السودان يشهد أزمة إنسانية «غير مسبوقة»

انحسار ملحوظ للقصف الجوي والمعارك البرية في الخرطوم

سودانيات ينتظرن في طابور للحصول على مساعدات من الصليب الأحمر في ضواحي مدينة أدري التشادية بعد فرارهن من الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور بالسودان (رويترز)
سودانيات ينتظرن في طابور للحصول على مساعدات من الصليب الأحمر في ضواحي مدينة أدري التشادية بعد فرارهن من الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور بالسودان (رويترز)
TT

السودان يشهد أزمة إنسانية «غير مسبوقة»

سودانيات ينتظرن في طابور للحصول على مساعدات من الصليب الأحمر في ضواحي مدينة أدري التشادية بعد فرارهن من الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور بالسودان (رويترز)
سودانيات ينتظرن في طابور للحصول على مساعدات من الصليب الأحمر في ضواحي مدينة أدري التشادية بعد فرارهن من الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور بالسودان (رويترز)

انحسرت الأربعاء هجمات الجيش السوداني بالطيران الحربي والمسيرات ضد أهداف تابعة لقوات «الدعم السريع» في العاصمة السودانية الخرطوم بشكل ملحوظ، مع انخفاض وتيرة المعارك البرية.

وأفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن القصف الجوي وضربات المسيرات تراجعت عن الأيام الماضية، عدا غارات جوية محدودة في محيط قيادة سلاح المدرعات بمنطقة الشجرة جنوب الخرطوم.

وتشهد مدن العاصمة الثلاث (الخرطوم، أمدرمان وبحري) منذ أشهر، معارك عسكرية ضارية بين قوات الجيش و«الدعم السريع»، في ظل تفاقم مستمر للأزمة الإنسانية للمدنيين العالقين في مناطق الاشتباكات.

في موازاة ذلك، قال شهود عيان إن أعداداً كبيرة من العوائل في مدينة أمدرمان، ثاني أكبر مدن العاصمة، نزحت إلى نواحي الأحياء الطرفية تخوفا من تجدد الاشتباكات داخل المناطق السكنية.

وأطلق مواطنو مناطق متفرقة في العاصمة الخرطوم نداءات استغاثة عاجلة بسبب النقص الكبير في السلع التموينية والدواء والانقطاع المتواصل للكهرباء والمياه وشح في غاز الطبخ.

وقال الريح عبد الله، مقيم في حي «جبرة»، لـ«الشرق الأوسط»: نعيش ظروفاً معيشية صعبة بسبب غياب السلع الأساسية لدرجة الشح، مضيفاً أن كثيراً من الأسر ترتب أوضاعها لمغادرة المنطقة خوفا من الموت جوعا. وقالت مصادر محلية إن العشرات من الأسر في جنوب الخرطوم يعانون من حصار مطبق لأشهر من قبل قوات الدعم السريع والجيش، ويواجهون صعوبات كبيرة في الخروج الآمن من المنطقة.

من جهته، قال وزير الخارجية السوداني المكلف علي الصادق إن السودان يشهد أزمة إنسانية «غير مسبوقة» نتجت عن الحرب التي شنتها «ميليشيا قوات الدعم السريع» على السودان وشعبه، حيث استمرت طيلة الأشهر الثمانية الماضية في تدمير مرافق الدولة الاستراتيجية والخدمية بصورة منهجية.

وقالت الخارجية في بيان إن الوزير خاطب الأربعاء جلسة رفيعة المستوى في المنتدى العالمي للاجئين المنعقد حاليا بالعاصمة السويسرية جنيف، ممثلا لوفد السودان.

وأشار الصادق إلى أن «قوات الدعم السريع ارتكبت أفظع الجرائم والانتهاكات ضد الشعب السوداني من قتل وترهيب ونهب واغتصاب وتهجير قسري مما أدى إلى نزوح الملايين داخليا بينما لجأ قسرا إلى دول الجوار ما يفوق مليون شخص».

