الضغوط الدبلوماسية تسعى إلى ضبط الحرب في جنوب لبنان بعمق 5 كيلومترات

مقتل شقيق نائب سابق في «حزب الله»... و3 غارات شمال الليطاني

دبابة إسرائيلية تطلق قذائفها باتجاه جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دبابة إسرائيلية تطلق قذائفها باتجاه جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

الضغوط الدبلوماسية تسعى إلى ضبط الحرب في جنوب لبنان بعمق 5 كيلومترات

دبابة إسرائيلية تطلق قذائفها باتجاه جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دبابة إسرائيلية تطلق قذائفها باتجاه جنوب لبنان (أ.ف.ب)

حافظ تبادل القصف بين «حزب الله» والجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان على وتيرة مرتفعة، لكنه بقي مضبوطاً إلى حد كبير في عمق 5 كيلومترات، رغم غارات جوية استثنائية تتوسع بين الحين والآخر إلى مسافة جغرافية أبعد في العمق، كان آخرها 3 غارات جوية استهدفت منطقة تلة خازم في جزين، الواقعة شمال الليطاني.

ويربط «حزب الله» هدوء المعركة في الجنوب بوقف إطلاق النار في غزة، ويقفل أي مسعى دولي لخفض التصعيد، بينما يواظب الموفدون الدوليون الذين ينقلون الرسائل الدبلوماسية إلى لبنان، الدعوة إلى العمل لمنع تمدُّد القتال جغرافياً وتوسعة الحرب داخل الأراضي اللبنانية، حسبما قالت مصادر نيابية مواكبة للحراك الدولي.

ونفت المصادر المعلومات التي تناقلتها وسائل إعلام محلية عن مطالب دولية بإنشاء منطقة عازلة في الجنوب، كما نفت المعلومات عن مهلة زمنية تلقاها لبنان خلال الأيام الماضية لإيقاف التصعيد أو توسعة الحرب. وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الموفدين الدوليين لم يحملوا أي رسائل من هذا النوع، ولا مقترحات يدركون أن لبنان سيرفضها، مؤكدة أن فحوى الرسائل يدور حول ضرورة عدم توسيع الحرب والتهدئة وتجنّب تصعيد خطير يشبه حرب يوليو (تموز) في عام 2006.

وتتواصل الرسائل الدولية إلى لبنان، على إيقاع تهديدات إسرائيلية مستمرة، كان آخرها وزير المال الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش الذي قال إن «حزب الله يفهم جيداً أنه إذا تجرّأ فسيكون التالي وسنسوي بيروت ولبنان بالأرض»، وذلك بعد تهديد إسرائيلي آخر على لسان وزير الدفاع يوآف غالانت بإخراج «حزب الله» إلى شمال نهر الليطاني.

ويرد الحزب على تلك التهديدات بالقول إن أحداً لن يخرجه من الجنوب. وأعاد عضو كتلة الحزب النائب حسن عز الدين، الاثنين، التذكير بأن «أهداف (حرب تموز) في 2006 فشلت، ولم تتمكنوا من تحقيق أهدافكم على الإطلاق، وانتصرت المقاومة، وبقي أهل الجنوب على الثغر المتاخم لفلسطين، يرابطون في مواجهة هذا العدو نصرة لفلسطين ولأهل غزة». وقال إن الحزب بادر إلى القتال بعد انتهاء الهدنة في غزة، «مباشرة ومن دون أي تردد بالقيام بالعمليات العسكرية والأمنية على طول امتداد الجبهة من الناقورة إلى شبعا تدميراً للمواقع والدبابات والآليات وقتلاً للعسكريين ضباطاً وجنوداً»، مضيفاً أن «المقاومة تخوض حرباً فعلية محدودة».

