السعودية تأمل التزام طرفي النزاع في السودان بـ«إعلان جدة»

«قوات الدعم السريع» تؤكد السيطرة على مواقع الجيش في نيالا كبرى مدن دارفور

ممثلون لطرفَي النزاع السوداني خلال توقيع اتفاق جدة في مايو 2023 (رويترز)
ممثلون لطرفَي النزاع السوداني خلال توقيع اتفاق جدة في مايو 2023 (رويترز)
TT

السعودية تأمل التزام طرفي النزاع في السودان بـ«إعلان جدة»

ممثلون لطرفَي النزاع السوداني خلال توقيع اتفاق جدة في مايو 2023 (رويترز)
ممثلون لطرفَي النزاع السوداني خلال توقيع اتفاق جدة في مايو 2023 (رويترز)

استأنف طرفا النزاع في السودان مفاوضاتهما في مدينة جدّة السعودية، بهدف إنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من نصف عام، والتي أودت بحياة الآلاف وتسببت بنزوح ملايين المواطنين السودانيين. فمنذ 15 أبريل (نيسان)، أدى النزاع بين الجيش، بقيادة عبد الفتاح البرهان، ونائبه السابق قائد «قوات الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو، إلى سقوط أكثر من تسعة آلاف قتيل وفق حصيلة للأمم المتحدة، ونزوح أكثر من 5.6 مليون شخص داخل البلاد أو لجوئهم إلى دول مجاورة.

وقالت وزارة الخارجية السعودية، في بيان، إن الرياض ترحب باستئناف المحادثات بين ممثلين من القوات المسلحة السودانية و«قوات الدعم السريع» في مدينة جدة، بتيسير من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية. وأكّد طرفا النزاع، الأربعاء، قبولهما دعوة لاستئناف التفاوض، لكنّ الجيش شدّد على أن «استئناف التفاوض لا يعني توقف معركة الكرامة الوطنية». وأعلنت «قوات الدعم السريع»، في بيان أصدرته، عن الأمل في «أن يكون وفد الطرف الآخر قد جاء إلى جدة موحداً ومستقلاً برأيه عن إملاءات حزب المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم في عهد الرئيس السابق عمر البشير)، كما نأمل أن يملك التفويض اللازم للحديث باسم القوات المسلحة».

ولم تنجح حتى الآن كل محاولات الوساطة، بما فيها الوساطة الأميركية - السعودية، في إحراز أي تقدم على طريق وقف الحرب، وأقصى ما توصلت إليه هو فترات وقف إطلاق نار قصيرة. وذكرت الخارجية السعودية في بيانها أنّ المملكة «تحث القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع على استئناف ما تم الاتفاق عليه بينهما في إعلان جدة الذي نص على الالتزام بحماية المدنيين في السودان، في 11 مايو (أيار)، وعلى اتفاق وقف إطلاق النار قصير الأمد الموقّع من الطرفين في مدينة جدة في 20 مايو 2023». وقالت الخارجية السعودية إنّ المملكة «تؤكد حرصها على وحدة الصف وأهمية تغليب الحكمة ووقف الصراع لحقن الدماء ورفع المعاناة عن الشعب السوداني». وتابعت أنها تأمل التوصل إلى «اتفاق سياسي يتحقق بموجبه الأمن والاستقرار والازدهار للسودان وشعبه الشقيق».

الأمير فيصل بن فرحان خلال لقائه عبد الفتاح البرهان في نيويورك (واس)

ويشارك في مفاوضات جدة أيضاً ممثلون عن منظمة «إيقاد»، وهو التكتل المعني بالتنمية في شرق أفريقيا، والذي تقوده كينيا.

مساعدات إنسانية دون عوائق

وقبل تعليق المباحثات السابقة في جدة، سادت خيبة أمل لدى الوسطاء بسبب إحجام الجانبين عن العمل من أجل التوصل إلى هدنة مستدامة. ورأى خبراء أن البرهان ودقلو اختارا بدلاً من ذلك حرب الاستنزاف، على أمل انتزاع تنازلات أكبر على طاولة التفاوض فيما بعد. وكان وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، الذي ساعد في الوساطة في بداية الأزمة، قد وضع اللمسات الأخيرة على تفاصيل المفاوضات خلال زيارته إلى السعودية مؤخراً لبحث الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس»، بحسب ما ذكرته (وكالة الصحافة الفرنسية).

