هل لبنان في مأمن من انزلاقه لحرب مع إسرائيل؟

في ضوء الحديث عن خفض منسوب القلق جنوباً

هجوم لـ«حزب الله» على مواقع عسكرية إسرائيلية على طول الحدود مع لبنان (رويترز)
هجوم لـ«حزب الله» على مواقع عسكرية إسرائيلية على طول الحدود مع لبنان (رويترز)
TT

هل لبنان في مأمن من انزلاقه لحرب مع إسرائيل؟

هجوم لـ«حزب الله» على مواقع عسكرية إسرائيلية على طول الحدود مع لبنان (رويترز)
هجوم لـ«حزب الله» على مواقع عسكرية إسرائيلية على طول الحدود مع لبنان (رويترز)

يكاد انشغال القوى السياسية في لبنان بمقاربتها، من موقع الاختلاف، لملء الشغور في المؤسسة العسكرية بإحالة قائد الجيش، العماد جوزف عون، إلى التقاعد، في 10 يناير (كانون الثاني) المقبل، يطغى على المفاعيل السياسية والأمنية المترتبة على تصاعد المواجهة بين «حزب الله» وإسرائيل على امتداد الحدود اللبنانية الإسرائيلية، من رأس الناقورة إلى مزارع شبعا المحتلّة؛ وكأن الجنوب في مأمن من الانزلاق في حرب شاملة معطوفة على تلك التي يشهدها قطاع غزة، مع دخولها يومها الثالث والأربعين.

لكن ما يتناقله عدد من الوزراء والنواب عن رئيسي المجلس النيابي نبيه بري، وحكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، يفيد بأنه لا مخاطر على لبنان حتى الساعة، وأن المواجهة في الجبهة الشمالية لإسرائيل، وإن كانت آخذة إلى التصعيد، ستبقى تحت سقف التقيد بقواعد الاشتباك التي تتعرض لخروق من حين لآخر، لكنها تبقى تحت السيطرة.

فالمواجهة في الجنوب اللبناني، وإن كانت تأتي في سياق إشغال «حزب الله» إسرائيل، للتخفيف من ضغطها على حركة «حماس» في قطاع غزة، فإنها تبقى في حدود استنزاف الحزب للجيش الإسرائيلي تحت سقف الاحتكام إلى معادلة توازن الرعب، دون أن يلوح في الأفق السياسي ما يفتح الباب أمام اتساع رقعة الحرب الدائرة في غزة لتشمل الجبهة الشمالية، خصوصاً أن إيران ليست في وارد الانجرار إلى توسعة الحرب، وإلا لكانت قد بادرت إلى التدخل في الوقت المناسب، بدلاً من أن تنتظر طويلاً، ما سمح لإسرائيل بالمضي في اجتياحها البري لغزة.

كما أن إيران، مع قيام «حماس» باجتياحها المستوطنات الإسرائيلية الواقعة في النطاق الجغرافي لغلاف غزة، سعت لتمرير رسالة إلى المجتمع الدولي، وتحديداً إلى الولايات المتحدة الأميركية، وهذا ما تولّاه وزير خارجيتها حسن أمير عبد اللهيان، في زيارته المبكرة لبيروت، فور حصول الاجتياح، بقوله، في لقاءاته التي جمعته بأركان الدولة اللبنانية، إن طهران لم تكن على علم مسبق بحصوله وليست ضالعةً فيه، وأن قيادة «حماس» أبلغتها لاحقاً بأن لديها القدرة على الصمود لأشهُر في وجه العدوان الإسرائيلي.

والموقف نفسه عكَسه الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله، مضيفاً أنه يبني موقفه على ما ستؤول إليه مجريات الحرب في الميدان، دون أن يستفيض في تحديد موقف الحزب؛ رغبةً منه باعتماد الغموض البنّاء الذي أوقع سفراء عدد من الدول الغربية المعتمَدين لدى لبنان في حيرة من أمرهم، ما حال دون تقديرهم ردّ فعله حيال تصاعد الحرب في غزة، وتحديداً لجهة إمكانية استدراج لبنان للدخول في هذه الحرب.