تهديدات متبادلة

ورغم التهديدات المتبادلة بين الطرفين، تسعى الجهود الدبلوماسية على طرفي الحدود إلى منع تمدد القتال إلى مسافات تتخطى 5 كيلومترات، إلا في حالات استثنائية «تنطوي على رسائل أمنية بين الطرفين»، كما يقول الخبراء العسكريون. والتزم الطرفان بتبادل إطلاق النار في عمق يتراوح بين 5 و7 كيلومترات، لكنه الأوسع نطاقاً منذ «حرب تموز» 2006؛ حيث يشمل أكثر من 30 بلدة حدودية على الجانب اللبناني تمتد على طول الحدود البالغة 120 كيلومتراً، وأُفرغت ضفتا الحدود من القسم الأكبر من السكان المدنيين، رغم وتيرة القصف التي تتصاعد يومياً، ويستخدم فيها الطرفان أسلحة وتكتيكات جديدة وذخائر ضخمة، كان أعنفها الغارات الجوية التي استهدفت، الأحد، مربعاً سكنياً في بلدة عيترون في جنوب لبنان.

ومن الاستثناءات في جغرافيا القصف الموسعة، 3 غارات جوية ضخمة نفذتها طائرات حربية إسرائيلية الاثنين، استهدفت منطقة تلة خازم الواقعة على أطراف بلدة الريحان بقضاء جزين (شمال نهر الليطاني)، وقد سُمع دوي الانفجار العنيف في البقاعين الغربي والأوسط، وصولاً إلى سعدنايل وشتورا، حسبما أفادت وسائل إعلام لبنانية.

وتيرة قصف مرتفعة

وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية بدوي صفارات الإنذار في منطقتَي الجليل الغربي والأعلى، قبل أن يعلن الجيش الإسرائيلي اعتراض 8 صواريخ أُطلقت من لبنان نحو منطقة الجليل الغربي، بينما «سقط صاروخَان في منطقة غير مأهولة». وأعلن «حزب الله»، بعد ظهر الاثنين، أن مقاتليه استهدفوا ثكنة ‏«برانيت» وموقع «الراهب» وموقع «حدب البستان»، كما استهدفوا تجمعاً ‏لجنود إسرائيليين في مزارع شبعا.

وفي المقابل، قصف الجيش الإسرائيلي مواقع عديدة في جنوب لبنان عقب إطلاق الصواريخ، واستهدف أطراف بلدتي الناقورة وعلما الشعب وجبل اللبونة في القطاع الغربي، كذلك طيرحرفا بالتزامن مع إلقاء قنابل فوسفورية بين بلدتي الضهيرة ويارين. كما استهدف مناطق واسعة في القطاع الشرقي ووصلت إلى بلدة الطيبة؛ حيث قتل مختار بلدة الطيبة حسين منصور (80 عاماً) جراء قذيفة إسرائيلية استهدفت أطراف البلدة، علماً بأن منصور هو شقيق النائب السابق عن «حزب الله» في البرلمان اللبناني نزيه منصور.

وتكثّف القصف الإسرائيلي في القطاع الشرقي؛ حيث أفادت وسائل إعلام لبنانية بقصف استهدف الهبارية والفريديس والخريبة، إضافة إلى سهل «مرجعيون» وتلة العويضة وبلدتي كفركلا ودير ميماس بقذائف مدفعية، كما أُفيد بسقوط مسيّرة صغيرة في محيط «جديدة مرجعيون» قرب السرايا بسبب عطل فني. واستهدف القصف المدفعي أيضاً يارون ومحيبيب. وسُجل انفجار 5 صواريخ اعتراضية أطلقها الجيش الإسرائيلي في أجواء حولا وميس الجبل وعيترون.


مقالات ذات صلة

تصعيد ميداني في لبنان رغم التفاهمات... وإسرائيل تكرّس «منطقة أمنية» بانتظار مفاوضات واشنطن

المشرق العربي خريطة مشرها الجيش الإسرائيلي لما يسميها «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان (رويترز)

تصعيد ميداني في لبنان رغم التفاهمات... وإسرائيل تكرّس «منطقة أمنية» بانتظار مفاوضات واشنطن

أثارت الخريطة التي نشرها الجيش الإسرائيلي لمناطق انتشار قواته جنوب لبنان تساؤلات حول مفاعيل الاتفاق الأميركي - الإيراني في ظل استمرار العمليات العسكرية.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي جنديان إسرائيليان يحاولان الاحتماء من طائرة مسيّرة أطلقها «حزب الله» قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

لبنان يوقف مشتبهاً باستيراد أجهزة لتصنيع مسيّرات «حزب الله»

نفّذت السلطات اللبنانية مضمون استنابة قضائية فرنسية، تطلب توقيف شخص لبناني، يُشتبه باستيراد معدات كهربائية من فرنسا لصالح «حزب الله».

