مساعٍ للتمديد لقائد الجيش اللبناني بعد انتهاء ولايته

لمنع الفراغ على رأس المؤسسة العسكرية

قائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون يطّلع على الوضع على الحدود الشرقية مع سوريا مع أحد الضباط (حساب الجيش اللبناني على «إكس» - أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون يطّلع على الوضع على الحدود الشرقية مع سوريا مع أحد الضباط (حساب الجيش اللبناني على «إكس» - أ.ف.ب)
TT

مساعٍ للتمديد لقائد الجيش اللبناني بعد انتهاء ولايته

قائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون يطّلع على الوضع على الحدود الشرقية مع سوريا مع أحد الضباط (حساب الجيش اللبناني على «إكس» - أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون يطّلع على الوضع على الحدود الشرقية مع سوريا مع أحد الضباط (حساب الجيش اللبناني على «إكس» - أ.ف.ب)

تُبدي معظم البعثات الدبلوماسية المعتمَدة لدى لبنان قلقاً مزدوجاً حيال دخول لبنان فراغاً رئاسياً مديداً يمكن أن ينسحب على قيادة الجيش، وتسأل في حال أن التنقيب عن النفط تقدم على «التنقيب» عن رئيس الجمهورية، هل تستمر معركة شد الحبال بين قائد الجيش العماد جوزف عون، ووزير الدفاع الوطني في حكومة تصريف الأعمال العميد المتقاعد موريس سليم، بالإنابة عن رئيس الجمهورية السابق ميشال عون، ووريثه السياسي رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، الذي لا يترك تهمة إلا ويُلصقها بقائد الجيش، وآخرها اتهامه بتسهيل دخول السوريين إلى لبنان عبر المعابر غير الشرعية؟

وتستغرب هذه البعثات، كما تقول مصادرها لـ«الشرق الأوسط»، استمرار باسيل في حملته على العماد عون، رغم أنها كانت قد أُحيطت علماً بأن وحدات الجيش المرابطة على الحدود اللبنانية - السورية تمكّنت حتى الساعة من إبعاد أكثر من 18 ألف سوري حاولوا «التسلل» إلى الأراضي اللبنانية عبر المعابر غير الشرعية الممتدة في معظمها على طول الحدود المشتركة بين البلدين والتي يقدّر طولها بأكثر من 375 كلم، وترى أن هناك ضرورة لتحييد الجيش عن تصفية الحسابات بإبعاد عون من السباق الرئاسي.

فمعركة شد الحبال التي يقودها باسيل واضطرار قائد الجيش للرد عليه، وإن كان لا يسمّيه، آخذةٌ في التصاعد بالتلازم مع انسداد الأفق أمام انتخاب رئيس للجمهورية، رغم أن الموفد القطري الشيخ جاسم بن فهد آل ثاني، سعى، من خلال لقاءاته رؤساء الكتل النيابية والقيادات المعنية بإخراج الاستحقاق الرئاسي من التأزّم، إلى إحداث خرق، تحضيراً لزيارة وزير الدولة القطري محمد بن عبد العزيز الخليفي، فيما لم يصدر أي موقف من اللجنة الخماسية حيال التحرك القطري ريثما تتضح الصورة فور عودة الموفد الرئاسي الفرنسي وزير الخارجية السابق جان إيف لودريان، إلى بيروت لتجديد مساعيه بحثاً عن خيار ثالث من خارج المرشحين: النائب السابق سليمان فرنجية والوزير السابق جهاد أزعور.

لكن مصادر نيابية أكدت لـ«الشرق الأوسط»، نقلاً عن الموفد القطري، أن تحركه يأتي بالتنسيق مع اللجنة الخماسية ولا يتعارض مع المهمة الموكلة إلى لودريان، وقالت إنه طرح 4 أسماء في معرض استمزاج الآراء حول الخيار الرئاسي الثالث، هم، حسب الترتيب: العماد جوزف عون، المدير العام للأمن العام بالإنابة، واللواء آلياس البيسري، النائب نعمت أفرام، والوزير السابق زياد بارود. من دون أن يقفل الباب أمام من التقاهم بإضافة أسماء جديدة، على أن يعود القرار النهائي للبرلمان، لأنه وحده يمسك بزمام المبادرة لوقف الفراغ المديد في رئاسة الجمهورية.