حتى إن السفراء أنفسهم لم يتمكنوا من الحصول على أجوبة قاطعة حول إمكانية انزلاق لبنان نحو الحرب، وذلك في لقاءاتهم المفتوحة مع الرئيسين بري وميقاتي، ووزير الخارجية عبد الله بوحبيب، رغم أنهم نقلوا إليهم تحذير دولهم من انجرار لبنان إلى الحرب.

لكن الرئيس ميقاتي بادر لاحقاً إلى خرق الصمت اللبناني الرسمي حيال إمكانية انخراط الحزب في الحرب، بقوله إن الحزب يتعاطى بواقعية وعقلانية في تحديد موقفه، ولم يكن يهدف إلى توريط الحزب في موقف لا يريده، وإنما للضغط على المجتمع الدولي؛ لمنع إسرائيل من جرّ لبنان إلى حرب لا يريدها؛ لأن قراره بيد تل أبيب، وليس في لبنان الذي يطالب بالضغط على إسرائيل لوقف عدوانها على غزة.

ومع أن منسوب القلق من أن تتوسع الحرب الإسرائيلية لتشمل الجبهة الشمالية، أخذ يتراجع تدريجياً، استناداً إلى ما يتناقله وزراء ونواب عن الرئيسين بري وميقاتي، اللذين يشددان، في الوقت نفسه، على حق لبنان في الدفاع عن النفس، فإن معظم هؤلاء يؤكدون، لـ«الشرق الأوسط»، أن الحزب يقدّر الظروف الراهنة التي يمر بها البلد، سواء أكانت سياسية أم مالية، ويأخذها في الاعتبار، ولن يقدم على خطوة مرتجلة وغير مدروسة، ومن خارج حساباته الإقليمية، وتحديداً إيران.

ويرى نواب ووزراء أن استدراج لبنان للدخول في حرب يقع على عاتق إسرائيل، ومن ثم فإن الجهود الدولية، التي تستخدم كل ثقلها السياسي لقطع الطريق على إيجاد الذرائع لإسرائيل لإشعال الجبهة الشمالية، يُفترض أن تشكل رافعة للضغط على تل أبيب، ما دام لبنان يلتزم بالقرار 1701 ويصر على تطبيقه ولن يسمح لإسرائيل بتغيير قواعد الاشتباك والإطاحة بها.

لذلك فإن المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله» تبقى محكومة بالتقيد بقواعد الاشتباك، وأن مجرد خرقها سيضطر الحزب للرد عليها مباشرة، وهذا ما يكمن وراء ردّه على المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل بين بلدتيْ بليدا وعيناتا الحدوديتين، وأدت إلى استشهاد ثلاث فتيات وجَدّتهن.

فالحزب أعلن بصراحة أنه سيردّ، وبادر إلى قصف مستوطنة كريات شمونة والبنى التحتية في الجليل الأعلى، وهذا ما أبلغه إلى قيادة «يونيفيل» التي أبلغت بدورها إسرائيل بأن القصف جاء رداً على المجزرة، مع أنها اضطرت لاحقاً؛ أي إسرائيل، إلى تمرير رسالة للبنان، عبر مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الطاقة، آموس هوغستين، وفيها أنها أخطأت في استهدافها السيارة التي كانت تقلُّهم؛ ظنّاً منها أنها عسكرية.

وما انسحب، بالنسبة لـ«حزب الله» على مجزرة عيناتا، انسحب لاحقاً على استهدافه مستوطنات إسرائيلية تقع في عمق فلسطين المحتلّة، في ردّه على توسيع الرقعة الجغرافية التي تدور فيها المواجهة، وصولاً إلى تجاوزها ما يسمى منطقة العمليات الواقعة في جنوب الليطاني، الخاضعة لسيطرة الجيش اللبناني و«يونيفيل».

