الأسرار التي عرفتها «حماس» عن جيش إسرائيل

تفاصيل الهجوم الواسع المفاجئ على مواقع عسكرية ومستوطنات

سيارات محترقة في موقع حفل موسيقي هاجمه مقاتلو حركة «حماس» قرب حدود قطاع غزة السبت قبل الماضي (أ.ف.ب)
سيارات محترقة في موقع حفل موسيقي هاجمه مقاتلو حركة «حماس» قرب حدود قطاع غزة السبت قبل الماضي (أ.ف.ب)
TT

الأسرار التي عرفتها «حماس» عن جيش إسرائيل

سيارات محترقة في موقع حفل موسيقي هاجمه مقاتلو حركة «حماس» قرب حدود قطاع غزة السبت قبل الماضي (أ.ف.ب)
سيارات محترقة في موقع حفل موسيقي هاجمه مقاتلو حركة «حماس» قرب حدود قطاع غزة السبت قبل الماضي (أ.ف.ب)

كان المسلحون العشرة من غزة يعرفون بالضبط كيفية العثور على مركز الاستخبارات الإسرائيلية، وكيفية الدخول إليه.

وبعد عبورهم إلى إسرائيل توجهوا شرقاً على متن 5 دراجات نارية، وكان مسلحان على متن كل دراجة يطلقان النار على سيارات مدنية عابرة بينما كانوا يتقدمون.

وبعد 10 أميال انحرفوا عن الطريق إلى منطقة من الغابات لينزلوا خارج بوابة غير مأهولة إلى قاعدة عسكرية. ثم فجّروا الحاجز بعبوة ناسفة صغيرة ودخلوا القاعدة وتوقفوا لالتقاط صورة جماعية. ثم أطلقوا النار على جندي إسرائيلي أعزل كان يرتدي قميصاً، فقتلوه.

لوهلة، بدا المهاجمون غير متأكدين من وجهتهم التالية. ثم أخرج أحدهم شيئاً من جيبه: خريطة مرمزة بالألوان للمجمع.

وإذ أعيد توجيههم، وجدوا باباً غير مغلق لمبنى محصن. بمجرد دخولهم، دخلوا غرفة مليئة بالحواسيب - مركز الاستخبارات العسكرية. وتحت سرير في الغرفة، وجدوا جنديين يحتميان. وأطلق المسلحون النار عليهما فقتلوهما.

سُجل هذا التسلسل بكاميرا مثبتة على رأس مسلح قُتل لاحقاً. راجعت صحيفة «نيويورك تايمز» اللقطات، ثم تحققت من الأحداث عبر مقابلات مع مسؤولين إسرائيليين والتحقق من شريط فيديو للجيش الإسرائيلي عن الهجوم.

كيبوتز بيري الذي هاجمته حركة «حماس» في 7 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

إنهم يقدمون تفاصيل مخيفة حول كيفية تمكن «حماس»، التي تسيطر على قطاع غزة، من مفاجأة أقوى جيش في الشرق الأوسط يوم السبت الماضي، والتفوق عليه. لقد اقتحمت «حماس» الحدود واجتاحت أكثر من 30 ميلاً مربعاً، واحتجزت أكثر من 150 رهينة، وقتلت أكثر من 1300 شخص في أكثر الأيام دموية بالنسبة لإسرائيل في تاريخها الممتد 75 عاماً.

مع التخطيط الدقيق والوعي غير العادي بأسرار إسرائيل ونقاط ضعفها، طغت «حماس» وحلفاؤها على طول جبهة إسرائيل مع غزة بعد الفجر بقليل، مما صدم الإسرائيليين الذين لطالما اعتبروا تفوق جيشهم عقيدة.

باستخدام الطائرات المسيّرة، دمرت «حماس» أبراج المراقبة والاتصالات الرئيسية على طول الحدود مع غزة، وفرضت نقاطاً عمياء واسعة على الجيش الإسرائيلي. وقال مسؤولون إن «حماس» فتحت باستخدام المتفجرات والجرارات فجوات في الحواجز الحدودية، مما سمح لـ200 مهاجم بالدخول في الموجة الأولى و1800 آخرين في وقت لاحق من اليوم نفسه. وبالدراجات النارية والشاحنات الصغيرة، اقتحم المهاجمون إسرائيل، واجتاحوا ما لا يقل عن 8 قواعد عسكرية، وشنوا هجمات ضد المدنيين في أكثر من 15 قرية ومدينة.

تُظهر وثائق التخطيط لدى «حماس»، ومقاطع الفيديو للهجوم، والمقابلات مع مسؤولي الأمن، أن هذه الحركة الفلسطينية كان لديها فهم متطور بشكل مدهش لكيفية عمل الجيش الإسرائيلي، ومكان تمركز وحدات محددة، وحتى الوقت اللازم لوصول التعزيزات.

ويقول الجيش الإسرائيلي إنه بمجرد انتهاء الحرب، سوف يفتح تحقيقاً في كيفية تمكن «حماس» من اختراق دفاعاته بمثل هذه السهولة. لكن سواء أهملت القوات المسلحة حماية أسرارها أو تسلل الجواسيس إليها، أثارت هذه الاكتشافات قلق المسؤولين والمحللين الذين تساءلوا كيف يمكن للجيش الإسرائيلي - المشهور بجمع المعلومات الاستخباراتية - الكشف عن غير قصد عن الكثير من المعلومات عن عملياته.

