ضوءٌ صغير من قلب الحرب الكبيرة

«كل الضوء الذي لا يمكننا رؤيته»... جديد مسلسلات «نتفليكس»

آريا ميا لوريتي حوّلت فقدان البصر إلى نعمة في «كل الضوء الذي لا يمكننا رؤيته» (نتفليكس)
آريا ميا لوريتي حوّلت فقدان البصر إلى نعمة في «كل الضوء الذي لا يمكننا رؤيته» (نتفليكس)
TT

ضوءٌ صغير من قلب الحرب الكبيرة

آريا ميا لوريتي حوّلت فقدان البصر إلى نعمة في «كل الضوء الذي لا يمكننا رؤيته» (نتفليكس)
آريا ميا لوريتي حوّلت فقدان البصر إلى نعمة في «كل الضوء الذي لا يمكننا رؤيته» (نتفليكس)

لعلّ أقلّ ما يتمنّى المرء مشاهدتَه على الشاشة في هذه الآونة، هو مزيد من يوميّات الحرب والدمار، لكنّ ذلك لم يَحُل دون تَصدُّر مسلسل «All the Light We Cannot See» (كل الضوء الذي لا يمكننا رؤيته)، المشاهَدات على منصة «نتفليكس».

السلسلة القصيرة المقتصرة على 4 حلقات، مقتبَسة عن الرواية التي تحمل العنوان ذاته والصادرة عام 2014 بقلم الكاتب الأميركي أنطوني دوور.

شكّل نقلُ روايةٍ مؤلّفة من 550 صفحة إلى الشاشة، تحدياً كبيراً بالنسبة إلى المخرج والمنتج الكندي شون ليفي وكاتب السيناريو البريطاني ستيفن نايت. أما ما ضاعف هذا التحدّي، فهو الشعبيّة التي حقّقتها تلك الرواية الحائزة جائزة «بوليتزر»، والتي بيع 15 مليون نسخة منها حول العالم.

الموجة «1310»

هي حكاية «ماري لور لوبلان»، الشابة الفرنسية الفاقدة للبصر، والجندي الألماني «ورنر فينينغ»، وما بينهما من طريق معبّد بالدماء بسبب عداوة بلدَيهما خلال الحرب العالمية الثانية. وحدَه أثيرُ بثٍّ على الراديو يمتدّ خيطاً بينهما لينسج السرديّة ويشكّل عمودها الفقري.

لويس هوفمان بدور الجندي الألماني «ورنر فينينغ» (نتفليكس)

من دار الأيتام حيث نشأ، إلى معسكر التدريب الوحشيّ حيث انتقل بسبب تميّزه في تركيب أجهزة الراديو والتقاط الموجات، يستمع «ورنر» إلى الموجة «1310». يأتيه صوت «البروفيسور» لينسيَه بعضاً من فظائع يومياته. يتوجّه «البروفيسور» إلى الجيل الصاعد ليفتح آفاقه على العلم والفلسفة ومعاني الحياة، بعيداً عن ضجيج الحرب.

في الجهة المقابلة لألمانيا، ومن بيتها في باريس حيث تقيم مع والدها، تواظب «ماري» منذ الطفولة على الإصغاء إلى «البروفيسور». يضيء عتمة عينيها، خصوصاً عندما يردّد: «أهمّ الأضواء هو الضوء الذي لا يمكنك رؤيته».

تدور أحداث المسلسل وسط الاحتلال الألماني لفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية (نتفليكس)

حجر الحياة الأبديّة

من باريس إلى سان مالو في شمال غربي فرنسا، تنتقل «ماري» ووالدها، وهو مدير أحد المتاحف، بعد اشتداد وطأة الاحتلال، وعشيّة تدخّل قوى التحالف بقيادة أميركا لتحرير البلاد من الألمان. في المدينة البحريّة، تكتشف الفتاة الكثير عن «البروفيسور»، وهناك كذلك تستلم المذياع لتصبح هي الصوت الذي يستمع إليه الجندي «ورنر».

محاصرةً بالنار والبارود، ووحيدةً في البيت، تطلق «ماري» نداءاتٍ إلى والدها الذي اضطرّ للرحيل. حمل معه سرّ حجر كريم يمنح الحياة الأبديّة لحامله، وغادر. مقتفياً آثار تلك الجوهرة، يبحث أحد الضبّاط الألمان عن «ماري». يريد العثور على الحجر مهما كان الثمن، فهو مريض وعلى شفير الموت.