ورغم أن المواجهة بين «حزب الله» وإسرائيل تصاعدت، في الأيام الأخيرة، وبلغت ذروتها مع توغُّل الجيش الإسرائيلي في غزة، فإن مصادر دبلوماسية غربية تتعامل معها على أساس أنها تبقى تحت السيطرة، حتى لو خرجت على ما كان مألوفاً، في الأسابيع الأولى من انطلاقها، وهذا ما يفسر حصر النزوح بغالبيته الساحقة من الجنوب إلى الجنوب، وتحديداً من المناطق الساخنة، وعدم اضطرار آلاف العائلات التي كانت قد استأجرت أماكن بديلة لها في أكثر من منطقة جبلية، في حال توسّعت دائرة المواجهة، إلى صرف النظر حالياً عن الإقامة فيها، والبقاء مؤقتاً في عمق البلدات الجنوبية بضيافة أقارب لهم، أو في مراكز خُصّصت لإيواء النازحين، مع أنها بحاجة لتأهيل وتوفير الحد الأدنى من احتياجات المقيمين فيها.

إلا أن تراجع نسبة المخاطر من اندلاع حرب غير محدودة في الجنوب لا يعني في المطلق عدم التحضير منذ الآن لمواجهة مرحلة ما بعد انتهاء الحرب في غزة؛ لأن أصحاب الرؤوس الحامية داخل الحكومة الإسرائيلية، وأولهم رئيسها بنيامين نتنياهو، لن يتردد لاحقاً - في حال لم يضطرّ للاستقالة أو الإقالة تحت مفاعيل التقصير الأمني والاستخباراتي بكشف مخطط «حماس» في اقتحامها المستوطنات الواقعة في نطاق غلاف غزة، وملاحقته قضائياً في ملف الفساد - في الالتفات إلى الجبهة الشمالية؛ تحسُّباً لمفاجأة يمكن أن يقوم بها «حزب الله».

وبكلام آخر، لا بد من إدراج الوضع في الجنوب بوصفه بنداً أول على جدول أعمال الحكومة التي قد تكون عاجزة عن إعادة النظر فيه، وصولاً إلى ترتيبه تحسُّباً لأي عمل عدواني إسرائيلي، وهذا ما يستدعي إعادة الانتظام للمؤسسات الدستورية بانتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة قادرة على تحمل المسؤولية، وإلى أن يتحقق ذلك لا بد من التوصل لاتفاق لإنهاء الشغور في قيادة الجيش.

وما يعزز الاعتقاد بإعادة تكوين السلطة وجود مخاوف مشروعة حيال المحاولات الرامية لإعادة النظر في خريطة الشرق الأوسط يستدعي التحضير لتأمين جلوس لبنان إلى طاولة المفاوضات، بدلاً من أن يُدرج اسمه على خانة الدول المشمولة بإعادة رسمها.


مقالات ذات صلة

غارات من الجنوب إلى الساحل: لبنان تحت تصعيد متعدد الجبهات

المشرق العربي أشخاص يزيلون حطام سيارة من موقع استهدافها بغارة إسرائيلية في بلدة السعديات جنوب بيروت (إ.ب.أ)

غارات من الجنوب إلى الساحل: لبنان تحت تصعيد متعدد الجبهات

تتسارع وتيرة التصعيد العسكري في لبنان غداة الاجتماع اللبناني - الإسرائيلي المباشر، مع توسّع غير مسبوق في رقعة العمليات من عمق الجنوب إلى الساحل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري روبيو يتحدث خلال استقبال سفيري لبنان وإسرائيل في «الخارجية» الأميركية (رويترز)

تحليل إخباري بدء المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية يحاصر «حزب الله» فكيف سيتصرف؟

المشهد السياسي الذي ترتب على لقاء السفيرين يبقى خاضعاً للميدان ويتوقف مصير وقف النار على ما ستنتهي إليه المواجهة العسكرية بين «حزب الله» والجيش الإسرائيلي

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي صورة تذكارية سبقت اللقاء بين سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن في مقر وزارة الخارجية الأميركية (أ.ف.ب)

واشنطن تمارس الضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النار في لبنان

الأجواء المتفائلة التي حاول الإسرائيليون بثها، في أعقاب الجولة الأولى للمفاوضات مع لبنان، ترمي إلى تعميق الشرخ في الداخل اللبناني ولا تعكس ما جرى في الجلسة

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص جنود من الجيش اللبناني ينتشرون في موقع غارة جوية إسرائيلية في بيروت (أ.ب)

خاص نواب بيروت يجتمعون لـ«مدينة آمنة وخالية من السلاح»

