وثيقة استخباراتية إسرائيلية تكشف مخططات التعامل مع غزة

طرحت 3 بدائل مختلفة أبرزها توطين سكان القطاع في سيناء

فلسطينيون ينزحون من منازلهم  في شمال غزة (13 أكتوبر) هرباً من القصف الإسرائيلي (رويترز)
فلسطينيون ينزحون من منازلهم في شمال غزة (13 أكتوبر) هرباً من القصف الإسرائيلي (رويترز)
TT

وثيقة استخباراتية إسرائيلية تكشف مخططات التعامل مع غزة

فلسطينيون ينزحون من منازلهم  في شمال غزة (13 أكتوبر) هرباً من القصف الإسرائيلي (رويترز)
فلسطينيون ينزحون من منازلهم في شمال غزة (13 أكتوبر) هرباً من القصف الإسرائيلي (رويترز)

على الرغم من أن الرئيس الأميركي، جو بايدن، أعرب لنظيره المصري، عبد الفتاح السيسي، قبل يومين عن «رفض الولايات المتحدة لنزوح الفلسطينيين خارج أراضيهم»، وفق إفادة الرئاسة المصرية؛ فإن وثيقة رسمية إسرائيلية حديثة صادرة عن «وزارة شؤون الاستخبارات» تحدثت عن تفاصيل «مخطط تُصر عليه تل أبيب، بل وتدعو إلى حملة لإقناع دول الغرب بأنه ضروري وحيوي لمصلحة كل دول الغرب»، في إشارة إلى دعوة ترفضها مصر لتوطين أهالي قطاع غزة في سيناء المصرية.

وتقول الوزارة إن «إحجام دول الغرب عن دعم إسرائيل في مخطط الترحيل وعدم تقديم مساندة سياسية واستراتيجية لكي تحقق إسرائيل انتصارا ساحقاً على حماس، سيؤديان قريباً جداً إلى أن تقوم (حماس) ومثيلاتها في العالم بهجمات مسلحة ضد دول الغرب، يكون هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول)، نموذجا ومصدر إلهام لها».

وجاء المخطط في وثيقة رسمية للدائرة السياسية في وزارة الاستخبارات الإسرائيلية تحمل تاريخ 13 أكتوبر 2023 بعنوان: «ورقة سياسة – بدائل في بلورة السياسة إزاء جمهور المدنيين في غزة». وجاء في مقدمته أن «دولة إسرائيل مطالبة بإحداث تغيير كبير في واقع المدنيين في قطاع غزة في أعقاب جرائم (حماس) التي قادت إلى حرب (السيوف الحديدية). لهذا الغرض عليها أن تُقرر ما هو الهدف السياسي تجاه جمهور المدنيين في غزة الذي نسعى إليه جنباً إلى جنب مع إسقاط حكم (حماس). والهدف الذي تقرره الحكومة يستلزم عملاً حثيثاً مثابراً لتجنيد الولايات المتحدة ودول أخرى لتأييده».

3 بدائل

وتطرح الوثيقة ثلاثة حلول لقضية القطاع، لكل منها ميزاتها وسلبياتها. وهي «أولاً: إبقاء السكان في قطاع غزة وجلب السلطة الفلسطينية إلى الحكم، وثانياً: إبقاء السكان في القطاع وإنشاء قيادة عربية محلية، وثالثا: إخلاء الجمهور المدني من غزة إلى سيناء». وتؤكد أن «كلا من هذه الحلول يجب أن يترافق في حملة كي للوعي الفلسطيني يتم فيها تغيير المفاهيم والعقائد المعادية لإسرائيل، بحيث يقتنع الفلسطينيون أن هجوم حماس على إسرائيل كان فاشلاً، وتسبب لهم في الدمار والضحايا والتشرد وأن (حماس) هي (داعش) وممارساتها نازية».

فلسطينيون ينتشلون ضحايا قصف إسرائيلي استهدف (الثلاثاء) مخيم جباليا بقطاع غزة (رويترز)

وبشكل أكثر تفصيلاً تفند الوثيقة البدائل، وتشرح أن الأول، والذي يتم بموجبه جلب السلطة الفلسطينية للقطاع هو «خيار سيئ». مستطردة: «بنظرة أولى، يبدو أن هذا البديل هو الأقل خطراً من الناحية الإنسانية لذلك فإنه سيكون الأسهل من ناحية الحصول على تأييد دولي واسع. لكن، في الواقع سيكون هذا البديل منطوياً على إبقاء السكان المدنيين، وهذا هو الأمر الأسوأ، وسيكون منوطاً بعدد كبير من القتلى العرب خلال التنفيذ، طالما أن المواطنين باقون في المدن ومشاركون في القتال. والسلطة الفلسطينية هي جسم عدائي لإسرائيل يقف على رجلي دجاجة. تقويتها يمكن أن تتسبب في خسارة استراتيجية لإسرائيل، والانقسام بين صفوف الجمهور الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة هو أحد العراقيل الأساسية أمام إقامة دولة فلسطينية اليوم. وليس معقولاً أن ينتهي هذا الهجوم بانتصار للحركة القومية الفلسطينية وتمهيد الطريق أمام دولة فلسطينية. ثم إن حلاً كهذا لن يكون كافياً لردع (حزب الله). بل بالعكس، وسيشير إلى ضعف إسرائيلي عميق ويرسل إشارات إلى الحزب اللبناني بأنهم لن يدفعوا ثمناً جدياً في حال الصدام مع إسرائيل، وأنها في أكثر الحالات ستقوم بعملية حربية شبيهة بالعمليات السابقة في لبنان، والتي تمحورت حول سيطرة عسكرية لفترة محدودة ثم الانسحاب».

