توصيات أوروبية طبية جديدة للتعامل مع ارتفاع ضغط الدم

يصيب 1.28 مليار شخص بالغ حول العالم

توصيات أوروبية طبية جديدة للتعامل مع ارتفاع ضغط الدم
TT

توصيات أوروبية طبية جديدة للتعامل مع ارتفاع ضغط الدم

توصيات أوروبية طبية جديدة للتعامل مع ارتفاع ضغط الدم

ستعرض «الجمعية الأوروبية لارتفاع ضغط الدم» «ESH» تفاصيل أحدث إرشاداتها الطبية لإدارة التعامل العلاجي مع حالات ارتفاع ضغط الدم Hypertension Guidelines، وذلك ضمن عدد ديسمبر (كانون الأول) المقبل من «مجلة ارتفاع ضغط الدم Journal of Hypertension». وهي الإرشادات المُصادق عليها أيضاً من قبل الجمعية الدولية لارتفاع ضغط الدم «ISH» والجمعية الأوروبية لأمراض الكلى «ERA»، وتحظى باهتمام واسع من قبل الأوساط الطبية العالمية.

وفي مقدمة عرضها لإرشاداتها الجديدة، أفادت «الجمعية الأوروبية لارتفاع ضغط الدم» بقولها: «يصادف عام 2023 الذكرى السنوية العشرين لصدور أول المبادئ التوجيهية لإرشادات ارتفاع ضغط الدم، عن «الجمعية الأوروبية لارتفاع ضغط الدم» (ESH)، التي نُشرت لأول مرة في عام 2003، بناءً على اقتراح من البروفسور ألبرتو زانشيتي».

نظرة تاريخية

وفي الخلفية التاريخية، كان البروفسور زانشيتي يعتقد آنذاك أن الوقت قد حان لأوروبا للتعبير عن وجهة نظرها بشأن الجوانب التشخيصية والعلاجية لهذه الحالة الطبية البالغة الأهمية، بدلاً من الرجوع، كما كان الحال في الماضي، إلى المبادئ التوجيهية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، أو الجمعيات العلمية الطبية في الولايات المتحدة الأميركية. وحينها لعب البروفسور ألبرتو زانشيتي دوراً أساسياً في تكوين وصياغة المبادئ التوجيهية الأولى، بوصفه منسقاً للجنة الكتابة المعينة من قبل «الجمعية الأوروبية لارتفاع ضغط الدم». وهو ما علقت عليه بقولها: «وقد تمت مكافأة ذلك الجهد بنجاح كبير غير متوقع، مما جعل هذه المبادئ التوجيهية خامس أكثر الأبحاث اقتباساً على نطاق واسع في العالم في جميع مجالات البحث، والأكثر اقتباساً في المجال الطبي»، على حد قولها.

وكانت مجلة «لانسيت» الطبية البريطانية The Lancet قد عرفت بالبروفسور ألبرتو زانشيتي عند نعيه عام 2018 قائلة: «الرائد العالمي في أبحاث ارتفاع ضغط الدم. ولد في بارما بإيطاليا في 27 يوليو (تموز) 1926، وتوفي إثر إصابته بنزيف في المخ في ميلانو بإيطاليا في 24 مارس (آذار) 2018 عن عمر يناهز 91 عاماً. كان ألبرتو زانشيتي مرجعاً محترماً ومعترفاً به عالمياً في الفيزيولوجيا المرضية، وعلم الصيدلة السريرية، وعلاج ارتفاع ضغط الدم الشرياني».

مرض ارتفاع ضغط الدم

وتحت عنوان «مدى انتشار مرض ارتفاع ضغط الدم»، أفادت «الجمعية الأوروبية لارتفاع ضغط الدم» قائلة: «ارتفاع ضغط الدم هو اضطراب القلب والأوعية الدموية الأكثر انتشاراً في العالم. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، فإنه يؤثر على 1.28 مليار شخص بالغ، ممن تتراوح أعمارهم بين 30 و79 عاماً في جميع أنحاء العالم، ويعيش ثلثاهم في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.

في عام 2019، تم الإبلاغ عن أن متوسط انتشار ارتفاع ضغط الدم الموحد حسب العمر لدى البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 30 و79 عاماً يبلغ 34% لدى الرجال و32% لدى النساء. وفي الأعمار الأصغر (أقل من 50 عاماً)، يكون ارتفاع ضغط الدم أكثر انتشاراً لدى الرجال، في حين أن الزيادة الحادة في ضغط الدم لدى النساء، خاصة بعد انقطاع الطمث، تجعل انتشار ارتفاع ضغط الدم أكبر لدى النساء في الفئات العمرية الأكبر سناً (الأكبر من عمر 65 سنة).

وذكرت «الجمعية الأوروبية لارتفاع ضغط الدم» أن المبادئ التوجيهية لإرشادات عام 2023 احتوت على العديد من عناصر المفاهيم الحديثة التي تكونت لدى أوساط التعامل مع ارتفاع ضغط الدم، نتيجة الأبحاث التي أجريت حديثاً. كما تم فيها التعامل بشكل أكثر تعمقاً مع الموضوعات التي كان يتم النظر فيها بشكل سطحي في الماضي، وشملت العديد من الحالات التي لم تعالجها الإرشادات السابقة من قبل. ومثالاً على ذلك، فإن الإرشادات الجديدة وإن كانت معنية بشكل رئيسي بالتعامل العلاجي مع ارتفاع ضغط الدم لدى البالغين، فإنها تتضمن لأول مرة توصيات أساسية بشأن ارتفاع ضغط الدم لدى الأطفال والمراهقين.