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي عَلم إسرائيلي معلق على مبنى مدمر في جنوب لبنان (أ.ب)

لبنان… فاتورة الحرب الثقيلة… بالأرواح والاقتصاد

قد تكون الأرقام الحالية التي يتم توثيقها لخسائر الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان مجرد رأس جبل الجليد.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي إسرائيلية تنظر إلى الأراضي اللبنانية حيث يتصاعد الدخان جراء غارة استهدفت جنوب لبنان (رويترز)

إسرائيل تستبق اتفاق واشنطن - طهران بمحاولة التقدم بجنوب لبنان

دفعت الغارات الجوية الإسرائيلية والقصف المدفعي، مئات العائدين إلى مدينة النبطية لمغادرتها، حيث كثفت القوات الإسرائيلية قصفها للمنطقة رغم دخول الهدنة حيز التنفيذ

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي وقفة احتجاجية في ريف حمص نوفمبر الماضي طالبت بإطلاق سراح الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية (سانا)

لبنان يسلم سوريا 129 سجيناً محكوماً الأسبوع المقبل ويتحفظ على 7

يستعد لبنان لتسليم الدفعة الثانية من المحكومين السوريين إلى سلطات بلادهم، بموجب الاتفاقية الموقعة بين البلدين في فبراير (شباط) الماضي.

يوسف دياب (بيروت)

عدد القتلى بنيران إسرائيل في غزة منذ وقف إطلاق النار يتخطى الألف

صورة التُقطت أمس لأنقاض مبانٍ سكنية دمرتها إسرائيل في مدينة غزة (رويترز)
صورة التُقطت أمس لأنقاض مبانٍ سكنية دمرتها إسرائيل في مدينة غزة (رويترز)
TT

عدد القتلى بنيران إسرائيل في غزة منذ وقف إطلاق النار يتخطى الألف

صورة التُقطت أمس لأنقاض مبانٍ سكنية دمرتها إسرائيل في مدينة غزة (رويترز)
صورة التُقطت أمس لأنقاض مبانٍ سكنية دمرتها إسرائيل في مدينة غزة (رويترز)

قالت وزارة الصحة في غزة، اليوم الخميس، إن عدد الفلسطينيين الذين قتلوا بنيران إسرائيلية في القطاع تجاوز الألف منذ وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إذ أفادت تقارير بسقوط ما لا يقل عن ثلاثة قتلى جراء أحدث الضربات.

وقال مسعفون إن إسرائيل قصفت سيارة على طريق عمر المختار الرئيسي في مدينة غزة، ما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص، في الوقت الذي تستمر فيه أعمال العنف على الرغم من الجهود الجديدة التي يبذلها الوسطاء للتوصل إلى هدنة. ولم يعلق الجيش الإسرائيلي بعد على الواقعة. وقالت وزارة الصحة إن عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا منذ التوصل إلى الهدنة التي توسط فيها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أكتوبر 2025 بلغ 1008 حالات وفاة، بما في ذلك الواقعة الأحدث.

فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ دمَّرها القصف الإسرائيلي خلال الحرب في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (رويترز)

وتقول إسرائيل إن أربعة من جنودها قتلوا على أيدي مسلحين خلال تلك الفترة.

وتقول أيضاً إن غاراتها تهدف إلى إحباط هجمات وشيكة من حركة «حماس» ومسلحين آخرين. ونادراً ما تكشف «حماس» عن معلومات بشأن مقتل مقاتليها.

ولا تزال إسرائيل و«حماس» في مأزق بشأن كيفية المضي قدماً نحو المرحلة التالية من خطة ترمب لغزة التي تتضمن نزع سلاح «حماس» وانسحاب القوات الإسرائيلية.