وأكد أن «ميليشيا الدعم السريع استوفت كافة المعايير لتصنيفها جماعة إرهابية، متعهدا بالتزام السودان بالعمل على إيجاد حلول جذرية للنزوح القسري وتشجيع العودة الطوعية ومعالجة سبل كسب العيش للاجئين والمجتمع المضيف على حد السواء».

وحث الصادق المجتمع الدولي والمانحين للوفاء بتعهداتهم التي أعلنوا عنها لتنفيذ خطة المفوضية السامية للاجئين للاستجابة للأوضاع الإنسانية في السودان ودول جواره بتقديم المزيد من الدعم العاجل الإنساني والتنموي متوسط وطويل المدى.

وأعرب الصادق عن شكره وتقدير السودان لدول الجوار لاستضافتهم الفارين من ويلات الحرب.


مقالات ذات صلة

«أطباء السودان»: انتشال 15 جثة بعد غرق عبارة في نهر النيل بشمال السودان

شمال افريقيا مشهد لأفق العاصمة السودانية الخرطوم على ضفاف نهر النيل الأزرق وجسر توتي الذي يربط المدينة بجزيرة توتي القريبة (أرشيفية - أ.ف.ب)

«أطباء السودان»: انتشال 15 جثة بعد غرق عبارة في نهر النيل بشمال السودان

قالت شبكة أطباء السودان، اليوم (الأربعاء)، إنه تم انتشال 15 جثة بعد غرق عبارة تحمل أكثر من 27 شخصا، بينهم نساء وأطفال، في نهر النيل بشمال السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا عائلات تتجمع بجانب المياه الضحلة لنهر النيل في جزيرة توتي حيث يلتقي النيلان الأزرق والأبيض في الخرطوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

السودان: مقتل 15 شخصاً على الأقل بعد غرق مركب في نهر النيل

أفادت مجموعة طبية بغرق مركب (عبّارة ركاب) في نهر النيل بالسودان، ما أسفر عن مقتل 15 شخصاً على الأقل، وفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا صور استهداف منظومة دفاعية لـ«الدعم السريع» في كردفان (الجيش السوداني)

تصعيد وهجمات متبادلة بالمسّيرات بين الجيش السوداني و«الدعم السريع» في كردفان

يشهد إقليم كردفان تصعيداً كبيراً في العمليات العسكرية، إذ شن الجيش السوداني مساء الثلاثاء، هجمات جديدة بالمسّيرات ضد «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا لاجئون سودانيون فروا من العنف في بلادهم يتجمعون لتناول طعام يقدمه برنامج الأغذية العالمي بالقرب من الحدود بين السودان وتشاد، في كوفرون تشاد 28 أبريل 2023 (رويترز)

مقتل طفلَين بقصف مسيّرة لمسجد بوسط السودان

أفادت مجموعة من الأطباء المحليين بأن غارة جوية بطائرة مسيّرة استهدفت مسجداً في منطقة كردفان بوسط السودان، أسفرت عن مقتل طفلين وإصابة 13 آخرين.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
العالم العربي «اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

الوجود العسكري المصري - التركي في الصومال... تنافس أم تكامل؟

جانب من القوات المصرية المشارِكة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)
جانب من القوات المصرية المشارِكة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)
TT

الوجود العسكري المصري - التركي في الصومال... تنافس أم تكامل؟

جانب من القوات المصرية المشارِكة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)
جانب من القوات المصرية المشارِكة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

في وقت يشهد فيه الصومال توافداً عسكرياً من مصر وتركيا بشكل متزامن، أكد قياديون سابقون بالجيش المصري أن «الوجود العسكري المصري - التركي في الصومال خصوصاً، ومنطقة القرن الأفريقي بوجه عام، يقوم على التكامل والتعاون، لا التنافس».

ويوم الأربعاء، شهد الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود برفقة وزير الدفاع ورئيس الأركان المصريَّين، في القاهرة، اصطفاف القوات المصرية المشارِكة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، حسب بيان للمتحدث العسكري للجيش المصري، الذي أكد أن «القوات المشارِكة أتمَّت أعلى درجات الجاهزية من خلال مستوى تدريبي احترافي يمكّن من تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار تحت مختلف الظروف».