في الأثناء ترسل «ماري»، بتعليماتٍ من عمّها «إيتيان»، إشارات مبطّنة وإحداثيّات عبر الراديو، تساعد في تحديد مواقع العدوّ الألماني واستهدافها. لا تخفى خطّتها على الضبّاط الألمان الذين يكلّفون مستمعَها الشغوف «ورنر»، بالبحث عنها وقتلها. تبدو المهمّة مستحيلة بالنسبة إلى جنديّ لم تُصبه القسوة، رغم وحشيّة المعسكر وفظاعات الحرب.

عتب على اللغة

يسير المسلسل على إيقاع الاسترجاع الزمني (flashbacks) لماضي الشخصيات ثم يعود إلى حاضرها. كثيرةٌ هذه الانتقالات الزمنيّة التي قد تُتعب المُشاهد أحياناً، وتُفقده السياق.

يتنقّل السيناريو بين طفولة «ماري» المحاطة بأبيها وحبّه واهتمامه الكبيرَين. يعلّمها كيف تجد طريقها في شوارع باريس الشاسعة وبين أزقّتها المكتظّة. يصطحبها إلى متحف العلوم الطبيعيّة حيث يعمل. يدرّبها على تحويل فقدانها للبصر من نقمة إلى نعمة. وعندما ينتقلان من العاصمة إلى سان مالو، يبني لها مجسّماً خشبياً مطابقاً لشوارع المدينة ومنازلها، حتى لا تتوهَ فيها.

يعلّم والد «ماري» ابنته كيف تحوّل فقدان البصر من نقمة إلى نعمة (نتفليكس)

أما «ورنر» فينسلخ عن شقيقته من داخل دار الأيتام لينضمّ إلى الجيش الألماني. يخضع لتدريب لا شيء إنسانياً فيه، لينطلق بعد ذلك في رحلة بحثه عن «ماري».

يؤخذ على المسلسل حركته البطيئة، لا سيّما في الحلقة الأولى. وممّا هو مستغرب كذلك، أنّ لغته الأصليّة هي الإنجليزيّة، مع العلم أنّ الأحداث تدور بين فرنسيين وألمان، ومع العلم كذلك أنّ «نتفليكس» سبق لها أن استثمرت في إنتاجاتٍ ضخمة تخطّت حدود اللغة. قد يشعر المُشاهد بأنه كان من الطبيعيّ والعفويّ أكثر، لو نطقت الشخصيات بلغتها الأمّ، من دون أن يفتعل الممثلون لهجات تبدو مصطنعة.

ضوء آريا ميا لوريتي

في مقابل المآخذ التي عدّد من بينها النقّاد عدم وفاء المسلسل لنصّ كتاب أنطوني دوور وشخصياته، ثمّة بعض نقاط ضوء. ولعلّ الممثلة آريا ميا لوريتي التي أدّت شخصية «ماري»، هي أسطع الأضواء تلك. انتقاها المخرج شون ليفي من بين آلاف تقدّمن للدور. أصرّ على أن تكون فاقدةً للبصر فعلاً، وليس تمثيلاً فحسب.

«ماري لور» تتعلّم السير في مدينة سان مالو بواسطة المجسّم الخشبي الذي صمّمه والدها (نتفليكس)

تمنح لوريتي الدور صدقاً ومعنًى عميقاً، كما أنها تشعّ نوراً على المسلسل، فتشكّل طوق نجاة بالنسبة للعمل ككلّ. الشابّة الأميركية المتخصصة في الفلسفة وعلوم التواصل والعلوم السياسية، لا علاقة لها بالتمثيل، وهي لم تكن قد خضعت حتى إلى تدريب ولا إلى أي تجربة أداء قبل وقوفها أمام كاميرا ليفي. راهنَ عليها المخرج بسبب «ذكائها الواضح وإشعاعها أمام الكاميرا»، وقد كسب الرهان.

ومن بين مَن قدّموا أداءً آسراً، الطفلة نيل ساتون بدور «ماري» في صغرها. رغم سنواتها الثماني، تلفت ساتون الأنظار باحترافها وتذيب القلوب بعفويّتها. تفوّقت الفتاتان أداءً على زملائهما المحترفين، مثل مارك رافالو بدور والد «ماري»، وهيو لوري بدور العمّ «إتيان».

الطفلة نيل ساتون في أداء لافت بدور «ماري» في صغرها (نتفليكس)

ممّا يُحسَب كذلك للمسلسل، التنفيذ الممتاز لمشاهد القصف بما فيها من مؤثّرات خاصة عالية الجودة. ومن المعلوم أن «نتفليكس» لم تبخل على العمل إنتاجياً، وقد تنقّل التصوير بين بودابست في المجر، وفي سان مالو الفرنسية.

