جبهة مدنية سودانية لوقف الحرب برئاسة حمدوك

كلفت حمدوك رئاسة هيئتها التنسيقية

رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك في أديس أبابا، السبت، خلال الاجتماعات التحضيرية لتأسيس «الجبهة المدنية» (المكتب الإعلامي للجبهة)
رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك في أديس أبابا، السبت، خلال الاجتماعات التحضيرية لتأسيس «الجبهة المدنية» (المكتب الإعلامي للجبهة)
TT

جبهة مدنية سودانية لوقف الحرب برئاسة حمدوك

رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك في أديس أبابا، السبت، خلال الاجتماعات التحضيرية لتأسيس «الجبهة المدنية» (المكتب الإعلامي للجبهة)
رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك في أديس أبابا، السبت، خلال الاجتماعات التحضيرية لتأسيس «الجبهة المدنية» (المكتب الإعلامي للجبهة)

اختتمت القوى السياسية والمدنية السودانية، التي اجتمعت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا منذ الاثنين الماضي، أعمالها بالاتفاق على هيكل تنظيمي، يشمل هيئة قيادية لـ«تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية» (اختصاراً «تقدم»)، برئاسة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، تتكون من ممثلين لقوى سياسية ومدنية ولجان مقاومة ونقابات وأجسام مهنية، إلى جانب مكتب تنفيذي تنسيقي من 30 عضواً، مهمته التحضير للاجتماع التأسيسي للتنسيقية. واجتمع في أديس أبابا زهاء مائة شخص يمثلون قوى سياسية ومدنية ونقابية وعسكرية ولجان وشخصيات عامة، بهدف توحيد القوى التي تطالب باستعادة الانتقال المدني الديمقراطي في البلاد، وتوافقوا خلال اجتماعاتهم التي بدأت الاثنين الماضي، على ورقة سياسية، وأخرى اقتصادية، وثالثة إنسانية، ورابعة إعلامية، تهدف جميعها لتعبيد المسار لوقف الحرب؛ في خطوة أولى.

حمدوك يشيد بـ«الروح الوطنية» للمجتمعين

وناشد الدكتور عبد الله حمدوك، في تصريح صحافي أعقب الاجتماع، أطراف النزاع تسهيل وصول العون الإنساني وإجراءات وصول العاملين في الحقل الإنساني إلى المحتاجين، كما طالب القوى المدنية التي تسعى لوقف الحرب بالتوحد، بقوله: «أتوجه بنداء صادق إلى كل القوى المدنية والديمقراطية التي تسعى لوقف الحرب، بضرورة توحيد الجهود للوصول لوحدة مدنية عريضة لوقف الحرب ومعالجة آثارها الإنسانية الملحة، وتحقيق السلام الشامل».

حقائق

100 سوداني

يمثلون قوى سياسية ومدنية ونقابية وعسكرية ولجان وشخصيات عامة اجتمعوا في أديس أبابا

ووصف حمدوك توافق المجتمعين على مسودات ورؤى سياسية وتنظيمية وإنسانية تمهيداً لعرضها على المؤتمر التأسيسي المقبل، بأنه «تحلٍّ بالروح الوطنية»، أدى إلى تأسيس هيئة قيادة ومكتب تنفيذي. وتابع: «الاجتماع التحضيري كان خطوة أولى وبداية لعملية نأمل أن تنسق وتوحد الموقف المدني الديمقراطي المناهض للحرب». وأكد رئيس الوزراء السابق دعمه توصيات الاجتماع وبيانه الختامي، بوصفه خطوة أولى، وأبدى استعداده لرئاسة هيئته القيادية وصولاً إلى المؤتمر التأسيسي، ووجه رسالة شكر لدول الجوار والمجتمعين الإقليمي والدولي لمساندتهم الشعب السوداني في محنته، وناشدهم دعم جهود وقف الحرب ومعالجة الأزمة الإنسانية، وخص بالشكر جهود المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية ومنظمة «إيغاد» والاتحاد الأفريقي من أجل وقف الحرب، بقوله: «أرحب بانطلاق جولة مباحثات جدة، ووصول وفدي الطرفين للمشاركة فيها، وأدعوهما للتحلي بالإرادة السياسية لحل يوقف إطلاق النار، ويعالج الكارثة الإنسانية، وينقذ بلادنا الحبيبة من مخاطر الانقسام».

