بلينكن يوجه أقوى تحذير لإيران من التورط في الحرب

جلسة رفيعة المستوى مشحونة بالعواطف والمواقف لمجلس الأمن وسط مطالبات بوقف إطلاق النار فوراً

وزير الخارجية الأميركي يخاطب مجلس الأمن (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي يخاطب مجلس الأمن (إ.ب.أ)
TT

بلينكن يوجه أقوى تحذير لإيران من التورط في الحرب

وزير الخارجية الأميركي يخاطب مجلس الأمن (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي يخاطب مجلس الأمن (إ.ب.أ)

وجه وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن أقوى تحذير لطهران من مغبة التورط مباشرة في الحرب الدائرة في غزة بين إسرائيل و«حماس»، أو عبر وكلائها، واستمرار التعرض للمصالح الأميركية والأميركيين في المنطقة، متوعداً بأن الولايات المتحدة «ستحاسب» إيران، وسترد «بشكل حاسم وسريع» على أعمالها. بينما طالب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بوقف فوري لإطلاق النار، وإيصال المساعدات بشكل عاجل إلى الفلسطينيين المحاصرين في القطاع، خلال جلسة مشحونة بالعواطف والمواقف لمجلس الأمن.

وفي مستهل الاجتماع الذي شهد حضوراً استثنائياً من ممثلي دول العالم والمنظمات الإقليمية والدولية والمحلية، حذّر غوتيريش من أن «الوضع في الشرق الأوسط يزداد خطورة كل ساعة»، مضيفاً أن «الحرب في غزة مستعرة وتهدد بتفاقمها كل أنحاء المنطقة». وإذ ذكر بأنه ندد «بشكل لا لبس فيه بالأعمال الإرهابية المروعة وغير المسبوقة التي ارتكبتها (حماس) في إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول)»، طالب بـ«معاملة جميع الرهائن معاملة إنسانية وإطلاقهم فوراً ومن دون شروط». ولكنه استدرك أنه «من المهم أيضاً أن ندرك أن هجمات (حماس) لم تحدث من العدم»، مذكراً أن «الشعب الفلسطيني تعرّض لـ56 عاماً من الاحتلال الخانق»، وأضاف «لكن مظالم الشعب الفلسطيني لا يمكن أن تبرر الهجمات المروعة التي تشنها (حماس). ولا يمكن لتلك الهجمات المروعة أن تبرر العقاب الجماعي للشعب الفلسطيني». وأكد أن «حماية المدنيين لا تعني إصدار الأمر بإجلاء أكثر من مليون شخص إلى الجنوب، حيث لا مأوى ولا غذاء ولا ماء ولا دواء ولا وقود، ثم الاستمرار في قصف الجنوب نفسه».

وقال غوتيريش أيضاً إنه «من أجل تخفيف المعاناة الهائلة، وجعل توصيل المساعدات أسهل وأكثر أماناً، وتسهيل إطلاق الرهائن، أكرر ندائي من أجل وقف فوري لإطلاق النار لأسباب إنسانية»، وأضاف «لا يمكننا أن نغفل عن الأساس الواقعي الوحيد للسلام والاستقرار الحقيقيين: وهو الحل القائم على وجود دولتين».

وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن يتحدث مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش والمندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد في مقر الأمم المتحدة في نيويورك (أ.ف.ب)

المخاطر كبيرة للغاية

وتبعه منسق الأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط تور وينسلاند الذي كرّر التنديد بـ«الهجمات المروعة التي شنتها (حماس)»، معبراً في الوقت ذاته عن «قلقه البالغ من نطاق الغارات الجوية الإسرائيلية ونطاق الخسائر في صفوف المدنيين والدمار في غزة». وإذ قال إن «المخاطر كبيرة للغاية»، ناشد «كل الجهات الفاعلة ذات الصلة أن تتصرف بمسؤولية»؛ لأن «أي خطأ في التقدير يمكن أن تكون له عواقب لا تُقدر بثمن». وأكد أن «الصراع الذي لم يتم حله والاحتلال المستمر يشكلان واقع كل إسرائيلي وكل فلسطيني».

وكذلك تحدثت مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة منسقة الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة لين هاستينغز نيابة عن وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق المعونة الطارئة مارتن غريفيث، فقالت إنه «إذا أردنا منع مزيد من الانزلاق لهذه الكارثة الإنسانية، فيجب أن يستمر الحوار لضمان توصيل الإمدادات الأساسية إلى غزة بالحجم المطلوب، وتجنيب المدنيين والبنية التحتية التي يعتمدون عليها، وإطلاق الرهائن، وتجنب أي تصعيد إضافي في الحرب وتوسعها». وطالبت بإدخال المياه العذبة والوقود والغذاء والدواء والموارد الحياتية الأخرى للمدنيين المحاصرين في غزة.

وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي يتحدث خلال اجتماع لمجلس الأمن في نيويورك (أ.ف.ب)

«أوقفوا سفك الدماء»

وعلى الأثر، تحدّث أولاً وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي الذي قال إن «الفشل المستمر في هذا المجلس أمر لا يُغتفر»، شاكراً للأمم المتحدة والموظفين الإنسانيين «جهودهم الدؤوبة» على الأرض، خصوصاً موظفي وكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم في الشرق الأدنى «الأونروا» الذين «يعملون على مدار الساعة في ظل ظروف غير إنسانية لمساعدة شعبنا، والحفاظ على الحد الأدنى من حقوق الإنسان»، قائلاً: «نحزن معهم على القتل غير المبرر لموظفي (الأونروا) وغيرهم من العاملين في المجال الإنساني، بما في ذلك الأطباء والممرضات والمسعفون الذين تم استهدافهم بشكل مباشر من هذا العدوان الهمجي المستمر».

وقال إنه «بحلول الوقت الذي ينتهي فيه الممثلون من إلقاء خطاباتهم اليوم، سيُقتل 150 فلسطينياً، بينهم 60 طفلاً». وأضاف «في الأسبوعين الماضيين، استشهد أكثر من 5700 فلسطيني، بينهم أكثر من 2300 طفل و1300 امرأة مقارنة بعدد سكان غزة»، موضحاً أن «هذا يعادل 145 ألف مواطن بريطاني أو 700 ألف مواطن أميركي، وجميع الذين قتلتهم إسرائيل تقريباً هم من المدنيين». وحذّر من أن «مزيداً من الظلم والقتل لن يجعل إسرائيل أكثر أمناً». وشدد على أن السلام «لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الوقف الفوري للحرب الإسرائيلية التي تشنها ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة». وصرخ: «أوقفوا سفك الدماء».

وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين يعرض صور الأشخاص الذين اختطفتهم «حماس» أثناء كلمته خلال اجتماع مجلس الأمن (إ.ب.أ)

وعلى الأثر، أُعطي الكلام لوزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين الذي عدّ أن ما قامت به «حماس» سيسجل «مجزرة هي الأكبر في التاريخ، وأكثر وحشية من (تنظيم داعش)»، مضيفاً أن «مقاتلي (حماس) هم النازيون الجدد». ودعا إلى «الوصول غير المشروط إلى جميع الرهائن وإطلاقهم غير المشروط». وإذ توعد «بمحو (حماس) عن وجه الأرض» لأن ذلك «واجب على إسرائيل» وليس فقط لأن «لديها حق الدفاع عن النفس». وقال إن «هذه الأيام هي أوقات صعبة بالنسبة لشعب إسرائيل. نقول بصوت عال: سنعيد البناء. نحن مصممون ومصممون على تحقيق حلمنا بأن نكون أمة حرة في أرضنا، أرض صهيون في القدس».

تحذير لإيران

وبعد كلمة لرئيس مجلس الأمن للشهر الحالي وزير الخارجية البرازيلي ماورو فييرا حول ضرورة حل الأزمة الراهنة بالعودة إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى تسوية على أساس حل الدولتين، أعاد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن وصف أحداث 7 أكتوبر الماضي في إسرائيل، قائلاً إن «علينا التأكيد على حق أي دولة في الدفاع عن نفسها» بعد «الهجمات الإرهابية» لـ«حماس». وإذ أقر بأنه «يجب بحث هدنة إنسانية للسماح بدخول المساعدات إلى غزة»، أوضح أن الولايات المتحدة «تعمل مع مصر وإسرائيل والأمم المتحدة لوضع آليات تتيح وصولاً مستمراً للمساعدات الإنسانية إلى المدنيين» في القطاع. وحض الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على «استخدام تأثيرها ونفوذها لتأمين الإطلاق الفوري غير المشروط للرهائن»، محذراً من أن «اتساع رقعة النزاع في الشرق الأوسط ستكون آثاره وخيمة على العالم أجمع». وإذ أعلن أنه سيبحث مع نظيره الصيني وانغ يي هذا الأسبوع في منع توسيع رقعة الحرب، قال إن «الولايات المتحدة لا تسعى إلى النزاع مع إيران»، لأننا «لا نريد لهذه الحرب أن تتوسع».

وأضاف «لكن إذا هاجمت إيران أو وكلاؤها جنودنا في أي مكان، فسوف ندافع عن شعبنا، وسندافع عن أمننا بسرعة وحسم». وخاطب أعضاء مجلس الأمن: «إذا كنتم، مثل الولايات المتحدة، تريدون منع هذا الصراع من الانتشار، فأخبروا إيران أن تقول لوكلائها، في العلن وفي السر وبكل الوسائل: لا تفتحوا جبهة أخرى ضد إسرائيل في هذه الحرب». وأوضح أنه «أنه إذا قامت إيران أو وكلاؤها بتوسيع هذه الحرب وتعريض مزيد من المدنيين للخطر، فسنحاسبهم».

