غزة... حيث لا تنتهي الطوابير

الناس ينتظرون ساعات للحصول على الماء والغاز والبنزين

طابور أمام محطة وقود في رفح يوم الأحد (د.ب.أ)
طابور أمام محطة وقود في رفح يوم الأحد (د.ب.أ)
TT

غزة... حيث لا تنتهي الطوابير

طابور أمام محطة وقود في رفح يوم الأحد (د.ب.أ)
طابور أمام محطة وقود في رفح يوم الأحد (د.ب.أ)

لأكثر من 7 ساعات، وقف بلال أحمد من سكان منطقة حي اليرموك، شرق مدينة غزة، في طابور طويل مع مئات آخرين على أمل التزود بالقليل من الغاز المنزلي الذي سُمح بإدخاله للقطاع بكميات ضئيلة جداً، بعد 50 يوماً من الحرب الإسرائيلية المدمرة. ومعاناة بلال في الواقع هي معاناة يُضطر كل الغزيين للتعايش معها يومياً من أجل اقتناء الغاز أو الماء أو الوقود.

وسمحت القوات الإسرائيلية بدخول كميات قليلة جداً من الوقود والغاز إلى مدينة غزة وشمال القطاع، على عكس الكميات الكبرى التي سُمح بإدخالها إلى وسط قطاع غزة وجنوبه.

وقال بلال أحمد لـ«الشرق الأوسط» إنه اضطر لقطع مسافة كيلومترين تقريباً مع فجر اليوم الثالث للتهدئة (الأحد)، للوصول إلى محطة تعبئة الغاز، سعياً إلى حجز دور له في طابور لا ينتهي، وعلى الرغم من ذلك اضطُر أن ينتظر أكثر من 7 ساعات حتى حصل على كمية بسيطة، وكان محظوظاً قياساً بغيره الذين باتوا ليلتهم هناك.

طابور غاز في رفح يوم السبت (أ.ب)

وأضاف: «بعد كل ذلك سمحوا لي بتعبئة 6 كيلوغرامات من الغاز، لا تكاد تكفيني وعائلتي (14 فرداً)، سوى نحو 15 يوماً».

لكن على الرغم من ذلك كان بلال أحمد ممتناً؛ لأنه منذ اليوم الثاني عشر للحرب، وهو يحاول الحصول على أي كمية من الغاز.

أمام كل محطة تعبئة غاز في قطاع غزة اليوم تجد طوابير لا تنتهي. الكبار، الشبان، النساء... الجميع ينتظرون دورهم من أجل الحصول على نصف جرة فقط من الغاز.

يقول محمد حمادة، وهو صاحب إحدى محطات تعبئة الغاز، إن ما دخل من كميات إلى القطاع قليل، ولا يساوي ما كان يدخل قبل الحرب، مضيفاً أن ما حصل عليه «يكفينا نصف يوم واحد، ولذلك لا نستطيع تعبئة أكثر من 6 كيلوغرامات (للفرد الواحد في الطابور) حتى يحصل أكبر قدر ممكن من المواطنين على الغاز».

ينتظرون في طابور للحصول على غاز الطهي في خان يونس (أ.ب)

وسُمح بإدخال الوقود والغاز إلى مدينة غزة وشمال القطاع، بعد أزمة تتعلق بتنفيذ بنود اتفاق الهدنة الإنسانية، علّقت خلالها «كتائب القسّام»، الجناح العسكري لحركة «حماس»، تسليم المحتجزين الإسرائيليين، يوم السبت، اعتراضاً على عدم إدخال المساعدات لتلك المناطق، قبل أن تعاود السلطات الإسرائيلية السماح بإدخالها، كما سمحت بترخيص خاص بإدخال محروقات لصالح شركات الاتصالات لتشغيل الشبكات، وكميات قليلة من الخضار المفقود بتلك المناطق.

وانشغل الكثير من الغزيين خلال فترة الهدنة الإنسانية بمحاولة توفير جزء يسير من الاحتياجات الأساسية التي يحتاجون إليها، لكن مثل الغاز كل شيء يحتاج إلى الوقوف في طابور.