بلينكن قام بجهود لتقريب وجهات النظر بين الجيش السوداني و«الدعم السريع» (أرشيفية)

وقال مسؤولون أميركيون معنيون بأزمة السودان، إن المفاوضات الحالية، وهي الأولى منذ انهيار الجهود الدبلوماسية لإنهاء القتال في يونيو (حزيران)، هدفها التوصل إلى وقف لإطلاق النار، لكن من السابق لأوانه مناقشة حل سياسي دائم. وأشار مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية طلب عدم كشف هويته، الأربعاء، إلى أن «الجولة الجديدة ستركز على ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وتحقيق وقف لإطلاق النار، وإجراءات أخرى لبناء الثقة».

مفاوضات جدة ونيات طرفي القتال

وترى خلود خير، مؤسّسة مركز «كونفلوانس أدفايزوري» البحثي في الخرطوم، أن طرفي النزاع لم يكتفيا من الحرب بعد. وكتبت الخميس، على موقع «إكس» (تويتر سابقاً) أن قرار إحياء المحادثات يستند إلى افتراض أن الجيش و«قوات الدعم السريع» قد «اكتفيا من القتال بسبب الانهيار الوشيك للدولة والمعاناة والبؤس»، مضيفة: «لم يكتفيا بعد، رغم خطاب (الجيش) و(قوات الدعم السريع)، فإن أياً منهما لا يهتم بالتكاليف البشرية لشن هذه الحرب». من جهتها، قالت أميرة عبد الحليم، خبيرة الشؤون الأفريقية في «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» في القاهرة، إنّ طرفيّ النزاع «أصابهما الإنهاك». وقالت عبد الحليم لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الطرفين «بدآ في البحث عن أفق للخروج من مأزق الصراع، ووافقا على الانخراط في المفاوضات مرة أخرى». لكنّها قالت أيضاً إنّ «الوصول إلى حل يرتبط بقدرة الأطراف الإقليمية والولايات المتحدة على ممارسة ضغوط حقيقية لوقف إطلاق النار»، مشيرة إلى أنّ ذلك مرتبط بما إذا كان لدى الأطراف الخارجية «رغبة في تسوية الصراع والحد من الخسائر البشرية».

البرهان خلال جولة في قاعدة «فلامنغو» البحرية في بورتسودان في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

ورحبت اللجنة التحضيرية لمؤتمر «تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية» (تقدم)، الخميس، باستئناف منبر جدة التفاوضي بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع». وناشدت اللجنة في بيان طرفي النزاع التحلي بالمسؤولية والجدية في إيقاف هذه الحرب التي قالت إنه «لا منتصر فيها». وانطلقت اجتماعات اللجنة التحضيرية لتنسيقية القوى الديمقراطية يوم الأحد في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، بمشاركة رئيس الوزراء المستقيل عبد الله حمدوك، ورئيس «حزب الأمة القومي» فضل الله برمة ناصر، وعدد من قيادات «قوى الحرية والتغيير» والحركات المسلحة والقوى المدنية والمهنية ولجان المقاومة. وأكدت اللجنة في بيان ختامي على أن المشاركين أجمعوا على المضي قدماً في مسار عقد «المؤتمر التأسيسي لتنسيقية القوى الديمقراطية المدنية»، لإيقاف الحرب واستعادة الديمقراطية في البلاد.

تجدد القتال رغم المفاوضات

ومع استئناف المحادثات الخميس، أفاد شهود عيان عن تجدد القتال في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور. وأعلنت «قوات الدعم السريع» أن مقاتليها سيطروا «بشكل كامل» على مواقع الجيش في نيالا، عاصمة جنوب دارفور، وثاني أكبر مدينة في السودان من حيث عدد السكان، الأمر الذي قد يشكل نقطة تحول في الحرب الممتدة منذ ستة أشهر، ويأتي في وقت يستأنف فيه الطرفان المفاوضات في جدة.

