نازحو كاراباخ تركوا كل شيء خلفهم... ومخاوف من تدهور الوضع الإنساني

TT

نازحو كاراباخ تركوا كل شيء خلفهم... ومخاوف من تدهور الوضع الإنساني

أشخاص من العرق الأرميني يسيرون على طول الطريق من كاراباخ إلى كورنيدزور في منطقة سيونيك بأرمينيا في 26 سبتمبر 2023 (أ.ب)
أشخاص من العرق الأرميني يسيرون على طول الطريق من كاراباخ إلى كورنيدزور في منطقة سيونيك بأرمينيا في 26 سبتمبر 2023 (أ.ب)

تشهد حدود أرمينيا مع إقليم ناغورنو كاراباخ الانفصالي عن أذربيجان، نزوحاً مستمراً لآلاف الأشخاص المنتمين إلى العرق الأرمني، بعد نجاح القوات الأذرية في السيطرة على الإقليم، الأسبوع الماضي. وأعلنت يريفان الأربعاء عن عبور ما يزيد على 50 ألفاً من كاراباخ ذات الأغلبية الأرمينية إلى أرمينيا المجاورة، وسط مخاوف من تطهير عرقي بحق سكان الإقليم الأرمن.

لاجئون أرمن من كاراباخ في مركز تسجيل لـ«الصليب الأحمر» الثلاثاء (أ.ف.ب)

أدى الانتصار العسكري الذي حققته أذربيجان الأسبوع الماضي (20 سبتمبر/ أيلول) على الانفصاليين من القومية الأرمينية في جيب كاراباخ، الذي كان في السابق خارج سيطرة باكو، إلى واحدة من أكبر حركات النزوح في جنوب القوقاز، منذ سقوط الاتحاد السوفياتي في تسعينات القرن الماضي، وقد خلق هذا النزوح الكثيف اختناقات مرورية على الطرقات سببت أزمة إنسانية؛ بعرقلتها إجلاء المصابين وتقديم المساعدات الطبية والإنسانية اللازمة.

آلاف النازحين تركوا كل شيء خلفهم

عبر أكثر من 50 ألف شخص الحدود إلى أرمينيا من إقليم ناغورنو كاراباخ منذ الأسبوع الماضي، من أصل 120 ألفاً هم عدد سكان الإقليم الذي تسكنه غالبية من القومية الأرمينية، حسبما أفادت به وكالة «رويترز» للأنباء، الأربعاء، نقلاً عن الحكومة الأرمينية.

وبحسب مراسل صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، الاثنين، وصل النازحون في صف لا نهاية له من سيارات وشاحنات أسطحها محملة بالأمتعة والفرش، تاركين كل شيء خلفهم.

لاجئون من منطقة ناغورنو كاراباخ يصلون إلى قرية كورنيدزور الحدودية بأرمينيا في 26 سبتمبر 2023 (رويترز)

وأفادت «رويترز» بأن الطريق الجبلية ذات المنعطفات الحادة من كاراباخ باتجاه أرمينيا تختنق بالناس. وينام كثيرون في السيارات أو يبحثون عن الحطب للتدفئة على جانب الطريق.

ومنذ عمليات الإجلاء الأولى يوم الأحد، وصلت مجموعات من السيارات من كاراباخ إلى نقطة التفتيش الأرمينية في قرية كورندزور، وهي قرية بالقرب من مدخل ممر لاتشين، الطريق الوحيدة التي تربط أرمينيا بالجيب المتنازع عليه، حسبما أفاد به مراسل «لوموند» الموجود هناك.

وتصطف نحو 10 أجهزة كومبيوتر في مركز استقبال كورنيدزور الأرميني بالقرب من الحدود مع أرمينيا لتسجيل النازحين. في الخلف، يأخذ المتطوعون أسماء اللاجئين وتفاصيل الاتصال بهم، بينما يقوم أعضاء «الصليب الأحمر الأرميني» بلعب الكرة الطائرة مع الأطفال أو توزيع الطعام. وبعد تدوين هوياتهم وتسجيل سياراتهم في ملف بجهاز الكومبيوتر، يخير «الصليب الأحمر» النازحين إن لم يكن لديهم عائلة في أرمينيا تستقبلهم ولا مكان يذهبون إليه، أن يتوجهوا إلى وسط قرية غوريس الأرمينية الحدودية حيث سيتم منح هؤلاء الأشخاص سكناً مؤقتاً، أو المغادرة إلى العاصمة الأرمينية يريفان حيث تتأمن هناك أيضاً خيارات للإقامة، حسبما أفاد مراسل صحيفة «لوفيغارو».

ضباط إنفاذ القانون الأرمن يقفون حراسة عند نقطة تفتيش بينما يفر اللاجئون من منطقة ناغورنو كاراباخ ويصلون إلى قرية كورنيدزور الحدودية بأرمينيا في 27 سبتمبر 2023 (رويترز)

أشار تقرير لصحيفة «لوموند» الفرنسية، الثلاثاء، إلى أن يريفان تعتزم تنظيم تدفق اللاجئين بأفضل طريقة ممكنة، بعيداً عن الفوضى التي تسود على الجانب الآخر من الحدود. وقد حذر مدافع عن حقوق ناغورنو كاراباخ، غيغام ستيبانيان، وفق التقرير، من أن الاختناقات المرورية في ستيباناكيرت، عاصمة المنطقة الانفصالية، سيئة للغاية، لدرجة أنها تمنع «إجلاء المصابين بجروح خطيرة وتقديم المساعدات الطبية والإنسانية».