دمار في كيبوتز بيري قرب قطاع غزة (رويترز)

كانت النتيجة سلسلة مذهلة من الفظائع والمذابح، فيما وصفه الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ بأنه أسوأ قتل جماعي لليهود في يوم واحد منذ المحرقة. فقد حطم الهالة التي لا تُقهر لدى إسرائيل، وأثار هجوماً مضاداً إسرائيلياً على غزة أسفر عن مقتل أكثر من 1900 فلسطيني في أسبوع، لم يُشاهد بمثل ضراوته قط في غزة.

كما ألغى الهجوم الافتراضات القائلة بأن «حماس»، التي صنفتها إسرائيل ودول غربية عديدة منذ فترة طويلة بأنها جماعة إرهابية، أصبحت تدريجياً أكثر اهتماماً بإدارة غزة من استخدام القطاع لشن هجمات كبيرة على إسرائيل. قال علي بركة، أحد قادة «حماس»، في مقابلة تلفزيونية يوم الاثنين، إن «حماس» جعلت الإسرائيليين يعتقدون أنها «مشغولة بإدارة غزة». وأضاف أن «حماس كانت تستعد طوال الوقت، وفي خفاء تام، لهذا الهجوم الكبير».

«حماس» في الكيبوتز!

كان مسلحو «حماس» داخل منزل آدي شيري، على الجانب الآخر من الباب المفتوح. كانت شيري وزوجها وأطفالهما الثلاثة يختبئون داخل غرفة نوم ابنهم الأكبر، ويستمعون إلى المسلحين المتجولين في غرفة معيشتهم. «من فضلك ساعدنا»، رسالة نصية أرسلتها شيري إلى صديق عندما اقترب أحد المهاجمين للغاية من باب غرفة النوم. ثم أمسك بمقبض الباب. كان يوم عائلة شيري قد بدأ بإطلاق صواريخ من غزة، بعد الساعة السادسة صباحاً بقليل. هرعت شيري، الخبيرة الاقتصادية، وزوجها أورين، المهندس، مع أطفالهما إلى غرفة نوم ابنهما الأكبر، والتي تحولت إلى ملجأ من القنابل.

في البداية، بدت أحداث الصباح مألوفة بشكل مزعج. تعيش عائلة شيري في كيبوتز «ناحال عوز»، وهي قرية ريفية يبلغ عدد سكانها 500 نسمة في إسرائيل، على بعد بضع مئات من الياردات شرق الحدود مع غزة. إن إطلاق الصواريخ في الصباح الباكر - وما أعقبه من اندفاع إلى الغرفة الآمنة - هو سمة متكررة للحياة في المنطقة.

تذكر آدي شيري طريقة تفكيرها وتقول: «كالعادة دائماً». لكن هذا الصباح، سرعان ما بدا الأمر مختلفاً. واستمرت الصواريخ في التدفق، وتوجه العديد منها إلى عمق الأراضي الإسرائيلية. ثم جاء دوي طلقات نارية من الحقول المحيطة بالقرية. ترك أورين وشيري غرفة النوم ونظرا من خلال المصاريع على نوافذ غرفة المعيشة. تذكرت آدي شيري زوجها وهو يصرخ: «يا إلهي. حماس في الكيبوتز! حماس في الكيبوتز!».

آثار المعارك في كيبوتز بيري الذي هاجمته حركة «حماس» في 7 أكتوبر الحالي (إ.ب.أ)

كانت الساعة 7:20 صباحاً. وكان المئات من مهاجمي «حماس»، يحملون بنادق وقاذفات صواريخ محمولة على الكتف ويرتدون عصابات رأس خضراء، ويتدفقون عبر حقول القرية.

كان ذلك جزءاً من هجوم منسق قامت فيه فرق من المهاجمين، من خلال الوثائق والفيديو، بتعيين أهداف محددة. وبينما اجتاح بعضهم القواعد العسكرية، اندفع آخرون بالدخول إلى مناطق سكنية، واختطاف وقتل المدنيين. كانوا يصلون إلى شارع منزل شيري في غضون دقائق. اضطرت العائلة إلى التصرف بسرعة. لم يكن ملجأ القنابل الخاص بهم - غرفة نوم ابنهم المراهق - مُحكم الغلق. أمسك الوالدان بكرسي ووضعاه تحت مقبض الباب - مما جعل من الصعب فتحه. ثم جروا خزانة صغيرة ووضعوها على الكرسي. ثم انتظروا. كانت هناك قاعدة للجيش بجوار القرية. وتذكرت آدي شيري وهي تفكر أن قواتها سوف تكون هنا في غضون دقائق. وما لم تكن تعرفه أن العديد منهم كانوا قد قتلوا بالفعل.

«خذوا الجنود والمدنيين»

على طول الحدود، كان مسلحو «حماس» قد اجتاحوا بالفعل معظم، إن لم يكن جميع، قواعد الحدود الإسرائيلية.

أظهرت لقطات من كاميرات محمولة على رأس المهاجمين، بما في ذلك شريط الفيديو الذي يصوّر الغارة على مركز الاستخبارات، أن مسلحي «حماس» - من لواء النخبة المدرب تدريباً عالياً - يُحطمون حواجز عدة قواعد في الضوء الأول من الصباح.

بعد الاختراق، كانوا بلا رحمة، مطلقين النار على بعض الجنود في أسرّتهم بملابسهم الداخلية. وقال ضابط كبير بالجيش الإسرائيلي إنهم في عدة قواعد يعرفون بالضبط أين تقع أجهزة الاتصالات ويدمرونها.

