الأسرار التي عرفتها «حماس» عن جيش إسرائيل

تفاصيل الهجوم الواسع المفاجئ على مواقع عسكرية ومستوطنات

سيارات محترقة في موقع حفل موسيقي هاجمه مقاتلو حركة «حماس» قرب حدود قطاع غزة السبت قبل الماضي (أ.ف.ب)
سيارات محترقة في موقع حفل موسيقي هاجمه مقاتلو حركة «حماس» قرب حدود قطاع غزة السبت قبل الماضي (أ.ف.ب)
TT

الأسرار التي عرفتها «حماس» عن جيش إسرائيل

سيارات محترقة في موقع حفل موسيقي هاجمه مقاتلو حركة «حماس» قرب حدود قطاع غزة السبت قبل الماضي (أ.ف.ب)
سيارات محترقة في موقع حفل موسيقي هاجمه مقاتلو حركة «حماس» قرب حدود قطاع غزة السبت قبل الماضي (أ.ف.ب)

كان المسلحون العشرة من غزة يعرفون بالضبط كيفية العثور على مركز الاستخبارات الإسرائيلية، وكيفية الدخول إليه.

وبعد عبورهم إلى إسرائيل توجهوا شرقاً على متن 5 دراجات نارية، وكان مسلحان على متن كل دراجة يطلقان النار على سيارات مدنية عابرة بينما كانوا يتقدمون.

وبعد 10 أميال انحرفوا عن الطريق إلى منطقة من الغابات لينزلوا خارج بوابة غير مأهولة إلى قاعدة عسكرية. ثم فجّروا الحاجز بعبوة ناسفة صغيرة ودخلوا القاعدة وتوقفوا لالتقاط صورة جماعية. ثم أطلقوا النار على جندي إسرائيلي أعزل كان يرتدي قميصاً، فقتلوه.

لوهلة، بدا المهاجمون غير متأكدين من وجهتهم التالية. ثم أخرج أحدهم شيئاً من جيبه: خريطة مرمزة بالألوان للمجمع.

وإذ أعيد توجيههم، وجدوا باباً غير مغلق لمبنى محصن. بمجرد دخولهم، دخلوا غرفة مليئة بالحواسيب - مركز الاستخبارات العسكرية. وتحت سرير في الغرفة، وجدوا جنديين يحتميان. وأطلق المسلحون النار عليهما فقتلوهما.

سُجل هذا التسلسل بكاميرا مثبتة على رأس مسلح قُتل لاحقاً. راجعت صحيفة «نيويورك تايمز» اللقطات، ثم تحققت من الأحداث عبر مقابلات مع مسؤولين إسرائيليين والتحقق من شريط فيديو للجيش الإسرائيلي عن الهجوم.

كيبوتز بيري الذي هاجمته حركة «حماس» في 7 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

إنهم يقدمون تفاصيل مخيفة حول كيفية تمكن «حماس»، التي تسيطر على قطاع غزة، من مفاجأة أقوى جيش في الشرق الأوسط يوم السبت الماضي، والتفوق عليه. لقد اقتحمت «حماس» الحدود واجتاحت أكثر من 30 ميلاً مربعاً، واحتجزت أكثر من 150 رهينة، وقتلت أكثر من 1300 شخص في أكثر الأيام دموية بالنسبة لإسرائيل في تاريخها الممتد 75 عاماً.

مع التخطيط الدقيق والوعي غير العادي بأسرار إسرائيل ونقاط ضعفها، طغت «حماس» وحلفاؤها على طول جبهة إسرائيل مع غزة بعد الفجر بقليل، مما صدم الإسرائيليين الذين لطالما اعتبروا تفوق جيشهم عقيدة.

