نازحون لبنانيون يفضلون العودة إلى قراهم على البقاء في الشارع

بين غلاء الإيجارات وغياب البدائل

طفلان يلوذان إلى خيمة تأوي النازحين من الضاحية الجنوبية في وسط بيروت (إ.ب.أ)
طفلان يلوذان إلى خيمة تأوي النازحين من الضاحية الجنوبية في وسط بيروت (إ.ب.أ)
TT

نازحون لبنانيون يفضلون العودة إلى قراهم على البقاء في الشارع

طفلان يلوذان إلى خيمة تأوي النازحين من الضاحية الجنوبية في وسط بيروت (إ.ب.أ)
طفلان يلوذان إلى خيمة تأوي النازحين من الضاحية الجنوبية في وسط بيروت (إ.ب.أ)

تتبدد آمال النازحين اللبنانيين بإيجاد سكن يؤويهم، فيختار بعضهم العودة إلى منازلهم غير الآمنة كخيار يرون أنه أفضل من البقاء في الشارع أو في سكن لا يليق بحياة كريمة. ويُضاف هؤلاء إلى عائلات نزحت من الجنوب والبقاع (شرق لبنان) وأخرى تقطن في الضاحية الجنوبية لبيروت فضلت البقاء فيها رغم إنذارات الإخلاء، بسبب صعوبة تأمين سكن بديل.

عُدنا إلى حبوش

يقول الشاب الجنوبي حسن: «عُدنا إلى حبوش (قضاء النبطية) ولا نزال فيها حتى إيجاد سكن بديل»، علماً بأن حبوش هي القرية التي نزح إليها حسن وأفراد عائلته التسعة، من عيترون (قضاء بنت جبيل) منذ اليوم الأول لبدء الحرب ليل الأحد 1 مارس (آذار).

يروي لـ«الشرق الأوسط» كيف بقي هناك لأيام: «استقررنا نحو 5 أيام، قبل أن نضطر للخروج مجدداً بعدما اشتد القصف على محيط البلدة»، ويضيف: «خرجنا وقتها من دون أن ندري إلى أين ستكون الوجهة، لم يكن الأمر سهلاً، بحثنا كثيراً ولكن بدلات الإيجار مرتفعة للغاية».

حلاقان متطوعان يشذبان شعر شابين نازحين إلى وسط بيروت (رويترز)

وعن رحلته الطويلة يقول: «وصلنا إلى ضهر البيدر في البقاع حيث مكثنا أنا وأفراد عائلتي الثمانية، ومن بينهم طاعنون في السن، لأيام في غرفة صغيرة، ليس فيها أيّ مقومات حياة، تبعد مسافة ليست بقليلة عن المرحاض».

بانتظار بديل آمن

هكذا، فضّل حسن العودة وعائلته إلى حبوش بانتظار إيجاد بديل: «أبحث في الوقت الراهن عن مكان آمن لنسكن فيه، بإيجار لا يتخطى الـ200 دولار»، ويضيف: «ربما سيكون الأمر شبه مستحيل، فالخيارات جداً محدودة، ولكن ليس بإمكاننا دفع أكثر من ذلك؛ للأسف طلب أحدهم مني 800 دولار وثلاثة أشهر مسبقة وعمولة مكتب، الكل يحاول استغلال ظروفنا»، ويختم: «نعيش ظروف الحرب منذ حوالي العامين، ومصالحنا متوقفة من أين نأتي بهذا المال كله؟».

وكان حسن قد أمضى فترة الحرب الماضية في عكار (شمال لبنان)، وهو اليوم في رحلة بحث قد تطول لأجل تأمين سكن آمن جنوباً بسبب تمركز أعداد كبيرة من النازحين في قرى صيدا والجوار، وهي أزمة يُعاني منها كثر من أبناء الجنوب الذين خرجوا قسراً من منازلهم ومن دون أي ترتيبات مسبقة.

من الجنوب إلى البقاع

وحبوش من القرى التي أنذرها الجيش الإسرائيلي بضرورة الإخلاء إلى جانب عشرات القرى والبلدات في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، لكن عدداً من هؤلاء السكان قرر العودة إلى منازلهم ومناطقهم بعدما اضطروا للبقاء في الشوارع لأيام، وفي ظل عدم توفر خيارات مأوى آمنة وكريمة لهم، علماً بأن قلة منهم تخاطر للعودة وإحضار بعض الممتلكات من المنازل، ومنها بلدات ياطر وكفرا وبيت ليف وشقرا وبرعشيت وصربين والناقورة ويارين وحولا وميس الجبل والمنصوري في الجنوب، والنبي شيت والخضر وسرعين في البقاع.