بعيداً عن مشاهد الدمار والخسائر البشريّة، تحمل السلسلة القصيرة رسالة ملؤها الإنسانيّة والمشاعر تتخطّى بشاعة الحرب. ومن المؤكّد أنه لا أنسبَ من هكذا توقيت لهكذا رسالة!


مقالات ذات صلة

«بنج كلي»... دراما قصيرة عن عالم المستشفيات المصرية تثير ضجة

يوميات الشرق تقدم سلمى أبو ضيف شخصية طبيبة التخدير (الشركة المنتجة)

«بنج كلي»... دراما قصيرة عن عالم المستشفيات المصرية تثير ضجة

أثار المسلسل المصري «بنج كلي» ضجة تمثلت في نقاشات وانتقادات من أطباء حول مدى واقعية بعض التفاصيل التي يقدمها العمل عن المستشفيات الحكومية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق مروان خريسات (حسابه على «فيسبوك»)

صانع قنابل... لغز رجل أطلقت سراحه ألمانيا وطارده شبح «لوكربي»

مروان خريسات... رحلة صانع قنابل «القيادة العامة» من حروب الظلِّ ودهاليز الاستخبارات، إلى لغز تفجير «لوكربي» الذي أعاده مسلسل «نتفليكس» الأخير للواجهة.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق الممثلة الأميركية هايدن بانتير (رويترز)

وفاة الممثلة الأميركية هايدن بانتير بطلة «هيروز» و«ناشفيل» عن 36 عاماً

توفيت الممثلة الأميركية الشهيرة، هايدن بانتير، التي شاركت في بطولة المسلسلين التلفزيونيين «هيروز» و«ناشفيل»، عن عمر يناهز 36 عاماً.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
خاص الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)

خاص محمد الدوخي يذهب عميقاً في الشخصيات... ولا يهجس بالبطولات

في حوار شامل مع «الشرق الأوسط»، يعود الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي إلى مسيرةٍ فنية اتّسمت بالتحوّلات؛ من الكوميديا، إلى الدراما، مروراً بالأكشن والجريمة.

كريستين حبيب (عمّان)
يوميات الشرق «حبّ ع ورق» فاجأها بحجم انتشاره (إنستغرام)

سارة ذوق: «حبّ ع ورق» منحني الانطلاقة التي انتظرتها

تُعدّ الممثلة اللبنانية سارة ذوق من الوجوه الجديدة التي جرى التعاون معها.

فيفيان حداد (بيروت)

كنز طروادة المسلوب... تركيا وألمانيا تطالبان به وروسيا لا تنوي إعادته

مجسم يمثل حصان طروادة في مدينة حصارليك/ طروادة (غيتي)
مجسم يمثل حصان طروادة في مدينة حصارليك/ طروادة (غيتي)
TT

كنز طروادة المسلوب... تركيا وألمانيا تطالبان به وروسيا لا تنوي إعادته

مجسم يمثل حصان طروادة في مدينة حصارليك/ طروادة (غيتي)
مجسم يمثل حصان طروادة في مدينة حصارليك/ طروادة (غيتي)

خلال محاضرة في جامعة أنقرة بتركيا، وحين تطرقت الأستاذة زينب بوز إلى مصير ذهب مدينة طروادة القديمة الشهير، شعرت لأول مرة بوطأة الألم الناجم عن فقدان كنوز بلادها التي نُقلت إلى الخارج. تُعرف هذه المجموعة باسم «كنز بريام»، وتضم حُلياً وأواني وقطعاً ثمينة أخرى استخرجها رجل الأعمال وعالم الآثار الألماني الرائد هاينريش شليمان في سبعينيات القرن التاسع عشر من موقع المدينة التي وصفها الشاعر هوميروس. وبعد نقل الذهب إلى ألمانيا، استولت عليه القوات السوفياتية ونقلته سراً إلى موسكو في ختام الحرب العالمية الثانية. وقد روت بوز كيف سافرت إلى روسيا لرؤية ذلك الذهب لكنها عادت خائبة. تقول بوز، التي تتولى حالياً مهمة استعادة كنوز تركيا الأثرية بصفتها رئيسة قسم مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية في البلاد: «لقد مُنِعت من الوصول إلى تراثي الثقافي».