باستخدام الطائرات المسيّرة، دمرت «حماس» أبراج المراقبة والاتصالات الرئيسية على طول الحدود مع غزة، وفرضت نقاطاً عمياء واسعة على الجيش الإسرائيلي. وقال مسؤولون إن «حماس» فتحت باستخدام المتفجرات والجرارات فجوات في الحواجز الحدودية، مما سمح لـ200 مهاجم بالدخول في الموجة الأولى و1800 آخرين في وقت لاحق من اليوم نفسه. وبالدراجات النارية والشاحنات الصغيرة، اقتحم المهاجمون إسرائيل، واجتاحوا ما لا يقل عن 8 قواعد عسكرية، وشنوا هجمات ضد المدنيين في أكثر من 15 قرية ومدينة.

تُظهر وثائق التخطيط لدى «حماس»، ومقاطع الفيديو للهجوم، والمقابلات مع مسؤولي الأمن، أن هذه الحركة الفلسطينية كان لديها فهم متطور بشكل مدهش لكيفية عمل الجيش الإسرائيلي، ومكان تمركز وحدات محددة، وحتى الوقت اللازم لوصول التعزيزات.

ويقول الجيش الإسرائيلي إنه بمجرد انتهاء الحرب، سوف يفتح تحقيقاً في كيفية تمكن «حماس» من اختراق دفاعاته بمثل هذه السهولة. لكن سواء أهملت القوات المسلحة حماية أسرارها أو تسلل الجواسيس إليها، أثارت هذه الاكتشافات قلق المسؤولين والمحللين الذين تساءلوا كيف يمكن للجيش الإسرائيلي - المشهور بجمع المعلومات الاستخباراتية - الكشف عن غير قصد عن الكثير من المعلومات عن عملياته.

دمار في كيبوتز بيري قرب قطاع غزة (رويترز)

كانت النتيجة سلسلة مذهلة من الفظائع والمذابح، فيما وصفه الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ بأنه أسوأ قتل جماعي لليهود في يوم واحد منذ المحرقة. فقد حطم الهالة التي لا تُقهر لدى إسرائيل، وأثار هجوماً مضاداً إسرائيلياً على غزة أسفر عن مقتل أكثر من 1900 فلسطيني في أسبوع، لم يُشاهد بمثل ضراوته قط في غزة.

كما ألغى الهجوم الافتراضات القائلة بأن «حماس»، التي صنفتها إسرائيل ودول غربية عديدة منذ فترة طويلة بأنها جماعة إرهابية، أصبحت تدريجياً أكثر اهتماماً بإدارة غزة من استخدام القطاع لشن هجمات كبيرة على إسرائيل. قال علي بركة، أحد قادة «حماس»، في مقابلة تلفزيونية يوم الاثنين، إن «حماس» جعلت الإسرائيليين يعتقدون أنها «مشغولة بإدارة غزة». وأضاف أن «حماس كانت تستعد طوال الوقت، وفي خفاء تام، لهذا الهجوم الكبير».

«حماس» في الكيبوتز!

كان مسلحو «حماس» داخل منزل آدي شيري، على الجانب الآخر من الباب المفتوح. كانت شيري وزوجها وأطفالهما الثلاثة يختبئون داخل غرفة نوم ابنهم الأكبر، ويستمعون إلى المسلحين المتجولين في غرفة معيشتهم. «من فضلك ساعدنا»، رسالة نصية أرسلتها شيري إلى صديق عندما اقترب أحد المهاجمين للغاية من باب غرفة النوم. ثم أمسك بمقبض الباب. كان يوم عائلة شيري قد بدأ بإطلاق صواريخ من غزة، بعد الساعة السادسة صباحاً بقليل. هرعت شيري، الخبيرة الاقتصادية، وزوجها أورين، المهندس، مع أطفالهما إلى غرفة نوم ابنهما الأكبر، والتي تحولت إلى ملجأ من القنابل.