عائلة نازحة تتناول طعام الإفطار في خيمة للنازحين في وسط بيروت (رويترز)

يقول أحد أبناء سرعين في البقاع: «نزحنا ومن ثمّ عُدنا بعد يوم واحد إلى منزلنا، بدل الإيجارات مرتفع للغاية، وأنا وزوجتي موظفان حكوميان، لا يمكننا دفع ما يطلبه أصحاب العقارات، خصوصاً الدفعات المسبقة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «وضعنا بين خيارين إما النزوح في مراكز إيواء، وهذا أمر صعب للغاية، وإما العودة إلى منزلنا».

الضاحية أيضاً

مع تكثيف الغارات في الضاحية الجنوبية لبيروت، وبالتزامن مع إنذارات الإخلاء المتكررة، يعيش السكان هناك نفس المأساة يومياً، تقول أم علي: «نخرج يومياً عند إعلان تنفيذ الضربات، نغادر على عجل لنعود بعد انتهائها»، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «نخرج لساعات قليلة، ونعود إلى منزلنا في حي السلم».

وعن سبب تمسكها بالبقاء تقول: «أولادي لا يريدون الخروج من منزلنا، وليس بيدنا حيلة ماذا نفعل؟ لا يوجد لدينا منزل آخر، وخيار دفع بدل عقار مستأجر أمر صعب للغاية»، علماً بأن أم علي نازحة من إحدى قرى بنت جبيل وهي تقيم في الوقت الراهن في منزل عائلتها في حي السلم.

ومثل أم علي فعل كثر من أبناء الضاحية الجنوبية لبيروت، خصوصاً من اختبر النزوح وسكن في مراكز الإيواء لمدة 66 يوماً خلال حرب عام 2024.

قررنا عدم المغادرة

اللافت أن بعض هؤلاء قرروا عدم مغادرة قراهم أصلاً، تقول زينب وهي من سكان حارة صور: «لا نزال نسكن في منزلنا أنا وعائلتي حتى الساعة، قررنا البقاء وفي حال ساءت الظروف وتكثفت الضربات حينها سنغادر المكان». وعن سبب هذا القرار تقول لـ«الشرق الأوسط»: «اختبرنا النزوح مرة سابقة، وكانت ظروف العيش صعبة للغاية، لذا نقوم بتأخير خروجنا هذه المرة، علّنا لا نضطر لذلك».

ومثل زينب بقي خضر وعائلته في الصرفند (قضاء الزهراني)، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «الوضع لا يزال مقبولاً نسبياً، وفي حال تطورت الأمور سننتقل لمنزل شقيقتي في بيروت. إننا نؤجل هذه الخطوة ليس أكثر».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

مشاركة وزراء «القوات اللبنانية» في جلسات الحكومة تخضع للمراجعة والتقييم

المشرق العربي رئيس حزب «القوات» سمير جعجع يتوسط الوزراء يوسف رجي وجو عيسى الخوري وجو صدي وكمال شحادة في معراب (أرشيفية - إعلام القوات)

مشاركة وزراء «القوات اللبنانية» في جلسات الحكومة تخضع للمراجعة والتقييم

تخضع مشاركة وزراء حزب «القوات اللبنانية» الأربعة في الجلسات المقبلة لمجلس الوزراء للمراجعة والتقييم، في ضوء قرارهم مقاطعة الجلسة الأخيرة...

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي مناصرات لـ«حزب الله» يرفعن صورة لأمينَيه العامّين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في الذكرى الثانية لاغتيالهما بضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - أ.ب)

«حزب الله» يحول ملف متفجراته إلى مادة تجاذب لبناني

تحولت قضية متفجرات «حزب الله» التي ضبطتها السلطات اللبنانية في الشهر الماضي إلى مادة تجاذب سياسي، إثر تكرار الحزب هجومه على الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي دورية لقوات «اليونيفيل» في منطقة عملياتها جنوب لبنان (اليونيفيل)

لبنان يسابق انتهاء ولاية «اليونيفيل» لمنع الفراغ في الجنوب

يسابق لبنان انتهاء ولاية «اليونيفيل» أواخر العام الحالي بحراك دبلوماسي لتجنب فراغ أمني في الجنوب يهدد حدود لبنان المعترف بها دولياً

نذير رضا (بيروت)
خاص القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)

خاص الخارجية الأميركية «تطرد» قنصل لبنان في ديترويت

أكدت مصادر في وزارة الخارجية اللبنانية لـ«الشرق الأوسط»، أن سفارتها في واشنطن تبلغت قرار اعتبار القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة شخصاً غير مرغوب فيه.