وأفاد مصدران مقربان من المحادثات بأن نيكولاي ملادينوف، مبعوث «مجلس السلام»، الذي شكله ترمب بشأن غزة، أجرى محادثات هذا الأسبوع في القاهرة مع وسطاء من مصر وقطر وتركيا بعد أن قدمت «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى ردها على ما أطلق عليها خريطة الطريق التي طرحها. وأبلغ المصدران «رويترز» أن ملادينوف سلم «حماس» والفصائل أمس الأربعاء نسخة منقحة من خريطة الطريق تعالج بعض مخاوف الفصائل مع الحفاظ على «الخطوط الحمراء الأساسية» لخطة ترمب. ولم يذكر المصدران مزيداً من التفاصيل.

وأكد مسؤول في «حماس» لـ«رويترز» أن الوثيقة قيد الدراسة.

ولا تزال القوات الإسرائيلية تسيطر على أكثر من 60 في المائة من أراضي غزة، إذ أمرت السكان بالخروج ودمرت المباني المتبقية.

ويعيش الآن ما يقرب من جميع السكان البالغ عددهم مليوني نسمة، ومعظمهم نزحوا عدة مرات، في شريط ضيق من الأرض على الساحل، غالباً في خيام مؤقتة أو مبانٍ متضررة، تحت إدارة «حماس».


تصعيد ميداني في لبنان رغم التفاهمات... وإسرائيل تكرّس «منطقة أمنية» بانتظار مفاوضات واشنطن

خريطة مشرها الجيش الإسرائيلي لما يسميها «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان (رويترز)
خريطة مشرها الجيش الإسرائيلي لما يسميها «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان (رويترز)
TT

تصعيد ميداني في لبنان رغم التفاهمات... وإسرائيل تكرّس «منطقة أمنية» بانتظار مفاوضات واشنطن

خريطة مشرها الجيش الإسرائيلي لما يسميها «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان (رويترز)
خريطة مشرها الجيش الإسرائيلي لما يسميها «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان (رويترز)

أثارت الخريطة التي نشرها الجيش الإسرائيلي لمناطق انتشار قواته في جنوب لبنان تساؤلات حول مفاعيل الاتفاق الأميركي - الإيراني، في ظل استمرار العمليات العسكرية وبقاء ملفي الانسحاب وإعادة الانتشار رهناً بالمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المرتقبة في واشنطن. وبينما تتحدث إسرائيل عن «منطقة أمنية» داخل الأراضي اللبنانية، أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي انتشار قواته «بناءً على الحاجة العملياتية داخل منطقة تمتد نحو 10 كيلومترات داخل لبنان، بهدف إزالة ما وصفه بالتهديدات، وتحسين الدفاع عن سكان الشمال».

ميدانياً، سقط قتيلان وجريح في غارة بمسيّرة إسرائيلية استهدفت سيارة عند دوار كفرتبنيت، فيما أغار الطيران المسيّر على حداثا من دون إصابات، وألقت مسيّرة قنبلة على بيت ياحون ما أدى إلى إصابة شخصين. وألقت طائرة «درون» إسرائيلية قنبلة صوتية على عائلة داخل منزل في النبطية الفوقا قرب دار المعلمين. كما شمل القصف المدفعي أطراف النبطية الفوقا، ونفّذ الجيش الإسرائيلي أعمال تجريف في الخيام.

وفيما دخل الجيش اللبناني وعناصر من جمعية الرسالة للإسعاف الصحي إلى حداثا، أطلق الجيش الإسرائيلي النار باتجاه المواطنين وعناصر الجيش اللبناني في البلدة، في حين بقيت قرى القطاع الشرقي وقرى قضاء مرجعيون هادئة نسبياً مقارنة ببقية المناطق الجنوبية.

جندي إسرائيلي يجلس في ظل شجرة إلى جانب دبابة قرب الحدود مع لبنان (أ.ب)

وقال مصدر ميداني في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط» إن «الخريطة التي نشرها الجيش الإسرائيلي تعكس عملياً محاولة لتثبيت واقع ميداني جديد بعد التفاهم الأميركي - الإيراني، عبر عدّ مساحات واسعة من جنوب لبنان مناطق خاضعة للسيطرة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية».