طابور للحصول على غاز في خان يونس يوم السبت (أ.ب)

قالت أم تيسير صيام من سكان حي الزيتون جنوب مدينة غزة، وهي تعول 7 من أبنائها القاصرين، إنها اضطرت لشراء غالون مياه محلاة تصل سعته إلى 14 لتراً، بمبلغ 10 شواقل (أي ما يعادل أقل من 3 دولارات) بعد انتظار طويل في طابور طويل.

وصيام النازحة مع أفراد عائلتها إلى حي الشيخ رضوان، انتظرت ساعتين حتى تحصل على هذه الكمية البسيطة من المياه، والتي لا تكاد تكفي يومين. وقالت: «منذ إدخال كميات قليلة من الوقود لتشغيل محطات تحلية المياه، ونحن نقف في طوابير طويلة من أجل القليل من الماء».

وسمح ضمن المساعدات التي دخلت إلى مناطق مدينة غزة وشمال القطاع، بدخول قارورات مياه صغيرة، إلا أنها لا تكفي إلا نحو 2000 نازح فقط داخل بعض المدارس التي وصلت إليها المساعدات بحلول صباح الاثنين.

الخبز يُحَضَّر على الحطب في خان يونس يوم 13 نوفمبر (إ.ب.أ)

وتقول منظمات دولية، وكذلك جهات حكومية بغزة، إن ما دخل القطاع من مساعدات يُعد نقطة في بحر الاحتياجات اليومية.

وقبل الحرب الإسرائيلية، كان يدخل قطاع غزة يومياً نحو 800 شاحنة محملة بمختلف أنواع البضائع حتى تغطي احتياجات السكان.

ومن مفارقات أزمة المساعدات الإنسانية أن سكان مدينة غزة وشمال القطاع، لا يجدون أي كميات وقود لتشغيل مركباتهم، على عكس ما يجري وسط وجنوب القطاع.

وقال الشاب أيمن حمدان من سكان خان يونس، إنه اضطر إلى الاصطفاف نحو 10 ساعات كاملة للحصول على 30 لتراً من الوقود لصالح مركبته المتوقفة عن العمل منذ اليوم التاسع عشر للحرب. أضاف: «أزمة غير طبيعية. يجب أن تقف ساعات طويلة حتى في البرد والمطر حتى تحصل على قليل من الوقود. يجب أن تذهب أيضاً إلى طابور للحصول على ماء، وطابور آخر للحصول على الغاز... الحياة في غزة صارت طوابير وراء طوابير».


مقالات ذات صلة

كيف نقلت إسرائيل «الخط الأصفر» إلى عمق حي مدمّر في غزة

المشرق العربي صورة عامة لمنازل مدمرة في مناطق حددها الجيش الإسرائيلي بـ«الخط الأصفر» شرق مدينة غزة 16 يناير 2026 (رويترز)

كيف نقلت إسرائيل «الخط الأصفر» إلى عمق حي مدمّر في غزة

أظهرت صور التقطتها أقمار اصطناعية أن إسرائيل نقلت كتلاً ترسم الخط الفاصل بموجب الاتفاق المبرم مع حركة «حماس» إلى عمق أحد أحياء المدينة في ديسمبر (كانون الأول).

«الشرق الأوسط» (غزة)
الخليج الرئيس دونالد ترمب يصفق بعد توقيع الأمير فيصل بن فرحان على ميثاق تأسيس «مجلس السلام» في دافوس الخميس (أ.ف.ب)

السعودية تُوقِّع على ميثاق تأسيس «مجلس السلام»

وقَّع الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، الخميس، على ميثاق تأسيس «مجلس السلام» في غزة، بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب، على هامش «دافوس 2026».