يعقد نواب مدينة بيروت وأحزابها الممثلون في البرلمان اللبناني مؤتمراً، الخميس، دعماً لإعلان مدينتهم «آمنة وخالية من السلاح» بعد قرار الحكومة الأخير في هذا الصدد…

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جانب من اللقاء المباشر الأول بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في مقر الخارجية الأميركية (أ.ف.ب)

لقاء ثانٍ بين السفيرين يسبق انطلاقة المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية

يتحضر سفيرا لبنان وإسرائيل في واشنطن للقاء ثانٍ بعد اللقاء الأول الذي عُقِدَ الثلاثاء في مقر الخارجية الأميركية برعاية وحضور الوزير ماركو روبيو

نذير رضا (بيروت)

الجيش الإسرائيلي تلقّى أمراً بقتل أي عنصر ﻟ«حزب الله» في جنوب «الليطاني» بلبنان

جنود إسرائيليون بجوار مركبات مدفعية قرب الحدود الإسرائيلية اللبنانية شمال إسرائيل 15 أبريل 2026 (رويترز)
جنود إسرائيليون بجوار مركبات مدفعية قرب الحدود الإسرائيلية اللبنانية شمال إسرائيل 15 أبريل 2026 (رويترز)
TT

الجيش الإسرائيلي تلقّى أمراً بقتل أي عنصر ﻟ«حزب الله» في جنوب «الليطاني» بلبنان

جنود إسرائيليون بجوار مركبات مدفعية قرب الحدود الإسرائيلية اللبنانية شمال إسرائيل 15 أبريل 2026 (رويترز)
جنود إسرائيليون بجوار مركبات مدفعية قرب الحدود الإسرائيلية اللبنانية شمال إسرائيل 15 أبريل 2026 (رويترز)

تلقّى الجيش الإسرائيلي أمراً بقتل أي عنصر لجماعة «حزب الله» في منطقة بجنوب لبنان تمتد من الحدود الإسرائيلية اللبنانية حتى نهر الليطاني الذي يبعد 30 كيلومتراً في اتجاه الشمال، وذلك حسب بيان عسكري صدر الأربعاء، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ونقل البيان عن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، قوله خلال تفقده القوات الإسرائيلية المنتشرة في جنوب لبنان: «أمرت بجعل منطقة جنوب لبنان حتى الليطاني منطقة إطلاق نار فتّاك على أي إرهابي في (حزب الله)» الموالي لإيران.

دخان يتصاعد من موقع غارة إسرائيلية استهدفت قرية أرنون جنوب لبنان 15 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وأضاف زامير: «نحن نتقدم ونضرب (حزب الله)، وهم يتراجعون»، موضحاً أن قواته قتلت منذ بدء الحرب «أكثر من 1700» من مقاتليه، ورأى أن الحزب «أصبح ضعيفاً ومعزولاً في لبنان».

وتأتي هذه التصريحات غداة المحادثات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن، والتي رأت فيها الحكومة الإسرائيلية، الأربعاء، «فرصة تاريخية حقيقية لإنهاء عقود من نفوذ (حزب الله) على لبنان».

طائرة حربية إسرائيلية تحلق فوق مدينة صور الساحلية الجنوبية في لبنان 15 أبريل 2026 (أ.ب)

وكان لبنان قد انجرّ إلى الحرب بعد إطلاق «حزب الله» صواريخ تجاه إسرائيل في الثاني من مارس (آذار) ردّاً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في 28 فبراير (شباط)، وهو اليوم الأول للحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران.

وردّت إسرائيل بشن غارات جوية واسعة النطاق في مختلف أنحاء لبنان، بالإضافة إلى توغل بري متواصل في جنوب لبنان، حتى بعد بدء تنفيذ وقف إطلاق النار الذي أعلنته واشنطن مع إيران في 8 أبريل (نيسان).