ولم تُفلح حتى الساعة الوساطة التي قام بها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي برعايته أكثر من لقاء بين الوزير سليم والعماد عون في محاولة لإصلاح ذات البين بينهما، إضافةً إلى مبادرة مدير المخابرات في الجيش العميد أنطوان قهوجي، بجمعهما في مكتبه في اليرزة من دون أن يؤدي استمرار خلافهما إلى حجب ما يتطلبه الجيش من احتياجات، كون سليم لا يتردد في التوقيع على كل الطلبات التي تحال إليه من قيادة الجيش.

لكنّ المعركة بينهما لن تدوم طويلاً في حال استمرار الشغور الرئاسي إلى ما بعد العاشر من يناير (كانون الثاني) المقبل، وهو الموعد المحدد لإحالة العماد عون إلى التقاعد، لأنه من غير الجائز، كما تقول المصادر الدبلوماسية لـ«الشرق الأوسط»، أن يُترك مصير المؤسسة العسكرية للقضاء والقدر في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان.

وفي هذا السياق، تلفت مصادر سياسية بارزة إلى أن الفراغ الرئاسي لا يجوز أن ينسحب على المؤسسة العسكرية، وأن هناك ضرورة لتفاديه لئلا يسقط ما تبقى من الهيكل على رؤوس اللبنانيين، خصوصاً أن إسناد قيادة الجيش بالإنابة إلى الضابط الأقدم والأعلى رتبة، لا يشكل فقط مخالفة لقانون الدفاع، وإنما وجوده على رأس المؤسسة لا يفي بالغرض المطلوب، ولا يملك صلاحيات إصدار القرارات بشغور منصب رئيس الأركان الذي ينوب عن العماد عون فور إحالته إلى التقاعد.

وتؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن انتداب العضو المتفرّغ في المجلس العسكري اللواء بيار صعب لينوب عن العماد عون بمرسوم يصدر عن الوزير سليم يُشكل مخالفة لقانون الدفاع ويُقحم البلد في اشتباك سياسي هو في غِنى عنه، مع إصرار الطائفة الدرزية على تعيين رئيس للأركان خلفاً للواء أمين العرم الذي أُحيل إلى التقاعد، كون هذا المنصب من حصتها.

وتكشف عن أن إحالة العرم إلى التقاعد ومعه اللواءان مالك شمص مدير الإدارة في الجيش، وميلاد إسحاق المفتش العام، تعني أنه يتعذّر على المجلس العسكري الانعقاد برئاسة العماد عون لعدم توافر النصاب المطلوب لانعقاده، وهذا ما يكمن وراء تكليف مَن تبقى في المجلس العسكري بتدبير وتسيير أمور المؤسسة العسكرية، خصوصاً أن تكليف ضابطين خلفاً لشمص وإسحاق لا يعطيهما الحق في حضور اجتماعات المجلس العسكري لأن دورهما يقتصر على تدبير شؤونها، وإنما على نطاق ضيق، فيما قانون الدفاع يَحول دون تكليف الضابط الأعلى رتبة بتولّي رئاسة الأركان بالنيابة عن اللواء العرم.

وترى المصادر نفسها أن هناك صعوبة في تصويت البرلمان على اقتراح القانون المقدّم من «اللقاء الديمقراطي» برفع سن التقاعد للعسكريين لسنتين من أدنى رتبة إلى أعلاها، وتردّ السبب إلى أن إقراره يعني حكماً إحداث تخمة في عدد الضباط من رتبة عميد يمكن أن يصل إلى نحو 800 ضابط، وهذا ما يؤدي إلى حرمان الضباط من نفس الرتبة من فرصة التداول في تولي مناصب رئيسية في المؤسسة العسكرية، باعتبار أن الأقدمية في الرتبة لا تسمح لهم بتولّيها.

وتؤكد أن الوزير سليم لا يزال يرفض الموافقة على التمديد لقائد الجيش وملء الشغور في المجلس العسكري بذريعة امتناعه عن التوقيع على ما هو مطلوب منه في غياب رئيس الجمهورية، وتقول إن تمديد الشغور الرئاسي إلى ما بعد إحالة العماد عون إلى التقاعد سيفتح الباب أمام توزّع الضغوط بين الداخل والخارج لإقناعه بوجوب إعادة النظر في موقفه لجهة القيام بكل ما هو مطلوب منه، لأن انتقال الفراغ إلى المؤسسة العسكرية يمكن أن يأخذ البلد إلى مكان آخر كونه المؤسسة الأم، وتشكِّل إلى جانب المؤسسات الأمنية الأخرى صمام الأمان لحماية السلم الأهلي والحفاظ على الاستقرار ومنع تدحرجه إلى مزيد من الانهيار، مما يدفع بعض الأطراف إلى الترويج لمشاريع أقل ما يقال عنها إنها تستهدف الإطاحة باتفاق الطائف، الناظم الوحيد للعلاقات بين المكوّنات السياسية والطائفية التي يحتضنها لبنان، رغم الشوائب التي لحقت به من جراء سوء تطبيقه.