وفي وقت متزامن استقبل الصومال، الأربعاء، وحدات من القوات البحرية التركية، على رأسها سفينة إنزال بحري، كما وصلت إلى البلاد ناقلة جوية عسكرية في إطار التعاون العسكري بين البلدين، في حين قالت وزارة الدفاع الصومالية إن زيارة السفن الحربية التركية إلى البلاد «تأتي في وقت تولي فيه الحكومة الفيدرالية أهمية خاصة لبناء وتطوير القوات البحرية وخفر السواحل».

عضو «معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع»، اللواء السابق في الجيش المصري، ياسر هاشم، قال: «في رأيي، لا يوجد تنافس بين التحركات العسكرية المصرية والتركية بالصومال بل تكامل وتعاون، والحقيقة أن العلاقات التركية - الصومالية علاقات نشطة، وشهد الصومال دعماً تصاعدياً من تركيا في كثير من المجالات الإنسانية والتنموية والاقتصادية والعسكرية، وذلك بإنشاء قاعدة تركية على الأراضي الصومالية لتدريب القوات الصومالية منذ نحو 10 سنوات».

وأضاف هاشم لـ«الشرق الأوسط»، أن «تركيا استطاعت أن تُشكِّل لها حضوراً، ودوراً مهماً في الصومال، بينما حافظت مصر على مسار علاقاتها مع الصومال بشكل محدود حتى عامين تقريباً، قبل أن ترتقي لتشهد توقيع بروتوكولَي تعاون أمني وعسكري، واتفاقية شراكة بين البلدين، وانخراط قوة عسكرية مصرية كبيرة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي، وقوة أخرى خارجها لدعم وتدريب الجيش الصومالي».

وأوضح أنه «في الوقت نفسه تشهد العلاقات المصرية - التركية تحسناً كبيراً في السنوات الأخيرة، وأصبح التعاون والتنسيق بين البلدين أكثر نشاطاً، وظهر في تبادل الزيارات على مختلف المستويات والأصعدة، وظهر أيضاً في ملف غزة، وفي مجالات الاقتصاد، والشراكات الصناعية، والتعاون العسكري».

سفينة إنزال عسكري بحري تركية وصلت إلى الصومال... الأربعاء (وزارة الدفاع الصومالية)

وعملت القاهرة وأنقرة خلال الفترة الأخيرة على زيادة أشكال التعاون العسكري والدفاعي، وكان ذلك ملفاً بارزاً في زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى مصر، الأسبوع الماضي، وهو أمر يرى خبراء أن هدفه استعادة النفوذ المصري - التركي عبر التأثير وتغيير موازين القوى بالمنطقة في مواجهة النفوذ الإسرائيلي الذي أخذ يهدِّد مصالح البلدين بشكل كبير.

وكان أحدث أشكال التعاون الدفاعي بين مصر وتركيا، «اتفاقية تعاون عسكري»، تمَّ توقيعها في القاهرة، بحضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره إردوغان.

نائب مدير المخابرات الحربية ورئيس جهاز الاستطلاع السابق بمصر، اللواء أركان حرب أحمد كامل، أوضح أنه «خلال زيارة إردوغان الأخيرة إلى مصر نتج عنها توافق ورؤية استراتيجية للبلدين، وتنسيق للمواقف بشأن صراعات المنطقة، خصوصاً مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام ووقف إطلاق النار في قطاع غزة ودخول المساعدات، إلى جانب ملفات أخرى أبرزها الملف الليبي».

وقال كامل لـ«الشرق الأوسط»: «بالنسبة للدور المصري والتركي في الصومال ومنطقة القرن الأفريقي عموماً، فهناك تكامل وتوافق في مواقف البلدين بخصوص رفض اعتراف إسرائيل بإقليم (أرض الصومال)، وتأكيد القاهرة وأنقرة على وحدة الأراضي الصومالية، ورفض محاولات إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر، وإنشاء قوة بحرية عبر (صومالي لاند)».