* التوصيات تتضمن عناصر المفاهيم الحديثة من نتائج الأبحاث الجديدة*

منطلقات حديثة

وضمن 24 عنصراً، لخصت «الجمعية الأوروبية لارتفاع ضغط الدم» ما هو الجديد، وما الذي تغير في المبادئ التوجيهية للجمعية الأوروبية لارتفاع ضغط الدم الشرياني لعام 2023. وهو ما يعدُّ نقلة نوعية في التعامل الطبي الأوسع لحالات ارتفاع ضغط الدم.

ومن ذلك عرض الخلفية الفيزيولوجية المرضية لارتفاع ضغط الدم الأساسي، بما يساعد في تصميم عملي للتعامل العلاجي والوقائي مع تلك الحالات. وتطرقت إلى الممارسات الإكلينيكية اليومية في طرق قياسات ضغط الدم في مختلف بيئات المتابعة الطبية (العيادات، المنزل، الإسعاف، أقسام العناية المركزة). كما رفعت الإرشادات الجديدة من القيمة الإكلينيكية والعلاجية لمستوى قياسات ضغط الدم خارج العيادة أو المستشفى، أي المنزل Home BP Measurements، في إدارة طريقة معالجة ارتفاع ضغط الدم، وإشراك المريض في قراراتها. وتضمنت كذلك تحديث التوصيات الطبية بشأن تدخلات نمط الحياة Lifestyle Interventions ضمن خطوات كل من الوقاية والمعالجة لحالات ارتفاع ضغط الدم.

وتم أيضاً تحديث عتبة البدء، والأهداف، للعلاج بالأدوية الخافضة للضغط. وتأكيد ضرورة استخدام مجموعات معينة من الأدوية التي ثبتت جدواها على المدى القصير والمتوسط والبعيد في معالجة حالات ارتفاع ضغط الدم Antihypertensive Treatment ومنع حصول مضاعفاته، وتقليل تداعيته من قبل الأعضاء الأخرى في الجسم، التي هي مستهدفة بالضرر بالدرجة الأولى من ارتفاع ضغط الدم، مثل القلب والشرايين والكلى والدماغ والعينين وغيرها. ومن ذلك تأثير ارتفاع ضغط الدم وعلاجه على الخلل المعرفي Cognitive Dysfunction والخرف Dementia.

كما تم التركيز والتحديث على تشخيص وإدارة ارتفاع ضغط الدم المقاوم الحقيقي True Resistant Hypertension، بخلاف حالات عدم انخفاض ضغط الدم نتيجة قصور في تلقي الأدوية الملائمة أو إهمال المريض تناول العلاج.

التشخيص والعلاج والمتابعة

كما كان أحد الجوانب المهمة، والتي تناولتها الإرشادات الجديدة، التفصيل في كيفية تشخيص وعلاج ومتابعة ارتفاع ضغط الدم في حالات:

- التعامل العلاجي مع ارتفاع ضغط الدم لدى الأطفال/المراهقين والانتقال إلى مرحلة البلوغ.

- الاختلافات المتعلقة بالجنس في معالجة ارتفاع ضغط الدم.

- وارتفاع ضغط الدم المرتبط بالحمل والنفاس.

- ومعالجة ارتفاع ضغط الدم في حالات محددة، كمرض الشرايين الطرفية في الجسم، وأمراض صمامات القلب، وتمدد الشريان الأبهر.

- وحالات الطوارئ لارتفاع ضغط الدم الشديد.

- وارتفاع ضغط الدم المرتبط بفترة الخضوع لأي نوع من العمليات الجراحية، أو بحالات الإصابة بالأورام، أو بالإصابة بـ«كوفيد - 19».

الخطوة الأولى: دقة القياس وتشخيص الإصابة بمرض ارتفاع ضغط الدم

نظراً لارتفاع معدل انتشار ارتفاع ضغط الدم بين عامة الناس في العالم، ودوره المحوري بوصفه سبباً رئيسياً لارتفاع الوفيات والمراضة، فإن اكتشافه يعد أمراً بالغ الأهمية للصحة العامة.

وأظهرت الدراسات التي أجريت في بلدان مختلفة عالمياً، أن جزءاً كبيراً من الأفراد المصابين بارتفاع ضغط الدم لا يدركون أن لديهم مرض ارتفاع ضغط الدم؛ لأنه غالباً مرض «صامت». وهو ما له تلقائياً انعكاس سلبي على عدد المرضى الذين يخضعون للعلاج ويحققون السيطرة على ضغط الدم.

وهناك أدلة علمية على أن نهج الفحص الواسع لقياس ضغط الدم، في كل مناسبة تتيح ذلك (وخاصة عند زيارة العيادة أو المستشفى لأي سبب صحي)، يمكن أن يزيد بشكل كبير عدد الأفراد الذين يتم اكتشاف ارتفاع ضغط الدم لديهم، وبالتالي اغتنام الفرصة لمعالجتهم وإزالة هذا الخطر الصحي عنهم.

وهو ما عبرت عنه «الجمعية الأوروبية لارتفاع ضغط الدم» في إرشاداتها الحديثة بالقول: «بناءً على الأدلة المتاحة، نوصي بإجراء فحص انتهازي لارتفاع ضغط الدم لدى جميع البالغين (أي 18 عاماً وما فوق)».

وفي الولايات المتحدة الأميركية، يقترح فريق عمل الخدمات الوقائية الأميركي US Preventive Services Task Forceإجراء فحص قياس ضغط الدم لدى البالغين الذين تتراوح أعمارهم 18 عاماً أو أكبر. ويعد الفحص بشكل أقل تكراراً (أي كل 3 إلى 5 سنوات) مناسباً للبالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 إلى 39 عاماً، والذين لا يتعرضون لخطر متزايد لارتفاع ضغط الدم، والذين لديهم قراءة طبيعية سابقة لضغط الدم.