«الشرق الأوسط» (بيروت- واشنطن)
المشرق العربي البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)

البطريرك الراعي قلق من توسع المواجهات الإقليمية نحو لبنان

تتصاعد التحذيرات اللبنانية من مخاطر جرّ البلاد مجدداً إلى مواجهة عسكرية، في ظل المخاوف من تجدد الحرب

«الشرق الأوسط» (بيروت)

تعيينات وزارة الخارجية السورية تكسر التقاليد الدبلوماسية

الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)
الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)
TT

تعيينات وزارة الخارجية السورية تكسر التقاليد الدبلوماسية

الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)
الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)

ضمن إجراءات إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية السورية، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع ثلاثة مراسيم رئاسية بتعيين ثلاثة معاونين لوزير الخارجية، جميعهم من الشباب، خلافاً لما درجت عليه التقاليد الدبلوماسية السورية في اختيار معاوني الوزير من فئة المخضرمين الضالعين في العمل الدبلوماسي، في الوقت الذي لا يزال فيه الكثير من الدبلوماسيين المنشقين عن النظام السابق في انتظار تسوية أوضاعهم.

وتشهد كواليس الأوساط السياسية في دمشق جدلاً حول تعيين مسؤولي المناصب الرفيعة في الوزارات السيادية وسط أنباء غير مؤكدة عن تغييرات حكومية تشمل وزارات سيادية وتنقلات في مواقع مسؤولين بارزين.

وقال الباحث والمدير التنفيذي في مركز الدراسات «جسور» وائل علوان لـ«الشرق الأوسط»: «هناك حديث عن احتمال تسلم وزير الداخلية أنس خطاب رئاسة الأمن الوطني، على أن يخلفه في وزارة الداخلية اللواء عبد القادر الطحان، كما يوجد حديث مماثل يتعلق بوزارة الدفاع، لكن لا معلومات دقيقة حتى الساعة»، نافياً علمه بحديث انتقال وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى موقع آخر.

الرئيس أحمد الشرع مع وزير الخارجية أسعد الشيباني ووزير الداخلية أنس خطاب في فبراير الماضي (سانا)

إجراء غير مسبوق

كان الرئيس السوري أحمد الشرع أصدر السبت ثلاثة مراسيم رئاسية حملت الأرقام 205 و206 و207 لعام 2026، تقضي بتعيين ثلاثة معاونين لوزير الخارجية والمغتربين، وتوزيع المهام بينهم على ملفات الشؤون القنصلية والتعاون الدولي والشؤون التنفيذية.

ويعدّ تعيين ثلاثة معاونين لوزير الخارجية إجراءً غير مسبوق في تاريخ العمل الدبلوماسي السوري، ومؤشراً على تفكيك المنظومة الإدارية التقليدية القائمة في البلاد منذ عقود طويلة.

ويضم الهيكل الإداري لوزارة الخارجية السورية عادةً معاوِنَين اثنين فقط للوزير بشكل رئيسي وثابت، تنقسم بينهما الملفات الدبلوماسية والسياسية والإدارية، وفي بعض الفترات الاستثنائية، كان يتم تعيين معاون ثالث، أو يتم الاعتماد على مستشارين ومستشاري نواب الوزير بمهام تخصصية، ولكن السمة الغالبة على مر العقود كانت مأسسة الوزارة على وجود معاونين اثنين إلى جانب منصب «نائب وزير الخارجية».

ورأى علوان أن التعيينات الجديدة هي عملياً «إعادة هيكلة»، وقال: «الإدارة الجديدة للبلاد غير ملتزمة بما جرت عليه العادة، فهي منفصلة بشكل كامل عن نظام الحكم السابق». ولفت علوان إلى أن «الأصل هو اختيار كوادر ضمن التراتبية الداخلية المؤسساتية، أو التسلسل الوظيفي أو من الخبرات الدبلوماسية الطويلة؛ أما في حالة حكم انتقالي، فالأمر مختلف حيث تتقدم الثقة بمعنى الولاء على الكفاءة». وشرح الباحث أن هذا التوجه المثير للجدل يأتي غالباً «لأسباب أمنية».