«كنز بريام» المكتشف في موقع حصارليك/ طروادة (غيتي)

نزاع دولي ثلاثي

لا تزال تلك القطع الأثرية، التي يعود تاريخها إلى 4500 عام، موجودة في موسكو داخل متحف «بوشكين» الحكومي للفنون الجميلة. وفي ظل المطالبات المتنافسة من روسيا وألمانيا وتركيا، تظل هذه القطع عالقة في نزاع دولي ثلاثي مرير، لا يبدو أن حله سيكون قريباً. وتأمل تركيا - بتفاؤل يفوق ما يبديه كثير من الخبراء - أن تكون رحلة عودة هذا الذهب بمثابة رحلة عكسية لـ«أوديسيوس»، البطل الذي روى هوميروس قصة رحلته الطويلة للعودة من طروادة في ملحمة «الأوديسة».

مدينة طروادة تحت نيران جيش أوديسيوس في فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة» (أ.ب)

على غرار «أوديسيوس» التائه، الذي يؤدي دوره الممثل مات ديمون في فيلم كريستوفر نولان الجديد، تنصبُّ جهود الحكومة التركية وتركيزها على رحلة العودة إلى الوطن؛ فهي تسعى للمّ شمل هذه الكنوز الأثرية بالمكان الذي انتُزعت منه، وربما إيداعها في المتحف الذي افتُتح بالقرب من الموقع الأثري عام 2018. تقول بوز: «تبدأ ملحمة الأوديسة من طروادة، وهي في جوهرها قصة عن الحنين إلى العودة للوطن. وسيكون من الملائم حقاً ألا تنتهي الرحلة الاستثنائية لهذه القطع الأثرية بمجرد انتقالٍ آخر بين حُراسٍ في أماكن نائية، بل بعودتها إلى المدينة التي تمنحها معناها الحقيقي».

حصارليك وطروادة

لقد ظل شليمان، وهو تاجر ثري وشخصية استعراضية مولعة بالظهور الإعلامي، يلاحق طويلاً أسطورة «طروادة». وقد تصدّر خبر إعلانه عن اكتشاف المدينة القديمة في شمال الأناضول - على ساحل بحر إيجة عند مدخل مضيق الدردنيل - عناوين الأخبار في جميع أنحاء العالم. في العصور القديمة، ارتبط هذا الموقع بمدينة طروادة المذكورة في ملاحم هوميروس، وكان مقصداً زاره كل من الإسكندر الأكبر ويوليوس قيصر. غير أن موقع المدينة تحوّل بمرور القرون إلى لغز غامض، بل وصل الأمر بالبعض إلى التشكيك في حقيقة وجودها من الأساس.

لم يكن شليمان أول من حدد تل حصارليك في تركيا الحالية كموقع محتمل لمدينة طروادة، ولم يكن أول من نقّب هناك. وقد استنكر علماء الآثار أساليبه المتسرعة والعشوائية. ومع ذلك، فقد أيّد الإجماع العلمي اللاحق تحديده للمدينة. وقالت راشيل كوسر، أستاذة الأدب الكلاسيكي وتاريخ الفن في جامعة مدينة نيويورك: «لقد كشف شليمان بسرعة كبيرة عن الكثير من المواد التي تشير إلى أنها كانت مدينة رئيسية من العصر البرونزي وموقعاً للعديد من المعارك، مما يؤكد على ما يبدو أن طروادة كانت مكاناً مهماً ألهم هوميروس على الأرجح».

جرة (أمفورا) من عمل «رسام بريام» 520-510 قبل الميلاد (غيتي)

حقيقة قصص هوميروس

أكدت الاكتشافات في طروادة أنها كانت أكثر بكثير من مجرد مكان أسطوري. فقد أشارت إلى أن قصص هوميروس عن الحرب بين الطرواديين والإغريق القدماء قد تكون متجذرة في أحداث تاريخية. قالت سوزان هيوك ألين، الباحثة الزائرة في قسم الدراسات الكلاسيكية بجامعة براون ومؤلفة كتاب «العثور على أسوار طروادة»: «لقد رسّخ هذا الأمر التاريخية لمدينة طروادة من خلال البقايا المادية لمدينة عظيمة». وأضافت: «لقد أظهروا للعالم وجود حضارات معاصرة مترابطة، خاضت حروباً، ودُمّرت، وقد روى هوميروس قصةً تُخلّد هذه الذكريات في شعره».

كما كشفت أرض الأناضول عن كنوز. فبعد حفر خندق كبير في قلب تل حصارليك، اكتشف شليمان قلائد ذهبية، وفؤوساً طقسية، ودروعاً، ودبابيس، وخواتم، وأساور، وغيرها. وأعلن أنها كنز بريام، نسبةً إلى الملك الأسطوري في ملحمة الإلياذة لهوميروس. (كان اختطاف هيلين على يد ابن الملك بداية الصراع الذي عُرف بحرب طروادة).

