البرلمان التونسي ينطلق في مناقشة ميزانية 2024

رئيس الحكومة أكد أنه «محظوظ بالعمل وفق منهجية التفاؤل»

بودربالة في استقبال الحشاني (موقع البرلمان التونسي)
بودربالة في استقبال الحشاني (موقع البرلمان التونسي)
TT

البرلمان التونسي ينطلق في مناقشة ميزانية 2024

بودربالة في استقبال الحشاني (موقع البرلمان التونسي)
بودربالة في استقبال الحشاني (موقع البرلمان التونسي)

انطلق البرلمان التونسي، الجمعة، في مناقشة الميزانية العامة لعام 2024، في ظل توقعات باستعادة الانتعاشة الاقتصادية، وإعادة محركات التنمية للاشتغال من جديد. وتأمل الحكومة التي يقودها أحمد الحشاني في تحقيق نسبة نمو في حدود 2.1 في المائة خلال السنة المقبلة، على أن تتم السنة الحالية بنسبة نمو منتظرة لا تزيد على 0.9 في المائة.

ومن المنتظر الانتهاء من النقاشات البرلمانية حول الميزانية في 10 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وذلك وفق الروزمانة التي حددها البرلمان التونسي.

وفي افتتاح الجلسة البرلمانية المخصصة للانطلاق في مناقشة الميزانية، أكد الحشاني امتنانه لرئيس الجمهورية وتكليفه بمهام رئيس الحكومة، والتزام الحكومة بتنفيذ السياسات العامة للدولة التي يضبطها رئيس الجمهورية ودستور 2022، معتبرا أن الانتماء لتونس هو فضل من عند الله، قائلاً: «تونس حبيبتي».

وأضاف أن مقاربته في العمل الحكومي تعتمد على «الفعل والإنجاز قبل الكلام»، قائلاً: «تكلمت في الجزائر والكلام يأتي بعد الفعل والإنجاز»، على حد قوله.

واستعرض الحشاني مجموعة من مشاريع الأوامر والقرارات التي سبق أن صادقت عليها الحكومة من بينها مشروع جواز السفر وبطاقة التعريف البيومترية، بالإضافة إلى الإدماج المالي قائلاً: «التدقيق في الانتدابات سيكشف العديد من الإخلالات في الإدارة التونسية».

وأبدى رئيس الحكومة تفاؤله بالتأكيد على تطوّر احتياطي تونس من النقد الأجنبي ليقدر بـ110 أيام توريد، وذلك نتيجة لتحسن مؤشرات الموسم السياحي، وتحويلات التونسيين بالخارج، وذلك رغم الديون التي فاقمتها الحكومات السابقة، على حد تعبيره.

ودعا الحشاني خلال مداخلته أمام البرلمان إلى ضرورة إتمام برنامج الإدماج المالي، واستكمال التشاور حول قانون المساهمات العمومية للبنوك وغيرها من المحاور الاقتصادية.

واعتبر الحشاني نفسه محظوظاً بالعمل وفق منهجية التفاؤل، على حد قوله، مذكّراً بتراجع نسبة التضخم من 10 في المائة إلى 8 في المائة، وتحسّن القيمة المضافة بقطاعات النقل والخدمات والإعلامية، بالإضافة إلى تحسن عدد من مؤشرات النمو، على حد تعبيره.

لكنه في المقابل، انتقد بشدة مبدأ استقلالية البنك المركزي التونسي قائلاً: «ليست هناك مؤسّسة عمومية مستقلة، تونس هي التي نالت الاستقلال وليس البنك المركزي»، على حد تعبيره.

ومن ناحيته، قال إبراهيم بودربالة، رئيس البرلمان التونسي، إن التشخيص الموضوعي للأوضاع في تونس يحيل على ما تواجهه تونس من تحديات اقتصادية واجتماعية وتنموية، بعضها هيكلي، وبعضها الآخر ظرفي ناجم عن مخلّفات الجائحة وانعكاساتها السلبية على مؤشرات التنمية ونسب النمو، فضلاً عن تضرّر الاقتصاد المحلي من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية ومجمل التطورات الجيو-استراتيجية والتكنولوجية النوعية.