أما عن الاستعانة بالدبلوماسيين المنشقين عن النظام السابق من أصحاب الخبرة، فقال علوان إن «هذا ممكن لكنه ليس شرطاً مع إعطاء الأولوية لعنصر الثقة والتوافق مع النهج الحالي».

وزير الخارجية أسعد الشيباني متحدثاً في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر «حوار المنامة» في العاصمة البحرينية نهاية أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

شباب بخبرات ضيقة

أما الذين تم تعيينهم فهم محمد يعقوب العمر (مواليد إدلب 1993) معاوناً لوزير الخارجية للشؤون القنصلية، وهو حاصل على ماجستير في السياسات العامة من جامعة إدلب، وبكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة الشمال، إضافة إلى إجازة في الهندسة الزراعية من جامعة إدلب، وفق وسائل الإعلام المحلية.

كما تم تعيين قتيبة علي قاديش (مواليد دمشق 1988) معاوناً لوزير الخارجية لشؤون التعاون الدولي. ويحمل إجازة في الحقوق من جامعة دمشق. وسبق له أن تولّى إدارة التعاون الدولي وإدارة المراسم في وزارة الخارجية والمغتربين، كما شغل منصب معاون وزير التنمية والشؤون الإنسانية في «حكومة الإنقاذ السورية»، ومدير مديرية المشاريع الإنسانية والتنموية فيها.

بالإضافة إلى تعيين عبادة خالد دياب من مواليد دمشق عام 1996 معاوناً لوزير الخارجية والمغتربين للشؤون التنفيذية.

ويحمل دياب شهادة ماجستير تنفيذي في سياسات التنمية من المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية في جنيف، وبكالوريوس في الخدمة الخارجية، تخصص الاقتصاد الدولي، من جامعة جورجتاون.

وتضم خبراته السابقة رئاسة مكتب وزير الخارجية وإدارة مكتب التخطيط الاستراتيجي في الوزارة، وخبيراً في إدارة المعلومات وأبحاث سوق العمل في وزارة العمل القطرية، ومتخصصاً في البيانات لدى مركز البيانات الإنساني التابع لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، بحسب ما ذكرت وكالة «سانا».

ورغم قرار وزارة الخارجية السورية إعادة الدبلوماسيين المنشقين إلى العمل وتكليف العديد منهم برئاسة بعثات وتمثيل سوريا في عواصم إقليمية ودولية، لا تزال ملفات عدد كبير منهم عالقة في الأروقة، بانتظار تسوية أوضاعهم واستكمال المراجعات الإدارية.

وترافقت التعيينات الرئاسية في الخارجية السورية، مع قرار وزير الخارجية أسعد الشيباني تعيين المذيعة مزنة ممدوح الأطرش ابنة مدينة السويداء مستشارةً لشؤون السلام. وفيما رأى البعض أن هذا القرار يعطي زخماً لملفات المصالحة الوطنية، لا سيما ملف السويداء، انتقد آخرون هذا التعيين على خلفية استحداث منصب غير واضح المعالم هو «شؤون السلام»، بالإضافة إلى المواقف السياسية السابقة للأطرش، التي كانت تؤيد بشار الأسد وممارسات الجيش عبر عملها في التلفزيون الرسمي.


مشاركة وزراء «القوات اللبنانية» في جلسات الحكومة تخضع للمراجعة والتقييم

رئيس حزب «القوات» سمير جعجع يتوسط الوزراء يوسف رجي وجو عيسى الخوري وجو صدي وكمال شحادة في معراب (أرشيفية - إعلام القوات)
رئيس حزب «القوات» سمير جعجع يتوسط الوزراء يوسف رجي وجو عيسى الخوري وجو صدي وكمال شحادة في معراب (أرشيفية - إعلام القوات)
TT

مشاركة وزراء «القوات اللبنانية» في جلسات الحكومة تخضع للمراجعة والتقييم

رئيس حزب «القوات» سمير جعجع يتوسط الوزراء يوسف رجي وجو عيسى الخوري وجو صدي وكمال شحادة في معراب (أرشيفية - إعلام القوات)
رئيس حزب «القوات» سمير جعجع يتوسط الوزراء يوسف رجي وجو عيسى الخوري وجو صدي وكمال شحادة في معراب (أرشيفية - إعلام القوات)

تخضع مشاركة وزراء حزب «القوات اللبنانية» الأربعة في الجلسات المقبلة لمجلس الوزراء للمراجعة والتقييم، في ضوء قرارهم مقاطعة الجلسة الأخيرة، والانسحاب من الجلسة التي سبقتها، على خلفية الخلافات المرتبطة بملفَّي الكهرباء وإحالة قضية متفجرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي.