صوفي زوجة هاينريش شليمان وهي ترتدي الحلي الذهبية الخاصة بطروادة (غيتي)

تُعد هذه المجموعة واحدة من أكثر الاكتشافات إبهاراً في تاريخ علم الآثار؛ إذ تضمنت حُلياً ادعى شليمان - مستغلاً براعته في الترويج لنفسه - أنها ربما كانت تخص «هيلين الطروادية»؛ بل إنه في إحدى الصور الشهيرة، جعل زوجته «صوفيا» تتخذ وضعية «هيلين» وهي ترتدي بعضاً من تلك المجوهرات. وفي الواقع، كان شليمان قد حفر متجاوزاً طبقة «طروادة» التي ورد ذكرها في ملاحم هوميروس، ليصل إلى ذهب يعود لمستوطنة أقدم من العصر البرونزي، نحو عام 2450 قبل الميلاد، أي قبل أكثر من ألف عام من الأحداث الموصوفة في تلك الملاحم. وتؤكد تركيا أن هذه الكنوز استُخرجت من أراضٍ تقع حالياً ضمن حدودها، وأن شليمان قام بتهريبها إلى أثينا باليونان دون الحصول على إذن من السلطات العثمانية التي كانت تحكم المنطقة آنذاك. وقد رفع العثمانيون دعوى قضائية ضد شليمان أمام محكمة يونانية في ذلك الوقت، وانتهى الأمر بدفعه مبلغاً كبيراً كتعويض؛ غير أن تركيا تشدد الآن على أن هذا المبلغ لا يُعد بأي حال من الأحوال ثمناً لشراء الذهب أو تنازلاً عن ملكيته.

إناء صلصة بفوّهتَيْن ومقبضين ضمن مقتنيات متحف بوشكين الحكومي للفنون الجميلة في موسكو (غيتي)

كما تجادل تركيا بأن موقع طروادة هو المكان الوحيد القادر على عرض الذهب في سياقه التاريخي. يقول روستيم أصلان، الذي يشرف على عمليات التنقيب في طروادة نيابة عن وزارة الثقافة والسياحة التركية: «لا تقتصر المسألة ببساطة على الملكية أو القيمة المادية؛ بل تتعلق بحق الدولة والمجتمع المحلي في الحفاظ على التراث الثقافي الناشئ عن أراضيها ودراسته وعرضه».

غنيمة حرب روسية

في عام 1881، تبرع شليمان بكنز طروادة لألمانيا، لكنه اختفى من مخزن داخل حصن مضاد للطائرات في برلين خلال الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية. ساد اعتقاد لدى الكثيرين بأن «كنز بريام» قد دُمِّر. غير أن روسيا أقرت في تسعينيات القرن الماضي بأن القوات السوفياتية كانت قد استولت على الكنز كغنائم حرب. وقد أدى هذا الكشف، الذي تلاه إقامة معرض في متحف بوشكين، إلى تأجيج التوترات فوراً بشأن ملكية المجموعة.

وتصر روسيا على أن الذهب يمثل تعويضاً عادلاً عن ممارسات النازيين، مؤكدة أنها لا تنوي إعادته. وفي المقابل، تتمسك ألمانيا بمطالبتها بالملكية، لكنها تقر بأن المحادثات مع روسيا لا تحرز أي تقدم. تقول غيشه رينتلين، المتحدثة باسم «مؤسسة التراث الثقافي البروسي» التي تشرف على متاحف برلين: «منذ بدء حرب العدوان على أوكرانيا، توقفت تماماً جميع المناقشات المتعلقة بقضية الأعمال الفنية المنهوبة».

قطعة من كنز بريام ضمن مقتنيات متحف بوشكين الحكومي للفنون الجميلة في موسكو (غيتي)

تقول باتي جيرستن بليث، الخبيرة في قضايا التراث الثقافي والأستاذة الفخرية في كلية القانون بجامعة ديبول، إن تصرفات روسيا تنتهك القانون الدولي، لكن من غير المرجح أن تتنازل الحكومة الروسية عن هذه الكنوز. وتضيف قائلة: «ينبغي عليهم إعادتها إلى ألمانيا، وترك ألمانيا وتركيا تجلسان معاً للتوصل إلى حل». وتشير إلى أن موقف تركيا سيتطلب منها إثبات أنها بذلت جهوداً لاستعادة المجموعة من ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية، كما يتطلب الأمر فهماً واضحاً للأحداث المحيطة بعمليات التنقيب ونقل الآثار التي قام بها شليمان. وتقول جيرستن بليث: «من غير المرجح أن نعرف يقيناً ما حدث بالفعل». ويرى العديد من الخبراء أن حالة الجمود ستستمر رغم تطلعات تركيا؛ إذ يقول كوسر: «أشعر أنه ينبغي عليهم استعادتها، ولكن هل من المرجح أن ينجحوا في ذلك؟ لا».