في البداية، بدت أحداث الصباح مألوفة بشكل مزعج. تعيش عائلة شيري في كيبوتز «ناحال عوز»، وهي قرية ريفية يبلغ عدد سكانها 500 نسمة في إسرائيل، على بعد بضع مئات من الياردات شرق الحدود مع غزة. إن إطلاق الصواريخ في الصباح الباكر - وما أعقبه من اندفاع إلى الغرفة الآمنة - هو سمة متكررة للحياة في المنطقة.

تذكر آدي شيري طريقة تفكيرها وتقول: «كالعادة دائماً». لكن هذا الصباح، سرعان ما بدا الأمر مختلفاً. واستمرت الصواريخ في التدفق، وتوجه العديد منها إلى عمق الأراضي الإسرائيلية. ثم جاء دوي طلقات نارية من الحقول المحيطة بالقرية. ترك أورين وشيري غرفة النوم ونظرا من خلال المصاريع على نوافذ غرفة المعيشة. تذكرت آدي شيري زوجها وهو يصرخ: «يا إلهي. حماس في الكيبوتز! حماس في الكيبوتز!».

آثار المعارك في كيبوتز بيري الذي هاجمته حركة «حماس» في 7 أكتوبر الحالي (إ.ب.أ)

كانت الساعة 7:20 صباحاً. وكان المئات من مهاجمي «حماس»، يحملون بنادق وقاذفات صواريخ محمولة على الكتف ويرتدون عصابات رأس خضراء، ويتدفقون عبر حقول القرية.

كان ذلك جزءاً من هجوم منسق قامت فيه فرق من المهاجمين، من خلال الوثائق والفيديو، بتعيين أهداف محددة. وبينما اجتاح بعضهم القواعد العسكرية، اندفع آخرون بالدخول إلى مناطق سكنية، واختطاف وقتل المدنيين. كانوا يصلون إلى شارع منزل شيري في غضون دقائق. اضطرت العائلة إلى التصرف بسرعة. لم يكن ملجأ القنابل الخاص بهم - غرفة نوم ابنهم المراهق - مُحكم الغلق. أمسك الوالدان بكرسي ووضعاه تحت مقبض الباب - مما جعل من الصعب فتحه. ثم جروا خزانة صغيرة ووضعوها على الكرسي. ثم انتظروا. كانت هناك قاعدة للجيش بجوار القرية. وتذكرت آدي شيري وهي تفكر أن قواتها سوف تكون هنا في غضون دقائق. وما لم تكن تعرفه أن العديد منهم كانوا قد قتلوا بالفعل.

«خذوا الجنود والمدنيين»

على طول الحدود، كان مسلحو «حماس» قد اجتاحوا بالفعل معظم، إن لم يكن جميع، قواعد الحدود الإسرائيلية.

أظهرت لقطات من كاميرات محمولة على رأس المهاجمين، بما في ذلك شريط الفيديو الذي يصوّر الغارة على مركز الاستخبارات، أن مسلحي «حماس» - من لواء النخبة المدرب تدريباً عالياً - يُحطمون حواجز عدة قواعد في الضوء الأول من الصباح.

بعد الاختراق، كانوا بلا رحمة، مطلقين النار على بعض الجنود في أسرّتهم بملابسهم الداخلية. وقال ضابط كبير بالجيش الإسرائيلي إنهم في عدة قواعد يعرفون بالضبط أين تقع أجهزة الاتصالات ويدمرونها.

مع تعطل الكثير من أنظمة الاتصالات والمراقبة، لم يتمكن الإسرائيليون في كثير من الأحيان من رؤية قوات نخبة «حماس» قادمة. وقد وجدوا صعوبة في طلب المساعدة والحصول على استجابة. وفي كثير من الحالات، لم يتمكنوا من حماية أنفسهم، ناهيكم عن القرى المدنية المحيطة.