وفي هذا السياق، يبرز ملف الكهرباء عاملاً أساسياً في تحديد طبيعة تعامل «القوات» مع المرحلة المقبلة؛ إذ أعلن وزير الطاقة اعتكافه في مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عن حضور جلسات مجلس الوزراء؛ نتيجة «عدم تحمّل الحكومة مسؤولياتها تجاه قطاع الطاقة وعدم تعاملها الجدي مع الطروحات المقدمة لضمان استمرارية الكهرباء».

الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

وأرجأ مجلس الوزراء الجلسة التي كان مقرراً عقدها الخميس الماضي والمخصصة لهذا الملف، في انتظار عودة وزير الطاقة جو صدي من قطر، حيث جرى البحث في تفاصيل العرض القطري لتأمين الكهرباء للبنان.

ووفق معلومات «الشرق الأوسط»، فإنه من المرتقب أن يزور وفد قطري بيروت مطلع هذا الأسبوع؛ لمواصلة النقاشات التقنية والفنية والمالية، في انتظار التوصل إلى «إعلان نوايا» يوقَّع على مستوى الوزراء أو رئاستَي الحكومتين اللبنانية والقطرية، على أن يحدد مجلس الوزراء موعداً لجلسة جديدة تُخصص حصراً لبحث ملف الكهرباء والبت في مختلف تفاصيله.

مصير الاتفاق مع قطر

وتشير مصادر «القوات اللبنانية» إلى أن «هناك كثيراً من التفاصيل التقنية الواجب بحثها، بوصفنا نتحدث عن معاهدة بين دولتين وعن مسارات كثيرة يلحظها ملف الكهرباء، وبالتالي؛ فمن غير المنطقي توقع توقيع اتفاق بين ليلة وضحاها».

وتلفت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الوزير صّدِّي وسائر وزراء (القوات) سيشاركون عندها في هذه الجلسة، بصفة صدي هو الوزير المعني مباشرة بالملف»، وأن «الجلسة المرتقبة يُفترض أن تشكل محطة حاسمة لتحديد مصير الاتفاق مع قطر والخيارات المطروحة بشأنه. ومن هنا؛ تصبح المشاركة ضرورية، في انتظار ما ستؤول إليه المناقشات والقرارات الحكومية».

وكان رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، أعلن منتصف الشهر الماضي عن اقتراب التوصل إلى اتفاق مع قطر لإعادة تأهيل وتطوير البنية التحتية لإنتاج الكهرباء في لبنان، بموجب مشروع تتولى الدوحة تمويله وتنفيذه وتشغيله دون أن تتحمل الخزينة اللبنانية أي تكلفة استثمارية مسبقة، وذلك خلال استقباله رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، الذي كشف عن «تفاهم على إطار شامل للتعاون في قطاع الطاقة، يشمل مشروعاً استثمارياً كبيراً وحلولاً متكاملة لأزمة الكهرباء»، إلى جانب مشروعات للربط في مجال الطاقة بين لبنان وسوريا والعراق.

متفجرات «حزب الله»

ولا يقتصر الامتعاض «القُوّاتي» من الأداء الحكومي على ملف الكهرباء؛ بل يتركز، وبشكل أساسي، على إحالة ملف متفجرات ضهر البيدر، التي تبناها «حزب الله»، إلى المجلس العدلي.

وكان وزراء «القوات» قد قرروا الانسحاب من إحدى جلسات مجلس الوزراء؛ احتجاجاً على رفض إحالة الملف إلى المجلس العدلي، قبل أن يقاطعوا الجلسة الأخيرة التي خُصّصت لبحث ملف النفايات من دون إدراج بند الإحالة في جدول الأعمال.