كما يقترحون إجراء فحص سنوي لقياس ضغط الدم لدى البالغين الذين تبلغ أعمارهم 40 عاماً أو أكبر، وكذلك للبالغين المعرضين لخطر متزايد لارتفاع ضغط الدم (مثل الأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن أو السمنة).

وأوضحت «الجمعية الأوروبية لارتفاع ضغط الدم» في إرشاداتها الحديثة أهمية تأكيد تشخيص ارتفاع ضغط الدم. وقالت: «بسبب تباين نتائج قياسات ضغط الدم، يجب تأكيد ارتفاع ضغط الدم الذي يتم قياسه في العيادة (ضغط الدم الانقباضي 140 ملم زئبق وما فوق، أو ضغط الدم الانبساطي 90 ملم زئبق وما فوق) من خلال زيارتين إلى ثلاث زيارات على الأقل، ما لم تكن قيم ضغط الدم المسجلة خلال الزيارة الأولى مرتفعة بشكل ملحوظ. كما يمكن أن تكون نتائج فحص قياس ضغط الدم لفترة 24 ساعة ABPM و/أو قياسات ضغط الدم المنزلية HBPM، ذات أهمية خاصة عندما توفر بيانات قياسات ضغط الدم في العيادة عبر زيارات مختلفة زمنياً، نتائج متغيرة».

القياسات المنزلية لضغط الدم: نتائج تفرض نفسها ضمن المعالجة

يوفر القياس المنزلي لضغط الدم HBPM قراءات متعددة لضغط الدم بعيداً عن العيادة أو المستشفى، وبعيداً عن احتمالات الارتفاع الموقت لضغط الدم، نتيجة رؤية المعطف الأبيض للطبيب WCH، وذلك تحديداً في البيئة المعتادة والطبيعية والمُريحة نفسياً وبدنياً لكل فرد. وترى الأوساط الطبية أن ذلك من المقبول استخدامه على المدى الطويل من قبل المرضى، وله تكلفة منخفضة نسبياً، وأكثر قابلية للتكرار.

وتضيف «الجمعية الأوروبية لارتفاع ضغط الدم» قائلة: «هناك ميزة أخرى محتملة للقياس المنزلي لضغط الدم، وهي أنه قد يحسن الالتزام بالعلاج، وبالتالي تحقيق سيطرة أفضل على ارتفاع ضغط الدم. كما قد يوفر الجمع بين تطبيقات المراقبة عن بعد Telemonitoring والهواتف الذكية، مزايا إضافية، بما في ذلك القدرة على تخزين ونقل بيانات قياسات ضغط الدم المنزلية بتنسيق رقمي Digital Format، وتسهيل تقييمها من قبل متخصصي الرعاية الصحية».

وقالت «الجمعية الأوروبية لارتفاع ضغط الدم»: «يجب جمع قيم قياسات ضغط الدم في المنزل قبل الزيارات المخططة للعيادة أو عند الاشتباه في حدوث تغيير مهم إكلينيكياً في ضغط الدم. ومن الناحية المثالية، يجب مراقبة ضغط الدم في المنزل لمدة 7 أيام، وليس أقل من 3 أيام، مع قياسات مكررة (يفصل بينها على الأقل دقيقة واحدة) في الصباح (أي قبل تناول دواء علاج ارتفاع ضغط الدم) وفي المساء.

ويساعد القياس المنزلي لضغط الدم على تحسين استمرارية التحكم في ضغط الدم أثناء العلاج طويل الأمد. وأضافت: «يجب إجراء قياسات ضغط الدم المنزلية باستخدام أجهزة قياس ضغط الدم الآلية Automated Electronic Device التي تتطلب ربط السوار على منطقة العضد، والتي تم التحقق من صحة ودقة عملها. ويجب أن تكون ظروف القياس والوضعية مشابهة لتلك الموصوفة في النصائح الطبية»؛ أي:

- استخدم جهاز قياس ضغط الدم تم التأكد من عمله بشكل صحيح ودقيق.

- لا تدخن أو تتناول المشروبات التي تحتوي على الكافيين أو تمارس الرياضة في غضون 30 دقيقة قبل قياس ضغط الدم.

- يجب إجراء القياس قبل الإفطار وبعد ساعتين من تناول العشاء، وقبل تناول الدواء.

- احرص على إفراغ المثانة قبل قياس ضغط الدم.

- يتم إجراء القياس بالجلوس على الكرسي، وليس على سرير الفحص، ولا الجلوس على أريكة وثيرة (كنبة) يكون فيها الحوض منخفضاً عن مستوى الركبتين.

- يجب أن يرتاح الشخص على الكرسي ما لا يقل عن خمس دقائق، وربما أكثر إذا ما دعت الحاجة.

- على الشخص جعل ظهره مستقيماً ومُسنداً للخلف عند الجلوس.

- وضع مفصل المرفق وكامل الذراع على سطح جانبي مستوٍ بشكل مريح، مثل طاولة جانبية، بحيث يكون العضد (حيث سيتم حوله لف السوار القماشي لجهاز الضغط) عند مستوى القلب.

- أثناء الجلوس، يجب وضع باطن القدمين بشكل مستو على سطح الأرض (أي ليس فقط رؤوس أصابع قدميه). ويجب ألا تتقاطع الساقان بوضع إحداهما فوق الأخرى.

حقائق

34% و32%

نسبتا متوسط انتشار ضغط الدم العالي لدى الرجال والنساء على التوالي من أعمار تتراوح بين 30 و79 عاماً المسجلة عام 2019


مقالات ذات صلة

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

صحتك فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

ثمة عدة عناصر في دمك تُساعد في تشخيص أي مشكلات قلبية كامنة قد تكون لديك، أو التنبؤ بمدى احتمالات خطر إصابتك بأمراض القلب.