كيبوتز بيري في صورة من الجو (رويترز)

أظهرت وثيقة تخطيط لـ«حماس» - عثر عليها المستجيبون الإسرائيليون في إحدى القرى - أن المهاجمين كانوا منظمين في وحدات محددة جيداً ذات أهداف وخطط قتالية واضحة. أوضحت الوثيقة أن إحدى الفصائل عينت ملّاحين ومخربين وسائقين، بالإضافة إلى وحدات من الهاون في المؤخرة؛ لتوفير غطاء للمهاجمين. كان لدى المجموعة هدف محدد - الكيبوتز - وتم تكليف المهاجمين باقتحام القرية من زوايا محددة. وكانت لديهم تقديرات لعدد القوات الإسرائيلية المتمركزة في المواقع القريبة، وعدد المركبات التي تحت تصرفهم، والمدة التي تستغرقها قوات الإغاثة الإسرائيلية للوصول إليهم.

الوثيقة مؤرخة في أكتوبر (تشرين الأول) 2022 تشير إلى أن الهجوم كان مخططاً له منذ عام على الأقل.

في مكان آخر، نصب مهاجمون آخرون كميناً للتعزيزات العسكرية الإسرائيلية عند مفارق الطرق الرئيسية، طبقاً لأربعة من كبار الضباط والمسؤولين. وكان لدى بعض الوحدات تعليمات محددة للقبض على الإسرائيليين لاستخدامهم ورقةَ مساومة في عمليات تبادل الأسرى مع إسرائيل في المستقبل. وجاء في الوثيقة: «خذوا الجنود والمدنيين أسرى ورهائن للتفاوض معهم».

«سوف نموت»

كان المهاجمون قد شقوا طريقهم إلى منزل عائلة شيري قبل الساعة العاشرة صباحاً بقليل، وفقاً للرسائل التي أرسلتها آدي شيري لأصدقائها لها في ذلك الوقت. ووفقاً لقيادة القرية، لقد قتلوا حراس الكيبوتز، بالإضافة إلى متطوع أمن مدني هرع لمواجهتهم في اللحظات الأولى من الهجوم، وباتوا يتحركون من بيت إلى بيت، محاولين العثور على أناس لقتلهم أو لخطفهم. كتبت آدي شيري على هاتفها: «أرجوكم أرسلوا المساعدة».

سيارات مهجورة في موقع هاجمته حركة «حماس» على حدود قطاع غزة السبت الماضي (أ.ف.ب)

في منزل عائلة شيري، اقتحموا الباب عنوة. وقالت آدي شيري إنهم بعد ذلك دخلوا المنزل وهم يصرخون ونهبوه. تذكرت وقتها فكرة واحدة سيطرت عليها: «سوف نموت». انتظرت العائلة بصمت مرعب، آملة أن يتجاهل الدخلاء باب غرفة النوم ويظنون أن الجميع كانوا بعيدين. آدي شيري وزوجها وضعا كل ثقلهما على الخزانة، لتثبيت الكرسي تحت مقبض الباب. وقف غاي (15 عاماً)، ابنهما الأكبر، بجانب الباب، حاملاً دمبل (ثقلاً حديدياً) يزن 18 رطلاً. إذا كان هناك شخص ما قد اقتحم المكان، فإن الخطة هي أن تسقط على رأس المعتدي. ثم تحرك المقبض. وبدأ الوالدان في دفع الخزانة. واستمر المقبض في التحرك. ثم توقف. لقد ابتعد المهاجم.

على بعد بضعة شوارع، كان لعائلة ميكي ليفي، التي تشرف على حدائق الكيبوتز، موقف مماثل. قال ليفي (47 عاماً) في مقابلة أجريت معه إنه بعد أن طاردته فرقة من المهاجمين داخل غرفته الآمنة، أطلقوا النار على الباب المصفح. اخترقت بعض الطلقات الباب، مما أحدث فيه فتحات كبيرة، وقال ليفي إنه أطلق النار بمسدسه أيضاً، مما أدى إلى تمزيق الباب أكثر. كانت زوجته وابنتاه الصغيرتان في مأوى إلى الجانب.