رئيس حزب «القوات» سمير جعجع يتوسط الوزراء يوسف رجي وجو عيسى الخوري وجو صدي وكمال شحادة في معراب (أرشيفية - إعلام القوات)

ويصر حزب «القوات» على إحالة هذه القضية إلى المجلس العدلي بوصفها مسألةً تمسّ الأمن القومي وسيادة الدولة، و«ليست مجرد قضية ضبط شحنة متفجرات».

وتوضح مصادر «القوات» أن ما يطالبون به هو «وضع الإحالة إلى المجلس العدلي على جدول أعمال أي جلسة مقبلة لمجلس الوزراء فيجري التصويت على البند؛ فإما تتم الاحالة، وإما يتحمل مَن يُسقطه المسؤوليةَ أمام الناس».

وعمّا إذا كانوا سيواصلون مقاطعة جلسات مجلس الوزراء في حال عدم إدراج بند الإحالة على جدول الأعمال، تقول المصادر: «متى تُحدَّد جلسة عادية ولا يكون بند الإحالة على جدول الأعمال؛ عندها نتخذ الموقف المناسب».

وبدأ القضاء العسكري اللبناني الأسبوع الماضي مرحلة الملاحقة القضائية في قضية شاحنة المتفجرات التابعة لـ«حزب الله»، التي ضُبطت على حاجز ضهر البيدر قبل نحو شهر.

واستجوبت قاضية التحقيق العسكري الأول، غادة أبو علوان، الموقوفَين علي الكردي وهيثم أمهز اللذين كانا يقودان الشاحنة التي تحمل المتفجرات، وأصدرت مذكرتَي توقيف بحقهما، في حين ادُّعي على 11 شخصاً آخرين من «الحزب»، لا يزالون متوارين عن الأنظار.

وتداولت وسائل إعلام مؤخراً «تسوية غير معلنة» يقودها رئيس مجلس النواب نبيه بري؛ لاحتواء أزمة إحالة ملف متفجرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي، تقوم على استمرار الملاحقات القضائية بحق المتورطين، مقابل تجنب الإحالة إلى المجلس العدلي التي يرفضها «حزب الله» تماماً.


«حزب الله» يحول ملف متفجراته إلى مادة تجاذب لبناني

مناصرات لـ«حزب الله» يرفعن صورة لأمينَيه العامّين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في الذكرى الثانية لاغتيالهما بضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - أ.ب)
مناصرات لـ«حزب الله» يرفعن صورة لأمينَيه العامّين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في الذكرى الثانية لاغتيالهما بضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - أ.ب)
TT

«حزب الله» يحول ملف متفجراته إلى مادة تجاذب لبناني

مناصرات لـ«حزب الله» يرفعن صورة لأمينَيه العامّين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في الذكرى الثانية لاغتيالهما بضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - أ.ب)
مناصرات لـ«حزب الله» يرفعن صورة لأمينَيه العامّين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في الذكرى الثانية لاغتيالهما بضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - أ.ب)

تحولت قضية متفجرات «حزب الله» التي ضبطتها السلطات اللبنانية في الشهر الماضي إلى مادة تجاذب سياسي، إثر تكرار الحزب هجومه على الولايات المتحدة، في وقت تتصاعد فيه الدعوات الداخلية لإخراج الملف القضائي من التأثيرات السياسية، وكان آخرها ما صدر عن البطريرك الماروني بشارة الراعي في هذا السياق.

وبدأ القضاء اللبناني، الأسبوع الماضي، إجراءات ملاحقة عناصر في «حزب الله» تورطوا في نقل شحنة المتفجرات؛ إذ مثل العنصران الموقوفان، علي الكردي وهيثم أمهز، أمام قاضي التحقيق العسكري الأول غادة أبو علوان، حيث استجوبتهما في قضية الشاحنة، بالتوازي مع الادعاء على 11 آخرين غيابياً، وإصدار مذكرات بحث وتحرٍّ بحقهم.

مناصرون لـ«حزب الله» بمسيرة على دراجات نارية في منطقة بشارة الخوري في بيروت اعتراضاً على توقيف ضالعيَن بنقل المتفجرات (أرشيفية - المركزية)

وفي ظل رفض «حزب الله» تلك الإجراءات، تدعم قوى داخلية الإجراءات القضائية، وقال البطريرك الراعي في عظة الأحد: «إنّ ملف ضهر البيدر (موقع توقيف شاحنة المتفجرات في شرق لبنان) دخل مرحلة قضائية جديدة؛ ما يقتضي أن يأخذ التحقيق مجراه كاملاً بعيداً عن الاستباق والتجاذب والتوظيف السياسي».