واستطاع الجيش حماية قواعده الرئيسية في الخرطوم، رغم انتشار «قوات الدعم السريع» على الأرض في أغلب أنحاء العاصمة. وفي الوقت نفسه، نقلت الحكومة أغلب مقراتها إلى بورتسودان، على ساحل البحر الأحمر. وقالت «قوات الدعم السريع» في بيان إنها سيطرت على مقر الجيش الرئيسي في نيالا، وصادرت كل عتاده. ونشرت مقطعاً مصوراً لم يتسن التحقق من صحته، لجنود يحتفلون بإطلاق الأعيرة النارية ويقولون إنهم اجتاحوا القاعدة. ونشرت «قوات الدعم السريع» أيضاً مقطعاً مصوراً للرجل الثاني في قيادتها، عبد الرحيم دقلو، الخاضع لعقوبات من الولايات المتحدة، وقالت إنه يتزعم الجهود العسكرية في المنطقة. وشهدت نيالا موجات من القتال العنيف، وأودى القصف الجوي والمدفعي بحياة العشرات، ودمر منازل المدنيين، وعطّل الخدمات الأساسية. ونيالا هي مركز تجاري يقول المراقبون إن «قوات الدعم السريع» قد تتخذها قاعدة لها. ولم يصدر تعليق من الجيش السوداني، الذي أعلن ليل الأربعاء /الخميس أن قواته في الفرقة 16 في نيالا صدت هجوماً من ميليشيا «الدعم السريع المتمردة»، وكبدتها خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.

ونزح ما لا يقل عن 670 ألف شخص من سكان ولاية جنوب دارفور من منازلهم. وجنوب دارفور هي ثاني أكثر الولايات تضرراً بعد ولاية الخرطوم. واتُّهمت «قوات الدعم السريع»، التي تقع قواعدها القوية في جنوب إقليم دارفور، بارتكاب مذبحة عرقية في الجنينة، عاصمة غرب دارفور، وتأجيج التوتر في أنحاء المنطقة. وسيطرت «قوات الدعم السريع» أيضاً على زالنجي، عاصمة ولاية وسط دارفور. أما عاصمتا الولايتين الأخريين في الإقليم، فقد انتشرت «قوات الدعم السريع» في أنحاء مدينة الضعين، عاصمة ولاية شرق دارفور، على الرغم من احتفاظ الجيش بقواعده هناك، بينما تدور معارك ضارية في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور.


مقالات ذات صلة

تحذير مصري - سوداني من المساس بـ«الحقوق المائية» للبلدين

شمال افريقيا اجتماع وزيري الري المصري والسوداني في القاهرة الأربعاء (صفحة وزارة الري المصرية على «فيسبوك»)

تحذير مصري - سوداني من المساس بـ«الحقوق المائية» للبلدين

أكد وزير الري المصري، هاني سويلم، خلال لقاء نظيره السوداني عصمت قرشي عبد الله في القاهرة، الأربعاء، «حقوق بلديهما التاريخية في مياه النيل».

رحاب عليوة (القاهرة)
العالم العربي الحادث وقع الثلاثاء في منجم الزرع قرب مدينة النهود بولاية غرب كردفان (أرشيفية - رويترز)

عشرات القتلى في انهيار منجم ذهب بالسودان

تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل...

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا الحادث وقع الثلاثاء في منجم الزرع قرب مدينة النهود بولاية غرب كردفان (أرشيفية - رويترز)

60 قتيلاً على الأقل في انهيار منجم ذهب بالسودان

قضى مَن لا يقلون عن 60 عاملاً في انهيار منجم ذهب بولاية غرب كردفان في السودان...