وشدَّد على أن «هناك تعاوناً استراتيجياً وتنسيقاً أمنياً بين القوات المصرية والتركية والقوات المسلحة الصومالية؛ للحفاظ على الأمن والاستقرار في مواجهة العمليات الإرهابية والقرصنة البحرية جنوب باب المندب، وتأثير ذلك على استقرار الملاحة البحرية والتجارة الدولية، وبالتالي على قناة السويس والاقتصاد المصري».

القوات المصرية المشارِكة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال... الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

وقال الرئيس المصري، الأحد، إن بلاده ماضية في نشر قوات ببعثة حفظ السلام في الصومال، في إطار التزامها بدعم أمنه واستقراره ووحدة أراضيه، وذلك خلال مؤتمر صحافي مشترك عقده مع نظيره الصومالي خلال زيارته مصر.

بينما ذكرت وسائل إعلام صومالية، أن طائرة عسكرية من طراز «إيرباص A400M أطلس»، تابعة للقوات الجوية التركية، هبطت، صباح الأربعاء، في مطار عدن آدي الدولي في مقديشو، وأن «الطائرة التي أقلعت من قاعدة (قيصري إركيلت) الجوية في تركيا، يُعتقد أنها مرتبطة بالتعاون العسكري بين الصومال وتركيا».

وأشارت التقارير الصومالية إلى أن «الحكومة التركية دأبت في الأيام الأخيرة على إرسال أسلحة ثقيلة إلى الصومال بشكل منتظم»، وذلك بالتزامن مع وجود نائب قائد البحرية التركية في مقديشو حالياً.

وتجدر الإشارة إلى أن التعاون العسكري بين مصر وتركيا شهد تطوراً ملحوظاً منذ 2023 مع عودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة وتبادل الزيارات الرئاسية، مما انعكس على مجال الصناعات الدفاعية، وكذلك على تنسيق المواقف من قضايا المنطقة.


مصر: عمال «الديلفري» شريحة تزداد من دون غطاء اجتماعي

الشاب كريم ياسر خلال انتظاره لطلب من مطعم لتوصيله (الشرق الأوسط)
الشاب كريم ياسر خلال انتظاره لطلب من مطعم لتوصيله (الشرق الأوسط)
TT

مصر: عمال «الديلفري» شريحة تزداد من دون غطاء اجتماعي

الشاب كريم ياسر خلال انتظاره لطلب من مطعم لتوصيله (الشرق الأوسط)
الشاب كريم ياسر خلال انتظاره لطلب من مطعم لتوصيله (الشرق الأوسط)

يسابق عامل «الديلفري» محمد إسماعيل الزمن يومياً، خلال عمله في توصيل الطلبات بمطعم شهير وسط القاهرة، لإنجاز أكبر عدد ممكن منها، آملاً في زيادة حصيلته التي تعتمد كلياً على «خدمة التوصيل» من دون راتب ثابت.

يقول الشاب ذو الـ29 عاماً لـ«الشرق الأوسط» إنه يسير في الطريق مثل «المجنون»؛ بسرعة عالية مجتازاً السيارات والمارة، ما يفاقم شعوره بالخطر، وهو ما يدفعه للبحث عن وظيفة أخرى «بمرتب ثابت وتأمينات اجتماعية».

ويوجد في مصر نحو 6 ملايين عامل ديلفري وفق تقديرات رسمية تعود لعام 2022. وتتشابه ظروف عمال الديلفري من حيث الرواتب الضئيلة، أو عدم وجود راتب مقابل خدمة التوصيل، وعدم وجود تأمينات اجتماعية أو صحية أو تأمينات ضد الحوادث لأغلبهم؛ وفق عضوة مجلس النواب (البرلمان) مها عبد الناصر، التي تقدمت الأسبوع الماضي، بطلب إحاطة لرئيس الوزراء ووزير العمل، بشأن «تدهور أوضاع عمال التوصيل بمختلف أنواعهم، وغياب الحماية القانونية والتأمينية لهم رغم خطورة طبيعة العمل».