إسرائيليون يحتمون أثناء هجوم صاروخي من غزة على طول طريق رئيسية في تل أبيب (أ.ف.ب)

وكذلك قال كبير الدبلوماسيين الأميركيين: «نتفق جميعاً على أنه يجب علينا مضاعفة جهودنا الجماعية لبناء حل سياسي دائم للصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين»، مضيفاً أن «الطريق الوحيدة للسلام والأمن الدائمين في المنطقة، للخروج من دائرة العنف المروعة هذه هي من خلال دولتين لشعبين». ورأى أنه «في أحلك اللحظات مثل هذه اللحظة، علينا أن نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على مسار بديل» من الحرب. وعدّ أن أعضاء هذا المجلس «يقفون على مفترق»، الأول هو «المسار الذي تقدمه (حماس)». والآخر «هو الطريق نحو سلام أكبر» يشمل «طريقاً نحو تحقيق الفلسطينيين لحقهم المشروع في تقرير المصير وإقامة دولة خاصة بهم».

الوضع «رهيب»

ورأت نظيرته الفرنسية كاترين كولونا أن الوضع «رهيب» و«خطير»، داعية مجلس الأمن إلى أن «يتحرك الآن ويتحمل مسؤولياته وواجبه»، وأن «يندد بشكل لا لبس فيه بهجوم (حماس) الإرهابي وهجوم الجماعات الإرهابية الأخرى ضد إسرائيل»، مشيرة إلى مقتل 30 فرنسياً وفقدان تسعة آخرين «يُعتقد أنهم رهائن» في غزة الآن. وكررت المطالبة بـ«إطلاق جميع الرهائن فوراً من دون شروط». وشدّدت على أن «لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها وحماية شعبها (...) مع احترام القانون الدولي، وخاصة القانون الإنساني الدولي، وبالتالي حماية المدنيين». وقالت: «نحن ندرك جميعاً أيضاً أن (حماس) لا تُمثل الفلسطينيين على الإطلاق في قطاع غزة»، بل هي «تحتجز السكان رهائن»، مضيفة أن «واجب إسرائيل، هو ضمان استمرار تزويد المدنيين، بما في ذلك النساء والأطفال في غزة، بالسلع الأساسية من الماء والغذاء والدواء والوقود للمدنيين».

وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في مجلس الأمن يوم الأربعاء (رويترز)

مجلس الأمن والجمعية العامة

إلى ذلك، تلتئم الجمعية العامة للأمم المتحدة غداً الخميس لمناقشة الحرب، وفق ما أعلن رئيسها دنيس فرنسيس في رسالة إلى الدول الأعضاء، بناء على طلب من دول عدة، ومنها الأردن باسم المجموعة العربية وروسيا وسوريا وبنغلاديش وفيتنام وكمبوديا، نظراً إلى فشل مجلس الأمن حتى الآن في التوافق على قرار يتصل بهذا النزاع، علماً بأن المجلس أخفق الأسبوع الماضي في التوصل إلى اتفاق على مشروع قرار روسي يدعو إلى «هدنة إنسانية»، ثم أخفق مجدداً عندما استخدمت الولايات المتحدة حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار برازيلي. وعرضت واشنطن مشروع قرار يخصها يُركز على «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها». وعلى الرغم من التعديلات التي أجريت عليه، بقي النص الأميركي قاصراً عن الحصول على الموافقات الضرورية من الدول الأعضاء.

ووضعت الولايات المتحدة مشروعها بالحبر الأزرق تمهيداً للتصويت عليه الثلاثاء، وفق ما كان مقرراً، قبل أن تلغي طلب التصويت لعدم حصوله على عدد كاف من الأصوات أو لاحتمال تعرضه لحق النقض «الفيتو» من إحدى الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، ولا سيما روسيا أو الصين أو هما معاً.


مقالات ذات صلة

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أهمية تنفيذ خطة السلام في غزة وضمان استمرار وقف إطلاق النار

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية صورة لعميلَي «الموساد» المزعومين وهما التركي من أصل فلسطيني فيصل كريم أوغلو (يميناً) والتركي محمد بوداك دريا (الداخلية التركية)

تركيا تعتقل عميلَين لـ«الموساد»... أحدهما من أصل فلسطيني

ألقت المخابرات التركية القبض على شخصين أحدهما فلسطيني كانا يعملان لمصلحة «الموساد» الإسرائيلي، في عملية مشتركة مع شعبة مكافحة الإرهاب ونيابة إسطنبول.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية مشاركون في مسيرة احتجاجية ضد تفشي الجريمة بالمجتمعات العربية في إسرائيل في تل أبيب يوم السبت (إ.ب.أ)

العرب في إسرائيل يستعدون لبدء عصيان مدني غداً

يستعد المواطنون العرب في إسرائيل، يوم غد (الاثنين)، لبدء «عصيان مدني» عبر الامتناع عن الشراء أو دفع أي التزامات ضريبية، لتصعيد احتجاجهم ضد الحكومة اليمينية.