مع تعطل الكثير من أنظمة الاتصالات والمراقبة، لم يتمكن الإسرائيليون في كثير من الأحيان من رؤية قوات نخبة «حماس» قادمة. وقد وجدوا صعوبة في طلب المساعدة والحصول على استجابة. وفي كثير من الحالات، لم يتمكنوا من حماية أنفسهم، ناهيكم عن القرى المدنية المحيطة.

كيبوتز بيري في صورة من الجو (رويترز)

أظهرت وثيقة تخطيط لـ«حماس» - عثر عليها المستجيبون الإسرائيليون في إحدى القرى - أن المهاجمين كانوا منظمين في وحدات محددة جيداً ذات أهداف وخطط قتالية واضحة. أوضحت الوثيقة أن إحدى الفصائل عينت ملّاحين ومخربين وسائقين، بالإضافة إلى وحدات من الهاون في المؤخرة؛ لتوفير غطاء للمهاجمين. كان لدى المجموعة هدف محدد - الكيبوتز - وتم تكليف المهاجمين باقتحام القرية من زوايا محددة. وكانت لديهم تقديرات لعدد القوات الإسرائيلية المتمركزة في المواقع القريبة، وعدد المركبات التي تحت تصرفهم، والمدة التي تستغرقها قوات الإغاثة الإسرائيلية للوصول إليهم.

الوثيقة مؤرخة في أكتوبر (تشرين الأول) 2022 تشير إلى أن الهجوم كان مخططاً له منذ عام على الأقل.

في مكان آخر، نصب مهاجمون آخرون كميناً للتعزيزات العسكرية الإسرائيلية عند مفارق الطرق الرئيسية، طبقاً لأربعة من كبار الضباط والمسؤولين. وكان لدى بعض الوحدات تعليمات محددة للقبض على الإسرائيليين لاستخدامهم ورقةَ مساومة في عمليات تبادل الأسرى مع إسرائيل في المستقبل. وجاء في الوثيقة: «خذوا الجنود والمدنيين أسرى ورهائن للتفاوض معهم».

«سوف نموت»

كان المهاجمون قد شقوا طريقهم إلى منزل عائلة شيري قبل الساعة العاشرة صباحاً بقليل، وفقاً للرسائل التي أرسلتها آدي شيري لأصدقائها لها في ذلك الوقت. ووفقاً لقيادة القرية، لقد قتلوا حراس الكيبوتز، بالإضافة إلى متطوع أمن مدني هرع لمواجهتهم في اللحظات الأولى من الهجوم، وباتوا يتحركون من بيت إلى بيت، محاولين العثور على أناس لقتلهم أو لخطفهم. كتبت آدي شيري على هاتفها: «أرجوكم أرسلوا المساعدة».

سيارات مهجورة في موقع هاجمته حركة «حماس» على حدود قطاع غزة السبت الماضي (أ.ف.ب)

في منزل عائلة شيري، اقتحموا الباب عنوة. وقالت آدي شيري إنهم بعد ذلك دخلوا المنزل وهم يصرخون ونهبوه. تذكرت وقتها فكرة واحدة سيطرت عليها: «سوف نموت». انتظرت العائلة بصمت مرعب، آملة أن يتجاهل الدخلاء باب غرفة النوم ويظنون أن الجميع كانوا بعيدين. آدي شيري وزوجها وضعا كل ثقلهما على الخزانة، لتثبيت الكرسي تحت مقبض الباب. وقف غاي (15 عاماً)، ابنهما الأكبر، بجانب الباب، حاملاً دمبل (ثقلاً حديدياً) يزن 18 رطلاً. إذا كان هناك شخص ما قد اقتحم المكان، فإن الخطة هي أن تسقط على رأس المعتدي. ثم تحرك المقبض. وبدأ الوالدان في دفع الخزانة. واستمر المقبض في التحرك. ثم توقف. لقد ابتعد المهاجم.

على بعد بضعة شوارع، كان لعائلة ميكي ليفي، التي تشرف على حدائق الكيبوتز، موقف مماثل. قال ليفي (47 عاماً) في مقابلة أجريت معه إنه بعد أن طاردته فرقة من المهاجمين داخل غرفته الآمنة، أطلقوا النار على الباب المصفح. اخترقت بعض الطلقات الباب، مما أحدث فيه فتحات كبيرة، وقال ليفي إنه أطلق النار بمسدسه أيضاً، مما أدى إلى تمزيق الباب أكثر. كانت زوجته وابنتاه الصغيرتان في مأوى إلى الجانب.

وبعد تغيير تكتيكاتهم، جلب المهاجمون اثنين من جيرانه - أم وابنتها البالغة من العمر 12 عاماً، كما قال ليفي. قال ليفي إن الأم وابنتها طُلب منهما تحت تهديد السلاح إقناعه بفتح الباب. وروى ليفي أن إحداهما قالت له: «اخرج وتوقف عن إطلاق النار. لن يفعل الإرهابيون أي شيء لك». في نهاية المطاف، تخلى المهاجمون عن هذا النهج وعادوا بصاروخ «آر بي جي»، بحسب ما يقول ليفي. وأضاف أنه عندما أطلق ليفي النار على أحد المهاجمين في فخذه، غادروا المكان أخيراً. الأم وابنتها، كما يشتبه ليفي، صارتا الآن أسيرتين في غزة.