لذلك لن يطول أمد معركة شد الحبال التي تستهدف حصة الموارنة في التركيبة السياسية، إذا ما أُلحقت قيادة الجيش بالشغور في رئاسة الجمهورية وحاكمية مصرف لبنان!


مقالات ذات صلة

توغل إسرائيلي في العمق اللبناني واختطاف مسؤول في «الجماعة الإسلامية»

المشرق العربي عنصر في الجيش اللبناني يقف على الركام في بلدة كفركلا بجنوب لبنان أثناء زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى البلدة الأحد (أ.ف.ب)

توغل إسرائيلي في العمق اللبناني واختطاف مسؤول في «الجماعة الإسلامية»

توغلت قوة إسرائيلية فجر الاثنين سيراً على الأقدام في بلدة الهبارية واقتحمت منزل المسؤول في «الجماعة الإسلامية» عطوي عطوي.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي وزير الخارجية الفرنسي جان نويل - بارو يعقد مؤتمراً صحافياً مشتركاً مع رئيس إقليم كردستان العراق في أربيل 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

وزير خارجية فرنسا يدعو لتزويد الجيش اللبناني بإمكانات لاستكمال نزع سلاح «حزب الله»

شدّد وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو، الجمعة، قبل وصوله الى بيروت، على أهمية تزويد الجيش اللبناني بإمكانات لمواصلة مهامه في نزع سلاح «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي السيناتور الأميركي الجمهوري ليندسي غراهام (رويترز)

سيناتور أميركي ينهي اجتماعاً مع قائد الجيش اللبناني بسبب «حزب الله»

أعلن السيناتور الأميركي ليندسي غراهام أنه أنهى بسرعةٍ اجتماعاً بدأه مع قائد الجيش اللبناني اللواء رودولف هيكل لرفض الأخير القول إن «حزب الله» منظمة إرهابية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي 
العماد رودولف هيكل (مديرية التوجيه)

رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية يلتقي قائد الجيش اللبناني

كاين «أعاد التأكيد على أهمية العلاقات الدفاعية الراسخة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط» بعد لقائه قائد الجيش اللبناني الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي جنديان إسرائيليان من وحدة «شاحاف 869» المستحدثة يشغلان طائرة مسيرة (الجيش الإسرائيلي)

توغلات إسرائيلية متزايدة في الجنوب... والجيش اللبناني يلاحق مسارب التسلل

أكثر من 10 تفجيرات في شهر واحد نفذتها القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية منذ مطلع العام، استهدفت منازل في القرى الحدودية عبر تفخيخها ونسفها.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
TT

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

تواصل إسرائيل حملتها لتصفية نشطاء بارزين في حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في قطاع غزة، من خلال هجمات جوية تنفذها داخل مناطق غرب «الخط الأصفر»، مستغلة خروج عناصر مسلّحة من أنفاق رفح وتحييدهم، كحدث أمني تعدُّه خرقاً لاتفاق وقف النار، بهدف تنفيذ هجمات ضد أهداف كانت قد رصدتها سابقاً.

وقُتل فلسطينيان، أمس، في غارة إسرائيلية استهدفت دراجة هوائية كهربائية، وسط قطاع غزة، أحدهما هو عاصم أبو هولي، قائد وحدة النخبة في «سرايا القدس»، الجناح العسكري لـ«الجهاد الإسلامي».

وكانت إسرائيل شنت، الاثنين، غارة على شقة سكنية في حي النصر بمدينة غزة، مستهدفة 3 نشطاء بارزين في كتيبة بيت حانون، التابعة لـ«كتائب القسام»، الجناح العسكري لـ«حماس».

من جهة أخرى، جاءت ردود الفعل الأميركية على الإجراءات الإسرائيلية الرامية لضم الضفة الغربية «خجولة»، مع تأكيد مسؤول في البيت الأبيض، لم يعلن عن اسمه، معارضة الرئيس دونالد ترمب، لعملية الضم، من دون انتقاد مباشر للإجراءات أو تلويح بأي خطوة رادعة.


تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».