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع في مخيم المحيرة للنازحين قرب مدينة الأبيض في منطقة جنوب كردفان - السودان (أ.ف.ب)

منظمة الهجرة تحذّر من انهيار نظامها للمساعدات في السودان «خلال أسابيع»

حذّرت المنظمة الدولية للهجرة الاثنين من خطر انهيار النظام الذي يمكّنها مع أكثر من مائة منظمة غير حكومية من إيصال المساعدات الإنسانية إلى السودان، «خلال أسابيع».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يستقبل المبعوث الأممي للسودان الاثنين (الخارجية المصرية)

تنسيق مصري - أممي لدعم جهود إنهاء الصراع في السودان

أكدت مصر مجدداً دعمها الثابت لوحدة السودان وسيادة وسلامة أراضيه، خلال اجتماع وزير الخارجية بدر عبد العاطي، مع مبعوث السكرتير العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

إسبانيا توقف شخصين يشتبه في استغلالهما مهاجرين في سبتة

مهاجرون اضطروا لدفع 30 يورو يومياً مقابل النوم على الأرض في مرائب «تفتقر إلى الظروف الملائمة» (رويترز)
مهاجرون اضطروا لدفع 30 يورو يومياً مقابل النوم على الأرض في مرائب «تفتقر إلى الظروف الملائمة» (رويترز)
TT

إسبانيا توقف شخصين يشتبه في استغلالهما مهاجرين في سبتة

مهاجرون اضطروا لدفع 30 يورو يومياً مقابل النوم على الأرض في مرائب «تفتقر إلى الظروف الملائمة» (رويترز)
مهاجرون اضطروا لدفع 30 يورو يومياً مقابل النوم على الأرض في مرائب «تفتقر إلى الظروف الملائمة» (رويترز)

أعلنت الشرطة الإسبانية، اليوم الأربعاء، توقيف شخصين يُشتبه في استغلالهما مهاجرين في جيب سبتة شمال المغرب، من خلال إجبارهم على دفع مقابل للسكن داخل مرائب في ظروف وُصفت بأنها بالغة السوء.

ودخل عشرات الآلاف من المهاجرين في أواخر يوليو (تموز) الماضي قادمين من المغرب إلى سبتة، وهي أحد جيبين تحتلهما إسبانيا شمال المغرب، إلى جانب مليلية. ورغم أن غالبيتهم عادوا إلى المغرب، فإن الآلاف منهم لا يزالون في المدينة المتمتعة بالحكم الذاتي، حيث تدهور الوضع، وأصبح مصدراً للتوتر مع السكان.

وذكرت الشرطة في بيان، تلقت «وكالة الصحافة الفرنسية» نسخة منه، أن المشتبه بهما الموقوفين «حققا مكاسب مالية كبيرة من خلال استغلال الوضع الهش للغاية لمهاجرين وصلوا حديثاً إلى المدينة». وأوضحت أن نحو عشرين من المهاجرين غير النظاميين اضطروا إلى دفع 30 يورو يومياً للشخص مقابل النوم «مباشرة على الأرض» في مرائب «تفتقر إلى الظروف الملائمة».

وأضافت الشرطة أن المشتبه بهما تقاضيا أيضاً مقابلاً مالياً لشحن هواتف هؤلاء المهاجرين غير النظاميين، وهدداهم بالقتل لثنيهم عن الإبلاغ عن ممارساتهما. كما عرض الشخصان على المهاجرين نقلهم سراً إلى البر الرئيسي الإسباني مقابل 6000 يورو، من دون أن توضح الشرطة ما إذا كانت عملية النقل قد تمت بالفعل.

وكانت الشرطة الإسبانية قد أعلنت في أغسطس (آب) توقيف خمسة أشخاص يُشتبه في أنهم طلبوا مبالغ تصل إلى 9000 يورو من مهاجرين وصلوا إلى سبتة في أواخر يوليو الماضي، مقابل نقلهم بقوارب إلى البر الرئيسي الإسباني.

ويشكّل جيبا سبتة ومليلية الحدود البرية الأوروبية الوحيدة مع أفريقيا، ويخضع الجيبان المحتلان لنظام استثنائي داخل فضاء «شنغن» الأوروبي، يحول عملياً دون انتقال الأشخاص الموجودين فيهما إلى البر الرئيسي من دون الخضوع لرقابة حدودية.