نظير مجلي (تل أبيب:)
المشرق العربي فلسطينيون ينتظرون الحصول على طعام في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ب) p-circle

غزيون يشككون في قدرة مجلس السلام برئاسة ترمب على تغيير واقعهم المأساوي

يقوم الفلسطينيون اليائسون في أحد أحياء غزة بالحفر بأيديهم في مكب نفايات بحثاً عن أغراض بلاستيكية للاستعانة بها لمواجهة البرد في القطاع.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)

مصر توافق على الانضمام لمجلس السلام

أعلنت مصر اليوم (الأربعاء) قبولها دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» الذي يُشكّله من قادة العالم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

لبنان: الانتخابات النيابية أمام تمسّك عون بالمواعيد الدستورية

لبنانية ترفع إصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات المحلية في بيروت 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)
لبنانية ترفع إصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات المحلية في بيروت 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

لبنان: الانتخابات النيابية أمام تمسّك عون بالمواعيد الدستورية

لبنانية ترفع إصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات المحلية في بيروت 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)
لبنانية ترفع إصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات المحلية في بيروت 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)

يصرّ رؤساء الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون والمجلس النيابي نبيه بري والحكومة نواف سلام، على تمرير الاستحقاق النيابي في موعده في مايو (أيار) المقبل، بصرف النظر عما ستؤول إليه المفاوضات الأميركية-الإيرانية، والمرحلة الثانية من «حصرية السلاح»، طالما أن «احتواءه» يطبق بحذافيره ويلتزم به «حزب الله» بعدم استخدامه أو نقله، والموقف نفسه ينسحب على الفصائل الفلسطينية المنتمية إلى محور الممانعة.

ويؤكد مصدر وزاري أن لا عودة عن إجراء الانتخابات النيابية في موعدها، وأن وزارة الداخلية والبلديات أتمت الاستعدادات اللوجيستية والإدارية لإجراءها في مايو المقبل على أساس قانون الانتخاب النافذ حالياً. ويقول المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن الخيار الوحيد لإخراج قانون الانتخابات من السجال الدائر بين رئيس المجلس النيابي نبيه بري وخصومه يكمن باعتماد الدوائر الانتخابية الـ15، في مقابل تعليق العمل باستحداث الدائرة الـ16 لتمثيل الاغتراب اللبناني بـ6 مقاعد نيابية، وبعدم السماح للبنانيين في بلاد الانتشار بالاقتراع لـ128 نائباً من مقر إقامتهم، من دون استبعاد تأجيلها تقنياً إلى منتصف الصيف المقبل، إفساحاً للمجال أمام مجيئهم إلى لبنان لممارسة حقهم بانتخاب ممثليهم.

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه برّي وأعضاء الحكومة الجديدة في البرلمان خلال جلسة عامة للتصويت على الثقة بالحكومة التي شكلها نواف سلام... يوم 26 فبراير 2025 (رويترز)

الكرة في ملعب البرلمان

يلفت المصدر الوزاري إلى أن الكرة الآن في ملعب المجلس النيابي، وأن عدم انعقاده في جلسة تشريعية للنظر في مشروع القانون الذي أحالته إليه الحكومة بصفة المعجل المكرر، يعني حكماً بأن الانتخابات ستجري على أساس اعتماد الدوائر الانتخابية الـ15، لكن المصدر لم يجزم ما إذا كانت الظروف الدولية المحيطة بلبنان ستسمح بإنجاز الانتخابات في موعدها ما لم يتقدّم عليها إلزام «حزب الله» بـ«حصرية السلاح» الذي لا يزال يتصدر اهتمام المجتمَعَيْن الدولي والعربي.

وسُئِل المصدر عن رأيه حيال تريث أكثر من فريق في التحضير لخوض الانتخابات إلى حين التأكد من أنها ستجري في موعدها بغياب الحد الأدنى من التفاهم حول قانون الانتخاب، فأجاب أن معظم القوى السياسية تضع علامة استفهام حول إمكانية الالتزام بموعد مايو المقبل، رغم إصرار الرؤساء على إتمامها احتراماً للمواعيد الدستورية، والتزاماً بإعادة الانتظام لمؤسسات الدولة، معترفاً في الوقت نفسه بأن مصيرها يتأرجح مناصفة بين إتمامها أو تأجيلها.

الرئيس اللبناني جوزيف عون ووزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (أ.ف.ب)

تفادي الحديث بالانتخابات

لا يجد المصدر ما يقوله حيال الموفدين الأجانب والعرب إلى لبنان الذين يُدرجون حصرية السلاح بنداً أساسياً على جدول أعمال لقاءاتهم الرسمية، ويتجنّبون التركيز على إجراء الانتخابات في موعدها، بخلاف لقاءاتهم السابقة، وهذا ما تبين من خلال الاجتماعات التي عقدها وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو الذي لم يأت على ذكر الانتخابات أصلاً.