محاور وورشات عمل

وقالت القوى المدنية في بيانها الختامي، الخميس، إنها نجحت في إجراء مناقشات عميقة بين المشاركين في المحاور السياسية والاقتصادية والعمل الإنساني والمحور الإعلامي، وأقرت تنظيم ورشات عمل مختصة تتقدم بتوصيات من أجل تطوير الموقف التفاوضي المدني، والإصلاح الأمني والعسكري والعدالة الانتقالية، وإعادة البناء المؤسسي لأجهزة الدولة، والسلام ورتق النسيج الاجتماعي ومحاربة خطاب الكراهية، فضلاً عن صناعة دستور دائم، ووضع برنامج اقتصادي لإعادة إعمار البلاد، وبحث قضايا الولايات والحكم المحلي. وأقر الاجتماع ورقة باسم «الموجهات العامة للعملية التفاوضية لوقف الحرب وإعادة تأسيس الدولة السودانية»، بوصفها مسودة تفاوضية تعبر عن وجهة نظر التحالف المدني، إلى جانب أسس ومبادئ إنهاء الحرب وتأسيس الدولة السودانية، وعلى رأسها التصورات السياسية التي تسهم في المحافظة على وحدة السودان.

كما شدد المجتمعون على أهمية التصدي للكارثة الإنسانية الناجمة عن الحرب، مشددين على أن «هذا واجب اللحظة الذي لا يحتمل التأجيل؛ إذ يوجد في السودان ما لا يقل عن 20 مليون شخص بحاجة إلى الغوث الإنساني، في ظل فراغ سياسي وإداري واستشراء للفساد، أدى إلى عدم وصول الإغاثة لمستحقيها». ودعا الاجتماع إلى وقف لإطلاق النار يتيح فتح ممرات آمنة للإغاثة ورقابة دولية، واعتماد طرق جديدة لإيصالات المعونات لمستحقيها. وناشد المجتمعون كلاً من الجيش وقوات «الدعم السريع» تسهيل مرور المواد الإغاثية؛ كلاً في مناطق سيطرته.

دعم «منبر جدة» التفاوضي

ودعا المشاركون القوى الرافضة استمرار الحرب والمؤيدة الانتقال المدني الديمقراطي، والتنظيمات المدنية والسياسية وقوى «ثورة ديسمبر»، إلى الإسهام في بناء أوسع جبهة مدنية ممكنة للوقوف ضد الحرب واستعادة الديمقراطية. ورحبت اللجنة التحضيرية باستئناف المفاوضات بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، وقالت: «نرحب باستئناف (منبر جدة) التفاوضي، ونتقدم بالشكر لكل من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية؛ الدولتين الراعيتين للمنبر، وكل مبادرات إيقاف الحرب الإقليمية كمبادرة الـ(إيغاد) والاتحاد الأفريقي ودول الجوار»، ودعت لتوحيدها في «منبر جدة» التفاوضي، كما دعت طرفي النزاع إلى التحلي بالمسؤولية والجدية لإيقاف الحرب التي «لا منتصر فيها»؛ وفق البيان الختامي.

ووصف البيان الختامي الاجتماع بأنه «توافق تاريخي غير مشهود»، وقال إن المشاركين أجمعوا على المضي قدماً لعقد المؤتمر التأسيسي لـ«تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم)»، من أجل وقف الحرب واستعادة الديمقراطية في البلاد، وفقاً لهيكل تنظيمي مرن، للإيفاء بجملة من المهام الضاغطة بسبب الحرب وإفرازاتها، وعلى رأسها الإغاثة الإنسانية العاجلة لضحايا الحرب، «تاركين الباب مشرعاً، لمشاركة كل من يرغب من قوى (ثورة ديسمبر/ كانون الأول) المنتصرة، ومن دعاة السلام المناهضين لـ(حرب الخامس عشر من أبريل/ نيسان)، في التحضير للمؤتمر المزمع وإنجاحه».