«الشرق الأوسط» (دافوس)
أوروبا باريس تقول إنها لن تنضم في الوقت الراهن إلى «مجلس السلام» الذي ‌اقترحه الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ⁠ترمب (أ.ف.ب)

فرنسا: لن ننضم إلى «مجلس السلام» في الوقت الراهن

قال المتحدث ​باسم وزارة الخارجية الفرنسية، الخميس، إن باريس لن تنضم ​في ‌الوقت الراهن إلى «مجلس السلام»، الذي ‌اقترحه الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ⁠ترمب.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال التوقيع على ميثاق مبادرة «مجلس السلام» في دافوس (أ.ف.ب)

ترمب يوقّع الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام»

وقّع الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الخميس، ميثاق ما يُسمى «مجلس السلام»، الذي وصفه بأنه هيئة لحل النزاعات الدولية، وذلك بحضور الأعضاء المؤسسين الآخرين.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
شمال افريقيا الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع ثنائي على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

ترمب يسعى لعقد لقاء بين زعيمي مصر وإثيوبيا بشأن «سد النهضة»

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن لدى أميركا علاقة رائعة وقوية مع مصر، وأوضح أنه سيحاول عقد لقاء بين زعيمي مصر وإثيوبيا للوصول إلى اتفاق بشأن «سد النهضة».

«الشرق الأوسط» (دافوس)

القضاء اللبناني يبدأ استدعاء مناصرين لـ«حزب الله» أساؤوا لعون

مناصرون لـ«حزب الله» يتظاهرون في الضاحية الجنوبية لبيروت استنكاراً للضربات الإسرائيلية على الجنوب ليل الأربعاء (إ.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يتظاهرون في الضاحية الجنوبية لبيروت استنكاراً للضربات الإسرائيلية على الجنوب ليل الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

القضاء اللبناني يبدأ استدعاء مناصرين لـ«حزب الله» أساؤوا لعون

مناصرون لـ«حزب الله» يتظاهرون في الضاحية الجنوبية لبيروت استنكاراً للضربات الإسرائيلية على الجنوب ليل الأربعاء (إ.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يتظاهرون في الضاحية الجنوبية لبيروت استنكاراً للضربات الإسرائيلية على الجنوب ليل الأربعاء (إ.ب.أ)

بدأ القضاء اللبناني، الخميس، ملاحقة المتورطين في الإساءة إلى رئيس الجمهورية جوزيف عون، وهم من أنصار «حزب الله» الذين شنوا حملة على الرئيس بعد القصف الإسرائيلي على خمس بلدات واقعة شمال الليطاني، منتقدين التزامه بحصرية السلاح بيد الدولة.

وقال مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» إن المباحث الجنائية استدعت صحافياً لبنانياً مقرباً من «حزب الله» على خلفية فيديو نشره في صفحته، لكن الصحافي رفض المثول الجمعة أمام المباحث الجنائية، مبرراً أنه صحافي، «والصحافي لا يمثل أمام الضابطة العدلية بل أمام محكمة المطبوعات». وقال المصدر إن هناك استدعاء آخر سيصدر قريباً، على خلفية توجيه إهانات لرئيس الجمهورية.

تحرّك النيابة العامة

ويتيح القانون اللبناني للنيابة العامة التمييزية التحرك من تلقاء نفسها في ثلاث حالات تتمثل في «التعرض لمقام رئيس الدولة»، و«التعرّض للجيش اللبناني»، و«التعرّض للقضاء». أما الإساءات لأطراف أخرى، فتتحرك النيابة بناء على إخبار يقدمه المتضرر إلى القضاء.

وقالت المصادر إن رئاسة الجمهورية «لم تتقدم بأي إخبار، ولم تطلب من القضاء التحرك، لكنه يتحرك حكماً بمفرده في حال كان هناك تعرض لمقام الرئاسة».

وشن مناصرون لـ«حزب الله» حملة على الرئيس اللبناني جوزيف عون، ظهرت في مواقع التواصل الاجتماعي، على خلفية مواقفه من حصرية السلاح، وبسط الدولة سلطتها بقواها الذاتية على سائر الأراضي اللبنانية. وتخللت الحملة شتائم وجهت للرئيس، وتضمنت ألفاظاً نابية. وقالت مصادر مواكبة للاستدعاءات إن ما جرى «ينطوي على تطاول على الرئيس، وتضمن كلاماً جارحاً واتهامات، تستدعي تحقيقاً من القضاء حولها».