وأضاف قائلاً: «نحن نتقاسم مع الوظيفة التنفيذية الوعي بجسامة التحديات المطروحة وبالمسؤولية الملقاة على عاتقنا لرفعها استجابة للتطلّعات والانتظارات»، وفي هذا الإطار جدّد التأكيد على أنه يجب على الجميع بذل مزيد من الجهد واعتماد الأساليب والمناهج الكفيلة بإرجاع الثقة بمؤسسات الدولة وزرع الطمأنينة في النفوس.

ويؤكد مشروع الميزان الاقتصادي للسنة المقبلة أنها ستكون «مفصلية في تجسيم أولويات استعادة الاستقرار الاقتصادي والمالي، ودفع الاستثمار، وتمتين التماسك الاجتماعي».

ووفق ما أعدته الحكومة من سيناريوهات، فإن الاهتمام سيرتكز خلال السنة المقبلة على توفير متطلبات دفع النمو وتحسين التنافسية عبر التقدم في تجسيم الإصلاحات المتعلقة بمناخ الأعمال والاستثمار وتنفيذ الاستراتيجيات القطاعية الرامية إلى النهوض بعدد من الأنشطة الواعدة.

واتضح أن ميزانية تونس للسنة المقبلة ستكون في حدود 77.868 مليار دينار تونسي (نحو 26 مليار دولار)، مسجلة زيادة بنحو 9.3 في المائة، مقارنة مع ميزانية سنة 2023. وتقدر الموارد الذاتية المساهمة في الميزانية بنحو 64 في المائة، على أن تتولى سد الفارق من خلال الاقتراض الداخلي والخارجي.

واعتمدت الميزانية على فرضية سعر البرميل من النفط في الأسواق العالمية بنحو 81 دولاراً، وهي أسعار غير واقعية كما عبر عن ذلك عدد من الخبراء في الاقتصاد والمالية، وذلك نتيجة الأزمات الإقليمية والاضطرابات التي قد تحصل في تلك الأسواق.

وينشد مشروع ميزانية تونس للسنة المقبلة بلوغ الدخل الفردي للتونسي نحو 15026.7 دينار تونسي (نحو 5 آلاف دولار) خلال سنة 2024، مقابل 13695.4 دينار تونسي (نحو 4565 دولاراً) خلال السنة الحالية.


مقالات ذات صلة

تونس: تقرير رقابي يكشف خسائر مهولة في 11 مؤسسة عمومية

شمال افريقيا صورة أرشيفية لطوابير شراء الخبز في العاصمة بعد أزمة الدقيق (أ.ف.ب)

تونس: تقرير رقابي يكشف خسائر مهولة في 11 مؤسسة عمومية

كشف تقرير رقابي سنوي لمحكمة المحاسبات في تونس عن خسائر تقدر بأكثر من 369 مليون دولار أميركي (أكثر من مليار دينار تونسي) في 11 مؤسسة وشركة عمومية.

«الشرق الأوسط» (تونس)
الاقتصاد من مراسم توقيع عقد انطلاق تنفيذ مستشفى الملك سلمان بمدينة القيروان التونسية الخميس (واس)

بدء تنفيذ مستشفى الملك سلمان في تونس بـ85 مليون دولار

وُقِّع عقد انطلاق تنفيذ مستشفى الملك سلمان بمدينة القيروان التونسية، بتمويل من الصندوق السعودي للتنمية عبر منحة قدَّمتها المملكة بقيمة 85 مليون دولار.

«الشرق الأوسط» (تونس)
الاقتصاد الاجتماع بين وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي بندر الخريّف ووزير الاقتصاد والتخطيط التونسي سمير عبد الحفيظ (واس)

السعودية تستكشف فرص التكامل الصناعي مع تونس

انطلقت جهود جديدة لتعزيز التكامل الصناعي بين السعودية وتونس، حيث يهدف الجانبان إلى تطوير شراكات استراتيجية تساهم في تعزيز التنمية المستدامة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مزارع تونسي يحصد الزيتون في مزرعة بصفاقس (إ.ب.أ)

الاقتصاد التونسي ينمو بنسبة 2.4 % في الربع الثالث

أظهر المعهد الوطني للإحصاء، يوم السبت، أن الاقتصاد التونسي نما بنسبة 2.4 في المائة على أساس سنوي في الربع الثالث.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا جانب من جلسة البرلمان التونسي لبحث الزيادات في الأجور في القطاع العام (البرلمان التونسي)

تونس تخصص أكثر من 340 مليون دولار للزيادات في الأجور

تونس تعلن عن تخصيص نحو 342 مليون دولار أميركي للزيادات في الأجور في الوظيفة العمومية.