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)
صحتك 7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

أمّ تحمل في إحدى يديها طفلاً، وفي الأخرى ملفاً طبياً أثقل من عمره الصغير، تتنقل بين أروقة المستشفيات والعيادات حائرة، تطلق تساؤلات بلا إجابة واضحة

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

يُسوّق البلميط المنشاري بوصفه علاجاً طبيعياً لتضخم البروستاتا، وهو أحد المكملات الغذائية الأكثر مبيعاً.

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساتشوستس الأميركية)
يوميات الشرق يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)

هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يمثل شهر رمضان المبارك فرصة للتأمل الروحي وتحسين العادات الغذائية، لكنه يشكل أيضاً تحدياً للجهاز الهضمي والجسم بشكل عام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق خلايا تولد كأنَّ الذاكرة اختارت أن تتأخَّر في الرحيل (شاترستوك)

«المعمّرون الخارقون» يكشفون عن سرّ الدماغ الذي لا يشيخ

يُعرَّف «المعمّر الخارق» بأنه شخص يبلغ 80 عاماً أو أكثر، ويتمتّع بوظائف إدراكية تماثل شخصاً متوسّط المستوى في منتصف العمر تقريباً...

«الشرق الأوسط» (لندن)

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب
TT

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

ثمة عدة عناصر في دمك تُساعد في تشخيص أي مشكلات قلبية كامنة قد تكون لديك، أو التنبؤ بمدى احتمالات خطر إصابتك بأمراض القلب. ولذا تُعدّ هذه العناصر في دمك بمثابة مؤشر على صحة قلبك.

نهج استباقي

ويُعتبر إجراء فحوصات الدم لفهم خطر إصابتك بمرض الشريان التاجي نهجاً استباقياً للحفاظ على صحة قلبك. ولذا من المفيد جداً التعاون مع طبيبك لفهم نتائجك وتحديد الخطوات التالية الأنسب.

ونقدم إليك هنا مزيداً من التوضيحات حول تلك الفحوصات القلبية التي يتم التعرُّف عليها من خلال تحاليل الدم:

1. التروبونين: وهو الاختبار الأكثر شيوعاً لتشخيص الإصابة بنوبة الجلطة القلبية. التروبونين Troponin مادة تُفرزها أنسجة القلب عند تعرضها للتلف، وهو ما يحدث في أثناء النوبة القلبية وحالات أخرى تتعرض فيها أنسجة عضلة القلب للتلف بفعل الالتهابات العضلية. والتروبونين مركب بروتيني موجود في عضلة القلب والعضلات الهيكلية، وهو يُنظم انقباضها.

وعند تلف عضلة القلب، تُفرز أنواع محددة من التروبونين القلبي في مجرى الدم، ما يجعل فحص الدم أداة تشخيصية أساسية للنوبات القلبية والإصابات والإجهاد. وترتفع مستويات التروبونين عادة خلال 3-4 ساعات من الإصابة، تبلغ ذروتها خلال 12- 48 ساعة، وقد تبقى مرتفعة لمدة أسبوع إلى أسبوعين. ولذا فإن الغرض من إجراء تحليل التروبونين هو قياس مدى حصول تلف في أنسجة عضلة القلب، وخصوصاً في قسم الطوارئ لتشخيص سبب الشكوى من ألم الصدر، الذي من أسبابه القلبية كل من: احتشاء عضلة القلب (نوبة الجلطة القلبية Myocardial Infarction)، والذبحة الصدرية غير المستقرة Unstable Angina، والتهاب عضلة القلب Myocarditis.

ولذا، فإن الأعراض التي تستدعي إجراء الفحص تشمل ألماً في الصدر، وضيقاً في التنفس، ودواراً، وغثياناً، وألماً ينتشر إلى الذراعين أو الظهر أو الرقبة. ويقوم الطبيب بتفسير النتيجة وفق حالة المريض. وفي حين أن المستويات المرتفعة جداً غالباً ما تشير إلى نوبة قلبية، فإن الارتفاعات المتوسطة قد تنتج عن انسداد الجلطة في الشرايين الرئوية Pulmonary Embolism، أو أمراض الكلى المزمنة، أو تسمم الدم بالالتهابات الميكروبية (الإنتان)، أو إنها نتيجة ممارسة التمارين الرياضية الشاقة. ولذا يتطلب ارتفاع التروبونين إجراء مزيد من التقييم لشرايين القلب، لتحديد ما إذا كان الضرر ناتجاً عن متلازمة الشريان التاجي الحادة Acute Coronary Syndrome أو عوامل أخرى.

2. تحليل الدم دي-دايمر D-DIMAR: ودي-دايمر هي بالأساس بروتينات معينة في الدم يتم فحص مستواها لاستبعاد حصول بعض اضطرابات التخثر الدموي، أي استبعاد وجود جلطة دموية خطيرة. وهي بالأساس شظايا من المركَّبات الكيميائية التي ترتفع نسبتها في الدم عند تحلل خثرة الجلطة الدموية. ولذا قد ترتفع مستويات دي-دايمر في الدم إذا كنت تعاني من جلطة كبيرة داخل أحد الأوعية الدموية الكبيرة في «داخل» الجسم، مثل تخثر جلطة الأوردة العميقة، وهي جلطة في الأوردة العميقة التي في الساقين أو الفخذين، ويمكن أن تؤدي إلى مشكلات خطيرة في الرئة إذا انتقلت مع الدم إلى الأوعية الدموية في الرئة (جلطة الانسداد الرئوي).