مناصرون لـ«حزب الله» يتظاهرون في الضاحية الجنوبية لبيروت استنكاراً للضربات الإسرائيلية على الجنوب ليل الأربعاء (إ.ب.أ)

ويضع القانون اللبناني تلك الاستدعاءات في إطار حماية موقع رئاسة الجمهورية بوصفها مؤسسة دستورية، علماً أنّ أي دولة، في مراحل التوتر السياسي، تكون معنيّة بصون رموزها الدستورية من دون أن يعني ذلك المسّ بالحريات العامة، أو الحق بالتعبير.

ولا يهدف هذا التوجّه إلى خلق سابقة في ملاحقة الرأي، أو التضييق على حرية التعبير، بل إلى إعادة ترسيم الحدود بين النقد السياسي المشروع من جهة، والتعرّض الشخصي، أو التشهير بالموقع الدستوري من جهة أخرى، في ظل تصاعد خطاب سياسي وإعلامي بات يتجاوز، في بعض الحالات، الأطر الديمقراطية المعروفة، على حد تعبير المصادر.

الإطار القانوني وصلاحيات القضاء

في هذا السياق، قال المحامي فاروق المغربي لـ«الشرق الأوسط» إنّ القانون اللبناني «يحدّد بوضوح الأصول الواجب اتباعها في أي إجراء يتصل بمقام رئيس الجمهورية»، لافتاً إلى أنّ «رئيس الجمهورية يُعدّ، وفق قانون العقوبات، شخصية يحقّ لها التقدّم بشكوى، أو يمكن للنيابة العامة التمييزية التحرّك تلقائياً في حال التعرّض لمقام الرئاسة».

وأوضح المغربي أنّ «أي استدعاء للأشخاص عبر الأجهزة الأمنية لا يكون جائزاً قانوناً إلا بموجب إشارة قضائية صريحة»، وأضاف أنّه في حال وجود شكوى «يتقدّم رئيس الجمهورية بها، فتتحرّك النيابة العامة ضمن الأطر القانونية، ومن ثم يُصار إلى الاستدعاء وفق الأصول»، معتبراً أنّ «تجاوز هذه الآلية، إذا كانت هناك شكوى، يُعدّ مخالفة قانونية».


لبنان: «حزب الله» يخالف مسار بري بحملة على رئيس الجمهورية

لبنانية متأثرة من الدمار الذي خلفته الغارات الإسرائيلية على بلدة قناريت الجنوبية الأربعاء (إ.ب.أ)
لبنانية متأثرة من الدمار الذي خلفته الغارات الإسرائيلية على بلدة قناريت الجنوبية الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

لبنان: «حزب الله» يخالف مسار بري بحملة على رئيس الجمهورية

لبنانية متأثرة من الدمار الذي خلفته الغارات الإسرائيلية على بلدة قناريت الجنوبية الأربعاء (إ.ب.أ)
لبنانية متأثرة من الدمار الذي خلفته الغارات الإسرائيلية على بلدة قناريت الجنوبية الأربعاء (إ.ب.أ)

تخطى «حزب الله» دعوة رئيس البرلمان اللبناني، نبيه بري، لمواجهة «العدوانية الإسرائيلية» بـ«الوحدة الوطنية»، ليفتتح صداماً مع السلطة اللبنانية، وتحديداً الرئيس اللبناني جوزيف عون، على خلفية التصعيد الإسرائيلي العنيف في جنوب لبنان، مما يعزز هواجس أهل الجنوب من «عزلة»، بعد التصادم مع عون الذي يمثل من موقعه رمزية الدولة.