«الشرق الأوسط» (تونس)

رئيس أركان الجيش الجزائري يدعو لإنجاح الانتخابات التشريعية

رئيس أركان الجيش السعيد شنقريحة (وزارة الدفاع)
رئيس أركان الجيش السعيد شنقريحة (وزارة الدفاع)
TT

رئيس أركان الجيش الجزائري يدعو لإنجاح الانتخابات التشريعية

رئيس أركان الجيش السعيد شنقريحة (وزارة الدفاع)
رئيس أركان الجيش السعيد شنقريحة (وزارة الدفاع)

دعا الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الجزائري، مختلف القيادات العسكرية ومصالح الأمن المختلفة إلى السهر على إنجاح الانتخابات التشريعية المقررة في الثاني من يوليو (تموز) المقبل. وجاء في بيان لوزارة الدفاع أن شنقريحة أكّد على أن «الجزائر ستشهد في الأسابيع القليلة المقبلة استحقاقاً انتخابياً مهماً، يتمثل في الانتخابات التشريعية، التي تعد حدثاً وطنياً بالغ الحيوية بالنسبة لوطننا وشعبنا، حيث يشكل استكمالاً لمسار إعادة الهندسة السياسية للدولة، انطلاقاً من عملية تعديل الدستور للفاتح من نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، مروراً بكل المسارات المساهمة في تعزيز الصرح الديمقراطي والمؤسساتي للجزائر الجديدة والمنتصرة». وأضاف شنقريحة قائلاً: «من أجل تأمين وضمان السير الحسن لهذا الاستحقاق الوطني المهم، والسماح للمواطنين بممارسة حقهم الدستوري وواجبهم الوطني من خلال التعبير عن أصواتهم في جو من الطمأنينة والسكينة، فإنه يتعين على مختلف الأنساق القيادية السهر على اتخاذ كافة التدابير الأمنية والعملياتية لإنجاح هذه الانتخابات التشريعية». وعرج شنقريحة على السياق الدولي، قائلاً: «إن معركة تكييف أداتنا الدفاعية، في ظل تداعيات الوضع الدولي الراهن، وما تفرزه من تحديات وتهديدات، هي معركة حاسمة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، إذ ستكتب على ضوء نتائجها ملامح الجيش القوي، القادر على رفع تحديات هذا الوضع المتغير وكسب رهاناته».


هل تقف الحسابات السياسية وراء «إفراجات العيد» من السجون الليبية

سجناء ليبيون لحظة الإفراج عنهم من أحد السجون العسكرية في شرق ليبيا (اللجنة الوطنية لمتابعة أوضاع السجناء)
سجناء ليبيون لحظة الإفراج عنهم من أحد السجون العسكرية في شرق ليبيا (اللجنة الوطنية لمتابعة أوضاع السجناء)
TT

هل تقف الحسابات السياسية وراء «إفراجات العيد» من السجون الليبية

سجناء ليبيون لحظة الإفراج عنهم من أحد السجون العسكرية في شرق ليبيا (اللجنة الوطنية لمتابعة أوضاع السجناء)
سجناء ليبيون لحظة الإفراج عنهم من أحد السجون العسكرية في شرق ليبيا (اللجنة الوطنية لمتابعة أوضاع السجناء)

قضى عشرات السجناء الليبيين، الذين أُفرج عنهم أخيراً، عيد الأضحى بين أسرهم بعد سنوات من الاحتجاز، وذلك عقب خطوات متزامنة في شرق وغرب البلاد للإفراج عن دفعات من النزلاء قبيل العيد، في تحرك رآه مراقبون ذا طابع إنساني، لكنه يحمل في الوقت نفسه أبعاداً سياسية تتصل بكسب تعاطف الشارع، وتوجيه رسائل إلى أطراف دولية.

