تمتثل لقرار مجلس الأمن 2817 الصادر في 11 مارس (آذار) الماضي بالوقف الفوري للعدوان، ولم تعترف بأن اعتداءاتها على الدول العربية في الخليج والأردن والعراق مثَّلت خرقاً جسيماً للقانون الدولي، وانتهاكاً مرفوضاً لسيادة الدول، وتجاوزاً صارخاً لكل معاني حُسن الجوار.

وطالب أبو الغيط إيران بـ«الامتثال فوراً لقرار مجلس الأمن، وبتحمل المسؤولية كاملةً عما تسببت فيه هذه الهجمات غير المشروعة من أضرار وخسائر، بما يقتضي التعويض وجبر الضرر بحسب ما ينص عليه القانون الدولي في هذه الحالات».

وقال إن «تصورات إيران عن التحكم في الخليج العربي وفي مضيق هرمز باطلة قانوناً، ولا تستند لحجة أو مسوغ، ومرفوضة جملة وتفصيلاً».

وأكد أن «حرية الملاحة في المضايق والممرات الدولية، ومنها مضيق هرمز، أمرٌ كفله القانون الدولي... ولا يمكن لإيران أن تنتزع لنفسها حق التحكم في مضيق هرمز، لأنها ببساطة لا تملكه».

واستطرد قائلاً إن الجامعة العربية «تعتبر الاعتداء على أي دولة عربية، أو ممارسة التهديد والترويع ضد سكانها المدنيين، اعتداءً على الدول العربية جميعاً»، مؤكداً أن «الجميع يقف صفاً واحداً في التضامن مع الدول التي تعرضت للهجمات الآثمة». وشدد على أن «هذه الاعتداءات الغاشمة سوف تنتهي، وستخرج الدول العربية من هذه الأزمة أكثر قوة وأشد ترابطاً وتعاضداً».

تنسيق وتشاور

وهذه هي المرة الثالثة، منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، التي يجتمع فيها مجلس الجامعة على المستوى الوزاري لبحث تطورات التصعيد الإقليمي.

وكان وزراء الخارجية العرب قد أدانوا في اجتماع طارئ عبر تقنية الاتصال المرئي يوم 8 مارس (آذار) اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ثم جددوا إدانتهم للاعتداءات في اجتماع الدورة العادية الـ165 نهاية الشهر الماضي التي اقتصرت أعمالها على مناقشة الاعتداءات الإيرانية على دول عربية.

وتأتي الاجتماعات العربية المتكررة في سياق التنسيق والتشاور العربي وتأكيد التضامن والدعم لدول الخليج، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، رخا أحمد حسن، الذي قال لـ«لشرق الأوسط» إن الاجتماعات المتتالية «تستهدف تأكيد دعم دول المنطقة التي تعرضت لخسائر مادية واقتصادية بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران»، مشيراً إلى تأثر سلاسل الإمداد بسبب تهديد إيران للملاحة في مضيق هرمز الذي قال إنه مضيق دولي لا يحق لطهران التحكم فيه بموجب القانون الدولي.

Your Premium trial has ended


لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.