وأوضح المصدر أن الحدود التي تظهرها الخريطة تتجاوز في بعض النقاط ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، وتشمل مناطق لم يتمكن الجيش الإسرائيلي من تثبيت وجود دائم فيها خلال الحرب، مثل «تلة علي الطاهر، والأطراف الشرقية الجنوبية لبلدة حداثا»، مشيراً إلى أن الجيش اللبناني ينتشر داخل حداثا نفسها مع استمرار محاولات القوات الإسرائيلية التقدم نحو المرتفعات المحيطة بها.

ورأى أن «إدراج هذه المناطق ضمن الخريطة الإسرائيلية أسهم في تعزيز مخاوف السكان، وأبطأ عودة الأهالي إلى منطقة النبطية ومحيطها»، موضحاً «أن الأمر لا يقتصر على مدينة النبطية، بل يشمل بلدات الدوير وجبشيت وحاروف وزبدين وميفدون وشوكين وكفرتبنيت والنبطية الفوقا». وأضاف أن هذه المناطق لا تزال تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية، فيما يتواصل القصف المدفعي بشكل شبه يومي، ما يدفع أعداداً كبيرة من السكان إلى التريث في العودة.

وأشار المصدر إلى أن «الحدود التي ترسمها إسرائيل اليوم تشبه إلى حد بعيد الحدود التي كانت قائمة قبل انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، وتمتد من القطاع الغربي مروراً بالقطاع الأوسط وصولاً إلى أجزاء واسعة من القطاع الشرقي باتجاه الخيام». وأضاف أن إسرائيل لم تضم إلى خريطتها الحالية بعض المناطق التي كانت تحتلها سابقاً حتى مشارف جزين، لكنها عملياً عدّت كامل القطاعين الغربي والأوسط، إضافة إلى المرتفعات الممتدة شرق النبطية وصولاً إلى محور مرجعيون - الخيام، ضمن نطاق سيطرتها الأمنية.

وعدّ المصدر أن أبرز ما أفرزته المرحلة التي تلت التفاهم الأميركي - الإيراني هو سعي إسرائيل إلى رسم «حدود احتلال» بوصف ذلك كأنه أمر واقع على الأرض، من خلال تكريس هذه المناطق بوصفها حزاماً أمنياً فعلياً من دون إعلان رسمي.

وختم المصدر بالإشارة إلى أن الخط الفاصل الذي تسعى إسرائيل إلى تكريسه يمتد في القطاع الأوسط عبر محاور بنت جبيل ووادي السلوقي وصولاً إلى بلدات حداثا وبرعشيت وبيت ياحون، موضحاً أن القوات الإسرائيلية لا تنتشر فعلياً داخل هذه البلدات، لكنها تتعامل معها بوصفها جزءاً من نطاق أمني متقدم وخط تماس جديد في جنوب لبنان.

أحد سكان مدينة صور الجنوبية يرمي أنقاضاً من شقة متضررة داخل مبنى تعرض لغارات إسرائيلية (أ.ب)

لا مؤشرات إلى انسحابات إسرائيلية

بدوره، أكد العميد الركن المتقاعد بسام ياسين لـ«الشرق الأوسط» أن الاتفاق الأميركي - الإيراني لم يُترجم حتى الآن بأي تغييرات ميدانية ملموسة في جنوب لبنان، مشيراً إلى أن الوقائع على الأرض ما زالت تعكس استمرار التموضع الإسرائيلي في المناطق التي يسيطر عليها، فيما تبقى الملفات المرتبطة بالانسحاب وترتيبات ما بعد الحرب قيد البحث في المفاوضات الجارية في واشنطن.