وبعد تغيير تكتيكاتهم، جلب المهاجمون اثنين من جيرانه - أم وابنتها البالغة من العمر 12 عاماً، كما قال ليفي. قال ليفي إن الأم وابنتها طُلب منهما تحت تهديد السلاح إقناعه بفتح الباب. وروى ليفي أن إحداهما قالت له: «اخرج وتوقف عن إطلاق النار. لن يفعل الإرهابيون أي شيء لك». في نهاية المطاف، تخلى المهاجمون عن هذا النهج وعادوا بصاروخ «آر بي جي»، بحسب ما يقول ليفي. وأضاف أنه عندما أطلق ليفي النار على أحد المهاجمين في فخذه، غادروا المكان أخيراً. الأم وابنتها، كما يشتبه ليفي، صارتا الآن أسيرتين في غزة.

«الجثث تحترق»

قال العميد دان غولدفوس إنه قاد سيارته جنوباً من دون أن يعرف بالضبط إلى أين يجب أن يذهب. كان غولدفوس (46 عاماً)، وهو قائد مظلي، في إجازة بمنزله حيث كان يمارس الركض في منطقته بشمال تل أبيب. ثم شاهد شريطاً مصوراً من الجنوب «يظهر فيه إرهابيون يمشون عبر مدينة، من دون عوائق على الإطلاق». ومن دون انتظار الأوامر، قال العميد إنه ركض إلى المنزل وارتدى زيه الرسمي وتوجه جنوباً. وحمل الأسلحة مع جنديين من قاعدته بوسط إسرائيل واتصل بأصدقائه وزملائه لمعرفة ما يحدث. القليلون فقط أدركوا الأمر. أما البقية، «فلم يكن هناك أي شخص يفهم الصورة الكاملة»، كما قال غولدفوس في مقابلة لاحقة.

إن سرعة ودقة وحجم هجوم «حماس» أوقع الجيش الإسرائيلي في حالة من الفوضى، ولساعات عديدة بعد ذلك، تُرك المدنيون ليدبروا أمورهم بأنفسهم. قال غولدفوس، بحسب المعلومات القليلة التي استطاع الحصول عليها، إنه توجه مع الجنود إلى قرية شمال ناحال عوز، ثم ساروا تدريجياً إلى الجنوب. كانت الساعة نحو العاشرة صباحاً، وكان هناك مجزرة وفظائع في كل مكان حوله. اصطف الإسرائيليون القتلى على الطرق إلى جانب أبواب السيارات المحروقة والمقلوبة. في موقع الحفل الموسيقي الراقص طوال الليل في الهواء الطلق، قتل المسلحون ما يُقدر بنحو 260 من رواد الحفل. تذكر غولدفوس مشاهد الموقع: «كانت الجثث تحترق». كان هجوم «حماس» سبباً في إطلاق العنان لحملة عنف جنونية لدى الجميع. وقد تدفق بعض سكان غزة عبر الحدود غير المحمية بعد اختراقها، وكانوا في بعض الأحيان يبثون ما يفعلونه على هواتفهم المحمولة. وقال الناجون إن سكاناً من غزة اقتحموا ونهبوا منازلهم، وسرقوا الحواسيب، والملابس، والأواني الفخارية، والتلفزيونات، والهواتف.

في بعض القرى الإسرائيلية، احترق سكان في منازلهم، بينما كان مسلحون يطاردون المدنيين عند كل منعطف، بحثاً عن أشخاص يعتقلونهم أو يقتلونهم. اختطفوا الأجداد والأطفال الصغار وطفلاً رضيعاً عمره 9 أشهر واقتادوهم إلى غزة، وبعضهم كان محصوراً بين الخاطفين على متن دراجات نارية.