التوسع في استقدام الطلاب الوافدين... هل «يجور» على حقوق المصريين؟

مقر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في مصر (صفحة الوزارة على فيسبوك)
مقر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في مصر (صفحة الوزارة على فيسبوك)
TT

التوسع في استقدام الطلاب الوافدين... هل «يجور» على حقوق المصريين؟

مقر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في مصر (صفحة الوزارة على فيسبوك)
مقر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في مصر (صفحة الوزارة على فيسبوك)

أثارت خطط حكومية للتوسع في استقطاب الطلاب الوافدين إلى الجامعات المصرية جدلاً بشأن مدى تأثير زيادة أعدادهم على فرص الطلاب المصريين، خصوصاً مع اختلاف الحدود الدنيا للقبول الجامعي، وإقبال الدارسين الأجانب على كليات الطب والهندسة، محل التنافس الأكبر.

ودخلت مبادرة «ادرس في مصر»، التي أطلقتها الحكومة عام 2019، مرحلة التوسع الجديدة بعدما عرضت وزارة التعليم العالي أمام مجلس الوزراء في أغسطس (آب) الماضي خطة تستهدف تحقيق نمو في أعداد الطلاب الوافدين الجدد بنسبة تصل إلى 150 في المائة خلال السنوات الخمس المقبلة.

وتتيح المبادرة للطالب الأجنبي التعرف إلى الجامعات ومؤسسات التعليم العالي المعتمدة وبرامجها، وتقديم طلبات الالتحاق إلكترونياً من خلال منصة موحدة، بما يسهِّل إجراءات التقديم والتسجيل للوافدين.

وبينما تنظر الحكومة إلى مبادرة «ادرس في مصر» باعتبارها أداة لتعزيز مكانة الجامعات المصرية إقليمياً ودولياً، ومصدراً للعملة الأجنبية وداعماً لـ«القوة الناعمة»، يرى البعض أن زيادة أعداد الوافدين ينبغي ألا تجري بمعزل عن الطاقة الاستيعابية بالجامعات، أو وفق قواعد تجعل القدرة على دفع المصروفات بالعملة الأجنبية تتقدم على الاستحقاق الأكاديمي.

العدالة وتكافؤ الفرص

تقول داليا مهدي (49 عاماً)، وهي من سكان القاهرة، إن نجلها اضطر إلى الالتحاق بكلية الطب بجامعة خاصة في محافظة بني سويف، على بُعد 120 كيلومتراً إلى الجنوب من العاصمة، لأن ذلك كان «الحل الوحيد الذي أتاحه له التنسيق رغم تفوقه الدراسي».

وتضيف: «الأماكن التي أتاحها له التنسيق لكليات الطب كانت محدودة، في الوقت الذي تُخصص فيه أماكن للوافدين وفق مجاميع أقل بكثير، وهو ما يجور على حق الطالب المصري».

مقر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في مصر (صفحة الوزارة على فيسبوك)

وقالت عضو مجلس النواب مها عبد الناصر، لـ«الشرق الأوسط»، إن الضابط الأساسي لقبول الوافدين يجب أن يتمثل في «تحقيق العدالة بين الطالب المصري والوافد، وذلك من خلال أن يكون المجموع المطلوب للالتحاق بالكلية واحداً لكليهما».

وحذرت النائبة المصرية من «تحوّل استقطاب الطلاب الوافدين إلى منظومة يغلب عليها المنطق التجاري، بحيث يصبح فيها الطالب القادر على سداد المصروفات بالعملة الأجنبية أكثر قدرة على الوصول إلى بعض التخصصات من الطالب المصري الذي خاض سنوات من الدراسة والمنافسة».

وتقدمت بسؤال برلماني إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيري التعليم العالي والتربية والتعليم بشأن «عدالة قواعد القبول وتكافؤ الفرص بين الطلاب المصريين والوافدين واللاجئين».