«الجثث تحترق»

قال العميد دان غولدفوس إنه قاد سيارته جنوباً من دون أن يعرف بالضبط إلى أين يجب أن يذهب. كان غولدفوس (46 عاماً)، وهو قائد مظلي، في إجازة بمنزله حيث كان يمارس الركض في منطقته بشمال تل أبيب. ثم شاهد شريطاً مصوراً من الجنوب «يظهر فيه إرهابيون يمشون عبر مدينة، من دون عوائق على الإطلاق». ومن دون انتظار الأوامر، قال العميد إنه ركض إلى المنزل وارتدى زيه الرسمي وتوجه جنوباً. وحمل الأسلحة مع جنديين من قاعدته بوسط إسرائيل واتصل بأصدقائه وزملائه لمعرفة ما يحدث. القليلون فقط أدركوا الأمر. أما البقية، «فلم يكن هناك أي شخص يفهم الصورة الكاملة»، كما قال غولدفوس في مقابلة لاحقة.

إن سرعة ودقة وحجم هجوم «حماس» أوقع الجيش الإسرائيلي في حالة من الفوضى، ولساعات عديدة بعد ذلك، تُرك المدنيون ليدبروا أمورهم بأنفسهم. قال غولدفوس، بحسب المعلومات القليلة التي استطاع الحصول عليها، إنه توجه مع الجنود إلى قرية شمال ناحال عوز، ثم ساروا تدريجياً إلى الجنوب. كانت الساعة نحو العاشرة صباحاً، وكان هناك مجزرة وفظائع في كل مكان حوله. اصطف الإسرائيليون القتلى على الطرق إلى جانب أبواب السيارات المحروقة والمقلوبة. في موقع الحفل الموسيقي الراقص طوال الليل في الهواء الطلق، قتل المسلحون ما يُقدر بنحو 260 من رواد الحفل. تذكر غولدفوس مشاهد الموقع: «كانت الجثث تحترق». كان هجوم «حماس» سبباً في إطلاق العنان لحملة عنف جنونية لدى الجميع. وقد تدفق بعض سكان غزة عبر الحدود غير المحمية بعد اختراقها، وكانوا في بعض الأحيان يبثون ما يفعلونه على هواتفهم المحمولة. وقال الناجون إن سكاناً من غزة اقتحموا ونهبوا منازلهم، وسرقوا الحواسيب، والملابس، والأواني الفخارية، والتلفزيونات، والهواتف.

في بعض القرى الإسرائيلية، احترق سكان في منازلهم، بينما كان مسلحون يطاردون المدنيين عند كل منعطف، بحثاً عن أشخاص يعتقلونهم أو يقتلونهم. اختطفوا الأجداد والأطفال الصغار وطفلاً رضيعاً عمره 9 أشهر واقتادوهم إلى غزة، وبعضهم كان محصوراً بين الخاطفين على متن دراجات نارية.

خلال معظم هذه الفوضى، لم يكن الجيش الإسرائيلي موجوداً في أي مكان تقريباً. بالقرب من كيبوتز ريم، قال غولدفوس إنه التقى قائداً كبيراً آخر بالصدفة. وقد هرع الضابط مثله إلى مكان الحادث من دون أي تعليمات، وجمع مجموعة صغيرة من الجنود. ثم بعد ذلك، توصل الرجلان إلى استراتيجية خاصة بهما؛ إذ قال غولدفوس: «لا توجد أوامر هنا. تحركوا من هنا صوب الجنوب، وسوف أتحرك من هنا صوب الشمال». هكذا وقع بعض الهجوم المضاد الإسرائيلي، حيث سارع الجنود أو المتطوعون المدنيون - بمن فيهم الجنرالات المتقاعدون في الستينيات - إلى المنطقة وفعلوا كل ما في وسعهم.

وصل الجنرال السابق إسرائيل زيف إلى معركة قريبة مستقلاً سيارته الخاصة. قال يائير غولان، نائب رئيس الأركان المتقاعد وعضو الكنيست اليساري السابق، إنه أخذ مسدساً وبدأ في إنقاذ الناجين من مذبحة وقعت في حفل موسيقي ممن كانوا يختبئون في الأحراش المجاورة. قال غولدفوس: «كنا نجري بأسرع ما يمكننا نحو الخطر. لكي نكون أول من يصل هناك».

كان مركز الاستخبارات بالقرب من غزة من أول الأماكن التي استعادت إسرائيل السيطرة عليها. في وقت متأخر من الصباح، وصل الجنود وجنود الاحتياط من وحدات متنوعة إلى القاعدة من اتجاهات مختلفة، ليتغلبوا على 10 مسلحين من غزة والذين صوروا هجومهم القاتل على شريط فيديو. التقطت الكاميرا المثبتة على رأس قائد «حماس» لحظة إطلاق النار عليه وقتله. تسقط الكاميرا وترتد على الأرض. وعند توقف الفيديو، يمكن رؤية القائد على الأرض، ويكشف عن لحيته الطويلة وخط شعره الخفيف. في أجزاء أخرى من جنوب إسرائيل، جاءت التعزيزات الرسمية الأولى من وحدة كوماندوز إسرائيلية وصلت على متن مروحيات عسكرية، بحسب ضابط إسرائيلي كبير. تبعتها وحدات عمليات خاصة أخرى، بما في ذلك قوات البحرية الإسرائيلية، ووحدة استطلاع مدربة للعمل في عمق خطوط العدو بدلاً من الأراضي الإسرائيلية. في بعض الأحيان، كان أفراد قوات الكوماندوز ينضمون إلى قوات المتطوعين، وكانوا يهرعون إلى ساحة القتال لإنقاذ أفراد أسرهم.