خلال معظم هذه الفوضى، لم يكن الجيش الإسرائيلي موجوداً في أي مكان تقريباً. بالقرب من كيبوتز ريم، قال غولدفوس إنه التقى قائداً كبيراً آخر بالصدفة. وقد هرع الضابط مثله إلى مكان الحادث من دون أي تعليمات، وجمع مجموعة صغيرة من الجنود. ثم بعد ذلك، توصل الرجلان إلى استراتيجية خاصة بهما؛ إذ قال غولدفوس: «لا توجد أوامر هنا. تحركوا من هنا صوب الجنوب، وسوف أتحرك من هنا صوب الشمال». هكذا وقع بعض الهجوم المضاد الإسرائيلي، حيث سارع الجنود أو المتطوعون المدنيون - بمن فيهم الجنرالات المتقاعدون في الستينيات - إلى المنطقة وفعلوا كل ما في وسعهم.

وصل الجنرال السابق إسرائيل زيف إلى معركة قريبة مستقلاً سيارته الخاصة. قال يائير غولان، نائب رئيس الأركان المتقاعد وعضو الكنيست اليساري السابق، إنه أخذ مسدساً وبدأ في إنقاذ الناجين من مذبحة وقعت في حفل موسيقي ممن كانوا يختبئون في الأحراش المجاورة. قال غولدفوس: «كنا نجري بأسرع ما يمكننا نحو الخطر. لكي نكون أول من يصل هناك».

كان مركز الاستخبارات بالقرب من غزة من أول الأماكن التي استعادت إسرائيل السيطرة عليها. في وقت متأخر من الصباح، وصل الجنود وجنود الاحتياط من وحدات متنوعة إلى القاعدة من اتجاهات مختلفة، ليتغلبوا على 10 مسلحين من غزة والذين صوروا هجومهم القاتل على شريط فيديو. التقطت الكاميرا المثبتة على رأس قائد «حماس» لحظة إطلاق النار عليه وقتله. تسقط الكاميرا وترتد على الأرض. وعند توقف الفيديو، يمكن رؤية القائد على الأرض، ويكشف عن لحيته الطويلة وخط شعره الخفيف. في أجزاء أخرى من جنوب إسرائيل، جاءت التعزيزات الرسمية الأولى من وحدة كوماندوز إسرائيلية وصلت على متن مروحيات عسكرية، بحسب ضابط إسرائيلي كبير. تبعتها وحدات عمليات خاصة أخرى، بما في ذلك قوات البحرية الإسرائيلية، ووحدة استطلاع مدربة للعمل في عمق خطوط العدو بدلاً من الأراضي الإسرائيلية. في بعض الأحيان، كان أفراد قوات الكوماندوز ينضمون إلى قوات المتطوعين، وكانوا يهرعون إلى ساحة القتال لإنقاذ أفراد أسرهم.

توجه نوعام تيبون، الجنرال السابق، بسيارته جنوباً بمسدسه في محاولة لاستعادة كيبوتز ناحال عوز، حيث حوصر ابنه الصحافي «عامير». في وقت مبكر من بعد الظهر، انضم تيبون الأب إلى فرقة كانت تشق طريقها عبر الكيبوتز، من بيت إلى بيت. وبحلول بعد ظهر يوم الأحد، كان لا يزال هناك وجود لـ«حماس» في العديد من القرى والقواعد. لن تكون المنطقة بأكملها مؤمنة بالكامل لأيام.

ظهرت آدى شيري في نحو الساعة الخامسة بعد ظهر السبت في كيبوتز ناحال عوز، لتجد منزلها مبعثراً، والميكرويف مخلوعاً من الجدار، والأدراج مفصولة من الخزائن، وبركة من الدماء الجافة على الأرض. كانت قد سمعت معركة بالأسلحة النارية داخل وحول منزلها في وقت سابق من اليوم. واعتقدت أن «إرهابياً قُتل في المنزل وأن رفاقه المقاتلين نقلوا جثته الملطخة بالدماء». رفض بعض الناجين فتح أبواب منازلهم، حتى بعد وصول الجيش. وعندما وصل الجنود إلى منزل أوشريت ساباغ، وهي من سكان كيبوتز ناحال عوز، خشيت أن يكونوا «إرهابيين متنكرين». حتى بعد أن بدأ الجنود يحادثون بعضهم البعض بالعبرية ليثبتوا هويتهم، لم تقتنع السيدة ساباغ (48 سنة). كانت صلواتهم اليهودية فقط هي التي جعلتها تهدأ قليلاً.