وشن «حزب الله» عبر جمهوره حملة شعواء على الرئيس اللبناني، إثر الضربات الإسرائيلية. وقالت مصادر مواكبة لملفات الحزب، إن حملة من هذا النوع «لا يمكن أن تكون فردية، بالنظر إلى أن الحزب لم يصدر أي مواقف أو بيانات تندد بها»، مشيرة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «صراع الأجنحة داخل الحزب، لا يبرر هذه الهجمة على عون الذي يُنظر إليه على أنه يقوم بدوره بالكامل ضمن الخيارات المتاحة لوقف الاعتداءات، وحماية البلاد من تداعيات أي تصعيد».

تصعيد على خلفية السلاح

وبدأ التصعيد ضد عون، على خلفية تصريحاته الأخيرة التي أكد فيها حرصه على «عدم الزجّ بلبنان في مغامرات انتحارية، دفعنا ثمنها سابقاً كثيراً»، وأعاد التأكيد على موقفه الحازم لناحية حصرية السلاح بيد الدولة التزاماً بخطاب القسم والبيان الوزاري. كما دعا «للتوقف نهائياً عن أي استدراج أو أي انزلاق في صراعات الآخرين على أرضنا».

وقالت مصادر وزارية مواكبة لمواقف رئيس الجمهورية إن عون لم يفوّت فرصة للدفاع عن لبنان ووقف الاعتداءات، وتبنى في مواقفه، أولويات وقف الاعتداءات الإسرائيلية وإعادة الإعمار وعودة السكان وإعادة الأسرى، واستخدم كل القنوات المتاحة، وكل السبل المتوافرة للضغط وتحقيق هذه الأهداف، مشيرة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن موقف الرئيس من حصرية السلاح «هو نفسه لم يتغير من خطاب القسم»، موضحة أن عون «حاول تقديم بدائل وحلول للأزمة عبر اتصالاته الدولية، في ضوء التحولات التي حدثت أخيراً».

فتى أمام مبنى دمرته غارة إسرائيلية على بلدة قناريت جنوب لبنان الأربعاء (إ.ب.أ)

وفي وقت لا ينكر بعض الدائرين في فلك «حزب الله» بأن السلاح لم يحقق الردع في وجه إسرائيل، ولم يعد الخيار الأنجع لتجنب حرب واسعة، يأخذ الحزب على عون وعلى رئيس الحكومة نواف سلام حديثهما عن أن الخيارات المتاحة الآن، هي خيار الدبلوماسية. وتقول مصادر مطلعة على موقفَي عون وسلام، إنه «مَن يمتلك خياراً آخر غير الدبلوماسية بعد الحرب الأخيرة، فليظهرها».

وكان عون قد دعا بعد التصعيد ليل الأربعاء، المجتمع الدولي، ولا سيما الجهات الراعية للاتفاق، «إلى تحمّل مسؤولياتها القانونية والسياسية، واتخاذ إجراءات واضحة وفاعلة لوقف هذه الانتهاكات ووضع حدّ لسياسة الإفلات من المحاسبة، بما يضمن حماية المدنيين وصون الأمن والاستقرار في لبنان والمنطقة».

وتتضارب الحملة على عون، مع المسار السياسي الذي يتبعه رئيس البرلمان نبيه بري، الداعي إلى تعزيز الوحدة الوطنية، في ظل هواجس لدى أبناء الجنوب من أن افتعال الحزب للتصادم مع القوى العاملة على خفض التصعيد، يمكن أن يؤدي إلى تعزيز الشرخ في الداخل بين أبناء المنطقة، والدولة اللبنانية.

وقالت مصادر قريبة من «حركة أمل»، التي يترأسها بري، لـ«الشرق الأوسط» إن «الرهان اليوم هو على حكمة الرئيس بري»، وضرورة «التعامل بعقلانية مع التطورات في ظل التصعيد الإسرائيلي والدعم الأميركي غير المحدود لتل أبيب، والتغيرات التي تجري في المنطقة والعالم».

وتعليقاً على التصعيد الإسرائيلي، أكتفى بري بالقول ليل الأربعاء في بيان: «لم يعد يجدي لبنان واللبنانيين بيانات الشجب والإدانة، ما ينقذ لبنان ويحرر أرضه ويحصنه في مواجهة العدوانية الإسرائيلية الوحدة الوطنية ثم الوحدة الوطنية».