جاء ذلك وسط حديث حقوقيين عن مخاوف لدى سلطات طرابلس وبنغازي من مذكرات اعتقال قد تصدرها المحكمة الجنائية الدولية ضد متهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

وغادر المحتجزون، الذين أمضى بعضهم أكثر من عشر سنوات خلف القضبان، السجون عقب قرار رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة في غرب ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، بتنفيذ قرار المجلس الأعلى للقضاء القاضي بالعفو عما تبقى من العقوبة بحق عدد من النزلاء الليبيين، إلى جانب الإفراج عن 254 سجيناً من جنسيات عربية وأجنبية وترحيلهم إلى بلدانهم. وكانت سلطات الشرق قد سبقت هذه الخطوة بيوم واحد، بالإفراج عن أكثر من 250 سجيناً.

رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة خلال اجتماع مع وزيرة العدل حليمة إبراهيم في طرابلس الاثنين الماضي (مكتب الدبيبة)

وأعاد هذا التزامن إلى الواجهة اتهامات متبادلة بين السلطتين باستخدام الملفات الإنسانية لتعزيز النفوذ وكسب الشعبية داخل مناطق السيطرة.

غير أن هذه الخطوات لم تُنهِ الجدل حول دلالاتها، في ظل استمرار الانقسام السياسي في البلاد بين حكومتين متنافستين؛ الأولى في غرب البلاد برئاسة الدبيبة وتتخذ من طرابلس مقراً لها، والثانية حكومة مكلفة من البرلمان في بنغازي برئاسة أسامة حماد، وتحظى بدعم القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، وتدير المنطقة الشرقية وأجزاء من الجنوب.

ورغم الترحيب الشعبي المحدود بهذه الإفراجات، فإنها لم تنجح في تخفيف حالة الاستياء العام، بعدما قضت قطاعات واسعة من الليبيين وقفة عيد الأضحى وما سبقه في طوابير طويلة أمام المصارف ومحطات الوقود، بالتزامن مع موجة ارتفاع حادة في الأسعار أفسدت أجواء العيد على كثير من الأسر.

وبحسب رؤية نائب رئيس حزب الأمة الليبي، أحمد دوغة، فإن الهدف السياسي وراء هذه الإفراجات يتمثل في سعي «كل سلطة إلى تقديم نفسها بوصفها الطرف الأقرب لمعاناة المواطنين والأكثر استشعاراً لهمومهم». غير أنه يعتقد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن هذا النوع من «الاستقطاب الموسمي فقد فاعليته، وتآكلت مصداقيته منذ سنوات»، مشيراً إلى أن المستفيدين المباشرين من هذه الخطوات يظلون محصورين في أسر السجناء المفرج عنهم.

ويقارن دوغة ذلك بـ«معاناة قطاعات واسعة من الليبيين، الذين أمضوا ساعات طويلة في طوابير أمام المصارف ومحطات الوقود، أو تنقلوا بين أسواق الأضاحي بحثاً عن خروف بسعر مناسب، في ظل موجة غلاء غير مسبوقة دفعت بعض الأسر إلى التخلي عن شراء الأضحية هذا العام».

وعكست تعليقات متداولة على منصات التواصل حالة من الغضب الشعبي، إذ كتب أحد المستخدمين متسائلاً: «ماذا عن الشعب المحبوس في طوابير الوقود والمصارف؟ ومن المسؤول عنه؟».

وخلال الأشهر الماضية، عاش المواطن الليبي ضغوطاً اقتصادية متزايدة مع تراجع الدينار، وارتفاع معدلات التضخم، مما انعكس على أسعار السلع الأساسية في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد. ويرى مراقبون أن هذه الأزمة مرشحة للاستمرار في ظل استمرار الانسداد السياسي.

