طرح العلماء منذ فترة طويلة فرضية أن تكون الآثار الموسمية لعمليات سيلان على أراض منحدرة على سطح المريخ ناجمة عن مياه عالية الملوحة أو ما يعرف بـ«الأجاج». وقد تم التوصل إلى هذه النتائج بفضل صور وفرتها عمليات رصد لمسبار تابع لـ«ناسا» وهي «تدعم بقوة فرضية» وجود ماء سائل على المريخ خلال الفترة الراهنة على ما استنتجه باحثون فرنسيون وأميركيون نشرت أعمالهم مجلة «نيتشر» البريطانية.
وحسب تحليل هؤلاء العلماء للبيانات الواردة إليهم من المسبار أن مياها مالحة تنساب خلال أشهر الصيف على سطح كوكب المريخ. وهو ما يزيد احتمال أن يكون الكوكب الذي ساد اعتقاد على مدى أعوام طويلة أنه قاحل قد يكون فيه ما يدعم الحياة.
وتظهر هذه المنحدرات التي اكتشفت أول مرة عام 2011 خلال أشهر الصيف الدافئة على المريخ ثم ما تلبث أن تختفي حينما تنخفض درجات الحرارة. وأظهرت الدراسة الجديدة أن الآثار الكيميائية للمعادن التي تحتوي على الماء تختفي وتظهر بالكيفية نفسها. وشك العلماء في أن هذه الخطوط قد نحتتها المياه المتدفقة ولكنهم لم يتمكنوا في الماضي من قياس أبعادها.
وعلى الرغم من أن مصدر المياه وتركيبتها الكيميائية غير معروفة فإن الاكتشاف سيغير تفكير العلماء بشأن ما إذا كان الكوكب الأكثر شبها بالأرض في المجموعة الشمسية فيه حياة لكائنات دقيقة تحت قشرته التي تعج بالإشعاعات.
وفي الأول من أمس أعلنت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) أنها تمتلك أدلة تؤكد وجود مياه سائلة على سطح المريخ. وقال جون غرونسفيلد المدير المساعد لـ«ناسا» «يشكل ذلك تقدما مهما يبدو أنه يؤكد أن مياها مالحة على شكل جداول تتدفق اليوم على سطح المريخ». وهذه الخطوط التي يمتد بعضها على مئات الأمتار وعرضها على خمسة أمتار تظهر فقط في مواسم الحر وتتوسع ومن ثم تختفي مع تدني الحرارة.
وكان العلماء قد عجزوا حتى الآن عن دعم فرضية أن تكون عمليات السيلان الموسمية هذه ناجمة عن سيلان مياه مالحة. وأوضح جون غرانسفيلد وهو رائد فضاء سابق، في تصريحات أوردتها وكالات الأنباء، «لطالما كان استكشافنا للمريخ يرتكز على البحث عن المياه في إطار سعينا إلى اكتشاف شكل من أشكال الحياة في الكون وبات لدينا الآن مؤشرات علمية مقنعة تؤكد ما كنا نشتبه به».
وعلق غرانسفيلد على الدراسة التي نشرتها مجلة «نيتشر» قائلا «لو كنت ميكروبا في المريخ فلن أعيش بالقرب من واحد من هذه المواقع. بل سأرغب في العيش إلى الشمال أو الجنوب في العمق البعيد عن السطح حيث يوجد مزيد من الأنهار الجليدية المكونة من مياه عذبة. ولدينا مجرد شكوك في أن هذه الأماكن موجودة ولدينا بعض الدلائل العلمية على وجودها».
وقال جيم جرين مدير علوم الكواكب في الوكالة: «المريخ ليس الكوكب الجاف القاحل.. كما كنا نعتقد في الماضي. ففي ظروف معينة أمكن العثور على مياه سائلة على المريخ». ولكن «ناسا» لم تهرع إلى بحث مخلفات المياه المالحة المكتشفة بحثا عن حياة في الوقت الحالي.