جابر من دافوس

وفي هذا السياق، قال وزير المال، ياسين جابر، إن «أولويتنا هي استعادة دور الدولة في جميع الجوانب، وبشكل خاص في إعادة بناء المؤسسات».

ونفى جابر في تصريح لـ«عرب نيوز»، على هامش اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، أي خطط لتحويل منطقة الجنوب المتضررة في لبنان إلى منطقة اقتصادية، قائلاً إن هذا الاقتراح «مات في المهد». وأوضح أن المبعوثة الأميركية إلى لبنان، مورغان أورتاغوس، اقترحت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي تحويل المنطقة، التي تتعرض لغارات جوية يومية من إسرائيل، وقد رُفضت على الفور.

جاءت تصريحات جابر لـ«عرب نيوز» على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، رداً على تقارير ظهرت في الإعلام اللبناني في ديسمبر الماضي، أشار إلى أن أجزاء من جنوب لبنان ستتحول إلى منطقة اقتصادية، يديرها خطة قدمها جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي ترمب. وكذلك نفى جابر علامات ظهرت في دافوس خلال اليومين الماضيين عن اجتماع ثنائي بين وزراء لبنانيين والمبعوث الأميركي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، وكوشنر، وقال: «إن الاجتماع الذي عقد الثلاثاء كان جمعاً لجميع وزراء المالية والخارجية العرب، حيث جاءوا لفترة قصيرة، شرحوا للجمهور الفكرة حول تشكيل مجلس السلام لغزة». وعن جذب الاستثمار وتعزيز الاقتصاد، قال جابر: «الواقع الآن هو أننا بحاجة إلى الوصول إلى وضع يسمح بتحقيق الاستقرار، مما يسمح للجيش اللبناني، لذلك يجب أن يتوقف العدوان (الإسرائيلي)».

خصوم و«حزب الله»

في المقابل، يتخوف خصوم «حزب الله» من الشيعة، أن يؤدي هذا التصعيد ضد عون إلى «عزلة الجنوب، وخسارة حاضنة الدولة لقضيتهم». وقال الباحث السياسي المعارض للحزب، علي الأمين: «إن الحملة ليست شيعية، هي حملة الحزب، ويمضي بخطابه إلى مواجهة الدولة ومنطق الدولة، ويُخرِج كل أدواته ليطال الدولة برمزيتها، أي رئيس الجمهورية».

لبنانيون يبحثون وسط أنقاض مبنى دمرته غارة إسرائيلية ببلدة قناريت جنوب لبنان الأربعاء (إ.ب.أ)

ويضيف الأمين في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «من المعلوم أن عون لا يخطو خطوات إذا لم تحز على موافقة بري، والقرارات التي اتخذت في 5 و7 أغسطس (آب) (قرارات حصرية السلاح) لم يعترض عليها رئيس المجلس النيابي ولا الحكومة، ما يعني أن القرارات ليست فردية، بل خرجت من المؤسسات»، متسائلاً: «ما الخيارات عند الحزب؟ الدولة تقترح طريقة لوقف العدوان، وتأمل أن تنجح، هل يمتلك الحزب طريقة أخرى؟ هل يمتلك تصوراً للحل؟ علماً أن أمينه العام الشيخ نعيم قاسم لم يقدم أي تصور للحل، ولا حتى أمل ولا وهم. لقد أخذ الناس على كارثة، ليس نتيجة خطأ بل رغبة بأن يأخد الناس إليها لأن الحزب يرى في الكارثة حياة».