وقالت مها عبد الناصر في طلبها إنه «وفق البيانات العامة المستقاة من تحقيقات ميدانية، واستطلاعات رأي متخصصة، فإن 63 في المائة من عمال التوصيل تعرضوا لحوادث أو إصابات أثناء العمل، و2 في المائة فقط حصلوا على تعويض عن إصابات العمل، و80 في المائة يعملون دون عقود عمل مكتوبة، و97 في المائة منهم غير مؤمن عليهم اجتماعياً، و12 في المائة فقط لديهم شكل من أشكال التأمين الصحي».

تأمين ضد المخاطر

يعمل الشاب العشريني كريم ياسر، «ديلفري» خلال دراسته لنظم المعلومات، لافتاً إلى أنه رغم مخاطر عمله، فإنه يتناسب مع ظروف دراسته، حتى ولو كان دخله ضئيلاً. ولدى ياسر ميزة لا تتوفر للكثيرين من عمال «الديلفري»، وهي «التأمين ضد المخاطر» الذي توفره إحدى شركات التوصيل الشهيرة في مصر لعمالها، مضيفاً أنه يتمنى أن يوجد قانون ينظم عملهم، ويتيح لهم حماية أكبر، وتأمينات صحية واجتماعية.

طلب إحاطة للمطالبة بتأمين اجتماعي لعمال الديلفري (الشرق الأوسط)

بينما يشكو الشاب العشريني حسن ناصر، الذي يعمل في توصيل الطلبات بأحد المطاعم في مدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة، من صعوبة ظروف عمله «صيفاً وشتاءً»، ففي الأول يواجه شمساً حارقة دون أي وسائل حماية؛ وفي الثاني يواجه الصقيع، لافتاً في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنه مستمر في عمله لعدم توافر عمل آخر، وهو حاصل على شهادة متوسطة.

أما عامل «الديلفري» الثلاثيني، هاني سعيد، فيتذكر حادثة تعرض لها قبل شهور حين كان يعمل على توصيل أحد الطلبات في شارع فيصل بمحافظة الجيزة، حيث يقول لـ«الشرق الأوسط»: «صُدمت الدراجة البخارية في سيارة، وأُصبت في قدمي، وبعدها تركت العمل في المخبز الذي كنت أعمل به، وبحثت عن عمل في مكان آخر بعدما اشتريت دراجة خاصة بي، فمعظم المطاعم تشترط أن يكون لديك دراجتك للعمل».

وكانت وزارة التضامن الاجتماعي أطلقت عام 2022 مبادرة باسم «طريقك أمان» لحماية عمال «الديلفري»، عبر توزيع خوذ عليهم، ومن بين 6 عمال توصيل الطلبات تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» لم يرتد الخوذة سوى واحد فقط، واتفقوا جميعهم على معدلات الخطورة الكبيرة التي يواجهونها يومياً على الطريق.

الشاب حسن ناصر يستمر في العمل بالتوصيل رغم إرهاقه منه لعدم توفر عمل آخر (الشرق الأوسط)

لا أمان اجتماعياً

وقالت النائبة البرلمانية مها عبد الناصر، خلال طلب الإحاطة الأخير، عن نتائج المبادرة الحكومية السابقة، وكذلك الوعود الحكومية الأحدث بتحسين ظروف عمال «الديلفري» بعد صدور قانون العمل العام الماضي، إن «54 في المائة من عمال التوصيل تعرضوا لخصومات غير مبررة، و21.5 في المائة تعرضوا للفصل التعسفي، و97 في المائة لا يشعرون بأي أمان مادي أو اجتماعي».

ويرى الباحث في الأنثروبولوجيا وليد محمود، أن عمال «الديلفري» بمصر شريحة مجتمعية تزداد أعدادها، لأن هذا العمل هو المتاح في ظل سوق تعاني من بطالة مقنعة، وتراجع للرواتب الثابتة، واقتصاد يتطلب السرعة دون أن يدفع ثمنها في حماية اجتماعية لهذه الفئة.