* خدمة «نيويورك تايمز»


«بنج كلي»... دراما قصيرة عن عالم المستشفيات المصرية تثير ضجة

تقدم سلمى أبو ضيف شخصية طبيبة التخدير (الشركة المنتجة)
تقدم سلمى أبو ضيف شخصية طبيبة التخدير (الشركة المنتجة)
TT

«بنج كلي»... دراما قصيرة عن عالم المستشفيات المصرية تثير ضجة

تقدم سلمى أبو ضيف شخصية طبيبة التخدير (الشركة المنتجة)
تقدم سلمى أبو ضيف شخصية طبيبة التخدير (الشركة المنتجة)

أثار المسلسل المصري «بنج كلي»، الذي انطلق عرضه مؤخراً عبر منصة «شاهد»، ضجة تمثلت في نقاشات وانتقادات من أطباء حول مدى واقعية بعض التفاصيل التي يقدمها العمل عن المستشفيات الحكومية وطبيعة العلاقة بين الأطباء.

وعبر أحداث تتمركز داخل أحد المستشفيات الحكومية يتتبع «بنج كلي» قصة طبيبة التخدير الشابة «دعاء»، التي تؤدي دورها سلمى أبو ضيف، والتي تحاول إثبات نفسها داخل بيئة مهنية يغلب عليها الحضور الذكوري، بعيداً عن اسم والدها الطبيب الشهير الذي يملك مستشفى خاصاً يحلم الأطباء في عمرها بالعمل فيه.

المسلسل الذي ينتمي للدراما القصيرة، والذي تدور أحداثه في 10 حلقات، من كتابة محمد سليمان عبد المالك، وإخراج نادين خان، وتتقاسم بطولته سلمى أبو ضيف مع دياب، بمشاركة سلوى محمد علي، وكمال أبو رية، وعلا رشدي، وتنطلق الأحداث مع التحاق «دعاء» بالمستشفى الحكومي من دون الكشف عن هويتها العائلية، لتجد نفسها المرأة الوحيدة في قسم الجراحة، في وقت يبدي فيه الدكتور «عزازي»، الذي يؤدي دوره الفنان دياب، اعتراضاً على وجودها ويشكك في ملاءمتها للعمل.

يتطرق المسلسل للجوانب العائلية في حياة بطلَيه (الشركة المنتجة)

لكن مسار الأحداث يتغير مع اضطرار المستشفى إلى الاستعانة بـ«دعاء» التي تواجه تعقيدات داخل عائلتها، بداية من علاقتها بوالدها وزوجته وأخيها الذين تعيش معهم، وصولاً إلى علاقتها بوالدتها، طبيبة التجميل، التي تشهد توتراً من وقت إلى آخر.

وأثار المسلسل جدلاً حول الجانب الطبي؛ إذ انتقد أطباء ما اعتبروه مبالغة في طريقة تعامل أطباء الجراحة مع أطباء التخدير، مؤكدين أن العلاقات المهنية بين التخصصين لا تسير عادة بالصورة التي ظهرت على الشاشة، كما أشار آخرون إلى أن المستشفى الذي تدور فيه الأحداث لا يعكس، من وجهة نظرهم، طبيعة المستشفيات الحكومية المصرية، فضلاً عن ملاحظات بشأن بعض الأخطاء الطبية والمعلومات التي اعتبروها غير دقيقة.

وقال مؤلف «بنج كلي» محمد سليمان عبد المالك، في منشور عبر حسابه على «فيسبوك»، إن المسلسل بدأ من كتاب «حكايات من غرف العمليات» للطبيبة دعاء جلال، مشيراً إلى أنه تولى كتابة القصة والمعالجة الدرامية والسيناريو والحوار، مستفيداً من الحالات الطبية الواردة في الكتاب باعتبارها مادة واقعية يمكن البناء عليها درامياً.