وقال ياسين إن الخريطة التي نشرها الجيش الإسرائيلي أخيراً توحي بأن إسرائيل تتعامل مع المناطق التي أدرجتها ضمنها بوصفها مناطق خاضعة لسيطرتها العسكرية، «وكأنها تقول إن هذه المناطق موجودة تحت الاحتلال الإسرائيلي، ولا يجب الاقتراب منها، وإنها ستتعامل مع أي تحرك فيها بوصفه تهديداً أمنياً».

وأوضح أن من أبرز هذه المناطق تلة علي الطاهر، لافتاً إلى أن كثيرين يختزلونها بتلة أو مرتفع صغير، «في حين أن علي الطاهر عبارة عن سلسلة جبلية تمتد لمسافة تتراوح بين ثلاثة وأربعة كيلومترات من محيط كفرتبنيت وصولاً إلى اتجاه كفررمان، وبالتالي فإن ضم أجزاء واسعة منها إلى ما تعده إسرائيل منطقة خاضعة لسيطرتها يحمل دلالات ميدانية مهمة».

وأضاف أن « الاحتلال الإسرائيلي يثبت حالياً المواقع التي يتمركز فيها، فيما لا تزال محاولات التقدم باتجاه علي الطاهر مستمرة، كما أن القصف المدفعي والصاروخي في منطقة النبطية استمر خلال الفترة الماضية»، مشدداً على أنه «لا توجد حتى الآن أي مؤشرات فعلية على انسحابات إسرائيلية كما يعتقد البعض».

وأوضح أن الملفات المرتبطة بالانسحاب الإسرائيلي أو إعادة الانتشار أو انتشار الجيش اللبناني «لا تُحسم ميدانياً، بل تُبحث ضمن الاجتماعات والمفاوضات اللبنانية الجارية في واشنطن»، مضيفاً أن «أي حديث عن انسحاب أو ترتيبات جديدة يبقى سابقاً لأوانه في هذه المرحلة».

قلعة الشقيف (بوفور) في جنوب لبنان كما تُرى من شمال إسرائيل (أ.ب)

لا انسحاب

وفي موازاة ذلك، أفادت «القناة 14 » الإسرائيلية بأن «مستقبل الانتشار الإسرائيلي في جنوب لبنان سيُبحث خلال المفاوضات مع الجانب اللبناني في واشنطن»، في وقت نقلت «هيئة البث الإسرائيلية» أن ملف الانسحاب من المواقع التي لا تزال القوات الإسرائيلية تتمركز فيها داخل لبنان سيكون مطروحاً خلال الجولة المقبلة من المفاوضات. أما صحيفة «يديعوت أحرونوت» فكشفت أن «الجيش الإسرائيلي طالب بالاحتفاظ بمنطقة عازلة داخل جنوب لبنان، مع الإصرار على تفكيك السلاح في الجنوب».


لبنان يوقف مشتبهاً باستيراد أجهزة لتصنيع مسيّرات «حزب الله»

جنديان إسرائيليان يحاولان الاحتماء من طائرة مسيّرة أطلقها «حزب الله» قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)
جنديان إسرائيليان يحاولان الاحتماء من طائرة مسيّرة أطلقها «حزب الله» قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)
TT

لبنان يوقف مشتبهاً باستيراد أجهزة لتصنيع مسيّرات «حزب الله»

جنديان إسرائيليان يحاولان الاحتماء من طائرة مسيّرة أطلقها «حزب الله» قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)
جنديان إسرائيليان يحاولان الاحتماء من طائرة مسيّرة أطلقها «حزب الله» قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

نفّذت السلطات اللبنانية مضمون استنابة قضائية فرنسية، تطلب توقيف شخص لبناني، يُشتبه باستيراد معدات كهربائية من فرنسا لصالح «حزب الله»، ويستخدمها الحزب للأعمال العسكرية، خصوصاً تصنيع المسيّرات.

وأوقفت شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، المواطن اللبناني ربيع ط، وباشرت التحقيق معه بناءً على إشارة من النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج وبإشرافه شخصياً.

وكشف مصدر قضائي بارز لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء اللبناني أوقف المشتبه به «بعد ورود استنابة من القضاء الفرنسي تطلب اعتقاله وتسليمه إلى السلطات الفرنسية، للتحقيق معه في إطار ملف شبكة جرى تفكيكها في فرنسا، ويُشتبه في قيامها بتصدير معدات وأجهزة لصالح (حزب الله)».