فالوزير الفرنسي، حسب المصدر، ركّز على حصرية السلاح، واستكمال إقرار الإصلاحات المالية والاقتصادية، وطالب إسرائيل بوجوب التقيّد بوقف الأعمال العدائية، إضافة إلى بحثه مع أركان الدولة طبيعة المرحلة التي تلي انتهاء فترة انتداب قوات الطوارئ الدولية «يونيفيل» في جنوب لبنان نهاية العام الحالي.

ويؤكد أن «الثنائي الشيعي» يصر على إجراء الانتخابات في موعدها لتجديد شرعيته الشعبية، رداً على قول خصومه إنها تشهد تراجعاً ملحوظاً بسبب إصرار «حزب الله» على تمسكه بسلاحه بخلاف الإجماع اللبناني وتعهده به عندما قرر المشاركة في الحكومة التي أدرجت السلاح غير الشرعي بنداً أساسياً تصدّر بيانها الوزاري.

وفي المقابل يرى مصدر سياسي، يقف في منتصف الطريق بين بري وخصومه، أن مصير الانتخابات يتوقف على التزام «حزب الله» بتسليم سلاحه وامتناعه عن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران، في حال أن مفاوضاتها مع الولايات المتحدة الأميركية، التي ما زالت في بداياتها، اصطدمت بحائط مسدود، وبادرت الأخيرة بالرد عسكرياً مستهدفةً منشآتها النووية ومراكز الحرس الثوري، أسوة بما حصل في حربها التي شنتها إلى جانب إسرائيل ضد النظام الإيراني في يونيو (حزيران) الماضي.

«إسناد» إيران

لكن المرجع السياسي إياه يستبعد تدخل «حزب الله» عسكرياً، ويؤكد أن قيادته تتحسّب لرد فعل إسرائيل، وربما أقسى مما كان عليه عندما قرر إسناده لغزة.

ويكشف عن أن الحزب تلقى نصائح من جهات دولية وعربية بعدم التدخّل، ويؤكد أنها كانت كناية عن إنذار وتحذير شديدي اللهجة، وهذا ما تبلّغته أيضاً جهات رسمية رفيعة لم تتردد في تكرار النصائح للحزب عبر قنوات التواصل القائمة بينهما، ويأمل بأن تأخذها على محمل الجد، خصوصاً أن أذرع إيران في الإقليم، في إشارة إلى «حزب الله»، تصدّرت لائحة الشروط الأميركية في المفاوضات، مع أن المرجع، من وجهة نظره، يرى أن الحزب يبالغ في حديثه عن استعادته لقدراته العسكرية، ويدرك سلفاً بأن الاختلال في ميزان القوى يفرض عليه عدم إقحام البلد في مغامرة على غرار إسناده لغزة.

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه في تحرك دعا إليه الحزب أمام منظمة «إسكوا» وسط بيروت الأربعاء (إ.ب.أ)

لذلك يؤكد المرجع بأن احتمال تدخل «حزب الله» عسكرياً لنصرة إيران، في حال تعرضها لهجوم أميركي، سُحب من التداول، ولن يكون عائقاً أمام إجراء الانتخابات النيابية، وأن ما يعطل إنجازها يكمن في مبادرة إسرائيل لتوسعة الحرب على نحو يؤدي إلى تقطيع أوصال الجنوب وعزله عن المحافظات اللبنانية الأخرى.

وهنا يسأل المصدر، هل تبدي واشنطن استعداداً لتمديد فترة السماح لاستكمال تطبيق «حصرية السلاح» شرط التزام الحزب باحتوائه بما يضمن إجراء الانتخابات في موعدها؟ فالتمديد للبرلمان سيلقى رفضاً من عون بإصراره على احترام الاستحقاقات الدستورية، وإلا قد يتحول عهده إلى «إدارة للأزمة»، ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليته بتوفير الحماية لإجراء الانتخابات باعتبارها تشكّل محطة لإحداث تغيير في ميزان القوى يأخذ بالتحولات التي شهدتها المنطقة بتراجع نفوذ محور الممانعة بقيادة إيران في الإقليم.


تجار بغداد يغلقون محالهم ويتظاهرون ضد التعريفة الجمركية الجديدة

لقطة من فيديو للتجار المتظاهرين في بغداد احتجاجاً على الرسوم الجمركية الجديدة (الشرق الأوسط)
لقطة من فيديو للتجار المتظاهرين في بغداد احتجاجاً على الرسوم الجمركية الجديدة (الشرق الأوسط)
TT

تجار بغداد يغلقون محالهم ويتظاهرون ضد التعريفة الجمركية الجديدة

لقطة من فيديو للتجار المتظاهرين في بغداد احتجاجاً على الرسوم الجمركية الجديدة (الشرق الأوسط)
لقطة من فيديو للتجار المتظاهرين في بغداد احتجاجاً على الرسوم الجمركية الجديدة (الشرق الأوسط)

أغلق آلاف التجار في بغداد محالهم وخرجوا بمظاهرات؛ احتجاجاً على تطبيق التعريفة الجمركية الجديدة على البضائع، وضد قرار السلطات اعتماد نظام «سيكودا» المتعلق بأتمتة الإجراءات الجمركية، وشهدت الأسواق الرئيسية في بغداد (الشورجة، وجميلة، وشارع الربيعي) إغلاقاً شبه كامل واضراباً عن العمل احتجاجاً على القرارات الجديدة.