إبراهيم بوشناف رئيس اللجنة الوطنية لمتابعة أوضاع السجون والسجناء في شرق ليبيا - يمين - خلال الإفراج عن دفعة من المحتجزين الأحد الماضي (الصفحة الرسمية للجنة)

وفي قراءة أخرى لمشهد الإفراجات المتزامنة عن السجناء في شرق ليبيا وغربها، ربط حقوقيون من بينهم الناشط الحقوقي، طارق لملوم، هذه التحركات بسياق سياسي وحقوقي دولي حساس، يتمثل في بدء محاكمة خالد الهشيري، أحد المسؤولين السابقين في سجن معيتيقة، أمام المحكمة الجنائية الدولية، بتهم تتعلق بانتهاكات ضد محتجزين.

وقال لملوم في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن إعلان المحكمة الجنائية الدولية عن مذكرات ملاحقة إضافية بحق مسؤولين ليبيين متهمين بانتهاكات داخل السجون «أثار مخاوف لدى سلطات الشرق والغرب، وربما دفعها نحو تسريع خطوات تهدف إلى تبييض السجون وتحسين صورتها». مبرزاً أن محاكمة الهشيري «أعادت تسليط الضوء بقوة على أوضاع الاحتجاز في ليبيا، مع تصاعد الدعوات المحلية والدولية لمحاسبة المتورطين في الانتهاكات».

وانتقد لملوم تصوير الإفراجات وكأنها هبة أو مكافأة من قادة الكيانات المسلحة، عادّاً أن «إنصاف المظلومين يجب أن يبقى في إطار قانوني، لا أن يتحول إلى عمل دعائي أو خيري، شبيه بتوزيع الزكاة والأضاحي». مشيراً إلى أن الأزمة لا تقتصر على السجون الرسمية، بل تمتد إلى «السجون السرية» ومعسكرات الاحتجاز التي تديرها مجموعات مسلحة وقادة عسكريون، بعيداً عن أي رقابة قانونية، وسط تقارير حقوقية تتحدث عن انتهاكات جسيمة واحتجازات تعسفية داخلها.

وكان حقوقيون قد شككوا في تصريحات سابقة لوزيرة العدل نهاية عام 2023 بشأن تجاوز عدد الموقوفين 20 ألفاً داخل المؤسسات التابعة للوزارة، والتي يُقدَّر عددها بنحو 30 مؤسسة إصلاحية.

ورغم تداول صور للمفرج عنهم وهم يقضون العيد مع أسرهم للمرة الأولى منذ سنوات، شدَّد لملوم على أن «الحكومتين لم تقتربا من معالجة الهمّ الرئيسي لمعظم الليبيين، والمتمثل في غلاء المعيشة».

ومن منظور البعض فإن هذا الملف يرتبط بسياق سياسي أوسع، إذ ربط المحلل السياسي الليبي حسام فنيش بين تحسين ملف السجناء وحقوق الإنسان، وبين المساعي الأممية والدولية الرامية إلى تسوية الأزمة السياسية الليبية.

وأوضح فنيش في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن القوى الفاعلة في شرق وغرب البلاد تسعى عبر هذه الإفراجات إلى توجيه رسائل إيجابية إلى القوى الدولية المنخرطة في جهود تشكيل حكومة موحدة، كما تطرح بعض المبادرات الدولية المتداولة.

وانتهى إلى أن استمرار التنافس بين سلطات الشرق والغرب «يعزز الشكوك بشأن قدرة أي حكومة موحدة مستقبلية على الصمود»، كما يفاقم حالة الاستياء الشعبي، في ظل استمرار توظيف الملفات الإنسانية والسياسية لتعزيز النفوذ، مقابل غياب حلول فعلية لأزمات الاقتصاد والفساد وتردي الخدمات.


عودة الانتخابات إلى واجهة النقاش تختبر قدرة الأفرقاء على إنهاء الانقسام

ساسة ليبيون في اجتماع «4+4» في روما 29 من أبريل الماضي (البعثة الأممية)
ساسة ليبيون في اجتماع «4+4» في روما 29 من أبريل الماضي (البعثة الأممية)
TT

عودة الانتخابات إلى واجهة النقاش تختبر قدرة الأفرقاء على إنهاء الانقسام

ساسة ليبيون في اجتماع «4+4» في روما 29 من أبريل الماضي (البعثة الأممية)
ساسة ليبيون في اجتماع «4+4» في روما 29 من أبريل الماضي (البعثة الأممية)

مع استمرار الجمود السياسي الذي يطبع المشهد الليبي، عاد ملف الانتخابات إلى واجهة النقاش والتساؤلات مجدداً، بوصفه الاختبار الأبرز لقدرة الأفرقاء على إنهاء سنوات الانقسام.