توجه نوعام تيبون، الجنرال السابق، بسيارته جنوباً بمسدسه في محاولة لاستعادة كيبوتز ناحال عوز، حيث حوصر ابنه الصحافي «عامير». في وقت مبكر من بعد الظهر، انضم تيبون الأب إلى فرقة كانت تشق طريقها عبر الكيبوتز، من بيت إلى بيت. وبحلول بعد ظهر يوم الأحد، كان لا يزال هناك وجود لـ«حماس» في العديد من القرى والقواعد. لن تكون المنطقة بأكملها مؤمنة بالكامل لأيام.

ظهرت آدى شيري في نحو الساعة الخامسة بعد ظهر السبت في كيبوتز ناحال عوز، لتجد منزلها مبعثراً، والميكرويف مخلوعاً من الجدار، والأدراج مفصولة من الخزائن، وبركة من الدماء الجافة على الأرض. كانت قد سمعت معركة بالأسلحة النارية داخل وحول منزلها في وقت سابق من اليوم. واعتقدت أن «إرهابياً قُتل في المنزل وأن رفاقه المقاتلين نقلوا جثته الملطخة بالدماء». رفض بعض الناجين فتح أبواب منازلهم، حتى بعد وصول الجيش. وعندما وصل الجنود إلى منزل أوشريت ساباغ، وهي من سكان كيبوتز ناحال عوز، خشيت أن يكونوا «إرهابيين متنكرين». حتى بعد أن بدأ الجنود يحادثون بعضهم البعض بالعبرية ليثبتوا هويتهم، لم تقتنع السيدة ساباغ (48 سنة). كانت صلواتهم اليهودية فقط هي التي جعلتها تهدأ قليلاً.


مقالات ذات صلة

مشعل: «حماس» لن تتخلى عن سلاحها ولن تقبل بـ«حُكم أجنبي» في غزة

المشرق العربي خالد مشعل القيادي في حركة «حماس» (أرشيفية - رويترز) p-circle

مشعل: «حماس» لن تتخلى عن سلاحها ولن تقبل بـ«حُكم أجنبي» في غزة

أكد القيادي في «حماس» خالد مشعل، الأحد، أن الحركة الفلسطينية لن تتخلى عن سلاحها ولن تقبل بـ«حكم أجنبي» في قطاع غزّة، بعد بدء المرحلة الثانية من اتفاق الهدنة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
المشرق العربي سيارة إسعاف مصرية قرب معبر رفح في 4 فبراير 2026 (رويترز)

«حماس» تطالب بالضغط على إسرائيل للسماح بدخول لجنة إدارة قطاع غزة

دعت حركة «حماس»، اليوم (السبت)، جميع الأطراف للضغط على إسرائيل؛ للسماح بدخول اللجنة المستقلة لإدارة غزة للقطاع لمباشرة عملها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية - رويترز)

الجيش الإسرائيلي يتباهى بـ5 ميليشيات تعمل لمصلحته في غزة

أكدت مصادر إسرائيلية أن هناك 5 ميليشيات مسلحة تعمل لمصلحة الجيش الإسرائيلي ضد «حماس» في غزة.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص مقاتلون من «حماس» يحملون جثماناً بعد استخراجه من نفق خلال البحث عن جثث الرهائن الإسرائيليين في خان يونس 29 أكتوبر 2025 (أ.ب)

خاص هكذا دفعت «حماس» ترمب للإشادة بها عدة مرات

تظهر تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب المتكررة والعديد من المراقبين والمعنيين أنهم لم يتوقعوا أن تنجح عملية استعادة جميع المختطفين الأحياء والأموات.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطيني يسير فوق دمار مبنى من 5 طبقات دمرته غارة إسرائيلية في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية في عمق قطاع غزة تستهدف ورش صناعة أسلحة

خلال أقل من أسبوع، استهدفت طائرات إسرائيلية، ورشتي حدادة (مخرطتان) الأولى في مدينة غزة، والأخرى في خان يونس جنوب القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«فتح» تتهم إسرائيل بعرقلة مباشرة اللجنة الوطنية مهامها في غزة

خيام النازحين الفلسطينيين في مدينة غزة (أ.ف.ب)
خيام النازحين الفلسطينيين في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

«فتح» تتهم إسرائيل بعرقلة مباشرة اللجنة الوطنية مهامها في غزة

خيام النازحين الفلسطينيين في مدينة غزة (أ.ف.ب)
خيام النازحين الفلسطينيين في مدينة غزة (أ.ف.ب)

اتهمت حركة «فتح» الفلسطينية، اليوم الأحد، إسرائيل بمواصلة عرقلة دخول اللجنة الوطنية المكلفة إدارة غزة، معتبرة أن ذلك يعكس رفضاً إسرائيلياً للمضي قدماً في تنفيذ المرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع.

وقال المتحدث باسم الحركة في قطاع غزة، منذر الحايك، إن إسرائيل لا تزال تمنع وصول أعضاء اللجنة إلى القطاع رغم إعادة فتح معبر رفح، مشيراً إلى أن هذا المنع يقترن بعدم وجود مؤشرات على استعداد إسرائيل للانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق.

وأضاف الحايك، في تصريح صحافي نقلته «وكالة الأنباء الألمانية»، أن الجيش الإسرائيلي يواصل فرض سيطرته على مساحات واسعة من قطاع غزة، ما يعرقل أي خطوات عملية لبدء ترتيبات إدارية جديدة على الأرض.