وتجمع المتظاهرون أمام دائرة الجمارك في شارع «النضال» ببغداد، قبل أن ينسحبوا إلى «ساحة التحرير» وسط العاصمة؛ المعروفة باحتضانها معظم المظاهرات الشعبية التي جرت خلال العقدين الأخيرين. وتضامن مع المتظاهرين نحو 7 من أعضاء البرلمان حضروا إلى ساحة التظاهر.

ظروف صعبة

وأبلغ تجارٌ «الشرق الأوسط» أنهم يمرون بظروف عمل صعبة للغاية منذ تطبيق النظام الجديد، لجهة المبالغ الإضافية التي تُفرض على بضائعهم وتأخر وصول البضائع عبر موانئ البصرة الجنوبية وما يترتب على ذلك من مبالغ خزن إضافية.

من مظاهرة التجار العراقيين في بغداد (الشرق الأوسط)

وينتقد معظم التجار السلطات التي عمدت إلى تطبيق النظام في المنافذ الحدودية والموانئ البحرية، لكن من دون شمول منافذ إقليم كردستان الشمالي بذلك، الأمر الذي يمنح أفضلية للتجار الكرد وكذلك لبقية التجار الذي يُدخلون بضائعهم عبر منافذ الإقليم.

وأعلنت الحكومة العراقية، مطلع الشهر الماضي، تطبيق التعريفة الجمركية الجديدة، لتشمل مختلف السلع والأجهزة وكذلك سيارات «هايبرد» التي كانت مستثناة في السابق. وتزامن إعلان التعريفة مع تطبيق قرار «البيان الجمركي» المسبق ضمن نظام «سيكودا» الذي يفرض قيوداً للتحقق من صحة وصول البضائع التي يدّعي التجار استيرادها بالعملة الصعبة (الدولار) التي يوفرها لهم «البنك المركزي العراقي».

انتظار القضاء

وفضلاً عن المظاهرات والانتقادات التي يوجهها التجار إلى الحكومة، تواجه الأخيرة حكماً متوقعاً من المحكمة الاتحادية يمكن أن يلغي الإجراءات الجديدة؛ بالنظر إلى أن حكومة رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني، حكومة تصريف أعمال ولا يحق لها اتخاذ إجراءات ولا سن قوانين بهذا المستوى.

محال تجارية مقفلة في بغداد احتجاجاً على الرسوم الجمركية (الشرق الأوسط)

وأعلن عضو مجلس النواب، محمد الخفاجي، الأحد، أن المحكمة الاتحادية حددت يوم 11 فبراير (شباط) الحالي موعداً للبت في الطعن المقدم ضد قرار حكومة تصريف الأعمال الاتحادية زيادة التعريفة الجمركية.

ودعت النائب عن ائتلاف «دولة القانون»، ابتسام الهلالي، رئاسة مجلس النواب إلى إدراج قضية الضرائب والتعريفة الجمركية وانعكاسها على الواقع الاقتصادي والمعيشي للعراقيين؛ بسبب ارتفاع أسعار السلع والبضائع المستوردة في الأسواق المحلية، ضمن جدول جلسة البرلمان المقرر انعقادها يوم الاثنين.

وقالت الهلالي، في تصريحات صحافية، إن «أعضاء مجلس النواب سبق أن تقدموا بطلبات لمناقشة القرارات التي صدرت من الحكومة بزيادة الرسوم والتعريفة الجمركية، والتي أثرت على الشارع والسوق».

وأضافت أن أعضاء البرلمان «سيجددون مطالبتهم في جلسة يوم الاثنين لمناقشة تداعيات القرارات التي صدرت من قبل الحكومة، والتي تسببت في إضراب وإغلاق المجمعات والمحال التجارية».

زيادة الإيرادات الجمركية

في مقابل الانتقادات التي يوجهها مختصون في الشأن الاقتصادي للإجراءات الجديدة، وأنها قللت من حجم الإيرادات المالية، قال المدير العام لـ«الهيئة العامة للجمارك»، الدكتور ثامر قاسم داود، الجمعة، إن «إيرادات الهيئة منذ 1 يناير (كانون الثاني) 2026 بلغت 151 مليار دينار، وهذا الرقم يعدّ مرتفعاً وإيجابياً جداً إذا ما قورن بحجم النشاط التجاري الفعلي لهذه الفترة».

وذكر في تصريحات لوكالة الأنباء الرسمية، رداً على انتقادات بعض الاقتصاديين، أن «الايرادات الجمركية الجديدة لا تُقدّر عبر عمليات حسابية بحتة بتقسيم الإنتاج السنوي على الأشهر، بل الأمر يعتمد على معايير حقيقية تشمل حجم التبادل التجاري، وعدد المعاملات الجمركية، وعدد الحاويات الداخلة فعلياً».