وحينما يستقبل الطبيب حالة تتضمن تورماً وألماً واحمراراً في إحدى الساقين أو الفخذين (يشتبه بجلطة أوردة عميقة)، أو حالة من الشكوى من صعوبة في التنفس مع سرعة نبضات القلب وألم في الصدر وسعال وانخفاض في نسبة الأكسجين في الدم (يشتبه بجلطة الانسداد الرئوي)، فإن الطبيب ضمن الفحوصات التي يطلبها آنذاك، قد يطلب تحليل الدم لمعرفة مستوى دي-دايمر. وإذا كانت النتيجة منخفضة أو طبيعية، فهذا يعني أن دمك يحتوي على مستويات منخفضة من بروتين دي-دايمر. ولذا فمن «غير المُرجح» أن تكون مصاباً باضطراب تخثر في مكان ما من جسمك. وإذا كانت النتيجة مرتفعة أو إيجابية، فهذا يعني وجود مستويات عالية من بروتين دي-دايمر في دمك. وسيحتاج الطبيب حينئذ إلى إجراء مزيد من الفحوصات والتصوير لمعرفة ما إذا كانت ثمة جلطة دموية، ومكانها، وسببها.

ومع ذلك سيُراعي الطبيب احتمالات وجود حالات وعوامل قد تؤثر على نتائج اختبار دي-دايمر؛ حيث من الممكن أن يكون مستوى دي-دايمر مرتفعاً دون وجود جلطة دموية. أو قد تكون النتيجة المرتفعة أيضاً نتيجة التقدم في السن، أو الحمل، أو وجود عدوى ميكروبية في الجسم، أو أمراض مزمنة في الكبد، أو ارتفاع مستوى الكوليسترول والدهون في الدم، أو تناول أدوية ترفع من نسبته في الدم، مثل الأدوية المضادة للصفيحات مثل الأسبرين، وكلوبيدوغريل (بلافيكس)، وبراسوغريل (إفيينت)، وتيكاجريلور (بريلينتا).

مؤشرات خطر

3. الكوليسترول والدهون الثلاثية: توصي النصائح الطبية ببدء إجراء تحليل الدم لفحص الكوليسترول بين سن 20 و35 عاماً، وذلك اعتماداً على عوامل الخطر الخاصة بك للإصابة بأمراض القلب. ولذا يجب إجراء اختبار الكوليسترول المتكرر أو إجراء مراقبة إضافية أخرى:

- إجراء الاختبار مرة كل 5 سنوات للرجال الذين لديهم مستويات كوليسترول طبيعية.

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا حدثت تغييرات في نمط الحياة (بما في ذلك زيادة الوزن والنظام الغذائي).

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا كنت تعاني من مرض السكري، أو ارتفاع ضغط الدم، أو أمراض القلب، أو السكتة الدماغية، أو مشكلات تدفق الدم في الساقين أو القدمين أو بعض الحالات الأخرى.

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا كنت تتناول أدوية للتحكم في ارتفاع الكوليسترول.

ويقدم تحليل الدم المعتاد للكوليسترول والدهون، نتائج 4 عناصر، هي:

- الكوليسترول الثقيل HDL: وهو الكوليسترول الحميد؛ لأنه كلما ارتفع في الدم انخفضت احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية.

- الكوليسترول الخفيف LDL: وهو الكوليسترول الضار؛ لأنه كلما ارتفع في الدم، ارتفعت احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية.

- الدهون الثلاثية TG: وعند ارتفاعها مع ارتفاع الكوليسترول الخفيف أو انخفاض الكوليسترول الثقيل، ترتفع احتمالات تراكم الكوليسترول والدهون في جدران الشرايين.

- الكوليسترول الكلي TC: وهو محصلة قياس تلك العناصر الثلاثة في نتائج تحليل الكوليسترول.

وفي تقييم عموم الناس، يُجرى تحليل الدم للكوليسترول دون الحاجة للصوم Non-Fasting. ولكن في متابعة مرضى الشرايين القلبية، والمرضى الذين يعانون من متلازمة التمثيل الغذائي Metabolic Syndrome (عند وجود 3 من المؤشرات التالية: زيادة محيط البطن- ارتفاع الدهون الثلاثية- انخفاض الكوليسترول الثقيل- ارتفاع ضغط الدم- ارتفاع السكر A=في الدم) أو مرض السكري، أو مرضى اضطرابات الكوليسترول، يجب أخذ عينة الدم للتحليل بعد الصوم (لمدة تتراوح ما بين 9 و12 ساعة).

4. الببتيد الدماغي المدر للصوديوم BNP: وهذا نوع من البروتينات التي ينتجها القلب والأوعية الدموية، ويُعرف أيضاً بـ«النوع (بي) من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم». والأساس في عمله أنه يساعد الجسم على التخلص من السوائل المتراكمة فيه، وكذلك على إرخاء الأوعية الدموية، وتسهيل نقل الصوديوم إلى البول (كي يسحب معه مزيداً من الماء الخارج في سائل البول).

وفي حال تضرر القلب -وخصوصاً ضعف قوة القلب- يفرز الجسم نِسَباً عالية من النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم في مجرى الدم، وذلك في محاولة لتخفيف الضغط على القلب. ويتمثل أحد أهم استخدامات فحص النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم في محاولة تحديد ما إذا كان ضيق النَّفَس ناجماً عن فشل القلب أم لا.