وأكد المصدر -الذي رفض ذكر اسمه- أن الموقوف «خضع لتحقيق أولي أمام شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي بإشراف مباشر من النائب العام التمييزي، ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم؛ حيث أقرّ بأنه استورد 3 شحنات تضم أجهزة ومعدات كهربائية، سلّمها لاحقاً إلى شخص قال إنه يعرفه من خلال لقبه فقط، ويرجّح أنه ينتمي إلى (حزب الله)، من دون علمه أن هذه الأجهزة تستخدم في الصناعات العسكرية».

حاجز عسكري إسرائيلي في منطقة رأس الناقورة بعد هجوم بمسيّرة (رويترز)

ويأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه الرقابة الدولية على مسارات تمويل «حزب الله» وقدراته التقنية والعسكرية، لا سيما تلك المرتبطة بتطوير الطائرات المسيّرة، ووفق المصدر نفسه أقرّ الموقوف بأنه «استورد هذه المعدات عبر الشحن البحري، وضمن شحنات الأدوات والمعدات الكهربائية الخاصة بشركته»، مشيراً إلى أنه يملك مؤسسة تعمل في هذا القطاع، وأن عملية الاستيراد تمت ضمن نشاطه التجاري المعتاد»، كما نفى معرفته بطبيعة الاستخدام النهائي لهذه المعدات أو الغاية التي استُوردت من أجلها.

وتكتسب هذه الاعترافات أهمية خاصة في ضوء الشبهات التي تتحدث عن استخدام الأجهزة المستوردة في تصنيع المحركات أو المكوّنات التقنية الخاصة بالطائرات المسيّرة التي يملكها «حزب الله»، وهو ما يُشكل محور التحقيقات الجارية في كل من لبنان وفرنسا.

وفي موازاة التحقيقات الأمنية والقضائية، أبلغت السلطات اللبنانية الجانب الفرنسي رسمياً بتوقيف المطلوب من قبلها. وقال المصدر إن النيابة العامة التمييزية «طلبت من الجانب الفرنسي نسخة كاملة من التحقيقات والوثائق المتوافرة لدى القضاء الفرنسي، بهدف استكمال التحقيقات المحلية وتحديد مدى صحة المعطيات التي استندت إليها الاستنابة القضائية»، مشيراً إلى أن شعبة المعلومات «أنهت في الساعات الماضية التحقيقات الأولية، وأحالت الملفّ إلى النيابة العامة العسكرية؛ حيث ادعى مفوض الحكومة القاضي كلود غانم على الموقوف، وأحاله إلى قاضي التحقيق العسكري، كما سطّر بلاغ بحث وتحرٍّ لكشف هوية الشخص الآخر وتوقيفه».

إسرائيليون يشيعون بالقدس جندياً قتل بمسيّرة في جنوب لبنان (أ.ب)

ورغم أن القضاء العسكري وضع يده على الملفّ، وشرع في إجراءات المحاكمة، فإن هذا الملف لا يزال في بداياته، وفق تقدير مصدر قضائي، الذي يرى أن «أهمية هذا التحقيق تبقى رهناً بالمعلومات والأدلة التي ستوفّرها السلطات الفرنسية، سواء من حيث طبيعة المعدات المستوردة أو وجهة استخدامها الفعلية، فضلاً عن تحديد هوية أفراد هذه الشبكة، سواء في فرنسا أو في لبنان»، مشدداً على أنه «لا بد من الاستفادة من التحقيقات الفرنسية، للتثبّت مما إذا كان الأمر يقتصر على عمليات استيراد تجارية استُخدمت لاحقاً لأغراض غير معلومة للمستورد، أم أنها جزء من شبكة أوسع مرتبطة بتأمين مكونات تقنية تدخل في برامج تطوير القدرات العسكرية لـ(حزب الله)، وهو ما من شأنه أن يمنح هذا الملف أبعاداً أمنية تتجاوز حدود لبنان».