وأضاف داود أن «(الهيئة) غادرت العمل بنظام (المقطوع) للحاويات بشكل نهائي، حيث أصبح الترسيم يعتمد بدقة على نوعية المواد والفقرات (Items) الموجودة داخل كل حاوية». وأشار إلى أن «التقييم يخضع لمعايير عالمية تعتمد فواتير التحويل المالي والأسعار الدولية، ولا يمكن مضاعفة قيمة أي منتج بشكل غير منطقي».

التظلم الرسمي

وبشأن اعتراضات بعض التجار، دعا المدير العام للهيئة «أي تاجر يشعر بالغبن في تقدير الرسوم إلى تقديم تظلم رسمي للهيئة، واللجان المختصة ستعيد دراسة الفواتير ومقارنتها بالتحويلات المالية. الإشكالية غالباً ما تكمن في (القيم) المقدرة للمواد وليس في (النسب) الجمركية الثابتة قانوناً».

وأكد داود أن «المطالبات بإيقاف نظام (سيكودا) العالمي غير دقيقة؛ لأن النظام يمثل نقلة نوعية تهدف إلى تنظيم وتبسيط وتوحيد الإجراءات الجمركية في العراق وفقاً للمواصفات الدولية».


صندوق النقد يتقصَّى ميدانياً تحديثات الإصلاحات المالية في لبنان

رئيس الحكومة نواف سلام مترئساً في يوليو الماضي اجتماعاً ضم رئيس بعثة صندوق النقد الدولي ووزيري المالية والاقتصاد والتجارة وحاكم مصرف لبنان (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة نواف سلام مترئساً في يوليو الماضي اجتماعاً ضم رئيس بعثة صندوق النقد الدولي ووزيري المالية والاقتصاد والتجارة وحاكم مصرف لبنان (رئاسة الحكومة)
TT

صندوق النقد يتقصَّى ميدانياً تحديثات الإصلاحات المالية في لبنان

رئيس الحكومة نواف سلام مترئساً في يوليو الماضي اجتماعاً ضم رئيس بعثة صندوق النقد الدولي ووزيري المالية والاقتصاد والتجارة وحاكم مصرف لبنان (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة نواف سلام مترئساً في يوليو الماضي اجتماعاً ضم رئيس بعثة صندوق النقد الدولي ووزيري المالية والاقتصاد والتجارة وحاكم مصرف لبنان (رئاسة الحكومة)

تنفّذ بعثة صندوق النقد الدولي المولجة بالملف اللبناني، جولة مناقشات تقنية جديدة في بيروت خلال هذا الأسبوع، وتجري رصداً ميدانياً لمستجدات الإصلاحات المالية والنقدية، وفقاً للمباحثات الأخيرة على هامش مؤتمر دافوس، بين رئيس الحكومة نواف سلام، والمديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، وبمشاركة وزيري المال ياسين جابر، والاقتصاد عامر البساط.

وتكتسب المباحثات أهمية خاصة واستثنائية، بفعل تزامنها مع بدء الرحلة التشريعية لمشروع قانون «الفجوة» واسترداد الودائع المُحَال من مجلس الوزراء إلى المجلس النيابي، وعقب إقرار قانون الموازنة العامة للعام الحالي، ما يشكل اختراقاً نوعياً مزدوجاً، وفق التقييم الحكومي، في التزام الاستجابة لمقتضيات الإصلاحات الهيكلية، وقياس مدى مطابقتها مع التوصيات الشرطية للتقدم على مسار تجديد عقد اتفاق تمويلي مشترك، بعد تعثر الاتفاق الأولي الذي تم إبرامه، على مستوى فريقي العمل، في ربيع عام 2022.

نواف سلام متحدثاً عن «مشروع قانون الانتظام المالي واستعادة الودائع» بحضور وزير المالية ياسين جابر ووزير الاقتصاد عامر البساط وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد الشهر الماضي (رئاسة الحكومة)

وبينما أشادت غورغييفا بأداء الحكومة، والتزامها الواضح بإنجاز الإصلاحات الضرورية التي تضع الاقتصاد على طريق التعافي، يؤكد سلام أن مشروع القانون، تطابق مع المعايير الدولية التي نوقشت مع خبراء الصندوق، بوصفه «خريطة طريق» واضحة لاسترداد الودائع وإعادة التعافي إلى القطاع المصرفي، والخروج من حال المراوحة التي عانى منها الاقتصاد اللبناني في السنوات الست الماضية. كما يساعد على التخلص من الاقتصاد النقدي لإخراج لبنان من اللائحة الرمادية (غسل الأموال).