وقال الأمين: «أرى أن المقدس بالنسبة للحزب هو السلاح وليس الناس»، مضيفاً: «الهروب إلى مواجهة الرئيس لا تعفيه من الإجابة على سؤال عن خياراته». ويتابع: «إذا كان قادراً على الرد على إسرائيل، فليقم بذلك انطلاقاً من كلام أمينه العام السابق (حسن نصر الله) بأن الدفاع والمقاومة لا يحتاجان إلى قرار سياسي». وشدد على أن المزاج العام في الشارع الشيعي «لا يوافق الحملات القائمة التي يشنها الحزب، والناس لا تتوقع من (حزب الله) تغييراً للمعادلة أو يمكن أن يوفر الأمان لهم أو السلام والاستقرار».


مدير أمن السويداء من واشنطن: الإدارة الأميركية مع «سوريا واحدة موحدة»

سليمان عبد الباقي مدير الأمن الداخلي في السويداء يرفع العلم السوري أمام مبنى الكونغرس في واشنطن (إكس)
سليمان عبد الباقي مدير الأمن الداخلي في السويداء يرفع العلم السوري أمام مبنى الكونغرس في واشنطن (إكس)
TT

مدير أمن السويداء من واشنطن: الإدارة الأميركية مع «سوريا واحدة موحدة»

سليمان عبد الباقي مدير الأمن الداخلي في السويداء يرفع العلم السوري أمام مبنى الكونغرس في واشنطن (إكس)
سليمان عبد الباقي مدير الأمن الداخلي في السويداء يرفع العلم السوري أمام مبنى الكونغرس في واشنطن (إكس)

أكد مدير الأمن الداخلي في مدينة السويداء، سليمان عبد الباقي، من واشنطن، أن الإدارة الأميركية «مع سوريا واحدة موحدة، وهي ضد أي مشروع انفصالي».

وعلق بمنشور في حسابه على «فيسبوك» و«إكس»، بعد لقاءات أجراها مع مسؤولين في «البنتاغون» ومع أعضاء في مجلسَيْ الشيوخ والنواب بالكونغرس، بأنه قد نوقشت خلالها «الخطوات المقبلة لوضع حد للخطوات الانفصالية» التي يعمل عليها شيخ العقل، حكمت الهجري، في المحافظة ذات الغالبية الدرزية.

ويزور عبد الباقي وفريق من أعضاء منظمة «مواطنون من أجل أميركا آمنة»، العاصمة الأميركية منذ يومين. وأوضح الدكتور بكر غبيس، العضو في المنظمة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه قد «عُقدت لقاءات عدة عالية المستوى؛ لتعرية الأوضاع القائمة حالياً في سوريا والسويداء، ومحاولة توضيح الصورة لأصحاب القرار، خصوصاً ما يحدث من ادعاءات لعناصر انفصالية مرتبطة بالنظام السابق و(حزب الله) اللبناني وميليشيات إيران وإسرائيل؛ لجر الأهالي في السويداء إلى أجندة ضيقة والتصادم ومواصلة التخريب في مؤسسات الدولة الجديدة».

في منشوره بحسابه على «فيسبوك»، وجه عبد الباقي رسالة إلى السوريين، خصوصاً أهالي السويداء، قال فيها: «عندما تستمع إلى خطابات حكمت الهجري في سوريا، يُخيّل لك أنه على اتصال مباشر بالرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وبالكونغرس على مدار الساعة... لكن ما إن تأتي إلى واشنطن وتلتقي وجهاً لوجه مسؤولين في البنتاغون، وأعضاء مجلس الشيوخ ومجلس النواب بالكونغرس، ومسؤولين في البيت الأبيض، حتى يتضح حجم الوهم الذي يبيعه الهجري لأتباعه»، مؤكداً أنه «لا أحد في واشنطن سمع بخرافاته، ولا أحد يعيرها أي اهتمام».

وأوضح عبد الباقي: «للمرة الأولى، وبدعم من اللوبي السوري، والجالية السورية - الأميركية، طُرحت قضية السويداء أمام كبار صناع القرار الأميركيين؛ كما هي، بلا تزييف ولا أوهام. وطلب منا المسؤولون الأميركيون بوضوح توصيل رسالة لأهلنا في سوريا أنهم لا يدعمون أي مشروع انفصالي، وأن السياسة الأميركية تقوم على سوريا موحدة؛ وذلك كي يدرك أهل السويداء أنهم يُساقون خلف سراب، وأن الهجري زجّ بهم في هذا المأزق بعد أن خدعهم».