تختلف مستويات النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم حسب السن ونوع الجنس والوزن. وبالنسبة للأشخاص المصابين بفشل القلب، يمكن أن يكون إرساء قيمة قاعدية للنوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم نافعاً جداً. وبالتالي، يمكن للاختبارات المستقبلية أن تساعد على تقدير مدى نجاح العلاج، أو مدى الانتكاس في التحكم في تداعيات حالة ضعف القلب. وأهم تلك التداعيات هو تراكم كثير من السوائل في الجسم، وخصوصاً الرئتين والساقين.

أدوات تشخيصية أساسية للنوبات القلبية أو وجود جلطة دموية خطيرة

رصد الالتهابات

5. البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية us-CRP: وهو بروتين يفرزه الكبد ضمن استجابة الجسم للإصابة أو العدوى. وتؤدي هذه الاستجابة إلى حدوث تورُّم داخل الجسم يُطلق عليه الالتهاب. ويؤدي الالتهاب دوراً رئيسياً في تراكم اللويحات (المحتوية على الكوليسترول والدهون) في الشرايين القلبية، مسبباً ما يُطلق عليه مرض تصلب الشرايين الذي من مظاهره تضيقات الشرايين القلبية وتداعياتها. ويساعد اختبار تحديد معدل البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية في تحديد مدى خطر الإصابة بأمراض القلب، قبل ظهور الأعراض بشكل واضح لدى المريض.

ويرتبط ارتفاع مستويات البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية بزيادة خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتة الدماغية والأمراض القلبية.

ولكن قد تُسبب أشياء عدة (مثل الإصابة بنزلة زكام، أو الركض لمسافة طويلة) ارتفاع مستويات البروتين المتفاعل «سي» لفترة وجيزة. ولذا، ينبغي إجراء الاختبار مرتين، على أن يفصل بينهما أسبوعان. ويُشير ارتفاع مستوى البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية عن 2.0 ملِّيغرام لكل لتر (ملغم/ لتر) إلى زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب.

6. تحاليل أخرى: في حالات معينة، قد يطلب الطبيب إجراء تحليل الدم لوظائف الغدة الدرقية TSH، عند الشكوى من الخفقان أو تراكم السوائل حول القلب.

كما قد يطلب تحليل تراكم السكر في الهيموغلوبين HbA1c، لمعرفة مدى انضباط مستويات سكر الدم لدى مرضى السكري.

وقد يطلب الطبيب قياس مستويات السيراميد Homocysteine في الدم الذي قد يرتبط ارتفاعه بتصلب الشرايين. وأيضاً يتابع طبيب القلب نتائج تحليل وظائف الكلى؛ خصوصاً عند وصفه للمريض أدوية إدرار البول.

وفي حالات المرضى الذين يتلقون دواء منع تجلط الدم، مثل الوارفارين، يتابع الطبيب نتائج تحليل نسبة التخثر الدولية INR لتحديد الجرعة المناسبة من هذا الدواء.وأيضاً إجراء تحليل الدم CBC لمعرفة نسبة الهيموغلوبين ومدى وجود فقر الدم.

وينظم فيتامين «دي» مستويات الكالسيوم والفوسفات في الجسم. ولكن ترتبط المستويات المنخفضة من فيتامين «دي» بمخاطر متنوعة على صحة القلب. كما قد تشير المستويات المنخفضة إلى صعوبة تحمل أدوية الستاتين (أدوية خفض الكوليسترول) وإلى احتمال ارتفاع ضغط الدم.


لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟
TT

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

كشفت دراسة جديدة لباحثين من كلية الطب بجامعة ستانفورد بالولايات المتحدة، ونُشرت في 9 فبراير (شباط) الحالي في مجلة علم الأعصاب «Journal of Neuroscience»، عن احتمالية أن يكون السبب في صعوبة تعلم الرياضيات math راجعاً إلى أسباب عصبية في الأساس تؤدي إلى اختلاف الطريقة التي يعمل بها المخ في كل طفل.

«عُسر الحساب»: مشكلة شائعة

من المعروف أن صعوبة تعلم الرياضيات تُعد من المشكلات الشائعة في التعليم، وعلى وجه التقريب في معظم المجتمعات، تعاني نسبة من السكان تتراوح بين 3 إلى 7 في المائة من صعوبة تعلم مادة الرياضيات، أو ما يُسمى عسر الحساب dyscalculia، الذي يشمل صعوبات في فهم ومقارنة الكميات، وتعلم العدّ، وفهم رموز الأرقام، وتعلم المهارات الرياضية المختلفة مهما كانت بسيطة.

أوضح الباحثون أن القدرة على حل المسائل الرياضية، والتعامل مع الأرقام يحتاجان إلى مهارات عصبية متعددة، مثل المعالجة البصرية (من خلال إرسال الإشارات إلى المخ لترجمة الأرقام إلى كميات معينة، وأيضاً ترجمة الرموز المختلفة، مثل الجمع، والطرح، والضرب)، والذاكرة قصيرة المدى (للاحتفاظ بتفاصيل المسألة الرياضية أثناء حلها).

قام الباحثون بإجراء الدراسة على 87 طفلاً من أطفال الصفين الثاني والثالث في المدارس الأميركية يتراوح متوسط أعمارهم بين 7 و9 أعوام. ومنهم 34 طفلاً يعانون من صعوبات في تعلم الرياضيات، إذ حصلوا على متوسط درجات أقل من أقرانهم بشكل ملحوظ في اختبار لقياس قدرة الطالب العادي على حل المسائل الرياضية. أما بقية الأطفال الآخرين فقد حصلوا على درجات أعلى، مما يشير إلى قدرة طبيعية على تعلم الرياضيات.