فبعد أكثر من عقد ونصف العقد على سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي، ما زالت البلاد عاجزة عن إنتاج سلطة موحدة تستند إلى شرعية انتخابية، في ظل تعثر متكرر للمسارات السياسية، وتضارب مصالح القوى المحلية والخارجية.

وزراء خارجية مصر وتونس وليبيا خلال اجتماع لدول الجوار الليبي بحضور تيتيه في القاهرة 21 مايو (البعثة الأممية)

ويبدو التساؤل بشأن مصير صندوق الاقتراع اليوم أكثر إلحاحاً، ويكشف في إجابته تبايناً في التوقعات مع تعدد المبادرات المطروحة لكسر حالة الانسداد بين حوار وطني مهيكل ترعاه الأمم المتحدة، يُنتظر أن تصدر توصياته خلال أيام، وتحركات سياسية أخرى تشمل مجموعة مصغرة يُنظر إليها على أنها امتداد لمبادرة أميركية مرتبطة بمستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، فضلاً عن تسريبات تتحدث عن مقترحات وحلول قد يدفع بها مجلسا «النواب» و«الدولة».

وبين هذه المسارات المتوازية، يترقب الليبيون ما إذا كانت ستقود إلى توافق يفتح الطريق أمام الانتخابات هذا العام أم أنها ستنضم إلى قائمة طويلة من المبادرات التي أخفقت في إنهاء الأزمة.

ويرى سياسيون، ومن بينهم الأكاديمي أستاذ القانون الليبي راقي المسماري، أن «مبادرة بولس، المدعومة أممياً عبر اجتماعات (4+4)، إلى جانب الحوار المهيكل، تفتح نافذة أمل للتوصل إلى تفاهمات بشأن القوانين الانتخابية وتشكيل مجلس المفوضية». لكن المسماري شدد لـ«الشرق الأوسط» على أن الوصول إلى الانتخابات «يبقى رهناً بقدرة الأفرقاء الليبيين على تحقيق توافقات حقيقية داخل هذه الاجتماعات».

إحدى جلسات الحوار المهيكل الليبي في طرابلس (البعثة الأممية)

ومنذ مطلع الربيع الحالي، قطعت الأمم المتحدة خطوات متقدمة في مسار «الحوار المهيكل»، الذي أطلقته منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بمشاركة سياسيين وخبراء ليبيين، ضمن خريطة الطريق التي أعلنتها البعثة الأممية في أغسطس (آب) الماضي، ومن المنتظر أن تظهر مخرجاته مطلع يونيو (حزيران) المقبل.

كما رعت الأمم المتحدة جولتين سياسيتين في تونس وروما لاجتماعات «المجموعة السياسية المصغرة» (4+4)، التي ضمت ممثلين عن حكومة «الوحدة» الوطنية في غرب ليبيا والجيش الوطني في شرقها، بهدف معالجة أكثر الملفات الانتخابية تعقيداً، وفي مقدمتها القوانين الانتخابية، والمناصب الشاغرة في المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وهي ملفات أخفق مجلسا «النواب» و«الدولة» في حسمها خلال الأشهر الماضية.

ويأتي ذلك بالتزامن مع تسريبات لم ينفها رئيس مجلس النواب عقيلة صالح مؤخراً بشأن لقاء جمعه بممثلين عن لجنة التواصل في المجلس الأعلى للدولة خلال اجتماع بالقاهرة، تناول تشكيل لجنة مشتركة لمناقشة القضايا الخلافية الرئيسية بين المجلسين.

ليبي يُدلي بصوته في مركز اقتراع بالانتخابات البلدية في أغسطس الماضي (المفوضية الوطنية للانتخابات)

ورغم هذا الزخم السياسي، يرى المسماري أن الحديث عن إمكانية إجراء الانتخابات هذا العام «لا يزال محل اختبار»، مستحضراً تجربة انتخابات 2021 التي تعطلت تحت ذريعة «القوة القاهرة».