من جهته، أشار عضو اللجنة الوطنية عائد ياغي إلى وجود معوقات فنية تعيق انتقال أعضاء اللجنة من القاهرة إلى غزة، دون أن يوضح طبيعة هذه المعوقات، معرباً عن أمله في تجاوزها خلال الفترة القريبة المقبلة.

وكانت مصر وقطر وتركيا قد أعلنت، في وقت سابق، عن تشكيل لجنة فلسطينية من شخصيات مستقلة لإدارة شؤون قطاع غزة خلال المرحلة الانتقالية، على أن تباشر عملها من داخل القطاع.

يأتي ذلك في وقت يسري فيه اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة «حماس» منذ العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وسط خلافات متواصلة بشأن تنفيذ بنوده اللاحقة.


لبنان: الانتخابات النيابية أمام تمسّك عون بالمواعيد الدستورية

لبنانية ترفع إصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات المحلية في بيروت 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)
لبنانية ترفع إصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات المحلية في بيروت 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

لبنان: الانتخابات النيابية أمام تمسّك عون بالمواعيد الدستورية

لبنانية ترفع إصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات المحلية في بيروت 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)
لبنانية ترفع إصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات المحلية في بيروت 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)

يصرّ رؤساء الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون والمجلس النيابي نبيه بري والحكومة نواف سلام، على تمرير الاستحقاق النيابي في موعده في مايو (أيار) المقبل، بصرف النظر عما ستؤول إليه المفاوضات الأميركية-الإيرانية، والمرحلة الثانية من «حصرية السلاح»، طالما أن «احتواءه» يطبق بحذافيره ويلتزم به «حزب الله» بعدم استخدامه أو نقله، والموقف نفسه ينسحب على الفصائل الفلسطينية المنتمية إلى محور الممانعة.

ويؤكد مصدر وزاري أن لا عودة عن إجراء الانتخابات النيابية في موعدها، وأن وزارة الداخلية والبلديات أتمت الاستعدادات اللوجيستية والإدارية لإجراءها في مايو المقبل على أساس قانون الانتخاب النافذ حالياً. ويقول المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن الخيار الوحيد لإخراج قانون الانتخابات من السجال الدائر بين رئيس المجلس النيابي نبيه بري وخصومه يكمن باعتماد الدوائر الانتخابية الـ15، في مقابل تعليق العمل باستحداث الدائرة الـ16 لتمثيل الاغتراب اللبناني بـ6 مقاعد نيابية، وبعدم السماح للبنانيين في بلاد الانتشار بالاقتراع لـ128 نائباً من مقر إقامتهم، من دون استبعاد تأجيلها تقنياً إلى منتصف الصيف المقبل، إفساحاً للمجال أمام مجيئهم إلى لبنان لممارسة حقهم بانتخاب ممثليهم.

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه برّي وأعضاء الحكومة الجديدة في البرلمان خلال جلسة عامة للتصويت على الثقة بالحكومة التي شكلها نواف سلام... يوم 26 فبراير 2025 (رويترز)

الكرة في ملعب البرلمان

يلفت المصدر الوزاري إلى أن الكرة الآن في ملعب المجلس النيابي، وأن عدم انعقاده في جلسة تشريعية للنظر في مشروع القانون الذي أحالته إليه الحكومة بصفة المعجل المكرر، يعني حكماً بأن الانتخابات ستجري على أساس اعتماد الدوائر الانتخابية الـ15، لكن المصدر لم يجزم ما إذا كانت الظروف الدولية المحيطة بلبنان ستسمح بإنجاز الانتخابات في موعدها ما لم يتقدّم عليها إلزام «حزب الله» بـ«حصرية السلاح» الذي لا يزال يتصدر اهتمام المجتمَعَيْن الدولي والعربي.

وسُئِل المصدر عن رأيه حيال تريث أكثر من فريق في التحضير لخوض الانتخابات إلى حين التأكد من أنها ستجري في موعدها بغياب الحد الأدنى من التفاهم حول قانون الانتخاب، فأجاب أن معظم القوى السياسية تضع علامة استفهام حول إمكانية الالتزام بموعد مايو المقبل، رغم إصرار الرؤساء على إتمامها احتراماً للمواعيد الدستورية، والتزاماً بإعادة الانتظام لمؤسسات الدولة، معترفاً في الوقت نفسه بأن مصيرها يتأرجح مناصفة بين إتمامها أو تأجيلها.

الرئيس اللبناني جوزيف عون ووزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (أ.ف.ب)

تفادي الحديث بالانتخابات

لا يجد المصدر ما يقوله حيال الموفدين الأجانب والعرب إلى لبنان الذين يُدرجون حصرية السلاح بنداً أساسياً على جدول أعمال لقاءاتهم الرسمية، ويتجنّبون التركيز على إجراء الانتخابات في موعدها، بخلاف لقاءاتهم السابقة، وهذا ما تبين من خلال الاجتماعات التي عقدها وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو الذي لم يأت على ذكر الانتخابات أصلاً.

فالوزير الفرنسي، حسب المصدر، ركّز على حصرية السلاح، واستكمال إقرار الإصلاحات المالية والاقتصادية، وطالب إسرائيل بوجوب التقيّد بوقف الأعمال العدائية، إضافة إلى بحثه مع أركان الدولة طبيعة المرحلة التي تلي انتهاء فترة انتداب قوات الطوارئ الدولية «يونيفيل» في جنوب لبنان نهاية العام الحالي.