مقالات ذات صلة

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

المشرق العربي جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي خالد مشعل القيادي في حركة «حماس» (أرشيفية - رويترز) p-circle

مشعل: «حماس» لن تتخلى عن سلاحها ولن تقبل بـ«حُكم أجنبي» في غزة

أكد القيادي في «حماس» خالد مشعل، الأحد، أن الحركة الفلسطينية لن تتخلى عن سلاحها ولن تقبل بـ«حكم أجنبي» في قطاع غزّة، بعد بدء المرحلة الثانية من اتفاق الهدنة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
المشرق العربي سيارة إسعاف مصرية قرب معبر رفح في 4 فبراير 2026 (رويترز)

«حماس» تطالب بالضغط على إسرائيل للسماح بدخول لجنة إدارة قطاع غزة

دعت حركة «حماس»، اليوم (السبت)، جميع الأطراف للضغط على إسرائيل؛ للسماح بدخول اللجنة المستقلة لإدارة غزة للقطاع لمباشرة عملها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية - رويترز)

الجيش الإسرائيلي يتباهى بـ5 ميليشيات تعمل لمصلحته في غزة

أكدت مصادر إسرائيلية أن هناك 5 ميليشيات مسلحة تعمل لمصلحة الجيش الإسرائيلي ضد «حماس» في غزة.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص مقاتلون من «حماس» يحملون جثماناً بعد استخراجه من نفق خلال البحث عن جثث الرهائن الإسرائيليين في خان يونس 29 أكتوبر 2025 (أ.ب)

خاص هكذا دفعت «حماس» ترمب للإشادة بها عدة مرات

تظهر تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب المتكررة والعديد من المراقبين والمعنيين أنهم لم يتوقعوا أن تنجح عملية استعادة جميع المختطفين الأحياء والأموات.

«الشرق الأوسط» (غزة)

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
TT

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

تواصل إسرائيل حملتها لتصفية نشطاء بارزين في حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في قطاع غزة، من خلال هجمات جوية تنفذها داخل مناطق غرب «الخط الأصفر»، مستغلة خروج عناصر مسلّحة من أنفاق رفح وتحييدهم، كحدث أمني تعدُّه خرقاً لاتفاق وقف النار، بهدف تنفيذ هجمات ضد أهداف كانت قد رصدتها سابقاً.

وقُتل فلسطينيان، أمس، في غارة إسرائيلية استهدفت دراجة هوائية كهربائية، وسط قطاع غزة، أحدهما هو عاصم أبو هولي، قائد وحدة النخبة في «سرايا القدس»، الجناح العسكري لـ«الجهاد الإسلامي».

وكانت إسرائيل شنت، الاثنين، غارة على شقة سكنية في حي النصر بمدينة غزة، مستهدفة 3 نشطاء بارزين في كتيبة بيت حانون، التابعة لـ«كتائب القسام»، الجناح العسكري لـ«حماس».

من جهة أخرى، جاءت ردود الفعل الأميركية على الإجراءات الإسرائيلية الرامية لضم الضفة الغربية «خجولة»، مع تأكيد مسؤول في البيت الأبيض، لم يعلن عن اسمه، معارضة الرئيس دونالد ترمب، لعملية الضم، من دون انتقاد مباشر للإجراءات أو تلويح بأي خطوة رادعة.


تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».