اختار الباحثون مهمة معينة لاختبار القدرة على التعامل مع الأرقام، حيث طُلب من الأطفال إكمال سلسلة من المقارنات البسيطة لحل مسائل حسابية، وفي كل محاولة تتم المقارنة بين كميتين، وكان عليهم تحديد أي الكميتين أكبر، وذلك لتقييم الاختلافات في نشاط المخ أثناء تعاملهم مع الأرقام، وتم عمل أشعة رنين مغناطيسي لكل الأطفال المشاركين، لرصد نشاط المخ أثناء قيام الأطفال بحل المسائل.

في كل محاولة كانت الكميات تُعرض بشكل مختلف، وعلى سبيل المثال تُعرض على صورة أرقام مكتوبة، وفي أحيان أخرى كانت تُعرض على شكل مجموعات من النقاط، ما يتطلب من الطفل تقدير المجموعة التي تحتوي على عدد أكبر من العناصر بسرعة. وكان هدف العلماء من التبديل بين مجموعة الأرقام ومجموعات النقاط تقييم قدرة الطفل على التعامل مع الحسابات، وتوقع الإجابة بمجرد الرؤية.

قام الباحثون بتصميم المسائل بحيث تتضمن مسائل سهلة (التي يوجد بها فارق كبير بين الأرقام، وبالتالي تكون الإجابة واضحة، مثل 7 مقابل 2)، وأخرى صعبة (التي يوجد بها فارق بسيط يفصل بين الأرقام مثل 6 مقابل 7)، وبالتالي تكون الإجابة أكثر صعوبة.

دراسة أداء الأطفال

بدلاً من التركيز فقط على صحة الإجابات، أو خطئها، ركز الفريق البحثي على معرفة الكيفية التي تغير بها أداء كل طفل، في المحاولات المختلفة، عن طريق مراقبة هل يقوم الطفل بتعديل أسلوبه بعد ارتكاب الأخطاء من عدمه؟ ومدى حرصه على تحديد الرقم الأكبر، سواء في المسائل السهلة، أو الصعبة، ومدى سرعة اكتشافه لأخطائه، وإبطاء وتيرة الحل في المسألة التالية بعد ارتكاب الخطأ، وهي كلها أمور أساسية في تعلم الرياضيات، أو التعامل مع الأرقام بشكل عام.

وفي المسائل المتعلقة بالرموز العددية، كان الأطفال من ذوي القدرات الرياضية الطبيعية أكثر تباطؤاً عند إجراء المقارنات الصعبة بين الأرقام المتقاربة، مقارنة بالمقارنات السهلة. وفي المقابل لم يقم الأطفال الذين يعانون من صعوبات في تعلم الرياضيات بتغيير طريقة تفكيرهم بنفس القدر أثناء حل المسائل، بمعنى أنهم لم يحاولوا التباطؤ، أو تغيير سلوكهم في المسائل الصعبة، وبالتالي ساهم ذلك في ارتكابهم للأخطاء.

أظهرت النتائج نمطاً ثابتاً للمجموعتين، حيث كان الأطفال الذين يواجهون صعوبة في الرياضيات أقل ميلاً لتغيير طريقة حلهم بعد الخطأ في حل المسألة، حتى عندما ارتكبوا أنواعاً مختلفة من الأخطاء، ولم يقوموا بتغيير طريقة تفكيرهم استجابة لهذه الأخطاء. وكانت هذه الصعوبة في تعديل السلوك بمرور الوقت فرقاً جوهرياً بين الأطفال ذوي القدرات الرياضية الطبيعية، والذين يواجهون صعوبات في تعلم الرياضيات.

وأوضحت فحوصات أشعة الرنين المغناطيسي أن الأطفال الذين واجهوا صعوبة أكبر في تعلم مادة الرياضيات أظهروا نشاطاً أضعف في المناطق المسؤولة عن مراقبة الأداء، وتعديل السلوك في القشرة المخية، وفي الأغلب ترتبط هذه المناطق العصبية بالتحكم المعرفي، ما يعني القدرة على تقييم الأخطاء، وتغيير طرق التفكير، والمساعدة في اتخاذ القرارات، والتحكم في الاندفاع، والتكيف مع المعلومات الجديدة.

تشير النتائج إلى أن صعوبات الرياضيات قد لا تنبع فقط من مشكلات في مجرد التعامل مع الأرقام، بل قد يواجه بعض الأطفال صعوبة في مراجعة عمليات تفكيرهم أثناء حلّهم للمسائل، لأن القدرة على إدراك الخطأ وتجربة أسلوب جديد تُعد أمراً أساسياً في حل المسائل الرياضية.

في النهاية، أكد الباحثون على ضرورة الاهتمام بمشكلة صعوبة تعلم الرياضيات على وجه التحديد، وعدم التعامل معها كما لو كانت مجرد تراخٍ، وإهمال دراسي، خاصة في الطفولة المبكرة، لأن مخ الأطفال لا يزال في طور النمو، ما يُتيح لهؤلاء الأطفال اكتساب المهارات، وتطوير القدرات اللازمة للتكيف مع هذه الحالة من خلال برامج تعليمية فردية.

• استشاري طب الأطفال


حين يكتشف الذكاء الاصطناعي تسوّس الأسنان

حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
TT

حين يكتشف الذكاء الاصطناعي تسوّس الأسنان

حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته

في عيادة أسنان رقمية حديثة، تظهر صورة أشعة جانبية للأسنان الخلفية على الشاشة. وخلال ثوانٍ، يحدد النظام المدعوم بالذكاء الاصطناعي منطقة مظللة ويعرض تقديراً رقمياً: «احتمال تسوّس 87 في المائة». وفي تلك اللحظة القصيرة، يتحول الرقم من نتيجة تحليل بصري إلى عنصر مؤثر في القرار العلاجي.