وأكد أن «الكرة ما زالت في ملعب القوى الفاعلة على الأرض، وما إذا كانت تريد فعلاً انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، أم الاكتفاء بانتخابات برلمانية تحت حكومة موحدة ورئاسي جديد».

ويعتقد المسماري أن نجاح أي مسار انتخابي يبقى مرتبطاً باستكمال جميع بنود المبادرة، بما في ذلك ترتيبات تقاسم السلطة بين حكومة تنفيذية ومجلس رئاسي يُمثل السلطة السياسية، لافتاً إلى أن المشهد الليبي ما زال محكوماً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة، تجعل أي حل مرهوناً أولاً بوجود إرادة سياسية حقيقية لدى الأطراف المتنازعة.

ومع تعدد المسارات تتباين أيضاً دوافع التفاؤل والحذر. فعضو مجلس النواب عائشة الطبلقي رأت في تصريح صحافي سابق أن المبادرة الأميركية تُمثل «خطوة مهمة نحو إنهاء الانقسام وتوحيد مؤسسات الدولة، وصولاً إلى الانتخابات». كما عدّ المستشار السابق لرئيس المجلس الأعلى للدولة، السنوسي إسماعيل، أن استعادة التوافق بين مجلسي «النواب» و«الدولة» تُمثل فرصة مهمة لكسر الانسداد السياسي، والوصول إلى انتخابات.

في المقابل، لا تبدو جميع الأطراف مرتاحة للمسارات السياسية القائمة، وهو ما كشفته مطالبة مكونات ليبية تمثل الأمازيغ والطوارق والتبو بتمثيل مباشر وعادل في أي مسار انتخابي، ودعت بعثة الأمم المتحدة إلى وقف مخرجات لجنة (4+4) المتعلقة بإعادة تشكيل مفوضية الانتخابات، مع التحذير من مقاطعة أي عملية انتخابية لا تضمن تمثيلاً كاملاً لهذه المكونات.

وفي هذا الإطار، يرى عضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، الهادي بوحمرة، أن أي حديث عن انتخابات من دون حسم المسار الدستوري «سيظل معرضاً لإعادة إنتاج الأزمة والانقسام السياسي». وقال إن فشل الليبيين حتى الآن في تنظيم استفتاء على مشروع الدستور وإقرار دستور دائم يجعل كثيراً من المحاولات السياسية الراهنة «أقرب إلى العبث»، وقد يُسهم في تعميق الخلافات بدلاً من حلها.

اجتماع ممثلين للجيش الوطني الليبي وحكومة الوحدة «4+4» في تونس 12 مايو (البعثة الأممية)

وأكد بوحمرة لـ«الشرق الأوسط» أن «إجراء انتخابات ذات مصداقية وقادرة على تحقيق الاستقرار والسلم المجتمعي لا يمكن أن يتم من دون أساس دستوري واضح يُحدد شكل الدولة وصلاحيات المؤسسات، وتُبنى عليه قوانين انتخابية ذات شرعية دستورية»، مشدداً على أن «الدستور أولاً» يبقى الطريق الأقرب لتجنب تكرار الانقسام والصراع حول الشرعية.

ولا يغيب دور دول الجوار عن حسابات التسوية السياسية، خصوصاً بعد بيان اجتماع دول الجوار الليبي في القاهرة يوم 21 مايو (أيار)، بمشاركة مصر والجزائر وتونس، والذي شدد على ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن.

ويرى الباحث السياسي محمد الأمين أن طرح دول الجوار يعكس «حقيقة أن الأزمة الليبية تتعلق بشرعية السلطة كاملة، لا بمؤسسة واحدة فقط»، محذراً من أن أي تسوية جزئية قد تعيد إنتاج الانقسام بصيغة جديدة، فيما يبقى المطلوب مساراً شاملاً يضع جميع مؤسسات السلطة أمام التفويض الشعبي والمحاسبة، حتى لا تتحول الانتخابات إلى غطاء لاستمرار الأزمة بدلاً من إنهائها.