وجاء اكتشاف تدفق المياه حينما طور العلماء تقنية جديدة لتحليل الخرائط الكيميائية لسطح المريخ حصلت عليها سفينة الفضاء التابعة لـ«ناسا» المختصة بالرصد المداري لكوكب المريخ «مارس ريكونيسانس أوروبيتر».
وتوصل العلماء إلى مؤشرات على آثار أملاح تتشكل فقط في وجود المياه في قنوات ضيقة منحوتة في جروف قارية عالية في أنحاء المنطقة الاستوائية الخاصة بالمريخ. وقال لويندرا أويها، وهو طالب دراسات عليا في معهد جورجيا للتكنولوجيا وهو الباحث الرئيسي الذي كتب الدراسة العلمية «كنت أظن أنه لا يوجد أمل». وتقوم المركبة «مارس ريكونيسانس أوروبيتر» بأخذ القياسات خلال أكثر أوقات اليوم المريخي حرارة. لذا يعتقد العلماء أن أي آثار للمياه أو بقايا المعادن التي تحتوي في تركيبها الكيماوي على المياه قد تكون قد تبخرت.
كما أن جهاز قياس المواد الكيميائية على المركبة لا يمكنه الحصول على تفاصيل من شيء بهذا الصغر المتناهي كخطوط الآثار الضيقة والتي لا يزيد سمكها على خمسة أمتار. ولكن أويها وزملاءه صمموا برنامجا على الكومبيوتر يمكنه التدقيق في الوحدات المكونة للصورة كل على حدة. ومن ثم جرى ربط تلك البيانات بصور عالية الوضوح لخطوط الآثار. وركز العلماء على أكثر الخطوط اتساعا وتوصلوا إلى تطابق بنسبة مائة في المائة بين مواقعها والمناطق التي تم فيها رصد الأملاح الجافة من المياه.
وقال ألفريد مكيوين العالم المتخصص في الكواكب في جامعة أريزونا، في تصريحات أوردتها وكالة «رويترز»، إن «هذا الاكتشاف يؤكد أن المياه تلعب دورا في هذه الخصائص».
ولم يتبين بعد أن كانت المعادن تمتص بخار الماء مباشرة من الغلاف الجوي الرقيق المحيط بالمريخ أم أن هناك مصدرا يذيب الثلج تحت السطح.
وأيا كان مصدر الماء فإن احتمال وجود ماء سائل حتى وإن كان موسميا يثير احتمالا مهما بأن المريخ الذي ساد اعتقاد أنه كوكب بارد لا حياة فيه قد يكون اليوم مساعدا على الحياة. لكن مكيوين قال إنه «لا تزال هناك حاجة لقدر أكبر من المعلومات عن التركيب الكيميائي للماء قبل أن يتمكن العلماء من حسم ذلك التقدير». وأضاف «وجود الماء لا يعني بالضرورة أنه قابل للعيش فيه.. على الأقل بالنسبة للكائنات الآتية من الأرض».
وكان الدليل على وجود ماء على الكوكب في فترة تعود للصيف الماضي وخلال مواسم كثيرة سابقة هو الاكتشاف الأساسي في الدراسة التي صدرت أول من أمس الاثنين. ونجح مسبار الفضاء الأميركي الخاص بالمريخ «كيروسيتي» بالفعل في العثور على دليل أن الكوكب كانت به كل المكونات والموائل المناسبة لتقوم عليه حياة ميكروبية في مرحلة ما من ماضيه. ويحاول علماء الوقوف على كيفية تحول المريخ من كوكب حار ممطر شبيه بالأرض في مرحلة مبكرة من تاريخه إلى صحراء باردة جافة كما هو الحال اليوم.
فقبل مليارات السنوات فقد المريخ، الذي يفتقر لمجال مغناطيسي كذلك الذي يوفر الحماية للأرض، جزءا كبيرا من غلافه الجوي. وتسعى مبادرات كثيرة لتحديد كمية الماء التي فقدها المريخ وكم تبقى من مخزون في مكامنه الجوفية.