ويؤكد أن «الثنائي الشيعي» يصر على إجراء الانتخابات في موعدها لتجديد شرعيته الشعبية، رداً على قول خصومه إنها تشهد تراجعاً ملحوظاً بسبب إصرار «حزب الله» على تمسكه بسلاحه بخلاف الإجماع اللبناني وتعهده به عندما قرر المشاركة في الحكومة التي أدرجت السلاح غير الشرعي بنداً أساسياً تصدّر بيانها الوزاري.

وفي المقابل يرى مصدر سياسي، يقف في منتصف الطريق بين بري وخصومه، أن مصير الانتخابات يتوقف على التزام «حزب الله» بتسليم سلاحه وامتناعه عن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران، في حال أن مفاوضاتها مع الولايات المتحدة الأميركية، التي ما زالت في بداياتها، اصطدمت بحائط مسدود، وبادرت الأخيرة بالرد عسكرياً مستهدفةً منشآتها النووية ومراكز الحرس الثوري، أسوة بما حصل في حربها التي شنتها إلى جانب إسرائيل ضد النظام الإيراني في يونيو (حزيران) الماضي.

«إسناد» إيران

لكن المرجع السياسي إياه يستبعد تدخل «حزب الله» عسكرياً، ويؤكد أن قيادته تتحسّب لرد فعل إسرائيل، وربما أقسى مما كان عليه عندما قرر إسناده لغزة.

ويكشف عن أن الحزب تلقى نصائح من جهات دولية وعربية بعدم التدخّل، ويؤكد أنها كانت كناية عن إنذار وتحذير شديدي اللهجة، وهذا ما تبلّغته أيضاً جهات رسمية رفيعة لم تتردد في تكرار النصائح للحزب عبر قنوات التواصل القائمة بينهما، ويأمل بأن تأخذها على محمل الجد، خصوصاً أن أذرع إيران في الإقليم، في إشارة إلى «حزب الله»، تصدّرت لائحة الشروط الأميركية في المفاوضات، مع أن المرجع، من وجهة نظره، يرى أن الحزب يبالغ في حديثه عن استعادته لقدراته العسكرية، ويدرك سلفاً بأن الاختلال في ميزان القوى يفرض عليه عدم إقحام البلد في مغامرة على غرار إسناده لغزة.

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه في تحرك دعا إليه الحزب أمام منظمة «إسكوا» وسط بيروت الأربعاء (إ.ب.أ)

لذلك يؤكد المرجع بأن احتمال تدخل «حزب الله» عسكرياً لنصرة إيران، في حال تعرضها لهجوم أميركي، سُحب من التداول، ولن يكون عائقاً أمام إجراء الانتخابات النيابية، وأن ما يعطل إنجازها يكمن في مبادرة إسرائيل لتوسعة الحرب على نحو يؤدي إلى تقطيع أوصال الجنوب وعزله عن المحافظات اللبنانية الأخرى.

وهنا يسأل المصدر، هل تبدي واشنطن استعداداً لتمديد فترة السماح لاستكمال تطبيق «حصرية السلاح» شرط التزام الحزب باحتوائه بما يضمن إجراء الانتخابات في موعدها؟ فالتمديد للبرلمان سيلقى رفضاً من عون بإصراره على احترام الاستحقاقات الدستورية، وإلا قد يتحول عهده إلى «إدارة للأزمة»، ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليته بتوفير الحماية لإجراء الانتخابات باعتبارها تشكّل محطة لإحداث تغيير في ميزان القوى يأخذ بالتحولات التي شهدتها المنطقة بتراجع نفوذ محور الممانعة بقيادة إيران في الإقليم.


تجار بغداد يغلقون محالهم ويتظاهرون ضد التعريفة الجمركية الجديدة

لقطة من فيديو للتجار المتظاهرين في بغداد احتجاجاً على الرسوم الجمركية الجديدة (الشرق الأوسط)
لقطة من فيديو للتجار المتظاهرين في بغداد احتجاجاً على الرسوم الجمركية الجديدة (الشرق الأوسط)
TT

تجار بغداد يغلقون محالهم ويتظاهرون ضد التعريفة الجمركية الجديدة

لقطة من فيديو للتجار المتظاهرين في بغداد احتجاجاً على الرسوم الجمركية الجديدة (الشرق الأوسط)
لقطة من فيديو للتجار المتظاهرين في بغداد احتجاجاً على الرسوم الجمركية الجديدة (الشرق الأوسط)

أغلق آلاف التجار في بغداد محالهم وخرجوا بمظاهرات؛ احتجاجاً على تطبيق التعريفة الجمركية الجديدة على البضائع، وضد قرار السلطات اعتماد نظام «سيكودا» المتعلق بأتمتة الإجراءات الجمركية، وشهدت الأسواق الرئيسية في بغداد (الشورجة، وجميلة، وشارع الربيعي) إغلاقاً شبه كامل واضراباً عن العمل احتجاجاً على القرارات الجديدة.

وتجمع المتظاهرون أمام دائرة الجمارك في شارع «النضال» ببغداد، قبل أن ينسحبوا إلى «ساحة التحرير» وسط العاصمة؛ المعروفة باحتضانها معظم المظاهرات الشعبية التي جرت خلال العقدين الأخيرين. وتضامن مع المتظاهرين نحو 7 من أعضاء البرلمان حضروا إلى ساحة التظاهر.