وامتد الاعتراض على تفاوت معايير القبول إلى نقابة الأطباء، إذ انتقد النقيب أسامة عبد الحي، خلال مداخلة تلفزيونية، قبول طلاب وافدين بكليات الطب في الجامعات الحكومية بمجموع يبدأ من 70 في المائة «في حين يعجز طلاب مصريون متفوقون في أنظمة الشهادات الدولية ومدارس المتفوقين في العلوم والتكنولوجيا (STEM) عن الالتحاق بالكلية نفسها».

«سياحة تعليمية»

ووفق بيانات أعلنتها وزارة التعليم العالي في يونيو (حزيران) الماضي، وصل عدد الطلاب الوافدين المقيدين بمؤسسات التعليم العالي التابعة لها إلى نحو 138 ألف طالب من 120 دولة، إلى جانب 60 ألف وافد بجامعة الأزهر، ليقترب إجمالي عددهم من 200 ألف.

ويستحوذ القطاع الطبي على النسبة الأكبر من إقبال الوافدين، يليه القطاع الهندسي ثم العلوم الإنسانية، وفق وزارة التعليم العالي.

ويقول الخبير التربوي وأستاذ المناهج بجامعة عين شمس حسن شحاتة إن «المعيار الأساسي لتقييم التوسع في قبول الوافدين يجب أن يكون جودة التعليم المقدم لجميع الطلاب»، مضيفاً: «هذه الجودة ينبغي أن تتوافر للمصريين وغير المصريين على السواء، بصرف النظر عن جنسية الملتحق بالجامعة».

وأعرب، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، عن رأيه الذي يعتبر استقبال الوافدين «أحد أشكال السياحة التعليمية، ومصدراً مالياً مشروعاً يمكن أن يسهم في تمويل البرامج والمعامل والتقنيات التعليمية وأعضاء هيئة التدريس».

ودافع شحاتة عن إتاحة بعض البرامج للوافدين بمجاميع تقل عن نظيرتها المطلوبة من المصريين، عادّاً ذلك «جزءاً من حق الجامعات في استقطاب الطلاب الدوليين، فضلاً عن مردوده في تعزيز ارتباط الخريجين الأجانب بمصر».

وقال إن تنوع الجامعات المصرية بين الحكومية والأهلية والخاصة والتكنولوجية أتاح برامج واختيارات أوسع للطلاب.


في الذكرى 95 لإعدامه... عمر المختار رمز تاريخي يتحدى الانقسام الليبي

كشافة طرابلس يؤدون التحية لصورة شيخ المجاهدين عمر المختار في متحفه بمدينة بنغازي شرق ليبيا (الشرق الأوسط)
كشافة طرابلس يؤدون التحية لصورة شيخ المجاهدين عمر المختار في متحفه بمدينة بنغازي شرق ليبيا (الشرق الأوسط)
TT

في الذكرى 95 لإعدامه... عمر المختار رمز تاريخي يتحدى الانقسام الليبي

كشافة طرابلس يؤدون التحية لصورة شيخ المجاهدين عمر المختار في متحفه بمدينة بنغازي شرق ليبيا (الشرق الأوسط)
كشافة طرابلس يؤدون التحية لصورة شيخ المجاهدين عمر المختار في متحفه بمدينة بنغازي شرق ليبيا (الشرق الأوسط)

بعد 95 عاماً على إعدامه، لا يزال المناضل الليبي عمر المختار يحتفظ بمكانته كأحد أبرز الرموز التاريخية الجامعة لليبيين، في بلد أنهكه الانقسام السياسي، والجغرافي.

ففي بلد تتعدد فيه مراكز النفوذ منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، ويتجذر الصراع السياسي والعسكري بين الشرق والغرب، تبقى سيرة «شيخ المجاهدين» مساحة نادرة تلتقي عندها ذاكرة الليبيين حول مقاومة الاستعمار الإيطالي، على اختلاف توجهاتهم، ومناطقهم.

قبر عمر المختار في مدينة سلوق (الشرق الأوسط)

ويُبدي المختار أحمد المختار، أحد أحفاد أسرة شيخ المجاهدين، لـ«الشرق الأوسط» أسفه من الانقسام السياسي الذي «لا يزال يلقي بظلاله» على ذكرى استشهاد جده، التي توافق اليوم الأربعاء، مبرزاً مفارقة مفادها بأن الليبيين لا يوحدهم راهناً سوى تاريخ جهادهم ضد الاستعمار الإيطالي.