ودافع المؤلف عن المعالجة الدرامية للعمل في مواجهة الاعتراضات على بعض تفاصيله، قائلاً إن «الدراما تختار بطبيعتها أكثر الحالات قدرة على إنتاج الصراع وكشف الشخصيات، وبالتالي لا يمكن التعامل مع (بنج كلي) باعتباره تقريراً عن الحياة اليومية داخل المستشفيات»، ومؤكداً أن «الواقع ليس تجربة واحدة يمكن اختزالها في تجربة شخص بعينه، وإنما مجموعة من التجارب المتباينة، وقد تكون هناك وقائع لم يعشها بعض المشاهدين، لكنها حدثت بالفعل في أماكن أخرى».

تتعاون سلمى أبو ضيف مع دياب للمرة الأولى درامياً (الشركة المنتجة)

وأوضح أن المستشفى الذي يظهر على الشاشة جزء من الرؤية الفنية للعمل، وأن الدراما ليست مطالبة بإعادة إنتاج كل ما هو سلبي أو فوضوي لمجرد إثبات واقعيتها، وإنما باختيار الشكل الذي يخدم الحكاية والعالم الذي تريد تقديمه.

ويرى الناقد محمد عبد الرحمن أن «بنج كلي» بدأ من تأسيس جيد للشخصيات وخلفياتها، خصوصاً أن الحلقة الأولى قدمت دوافع الأبطال ومهدت للصراعات التي ستتطور لاحقاً، مشيراً إلى أن دراما المستشفيات تتمتع بجاذبية خاصة؛ لأنها تتيح بناء الأحداث من خلال مواقف وحالات متتالية، وهو ما يمنح العمل مساحة واسعة للحركة والتشويق.

ويضيف عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط» أن «المسلسل يتضمن قدراً من المبالغة في تصوير رفض بعض الأطباء الرجال للطبيبة (دعاء)»، لكنه يرى أن «هذه المبالغة تظل جزءاً من الصراع الذي اختاره صنّاع العمل لتحريك الأحداث»، لافتاً إلى أن التعامل مع هذه المواقف باعتبارها معياراً وحيداً للحكم على المسلسل ليس دقيقاً؛ لأن «بنج كلي» عمل درامي وليس وثائقياً، ومن الطبيعي أن يعيد ترتيب الواقع ويكثف بعض عناصره لخدمة الحكاية. ويؤكد أن الوقت لا يزال مبكراً لإصدار حكم نهائي على المسلسل، ولا يرى مبرراً للهجوم عليه بسبب بعض المواقف التي قد تبدو مستبعدة في الواقع الطبي.

يجسّد دياب شخصية طبيب جراحة (الشركة المنتجة)

ويعلق الناقد محمد عبد الخالق على الضجة التي أحدثها المسلسل قائلاً إن «(بنج كلي) بدأ من قصة درامية كلاسيكية ومكررة، تقوم على شاب أو فتاة يسعى لإثبات ذاته بعيداً عن نجاح الأب ومكانته، بالتوازي مع علاقة متوترة بين زملاء العمل تبدأ بالرفض والصدام، ثم تتطور لاحقاً إلى التقارب، وربما الحب».

وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا البناء تكرر في أعمال درامية عديدة حول العالم، وكان من الأفضل البحث عن معالجة أكثر جدية لعلاقة الزملاء، بدلاً من إعادة إنتاج مسار درامي مألوف».

وأشار إلى أن بطلَي العمل سلمى أبو ضيف ودياب حققا نجاحاً جماهيرياً لافتاً بشكل منفرد خلال العامين الماضيين، لكن عملهما كثنائي في «بنج كلي» لم تتضح ملامحه الفنية بعد، موضحاً أن «الحلقات الأولى ركزت بشكل أساسي على الشجار والهجوم والرفض بين الشخصيتين، ما يجعل الحكم على مدى نجاحهما كثنائي فني سابقاً لأوانه، خصوصاً أن تطور العلاقة خلال الحلقات المقبلة سيكون الاختبار الحقيقي لقدرة المسلسل على تقديم إضافة مختلفة».