من جهته، قال عضو لجنة الاتصال، المقدم المتقاعد الطيب المالكابي، لـ«الشرق الأوسط» عقب الاجتماع، إن أهم نجاحات المؤتمر هو خلق تحالف مختلف عن التحالفات السابقة جميعها. وتابع: «لأول مرة يكون تمثيل القوى المدنية بنسبة أكبر من 70 في المائة، استجابة لمناداة عدد كبير من السودانيين، وذلك لتعزيز الثقة وليس تقليلاً من دور القوى السياسية، وأن الخطوة جاءت بمبادرة من القوى السياسية استناداً إلى إحساسها الوطني». وأوضح أن الطلب من الشخصيات القومية أن تكون جزءاً من الاجتماعات، وعلى رأسها الدكتور عبد الله حمدوك، «يكشف عن حس وطني حقيقي». وتابع: «كل الأوراق التي أجيزت مكتوب عليها مسودات، بمعنى أننا ننتظر أوراقاً وأفكاراً تأتي لتكمل أفكارنا، وحتى الهياكل التي تم تكوينها هي هياكل مؤقتة».

 

ووجهت وزيرة الحكم الاتحادي السابقة، بثينة دينار، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، رسائل عدة للشعب السوداني، قالت فيها: «إن كل الذين شاركوا في الاجتماعات قوى مدنية وسياسية ولجان مقاومة وعسكريون متقاعدون وإدارات أهلية ومهنيون وشخصيات وطنية، لا يمثلون كل الشعب السوداني»، وحثت قوى «ثورة ديسمبر» جميعاً على الالتفاف حول مطلب «وقف الحرب وشعارات (ثورة ديسمبر) ورفع شعار: لا للحرب».

نحو جبهة مدنية واسعة

وقال رئيس «حزب البعث» السوداني، كمال بولاد، إن اجتماعات أديس أبابا خطوة مهمة في توحيد القوى المدنية، وتفتح المجال أمام مشاركة غير المشاركين، «ليكون هناك صوت واحد للقوى المدنية مقابل البندقية والحرب اللعينة في بلادنا». وتابع: «هذه بداية جادة لإيقاف الحرب، والانتقال المدني والتداول السلمي للسلطة». وقال الأمين العام لـ«حزب الأمة القومي»، الواثق البرير، إن الاجتماع كان «مثمراً وإيجابياً»، وإنه وضع الأسس لجبهة مدنية واسعة تمثل الشعب بمختلف مكوناته. وتابع: «اتفقنا على تمثيل هذه المكونات جميعها في المؤتمر العامل الذي ينتظر عقده في الأسابيع المقبلة». وقال السفير السابق نور الدين ساتي إنه كان هناك كثير من التخوف من فشل الاجتماع، لكنه أضاف: «أنا راضٍ تماماً عن هذا الاجتماع، وهو خطوة أولى مهمة وإيجابية في طريق توحيد القوى المدنية»، مناشداً الشعب السوداني «الالتفاف حول منظماته وأحزابه للخروج من المأزق الكبير الذي دخلنا فيه» بسبب الحرب.


مقالات ذات صلة

السعودية تؤكد موقفها الداعي لوحدة السودان وأمنه واستقراره

الخليج السفير عبد المحسن بن خثيله يلقي بياناً خلال الحوار التفاعلي بشأن السودان (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة في جنيف)

السعودية تؤكد موقفها الداعي لوحدة السودان وأمنه واستقراره

أكدت السعودية موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)

الأمم المتحدة: كان يمكن تجنب الفظاعات وكارثة الفاشر في السودان

أكد المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الاثنين، أن الفظائع التي ارتُكبت خلال استيلاء «قوات الدعم السريع» على الفاشر في السودان تُعدّ «كارثة».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)

بدو السودان محاصرون مع تصاعد انعدام الأمن والانقسام العرقي جراء الحرب

كان جبارة البشير وعائلته يجوبون صحراء ​السودان بإبلهم وماشيتهم، ويتنقلون بحرية بين الأسواق ومصادر المياه والمراعي الخضراء.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)

السودان يعود إلى منظمة «إيغاد» بعد عامين من خروجه منها

أعلن السودان أنه سيعود إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تجمع دولاً في شرق إفريقيا، بعد عامين من تجميد عضويته فيها.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
العالم العربي أم فرَّت مع طفليها من الحرب بالسودان تجلس في مخيم ثوبو (رويترز)

«الصحة العالمية»: هجمات دموية استهدفت 3 مراكز صحية بجنوب كردفان خلال أسبوع

حذَّر مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، اليوم (الأحد)، من أن النظام الصحي في السودان يتعرَّض لهجمات مجدداً.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.