عون: لبنان يقدر جهود ولي العهد السعودي لدعم الاستقرار في المنطقة

رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (أ.ب)
رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (أ.ب)
TT

عون: لبنان يقدر جهود ولي العهد السعودي لدعم الاستقرار في المنطقة

رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (أ.ب)
رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (أ.ب)

اعتبر رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون، اليوم الأربعاء، أن «جهود سمو ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الحكيمة، والمتوازنة، والتي وفرت أجواء لدعم الاستقرار في المنطقة، هي موضع تقدير واعتزاز للبنان»، وأضاف في منشور عبر «إكس»: «نأمل أن يكون لبنان جزءاً أصيلاً في هذا الجهد، فالمملكة العربية السعودية الراعية لاتفاق الطائف هي موضع ثقة اللبنانيين، ودول المنطقة، والعالم».


فصائل غزة تتحسب لهجوم إسرائيلي على «المنطقة الوسطى»

فلسطينيون وسط غزة يفحصون موقع غارة إسرائيلية استهدفت سيارة شرطة (رويترز)
فلسطينيون وسط غزة يفحصون موقع غارة إسرائيلية استهدفت سيارة شرطة (رويترز)
TT

فصائل غزة تتحسب لهجوم إسرائيلي على «المنطقة الوسطى»

فلسطينيون وسط غزة يفحصون موقع غارة إسرائيلية استهدفت سيارة شرطة (رويترز)
فلسطينيون وسط غزة يفحصون موقع غارة إسرائيلية استهدفت سيارة شرطة (رويترز)

في الوقت الذي تهدد فيه إسرائيل بالعودة إلى الحرب على قطاع غزة، حال رفضت حركة «حماس» والفصائل الأخرى بشكل نهائي نزع سلاحها، كثف الجيش الإسرائيلي عملياته في مناطق وسط القطاع.

وعبّرت مصادر ميدانية من الفصائل الفلسطينية في القطاع عن مخاوف من خطة لتكثيف الهجمات في المنطقة التي كانت وفق تقييمهم «الأقل ضرراً» خلال الحرب التي امتدت منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023، حتى إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025.

ورغم الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار، ارتكبت إسرائيل خروقات يومية في مناطق واسعة من القطاع مع تركيز خاص على المنطقة الوسطى.

وفي ظل التلويح الإسرائيلي بإمكانية استئناف الحرب بغزة تسود مخاوف بين الفصائل الفلسطينية من أن تستهدف إسرائيل بشكل أكبر المناطق التي لم تعمل بها سابقاً وبشكل أساسي المنطقة الوسطى. وأوضح مصدر ميداني من فصيل في غزة أن «المنطقة الوسطى خلال عامي الحرب كانت عادةً تتعرض لهجمات جوية، وبشكل محدود جداً شهدت عمليات برية؛ الأمر الذي أبقى مناطقها على قيد الحياة وبنيتها التحتية جيدة مقارنةً بحالة التدمير التي لحقت بمناطق أخرى من القطاع».

فلسطيني يسير حاملاً أكياساً من الطعام والخبز بين أنقاض مبنى منهار في مخيم البريج وسط غزة يوم 4 أبريل الحالي (أ.ف.ب)

وتحدّث مصدر ميداني آخر من حركة «حماس» لـ«الشرق الأوسط» عن أن «الهجمات الإسرائيلية المتصاعدة في وسط غزة تُركّز على استهداف نشطاء الفصائل والمركبات التابعة للشرطة والحواجز الأمنية التابعة لـ(كتائب القسام) الجناح المسلح للحركة».

وبيّن المصدر أن «الهجمات الإسرائيلية منذ بداية الشهر الحالي قتلت في المنطقة الوسطى وحدها 18 ناشطاً من الفصائل الفلسطينية، غالبيتهم من (القسام) وبينهم قيادات ميدانية تم اغتيال معظمهم أثناء وجودهم قرب الحواجز الأمنية المنتشرة». لكن الجيش الإسرائيلي يقول إن 3 ممن اغتيلوا منذ أيام قليلة بمخيم البريج، كانوا على علاقة بهجوم السابع من أكتوبر، وخطف إسرائيليين واحتجازهم.

ومن بين إجمالي من استهدفتهم إسرائيل خلال شهر مارس (آذار) الماضي، قتلت 13 شخصاً على الأقل من عناصر شرطة «حماس» وآخرين يتبعون «القسام»، فيما قتلت قيادات ونشطاء آخرين بعضهم كانوا من النازحين من شمال قطاع غزة إلى وسط القطاع، في سلسلة غارات وقعت منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، بينهم قادة «سرايا» و«فصائل» وقيادات في القوات البحرية والنخبة وغيرها.