ورغم تلاقي السلطات التنفيذية والتشريعية مع هيئات القطاع المالي على أولوية إقرار الإطار التشريعي لاستعادة الانتظام المالي، فإن التباين المشهود، حسب وصف مسؤول مالي معني، والذي يرتقب أن ترصده البعثة، في اختلاف الرؤى والمقاربات بين الأطراف المعنية، يشي بأن خلاصات الجولة ستفضي إلى إقرار المؤسسة بإيجابية التقدم المحقّق، مع التنويه بأنه «غير كاف» لبلوغ محطة إبرام الاتفاق، ريثما يصدر التشريع بصياغته النهائية.

ثغرات قانونية وإجرائية

يشير المسؤول المالي في اتصال مع «الشرق الأوسط»، إلى ثغرات قانونية وإجرائية كامنة في المشروع الحكومي، تتنافى مع توصيات الصندوق، ولا سيما ما يخص تطوير خطة «قيد الخسائر وتوزيعها، واستعادة قوة القطاع المصرفي اتساقاً مع المعايير الدولية واعتبارات حماية صغار المودعين واستدامة القدرة على تحمل الدين العام»، واستتباعاً «وضع استراتيجية ذات مصداقية لاستعادة الاستدامة المالية والقدرة على تحمل الدين».

شعار صندوق النقد الدولي بمقره الرئيسي في واشنطن (رويترز)

وبالفعل، يخلو المشروع الحكومي من تحديد ناجز لحجم الفجوة، والمفترض تطابقه مع قيود الودائع العالقة في البنوك بقيمة إجمالية تتعدّى 80 مليار دولار، والتي توازيها بالقيمة توظيفات مصرفية عالقة بدورها لدى البنك المركزي، والذي يعكف بدوره على توثيق محفظة ديون قائمة على الدولة تتعدّى 50 مليار دولار، أي ما يزيد عن ثلاثة أضعاف الرقم الوارد في الميزانية بمبلغ 16.5 مليار دولار، وفق إشهار حاكم البنك المركزي كريم سعيد، وتأكيدات لاحقة أوردها النائب جورج عدوان، رئيس لجنة الإدارة والعدل النيابية في مداخلته خلال مناقشات الموازنة.

وفي قياسات الاستجابة لتوصيات الصندوق التي يوردها تحت بند «استدامة الدين»، يظهر الخلل الفادح في مقاربات الحلول الخاصة بإيفاء حقوق المودعين. فالقبول تشريعياً بتقييد استخدام الأموال العامة بالحدود الأدنى لرد الودائع، يتسبب تلقائياً، حسب المسؤول المالي، في تثبيت الفجوة بين الأصول والخصوم في ميزانية البنك المركزي، ويقلص عملياً إمكانات السداد المتدرج لتوظيفات البنوك لديه، وبالتبعية، تتمدد المعضلة إلى المصارف التي تعجز عن رد كامل المدخرات، بما يشمل الحد الأدنى الذي يضمنه مشروع القانون بمبلغ مائة ألف دولار لكل مودع خلال أربع سنوات.

تظهر أحرف صندوق النقد الدولي بجوار منصة مخصصة للفعاليات في مبنى مؤتمرات الصندوق بالعاصمة الأميركية واشنطن (د.ب.أ)

وبرز في هذا السياق، تنويه حاكم البنك المركزي، بالتزام «سياسة الحكومة والتنسيق الكامل معها، على أن يتم النقاش حول إدخال تحسينات وتحصينات على قانون الانتظام المالي وآلية سداد الودائع، بما يضمن مقاربة متناسقة ومنسّقة، وبما ينعكس إيجاباً على ملف إعادة الودائع ضمن المهل الزمنية المطروحة».

تصويب مندرجات التشريع

وفي المقابل، تؤكد مصادر مصرفية، أن العمل على تصويب مندرجات التشريع الجديد، بما يضمن توزيع الأعباء بين ثلاثي الدولة و«المركزي» والمصارف، ووفق صيغة مرنة ومتناسقة تكفل حماية الحقوق المتوجبة وتأمين تدفقات السيولة لصالح المودعين، يصح أن يتطور إلى فرصة ثمينة لإنضاج خطة الخروج المنتظم من الأزمات وإعادة بناء الثقة المفقودة بالقطاع المالي.

ويقتضي هذا المسار، السعي التشاركي إلى تكوين قناعة داخلية وإقناع صندوق النقد بمخاطر تعمّد إعفاء الدولة عملياً من مسؤولياتها، وتجاهل حقيقة أنها المستفيد الأول من التمويل الذي أدَّى إلى نشوء الفجوة، وحثها على الاعتراف الواضح بديونها تجاه مصرف لبنان، وبالتزام تسديدها عبر الإصلاحات الهيكلية والإدارة الفعَّالة للأصول العامة، وبتسديد العجز في ميزانيات مصرف لبنان المتعاقبة وفقاً لأحكام المادة 113 من قانون النقد والتسليف، مما يساهم بفعالية في ردم حجم الفجوة لصالح المودعين أساساً، وإعادة تنشيط القطاع المالي وإنعاش عمليات الائتمان والتمويل.