لم يعد التشخيص قائماً على قراءة الطبيب وحده، بل أصبح نتيجة تفاعل بين الخوارزمية والخبرة السريرية والسياق الصحي للمريض. وهنا لا نتعامل مع أداة تشخيصية إضافية فحسب، بل مع تحول هادئ في بنية اتخاذ القرار داخل العيادة.

بماذا تخبرنا أبحاث 2026؟

شهدت السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في استخدام نماذج التعلم العميق لتحليل الصور الشعاعية للأسنان، ففي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «المراجعة اليابانية لعلم الأسنان» (Japanese Dental Science Review)، أظهر باحثون أن أنظمة تعتمد على التصوير بالهواتف الذكية المدعوم بالذكاء الاصطناعي استطاعت تحسين معدلات كشف التسوّس، خصوصاً في البيئات محدودة الموارد الصحية.

غير أن الدراسة نفسها أشارت إلى أن الأداء التشخيصي لا يعتمد على الخوارزمية وحدها، بل يتأثر بجودة الصورة، ومستوى الإضاءة، ونوع الجهاز المستخدم، وخبرة من يلتقط الصورة. وهو ما يؤكد أن الدقة المعلنة ليست قيمة ثابتة، بل نتيجة تفاعل معقد بين التقنية والبيئة السريرية.

وفي دراسة حديثة اخرى نُشرت مطلع عام 2026 في مجلة «الطب الرقمي» (npj Digital Medicine) الصادرة عن مجموعة «نيتشر»، حذّر باحثون من «يونيفرسيتي كوليدج لندن» من الاعتماد غير المشروط على نماذج تحليل الصور الطبية دون مراقبة مستمرة لأدائها بعد التطبيق السريري، مؤكدين أن فاعلية الأنظمة قد تتغير مع اختلاف السكان وأنماط المرض.

تحوّل التوزيع: التحدي الصامت

يصف علماء الذكاء الاصطناعي هذه الظاهرة بما يُعرف بتحول التوزيع (Distribution Shift)، حيث يتعلم النموذج من بيانات ذات خصائص محددة، ثم يُستخدم لاحقاً في بيئات تختلف من حيث الأجهزة أو خصائص المرضى أو انتشار الأمراض.

قد يُدرَّب النظام على صور عالية الجودة في مركز أكاديمي متقدم، ثم يُستخدم في عيادة مجتمعية بإمكانات تصوير مختلفة. في هذه الحالة، قد تنخفض الدقة تدريجياً دون ظهور إنذار واضح، مما يجعل الخطأ يتسلل بصمت إلى الممارسة اليومية.

الخطر هنا لا يكمن في الخطأ المفاجئ، بل في الثقة المستمرة بنظام تغيّر أدائه دون أن نلاحظ.

حين تحاط الخوارزميات بسياج الأخلاق

انحياز البيانات وعدالة التشخيص

تناولت مراجعات حديثة في «مجلة طب الأسنان البريطانية المفتوحة» (BDJ Open) قضية انحياز البيانات في أنظمة كشف التسوّس. فالخوارزميات تتعلم مما يُقدَّم لها؛ وإذا جاءت بيانات التدريب من مجموعات سكانية محدودة، فقد لا يكون الأداء متكافئاً عند تطبيقها على مجتمعات مختلفة.

وهنا يظهر سؤال أخلاقي جوهري: هل يحصل جميع المرضى على جودة تشخيص متساوية؟ أم أن الفوارق غير المرئية داخل البيانات قد تعيد إنتاج تفاوتات صحية قائمة؟

الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على توسيع الوصول إلى الرعاية، لكنه قد يعكس تحيزاتنا البشرية إن لم يُصمم ويُختبر بعناية.

الصندوق الأسود ومسؤولية الطبيب

لا يزال كثير من نماذج التعلم العميق تعمل بوصفها «صناديق سوداء»، تقدم توصيات دون تفسير واضح لمسار القرار. وعندما يشير النظام إلى تسوّس غير موجود أو يفشل في اكتشاف آفة مبكرة، تبقى المسؤولية المهنية والقانونية في نهاية المطاف على عاتق الطبيب.

إن دخول الخوارزمية إلى صلب القرار لا يلغي الحكم السريري، لكنه يعيد توزيع مصادر النفوذ المعرفي داخل العيادة، مما يجعل الحاجة ملحّة لتطوير أنظمة تفسيرية تدعم القرار البشري بدل أن تستبدله.

مَن يتحمل الخطأ عندما تصمت الخوارزمية؟

الخطر ليس في الخطأ... بل في التصميم

الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان ليس منافساً للطبيب، بل أداة قد تعزز دقة التشخيص وتحسن الوصول إلى الرعاية. غير أن الخطر الحقيقي يظهر عندما تُعامل نتائج الدراسات بوصفها ضماناً مطلقاً للأداء في كل سياق سريري.

ما نحتاج إليه ليس خوارزمية معصومة، بل منظومة تجعل الخطأ مرئياً، وحدود الاستخدام واضحة، وآليات المراجعة مستمرة.

إن القرار العلاجي يظل فعلاً إنسانياً يتحمل تبعاته من يتخذه، عندما تصبح التقنية شريكاً وليس بديلاً.

يبقى التسوّس مرضاً بيولوجياً، لكن التعامل معه قرار سريري وأخلاقي في آن واحد. والذكاء الحقيقي لا يتمثل في الثقة العمياء بالخوارزمية، بل في القدرة على استخدامها بوعي نقدي، ومعرفة متى نتفق معها... ومتى نعيد النظر في توصياتها.. في النهاية، قد تقرأ الآلة الصورة بدقة متزايدة، لكن مسؤولية فهم الإنسان الذي خلف الصورة ستبقى مهمة الطبيب.