ويرى المختار، وهو حفيد شقيق شيخ المجاهدين، أن الالتفاف حول التاريخ الوطني وإيلاء شخصيات مهمة، مثل عمر المختار، وبشير السعداوي، وغيرهما من رموز البلاد، اهتماماً أكبر «كان سيغير شكل ليبيا»، ويساعدها على طي صفحة الانقسام.

* ذكرى «يوم الشهيد»

يتحدر عمر المختار من قبيلة المنفة في شرق ليبيا، ونشأ في بيئة دينية قبل أن يصبح أحد أبرز قادة المقاومة الليبية ضد الاحتلال الإيطالي. ومنذ سقوط نظام القذافي، يحيي الليبيون في 16 سبتمبر (أيلول) من كل عام «يوم الشهيد»، الذي أُقر عطلة رسمية بموجب قانون أصدره المجلس الوطني الانتقالي السابق عام 2012.

وتحضر ذكراه هذا العام في مشهد ليبي مثقل بمرحلة انتقالية طويلة، تتسابق فيها المبادرات الخارجية للتوصل إلى تسوية سياسية تفضي إلى انتخابات رئاسية وتشريعية طال انتظارها، بينما تواجه البلاد تحديات ترتبط بوجود قوات أجنبية، ومرتزقة، وقواعد ومنشآت عسكرية أجنبية.

ويقول حفيده المختار إن ذلك يمثل مفارقة مؤلمة، حيث «جاد» جده بدمه من أجل البلاد، بينما لا تزال ليبيا رغم مرور عدة عقود من استقلالها تواجه تحديات تمس سيادتها، ووحدتها.

في بنغازي، بدت لـ«الشرق الأوسط» محاولة استعادة هذه الذاكرة أكثر حضوراً. ففي مجمع يضم نصباً تذكارياً، ومتحفاً لعمر المختار، تتجاور مقتنيات مرتبطة بالمقاومة مع صور وقطع تستعيد مرحلة الصراع مع الاستعمار الإيطالي.

ويلحظ فرج نجيم، مدير مكتب «إدارة وحماية ضريح عمر المختار» ورئيس «مركز السلام للدراسات والبحوث» في بنغازي، أن هناك الكثير مما يفرق الليبيين، من الانقسامات السياسية، والجهوية، والقبلية، إلى اختلاف رؤيتهم لمراحل ما بعد 2011، لكن عمر المختار يظل، في تقديره، «موضع إجماع» بينهم.

بقايا سلاسل حديدية استخدمتها السلطات الإيطالية في معسكرات الاعتقال في ليبيا خلال فترة الاحتلال في متحف عمر المختار ببنغازي (الشرق الأوسط)

ويؤكد نجيم أن المتحف نفسه يعكس اتساع حضور المختار خارج المنطقة التي عاش وقاتل فيها، وهو ما بدا خلال جولة «الشرق الأوسط» بين مقتنياته، ومن بينها صورة رسمتها فتاة من مصراتة (غرب) مستوحاة من الصورة السينمائية لشخصيته التي جسدها الفنان أنتوني كوين.

ورغم أنها ليست صورة تاريخية مطابقة لملامحه، فإن وجودها داخل المتحف يعكس، وفق نجيم، تجاوز رمزية الرجل حدود المكان الذي عاش وقاتل فيه.

ويستذكر نجيم مشهداً عفوياً لشباب من كشافة طرابلس وهم يؤدون تحية جماعية أمام صورة عمر المختار خلال زيارتهم للمتحف، فما كان منه إلا أن سارع إلى توثيق اللحظة بعدسته، في مشهد حمل دلالة على حضور إرث شيخ المجاهدين في ذاكرة الأجيال الليبية شرقاً، وغرباً.

وتضم مقتنيات المتحف سلاسل حديدية وأسلاكاً شائكة استخدمها الاحتلال الإيطالي في معسكرات الاعتقال، فضلاً عن بنادق وذخيرة استخدمها المجاهدون من مناطق مختلفة من ليبيا، إلى جانب صور مرتبطة برفاق عمر المختار في المقاومة.