وأضاف: «يبقى السلام فوق كل الحسابات حاجة وطنية وجودية؛ فلبنان يحتاج سلاماً ثابتاً، لا أن يبقى أسير احتمال حرب جديدة كلما اشتعلت المنطقة. وهذا يقتضي دولة تمسك بقرارها، ومرجعية وطنية واحدة في الأمن والسلم، ومؤسسات قادرة على حماية الاستقرار. من هنا، تبرز أهمية تحييد لبنان عن صراعات المحاور والحروب؛ فالحياد ليس انكفاءً عن الحق، ولا ابتعاداً عن محيط لبنان، بل حماية الوطن من أن يتحول إلى ساحة دائمة لصراعات الآخرين، وتأكيداً لدوره بوصفه ساحة لقاء وحوار ورسالةً للسلام».

هجوم «حزب الله»

وتصاعد الانقسام إثر بيان أصدرته سفارات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان وكندا وأستراليا تحت عنوان «أصدقاء لبنان»، الخميس، دعت فيه إلى «مسار قضائي سريع ومستقل، بمنأى عن أي تدخل سياسي، بما يضمن المساءلة الكاملة».

مناصرون لـ«حزب الله» يتجمعون عند ضريح الأمين العام السابق حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت لإحياء الذكرى السنوية الثانية لاغتياله (أرشيفية - أ.ب)

ولم يتوقف «حزب الله» منذ الجمعة، عن مهاجمة البيان الممهور باسم «أصدقاء لبنان». وعد النائب حسين الحاج حسن، الأحد، البيان، «تدخلاً متكرراً في القضاء اللبناني».

ورأى أن «قضية شاحنة متفجرات المقاومة باتت قضية وطنية أميركية، في ظل البيانات المتكررة الصادرة عن وزارة الخارجية الأميركية، واتصالات وزير الخارجية، ومواقف السفير الأميركي لدى لبنان واعتراضاته»، متسائلاً عن «مشروعية تدخل ما يُسمّى أصدقاء لبنان في شؤونه الداخلية، وما إذا كانت تلك الدول تقبل بتدخل الآخرين في شؤونها الوطنية».

ودعا إلى «اتخاذ موقف واضح ورفض الوصاية الخارجية، والتصرف بوصفها سلطة دولة لا سلطة خاضعة أو صامتة أمام تدخلات السفراء».

جعجع ينفي الانصياع للخارج

تلك الاتهامات ينفيها خصوم الحزب الذين يدعمون إجراءات الدولة اللبنانية. وانتقد رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، «استمرار بعض اللبنانيين في التعامل مع القرار السياسي وكأنه يُصنع حصراً في الخارج»، معتبراً أن «هذه الذهنية تعيد البلاد إلى أجواء القرن التاسع عشر، عندما كانت القنصليات الأجنبية تلعب دوراً أساسياً في تحديد المسارات السياسية، في ظل غياب القوى المحلية المنظمة والقادرة على التأثير».

مسار التفاوض

وينسحب التجاذب على مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل الذي تمضي به الدولة اللبنانية برعاية ووساطة أميركيتين. وفي مقابل رفض «حزب الله» لهذا المسار، وهجومه على الدولة وطلبه المتكرر منها التراجع عنه، يلقى هذا الموقف دعماً داخلياً.

وجدّد رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» و«اللقاء الديمقراطي» النائب تيمور جنبلاط، تأييده «للتفاوض الهادف إلى تحرير الأرض، ووقف الاعتداءات، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها»، مذكّراً بأن «التقدمي» كان في طليعة الأحزاب التي بحثت هذا المسار مع الرئيس جوزيف عون في قصر بعبدا، وأعلن آنذاك تأييده خطوات الرئيس عون، ورفض تخوين السلطة اللبنانية؛ لأنّ التفاوض مشروع، والهدف النهائي منه كان ويبقى تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية.

وشدّد جنبلاط على التزام «التقدمي» بمرجعية اتفاق الطائف وبنوده لا سيما اتفاقية الهدنة، مشدّداً على أن مهمة بناء الدولة ومؤسساتها، وفي مقدّمتها حصر السلاح، وبسط الجيش سلطته على جميع أراضيه هدف يجب أن يُجمع عليه جميع اللبنانيين.