قادة «الحرس الوطني» في السويداء يتوسطهم الشيخ حكمت الهجري (أرشيفية - فيسبوك)

وقال عبد الباقي إن «المثير للسخرية أن مَن أَوْهَمَ الهجري من بعض دروز إسرائيل بإمكانية منحه (دولة) هم أسماء لا وزن لها إطلاقاً في واشنطن، ولم يسمع بها أحد هنا»، لافتاً إلى أنه «قريباً سيتضح الموقف الأميركي الحقيقي من مهزلة (دولة الباشان)، وحينها ستسقط الغشاوة عن عيون من جرى التغرير بهم».

وشدد عبد الباقي على أن «الإدارة الأميركية تدعم الرئيس أحمد الشرع ودولة سورية واحدة موحدة، وهي ضد أي مشروع انفصالي أو مجموعات انفصالية، ولا تدعم أي مكون سوري سوى عبر إرسال المساعدات الإنسانية، وتدعم أمن واستقرار سوريا».

ورأى مراقبون أن زيارةَ عبد الباقي، المتحدر من محافظة السويداء، واشنطن ومباحثاته هناك، مؤشرٌ على أن أميركا دخلت بقوة على مسألة حل ملف محافظة السويداء؛ التي يسيطر الهجري وما تعرف بـ«قوات الحرس الوطني»، التابعة له، على أجزاء واسعة منها.

آرون.ي. زيلين الباحث في «معهد واشنطن» يستقبل الشيخ سليمان عبد الباقي بالعاصمة الأميركية (إكس)

وفي تصريحه، أوضح غبيس أن التجاوب خلال اللقاءات كان «كبيراً» مع طلبات عبد الباقي وفريق المنظمة، التي تمثلت في «دعم سوريا واحدة موحدة، ورفع الغطاء عن أصحاب الأجندة الانفصالية الخارجية، ودعم وجهة نظر الرئيس دونالد ترمب بإعطاء سوريا فرصة حقيقية، ودعم سياسة الرئيس أحمد الشرع بالحفاظ على وحدة سوريا أرضاً وشعباً، والتخلص من إرث النظام البائد وخلايا الإرهاب من تنظيم (داعش) وعناصر (حزب العمال الكردستاني) و(حزب الله) وإيران والعناصر المرتبطة بـ(الحرس الوطني) في السويداء».

زيارة عبد الباقي وفريق المنظمة واشنطن ومباحثاتهم هناك، تتزامن مع استمرار الهجري في السعي إلى فصل السويداء عن الدولة السورية، وإقامة ما يسميها «دولة باشان» فيها بدعم من إسرائيل.

وبيّن غبيس أنه «جرى عرض كل الحقائق على الأرض، بما في ذلك التهديد الذي يتعرض له الأهالي في السويداء، ومناقشة الخطوات المقبلة؛ لوضع حد للخطوات الانفصالية والدعوات لجر المكون الدرزي الوطني إلى حرب وصراع دائم مع كل السوريين... والعمل على سوريا واحدة وقوية ومستقلة».

وتأتي تلك المحادثات بعد النجاح الكبير الذي حققه الجيش الحكومي السوري في شمال وشرق البلاد بمواجهة «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، والذي يرى فيه مراقبون انتهاءً لمشروع «قسد» السياسي والعسكري، وأن تأييد أميركا عملية الجيش الحكومي السوري في الشمال، الذي أعلن عنه قبل يومين صراحة مبعوثها الخاص إلى سوريا، توم برّاك، ومن ثم ترمب، يأتي «تطبيقاً لوجهة نظر الرئيس الأميركي بأن سوريا يجب أن تكون واحدة موحدة، وفي الوقت ذاته رسالة تحذير لكل أصحاب المشروعات الانفصالية بأن سيناريو الشمال سينسحب عليهم».