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أن عمال «الديلفري» مثال حي لاقتصاد الهشاشة، من حيث «عمل من دون عقد، ودخل متقلب، ومستقبل غير واضح، فاليوم الجيد لعامل التوصيل قد يتبعه مباشرة تغير في سياسة الشركة أو سرقة دراجته أو إصابة، فلا يجد من يعوضه»، عادّاً أنه بجانب المخاطر اليومية التي تواجههم، فإنهم يعكسون خطورة مجتمعية في التطبيع مع عمل قائم على المجازفة بالأجسام «مقابل بقشيش آخر اليوم» (مبلغ إضافي طوعي).

طلب إحاطة للمطالبة بتأمين اجتماعي لعمال الديلفري (الشرق الأوسط)

ويتفق معه الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني، قائلاً إن عمال «الديلفري» جزء من فئة أكبر من العمالة غير المنتظمة، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «إنهم محرومون من الحق في التنظيم النقابي، وليس لديهم عقود عمل أو حماية اجتماعية، وتحقيق ذلك سيشكل نقلة كبرى في سوق العمل، لحماية قطاع تزداد مساهمته وحجمه مع زيادة الاعتماد على المنصات الرقمية والتسويق الإلكتروني»، مثمناً توجه النائبة البرلمانية في الالتفات إليهم.

دخل إضافي

ولا تعد خدمات التوصيل بمثابة مصدر دخل رئيسي لشبان وأسر فقط، فهو لدى آخرين وسيلة لتوفير متطلبات الحياة المعيشية، إذ لجأ الأربعيني ربيع محمود للعمل «ديلفري» أيام عطلته وفي ساعات المساء، بعد عودته من عمله الثابت في إحدى الشركات لتحسين دخله، ويقول لـ«الشرق الأوسط»، بينما يمسك دراجته الهوائية مستعداً للمغادرة من أمام مطعم كشري وسط القاهرة، إنه اضطر للعمل رغم المخاطر، وبطء حركته لاعتماده على دراجة هوائية لا بخارية، لكن ذلك كان السبيل المتاح أمامه.

مثله يعمل أحمد العشماوي (35 عاماً) في التوصيل لزيادة دخله، منذ عام 2007. ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إنه تنقل بين كثير من المطاعم، وباتت لديه خبرة في الطرقات، لكنه لا يأمن مخاطر عمله، متمنياً أن يتم الالتفات الرسمي لهذه الفئة وتأمينها، خصوصاً في ظل زيادة أعداد العاملين فيها بوصفها «لا تحتاج إلى قدرات خاصة، ويكفي قيادة موتوسيكل أو دراجة حتى تستطيع أن تعمل ديلفري».


«أطباء السودان»: انتشال 15 جثة بعد غرق عبارة في نهر النيل بشمال السودان

مشهد لأفق العاصمة السودانية الخرطوم على ضفاف نهر النيل الأزرق وجسر توتي الذي يربط المدينة بجزيرة توتي القريبة (أرشيفية - أ.ف.ب)
مشهد لأفق العاصمة السودانية الخرطوم على ضفاف نهر النيل الأزرق وجسر توتي الذي يربط المدينة بجزيرة توتي القريبة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

«أطباء السودان»: انتشال 15 جثة بعد غرق عبارة في نهر النيل بشمال السودان

مشهد لأفق العاصمة السودانية الخرطوم على ضفاف نهر النيل الأزرق وجسر توتي الذي يربط المدينة بجزيرة توتي القريبة (أرشيفية - أ.ف.ب)
مشهد لأفق العاصمة السودانية الخرطوم على ضفاف نهر النيل الأزرق وجسر توتي الذي يربط المدينة بجزيرة توتي القريبة (أرشيفية - أ.ف.ب)

قالت شبكة أطباء السودان، اليوم (الأربعاء)، إنه تم انتشال 15 جثة بعد غرق عبارة تحمل أكثر من 27 شخصا، بينهم نساء وأطفال، في نهر النيل بشمال السودان.

وأضافت في منشور على «فيسبوك» أن ستة آخرين نجوا، في حين ما زال الدفاع المدني يبحث عن المفقودين بعد غرق العبارة بين منطقتي طيبة الخواض وديم القراي في محلية شندي.