جثامين فلسطينيين وقعوا ضحايا لهجوم إسرائيلي استهدف وسط قطاع غزة قبل تشييعهم من مستشفى «شهداء الأقصى» بدير البلح يوم الثلاثاء (رويترز)

ومن أبرز من اغتيلوا في «المنطقة الوسطى» في غزة، بعد وقف إطلاق النار، محمد الحولي، الذي استهدف في 15 من يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، وهو نائب قائد لواء الوسطى في «القسام» وقائد جهاز الاستخبارات فيها، بعد استهدافه في منزله بدير البلح، كما اغتيل في اليوم نفسه بعد ساعات قليلة من العملية السابقة، أشرف الخطيب، أحد أبرز قادة الوحدة الصاروخية في «سرايا القدس» الجناح المسلح لحركة «الجهاد» بعد استهدافه في منزله بمخيم النصيرات.

كما استهدفت الغارات الإسرائيلية خلال شهر أبريل (نيسان) الحالي، 3 عناصر قتلوا، فجر الاثنين، الماضي بطائرة مسيرة استهدفتهم أثناء انتشارهم على حاجز أمني لـ«القسام» نهاية شارع المزرعة على شارع صلاح الدين الرئيسي بمدينة دير البلح.

توسيع الخط الأصفر

وبموازاة تكثيف القوات الإسرائيلية عملياتها شرق المنطقة الوسطى، ظهرت محاولات لتوسيع الخط الأصفر وإنشاء مواقع جديدة، إلى جانب حفر خندق كبير ووضع سواتر ترابية كبيرة.

كما دفع الجيش الإسرائيلي بعناصر العصابات المسلحة الفلسطينية التي تعمل في مناطق سيطرته، لتنفيذ هجمات غرب الخط في مناطق يوجد بها مدنيون وعناصر «حماس»، كما جرى منذ أيام قليلة في مخيم المغازي ما أدى إلى مقتل 10 فلسطينيين بينهم 8 من «القسام»، قبل أن تعاود العصابات هجومها بحماية نيرانية إسرائيلية، وأسفر ذلك الهجوم عن حرق منازل فلسطينيين قبل أن تُجبرهم العصابات على مغادرتها بشكل تام.

ولا تستبعد 3 مصادر ميدانية من «حماس» أن تلجأ إسرائيل إلى ممارسة سياسة الضغط العسكري على الحركة من خلال عمليات واسعة تنفذها في مناطق وسط القطاع ومناطق أخرى خلال الفترة المقبلة «في إطار الضغط لإجبار الفصائل على تسليم سلاحها».

واستشهد أحد المصادر بـ«سياسة التصعيد الميداني الذي يسبق الضغط لتحقيق أهداف سياسية خلال فترة الحرب، أسفرت عن تدمير المنازل والبنية التحتية في مدينة غزة، في الشهور الأخيرة قبل الاتفاق على وقف إطلاق النار».

واتفقت المصادر على أن تكثيف استهداف نشطاء «القسام» وبدرجة أقل فصائل أخرى يعد تمهيداً لهجمات أوسع جوياً وربما برياً لاحقاً، في حال قررت إسرائيل فعلياً استئناف الحرب.

«إفراج عن معتقلين منذ 7 أكتوبر»

في غضون ذلك، أفرجت السلطات الإسرائيلية، الأربعاء، عن 12 فلسطينياً من قطاع غزة جرى اعتقالهم بعد السابع من أكتوبر 2023.

ونقل «المركز الفلسطيني للإعلام» عن مصادر محلية قولها إن «المعتقلين وصلوا عبر طواقم اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح لتلقي العلاج، بعدما أفرج عنهم عبر معبر كرم أبو سالم شرقي رفح».

وذكرت المصادر أن «الأسرى نقلوا إلى المستشفى بعد تعرضهم للاعتقال داخل قطاع غزة خلال الفترة الماضية، في ظل ظروف احتجاز قاسية».