ومن بنغازي، تمتد رحلة رفات المختار لتستعيد جانباً آخر من حضوره في الذاكرة الليبية. فبعد إعدامه في سلوق، جنوب بنغازي، دُفن سراً من طرف سلطات الاحتلال في مقبرة سيدي أعبيد ببنغازي، في محاولة للحيلولة دون تحول قبره إلى رمز للمقاومة، وفق ما يورده القائمون على ضريحه.

ذخيرة قديمة على الضريح التذكاري لعمر المختار في بنغازي (الشرق الأوسط)

وبعد استقلال ليبيا بتسع سنوات، أُعيد تشييع رفاته في بنغازي خلال مراسم شارك فيها جمع من الليبيين، في 7 أغسطس (آب) 1960، غير أن النظام السابق نقلها إلى سلوق في 16 سبتمبر 1981، حيث استقرت منذ ذلك الحين.

أما الضريح المرتبط باسم عمر المختار في بنغازي، فقد أعيد تشييده بجهود أهلية عام 2021 في موقعه السابق، بعد هدمه عام 2000، وبدء مبادرات لإعادته عقب ثورة 17 فبراير (شباط) 2011. وظل الضريح الجديد خالياً من رفات الرجل التي بقيت في سلوق.

* رمز وطني

في سلوق، حيث استقر لعقود رفات المختار في قبر وسط ساحة واسعة، يوثق المكان صلته بسيرة «أسد الصحراء»، الذي أُعدم فيه قبل 95 عاماً. ويعتز أهالي البلدة باحتضان رفاته، آملين أن يبقى مثواه الأخير فيها، لتظل سلوق خاتمة رحلة جثمان أحد أبرز رموز المقاومة الليبية.

وفيما تتواصل أعمال التطوير في محيط القبر، في وقت لا تزال فيه البلاد تعيش انقساماً سياسياً بين مؤسسات ومراكز نفوذ متنافسة. يعتبر جمال هاشم، أحد أبناء البلدة، أن بقاء الرفات في سلوق يحفظ صلة الرمز الوطني بالمكان الذي ارتبطت به نهايته. ويشير لـ«الشرق الأوسط» إلى أن زوار الرفات يتوافدون من شرق ليبيا، وغربها، وجنوبها، وأن حضور المختار يستدعي ذاكرة تتجاوز عوامل الانقسام.

في الجنوب، يرى مراجع توكا، الناشط الليبي، أن عمر المختار يجسد ليبيا التي تتجاوز انقساماتها، مستعيداً زيارته إلى ضريحه في سلوق، التي قال إنها استحضرت له ولأهالي الجنوب تاريخاً من النضال المشترك الذي جمع الليبيين.

المختار أحمد المختار من أفراد أسرة عمر المختار (يسار) بصحبة المؤرخ الليبي فرج نجيم أمام النصب التذكاري لشيخ المجاهدين في بنغازي (حساب المؤرخ الليبي بفيسبوك)

ولا يقتصر هذا الحضور على الشرق، والجنوب؛ ففي العاصمة طرابلس يحتفظ المتحف الوطني الليبي في السراي الحمراء، الذي افتتح نهاية العام الماضي، بعدد من المقتنيات المرتبطة بعمر المختار، إلى جانب وثائق ومراسلات تتصل بمرحلة المقاومة ضد الاحتلال الإيطالي.

وعلى امتداد البلاد يحضر «أسد الصحراء» في الذاكرة العامة لدى قوى سياسية، وعسكرية، ومكونات اجتماعية، وثقافية، وقبلية، على اختلاف مواقفها، وتباين مصالحها.

وقد تتباعد هذه الأطراف وتتصادم في قضايا الحاضر، لكنها، بحسب القيادي القبلي سالم كرواد، تلتقي عند استحضار سيرة «سيدي عمر»، التي تبدو واحدة من المساحات النادرة التي تستعيد فيها ليبيا صورة وحدتها.