ظروف صعبة

وأبلغ تجارٌ «الشرق الأوسط» أنهم يمرون بظروف عمل صعبة للغاية منذ تطبيق النظام الجديد، لجهة المبالغ الإضافية التي تُفرض على بضائعهم وتأخر وصول البضائع عبر موانئ البصرة الجنوبية وما يترتب على ذلك من مبالغ خزن إضافية.

من مظاهرة التجار العراقيين في بغداد (الشرق الأوسط)

وينتقد معظم التجار السلطات التي عمدت إلى تطبيق النظام في المنافذ الحدودية والموانئ البحرية، لكن من دون شمول منافذ إقليم كردستان الشمالي بذلك، الأمر الذي يمنح أفضلية للتجار الكرد وكذلك لبقية التجار الذي يُدخلون بضائعهم عبر منافذ الإقليم.

وأعلنت الحكومة العراقية، مطلع الشهر الماضي، تطبيق التعريفة الجمركية الجديدة، لتشمل مختلف السلع والأجهزة وكذلك سيارات «هايبرد» التي كانت مستثناة في السابق. وتزامن إعلان التعريفة مع تطبيق قرار «البيان الجمركي» المسبق ضمن نظام «سيكودا» الذي يفرض قيوداً للتحقق من صحة وصول البضائع التي يدّعي التجار استيرادها بالعملة الصعبة (الدولار) التي يوفرها لهم «البنك المركزي العراقي».

انتظار القضاء

وفضلاً عن المظاهرات والانتقادات التي يوجهها التجار إلى الحكومة، تواجه الأخيرة حكماً متوقعاً من المحكمة الاتحادية يمكن أن يلغي الإجراءات الجديدة؛ بالنظر إلى أن حكومة رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني، حكومة تصريف أعمال ولا يحق لها اتخاذ إجراءات ولا سن قوانين بهذا المستوى.

محال تجارية مقفلة في بغداد احتجاجاً على الرسوم الجمركية (الشرق الأوسط)

وأعلن عضو مجلس النواب، محمد الخفاجي، الأحد، أن المحكمة الاتحادية حددت يوم 11 فبراير (شباط) الحالي موعداً للبت في الطعن المقدم ضد قرار حكومة تصريف الأعمال الاتحادية زيادة التعريفة الجمركية.

ودعت النائب عن ائتلاف «دولة القانون»، ابتسام الهلالي، رئاسة مجلس النواب إلى إدراج قضية الضرائب والتعريفة الجمركية وانعكاسها على الواقع الاقتصادي والمعيشي للعراقيين؛ بسبب ارتفاع أسعار السلع والبضائع المستوردة في الأسواق المحلية، ضمن جدول جلسة البرلمان المقرر انعقادها يوم الاثنين.

وقالت الهلالي، في تصريحات صحافية، إن «أعضاء مجلس النواب سبق أن تقدموا بطلبات لمناقشة القرارات التي صدرت من الحكومة بزيادة الرسوم والتعريفة الجمركية، والتي أثرت على الشارع والسوق».

وأضافت أن أعضاء البرلمان «سيجددون مطالبتهم في جلسة يوم الاثنين لمناقشة تداعيات القرارات التي صدرت من قبل الحكومة، والتي تسببت في إضراب وإغلاق المجمعات والمحال التجارية».

زيادة الإيرادات الجمركية

في مقابل الانتقادات التي يوجهها مختصون في الشأن الاقتصادي للإجراءات الجديدة، وأنها قللت من حجم الإيرادات المالية، قال المدير العام لـ«الهيئة العامة للجمارك»، الدكتور ثامر قاسم داود، الجمعة، إن «إيرادات الهيئة منذ 1 يناير (كانون الثاني) 2026 بلغت 151 مليار دينار، وهذا الرقم يعدّ مرتفعاً وإيجابياً جداً إذا ما قورن بحجم النشاط التجاري الفعلي لهذه الفترة».

وذكر في تصريحات لوكالة الأنباء الرسمية، رداً على انتقادات بعض الاقتصاديين، أن «الايرادات الجمركية الجديدة لا تُقدّر عبر عمليات حسابية بحتة بتقسيم الإنتاج السنوي على الأشهر، بل الأمر يعتمد على معايير حقيقية تشمل حجم التبادل التجاري، وعدد المعاملات الجمركية، وعدد الحاويات الداخلة فعلياً».

وأضاف داود أن «(الهيئة) غادرت العمل بنظام (المقطوع) للحاويات بشكل نهائي، حيث أصبح الترسيم يعتمد بدقة على نوعية المواد والفقرات (Items) الموجودة داخل كل حاوية». وأشار إلى أن «التقييم يخضع لمعايير عالمية تعتمد فواتير التحويل المالي والأسعار الدولية، ولا يمكن مضاعفة قيمة أي منتج بشكل غير منطقي».

التظلم الرسمي

وبشأن اعتراضات بعض التجار، دعا المدير العام للهيئة «أي تاجر يشعر بالغبن في تقدير الرسوم إلى تقديم تظلم رسمي للهيئة، واللجان المختصة ستعيد دراسة الفواتير ومقارنتها بالتحويلات المالية. الإشكالية غالباً ما تكمن في (القيم) المقدرة للمواد وليس في (النسب) الجمركية الثابتة قانوناً».

وأكد داود أن «المطالبات بإيقاف نظام (سيكودا) العالمي غير دقيقة؛ لأن النظام يمثل نقلة نوعية تهدف إلى تنظيم وتبسيط وتوحيد الإجراءات الجمركية في العراق وفقاً للمواصفات الدولية».