سلطة محلية عربية

وأما الاقتراح الثاني، فهو يتحدث عن «إبقاء السكان في غزة وإنشاء سلطة عربية محلية»، لكن هذا الحل، بحسب الوثيقة الإسرائيلية: «غير واقعي وغير ملائم، بسبب طول حكم (حماس) في غزة، إذ إن من سيتم اختيارهم أو انتخابهم للقيادة سيكونون من المتأثرين بالحركة، وستكون إسرائيل مسؤولة بموجبه عن القطاع، وعملياً، فإن هذا البديل أيضا لا يوفر لإسرائيل تغييرا استراتيجيا على المدى الطويل. بالعكس، إن من شأنه أن يكتشف بوصفه عبئا استراتيجيا في غضون بضع سنوات».

سيناء

وهنا، تصل الوثيقة إلى البديل الثالث، وهو الإخلاء. فتقول: «تعمل إسرائيل على إخلاء السكان المدنيين إلى سيناء. في المرحلة الأولى، تقام مدينة خيام في رحاب سيناء. ولاحقاً، يتم إنشاء ممر إنساني لمساعدة المواطنين المدنيين الغزيين ثم يتم بناء مدن في مناطق تؤهل للسكن من جديد شمال سيناء، ويجب إنشاء منطقة عازلة على بعد عدة كيلومترات من الحدود معنا داخل مصر، وعدم السماح بعودة السكان إلى العيش أو العمل بالقرب من حدود إسرائيلـ».

وتزعم الوثيقة أن هذا الحل مقبول دولياً، وتضيف: «لأول وهلة، يبدو أن هذا البديل المنوط بإخلاء كمية كبيرة من المدنيين يمكن أن يكون أمراً معقداً في منظور الشرعية الدولية. حسب تقديرنا، إن القتال الذي سيعقب إخلاء المدنيين سيوقع عددا أقل من المصابين بين المدنيين مقابل عدد المصابين المتوقع فيما لو بقي المدنيون».

آلية عسكرية إسرائيلية متمركزة (الثلاثاء) على حدود قطاع غزة (أ.ف.ب)

وتواصل الوثيقة أن «الهجرة الكثيفة من مناطق الحرب (سوريا، أفغانستان، أوكرانيا) وتنقلات السكان هما نتيجة طبيعية ومطلوبة مقابل الأخطار الكامنة في البقاء في مناطق القتال. ثم إنه أيضا قبل هذه الحرب كان هناك تدفق على الهجرة خارج غزة في صفوف السكان المحليين والمتوقع أن تؤدي الحرب إلى زيادتها. ومن الناحية القضائية، الحديث يجري عن حرب دفاعية ضد تنظيم إرهابي قام بعملية اجتياح عسكري لإسرائيل. ومطلب إخلاء السكان غير المحاربين من منطقة قتال هو أسلوب متبع يحقن حياة الناس، فهكذا فعل الأميركيون في العراق في سنة 2003. وسيكون على مصر واجب، حسب القانون الدولي، بأن تمكن السكان المدنيين من العبور، وعلى إسرائيل أن تعمل على الدفع بمبادرة سياسية واسعة حتى تتجند دول أخرى لمساعدة السكان الذين يتم إخلاؤهم وأن توافق على استيعابهم بوصفهم مهجرين إليها، وعلى المدى الطويل، هذا البديل سيحظى بشرعية واسعة لأن الحديث يجري عن أناس سينخرطون في المجتمع في تلك الدول ويحظون بالجنسية».

يُذكر أن المندوب الفلسطيني في الأمم المتحدة، د. رياض منصور كان قد تطرق إلى المشروع المطروح من قبل وزارة الاستخبارات الإسرائيلية، وعدّه محاولة تنفيذ نكبة ثانية. ومصر التي كانت قد علمت بوجود أفكار كهذه في بداية الحرب، أثارت الأمر بقوة مع الولايات المتحدة، ودول الغرب، والقادة العرب، لكن إسرائيل نفسها لم تنكر وجوده، وادعت أنه «ترحيل مؤقت إلى حين تضع الحرب أوزارها». وهو ما دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى التصريح بأنه: «طالما أنه مؤقت وطالما أن إسرائيل هي صاحبته، فلماذا لا تقوم ببناء مدينة خيام (لهذا الغرض) داخل صحراء النقب في الجنوب الشرقي لقطاع غزة».


مقالات ذات صلة

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

المشرق العربي مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

خاص إسرائيل تواصل تصفية نشطاء بارزين بـ«حماس» و«الجهاد»

تواصل إسرائيل استهداف نشطاء بارزين في «حماس» و«الجهاد الإسلامي» بقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون قادمون من رفح يصلون إلى مستشفى «ناصر» في خان يونس (رويترز) p-circle

غزة: 225 مسافراً عبر معبر رفح خلال أسبوع وسط قيود مستمرة

شهدت حركة السفر عبر معبر رفح البري عبور 225 مسافراً، خلال الفترة من الثاني إلى التاسع من الشهر الجاري.

«الشرق الأوسط» (غزة )
المشرق العربي جانب من الدمار جرَّاء الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (أ.ب) p-circle

إندونيسيا تستعد لإرسال 8 آلاف جندي إلى غزة دعماً لخطة ترمب

تستعد إندونيسيا لإرسال ما يصل إلى 8 آلاف جندي إلى غزة، دعماً لخطة السلام التي يطرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمنطقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي دبابة إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

5 قتلى بنيران إسرائيلية في غزة

كشف مسؤولون بقطاع الصحة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا في قطاع غزة، اليوم الثلاثاء، جراء غارات جوية وإطلاق نار من جانب القوات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.