تقرير لهيئة الفنون البصرية السعودية يعكس حجم النشاط في القطاع

جاء التطور بقطاع الفنون السعودي على أثر 5 سنوات من التحولات العميقة في القطاع الثقافي السعودي (هيئة الفنون)
جاء التطور بقطاع الفنون السعودي على أثر 5 سنوات من التحولات العميقة في القطاع الثقافي السعودي (هيئة الفنون)
TT

تقرير لهيئة الفنون البصرية السعودية يعكس حجم النشاط في القطاع

جاء التطور بقطاع الفنون السعودي على أثر 5 سنوات من التحولات العميقة في القطاع الثقافي السعودي (هيئة الفنون)
جاء التطور بقطاع الفنون السعودي على أثر 5 سنوات من التحولات العميقة في القطاع الثقافي السعودي (هيئة الفنون)

خلال سنوات قليلة، شهد المشهد الفني السعودي قفزة استثنائية تجاوزت المفهوم التقليدي للفنون التشكيلية، حيث لم تعد اللوحات في السعودية مجرد ألوان معلقة على جدران المعارض المغلقة، بل أصبحت لغة حية تتحدث بها شوارع الرياض، ومساحات العلا، ومنصات الفن العالمية.

وشهدت السعودية تحولات نوعية في قطاع الفنون البصرية، تنقلها من موقع المشاركة المحدودة إلى التأثير في مشهد الفن عالمياً، والظهور كواجهة ثقافية صاعدة تعيد صياغة مفاهيم الجمال والابتكار في المنطقة.

واستعرضت هيئة الفنون البصرية في أحدث تقرير لها، أبرز ما تحقق من برامج ومبادرات أسهمت في دعم قطاع الفنون البصرية وتعزيز حضور الممارسين من السعودية محليًّا ودوليًّا.

ويعكس التقرير الحديث، حجم النشاط والحيوية اللذين يتمتع بهما قطاع الفنون البصرية منذ أطلقت السعودية العنان لفعاليتها الثقافية التي بنت على تاريخ من جهود الفنانين السعوديين الذين شقوا بمبادراتهم الفردية الطريق لهذا القطاع، ونقلوا بإبداعاتهم وإنتاجهم الحضور السعودي من المحلية إلى آفاق أبعد.

وقالت دينا أمين، الرئيسة التنفيذية لهيئة الفنون البصرية، إن القطاع في السعودية يواصل مسيرته نحو مزيد من النمو والازدهار، مدفوعاً برؤية طموحة تسعى إلى تمكين المبدعين وتعزيز حضور الفنون البصرية السعودية على المستويين المحلي والعالمي.

وأكدت دينا، في كلمتها ضمن التقرير، أن هيئة الفنون البصرية تدعم منظومة الفنون وتطويرها عبر إطلاق المبادرات النوعية، وبناء البرامج التي تسهم في تعزيز حضور الإبداع السعودي في المشهد الثقافي المعاصر.

لا تزال أصداء ضربات فُرش الرواد تتردد في أروقة الفن السعودي (هيئة الفنون البصرية)

تطوير الكتب في قطاع الفنون البصرية

في أحدث تقرير لها، كشفت هيئة الفنون البصرية عن الاستثمار في مبادرات النشر وإنتاج المعرفة التي تسهم في توثيق الممارسات الفنية، وحفظ التاريخ الثقافي، وتوسيع نطاق الوصول إلى المعرفة المتخصصة في الفنون البصرية للفنانين والباحثين والطلاب والجمهور العام.

وتسهم إصدارات الهيئة في تعزيز البنية المعرفية للقطاع من خلال توثيق النمو المتسارع للفنون البصرية في السعودية، ودعم التعليم الفني، وحفظ قصص وتجارب الفنانين من مختلف مناطق البلاد، بما يثري المحتوى الثقافي ويعزز استدامة المعرفة الفنية للأجيال القادمة.

ومن أحدث الإصدارات التي استعرضها التقرير، كتاب «الفن السعودي: قراءات في وسائط التعبير الحديثة والمعاصرة» وشارك في تحريره كل من منال خضير، وناتالي أيوب، ود. خالد الغازي، ونشر في سنة 2025.

ويستعرض هذا الإصدار التحولات التي شكّلت مسار الفنون البصرية في السعودية منذ خمسينيات القرن الماضي، مسلطاً الضوء على التغيرات الاجتماعية والثقافية التي أسهمت في تشكيل المشهد الفني المحلي.

ومن خلال مساهمات لفنانين وأكاديميين ومؤرخين وقيمين فنيين وممارسين ثقافيين، يوثق الكتاب تطور الحركة الفنية السعودية ويقدّم قراءات متعددة لمساراتها وتحولاتها.

وبالجمع ما بين التحليل النقدي والتأملات الشخصية، يقدّم الإصدار رؤية متعمّقة في ثراء وتنوع الفنون البصرية السعودية وتعقيداتها، بما يسهم في إثراء البحث والمعرفة المتخصصة، وتعزيز الحوار النقدي، وتوسيع فهم المشهد الفني في السعودية وتطوره المستمر.