وبحسب مجلة «لوبسيرفاتور» الفرنسية، الثلاثاء، فإن «الجميع (من سكان الإقليم) يهرب، رغم تأكيد الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف أن حقوق الأرمن في الجيب (مضمونة)».

فتاة تنام في أحد شوارع بلدة ستيباناكيرت في 25 سبتمبر 2023... بدأ اللاجئون من أصل أرمني مغادرة ناغورنو كاراباخ في 24 سبتمبر 2023 للمرة الأولى منذ أن شنت أذربيجان هجوماً يهدف إلى السيطرة على المنطقة الانفصالية في صراع مستمر منذ أكثر من 3 عقود (أ.ف.ب)

القبض على مطلوبين

فتحت أذربيجان الأحد الطريق الوحيدة التي تربط ناغورنو كاراباخ بأرمينيا (ممر لاتشين)، بعد 4 أيام من استسلام الانفصاليين والتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وضع المنطقة تحت سيطرة باكو، حسب تقرير قناة «فرانس 24» الأربعاء.

قال مصدر حكومي أذربيجاني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن حرس الحدود الأذربيجاني يبحثون عن أشخاص يُشتبه في ارتكابهم «جرائم حرب»، وسط اللاجئين الذين يغادرون ناغورنو كاراباخ إلى أرمينيا.

وأعلنت أذربيجان بالفعل القبض على الرئيس السابق للحكومة الأرمينية الانفصالية في ناغورنو كاراباخ، روبن فاردانيان، الأربعاء أثناء محاولته الهروب إلى أرمينيا كجزء من النزوح الجماعي. وكان فاردانيان المصرفي الملياردير والمحسن، قد رأس حكومة كاراباخ الانفصالية في الفترة من نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 إلى فبراير (شباط) 2023، حسب وكالة «رويترز».

أشخاص من العرق الأرمني من ناغورنو كاراباخ يواسون امرأة شابة عند وصولها إلى كورنيدزور في منطقة سيونيك بأرمينيا الثلاثاء 26 سبتمبر 2023 (أ.ب)

انفجار يفاقم الأزمة الإنسانية

تفاقم الوضع الإنساني أكثر في كاراباخ مساء الاثنين مع انفجار مستودع للوقود، ما أدى إلى إصابة أكثر من 200 شخص، بحسب السلطات الانفصالية.

وبحسب تقرير صحيفة «الغارديان» البريطانية، الأربعاء، قالت السلطات المحلية في الإقليم، إن عدد القتلى جراء الانفجار ارتفع إلى 68 شخصاً، مع فقدان 105 أشخاص آخرين وإصابة ما يقرب من 300 آخرين.

ووقع الانفجار بينما كان الناس يصطفون لملء سياراتهم في محطة وقود خارج ستيباناكيرت، في وقت متأخر من يوم الاثنين. ولا يزال سبب الانفجار غير واضح، لكن ديفيد بابايان مساعد رئيس ناغورنو كاراباخ قال إن المعلومات الأولية تشير إلى أنه نتج عن الإهمال، مضيفاً أنه من غير المرجح أن يكون هناك عمل تخريبي، وفق «الغارديان».

وتم إجلاء المصابين بجروح خطيرة بطائرة هليكوبتر إلى أرمينيا حيث كانت الطرق مزدحمة للغاية بحركة المرور لدرجة أن الرحلة التي يبلغ طولها 77 كيلومتراً فقط (48 ميلاً) إلى الحدود، تستغرق 30 ساعة على الأقل، حسب وكالة «رويترز».

وقالت السلطات الأرمينية أيضاً إنها أحضرت 125 جثة إلى أرمينيا من ناغورنو كاراباخ للتعرف عليها. وأوضحت وزارة الصحة في البلاد أن جميع القتلى سقطوا في القتال الأسبوع الماضي، وفق «الغارديان».

وقال مساعد الرئيس الأذربيجاني حكمت حاجييف على موقع «إكس» («تويتر» سابقاً)، إن المستشفيات في أذربيجان جاهزة لعلاج الضحايا، لكنه لم يذكر ما إذا كان قد تم نقل أي منهم إلى هناك.

يُظهر مقطع الفيديو هذا الذي التقطته وزارة الدفاع الروسية ونشرته في 27 سبتمبر 2023 سكاناً محليين يساعدون المسعفين العسكريين الروس في إجلاء الجرحى بعد انفجار وحريق في مستودع وقود خارج ستيباناكيرت في إقليم ناغورنو كاراباخ (أ.ف.ب)

مخاوف من تطهير عرقي

بعد انتصار الجيش الأذري، الأسبوع الماضي، قال الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف إنه سيتم احترام حقوق الأرمن، لكنه قال إن «قبضته الحديدية» قد أودعت فكرة إنشاء دولة مستقلة لكاراباخ أرمينية (أرتساخ عند الأرمن) إلى التاريخ، وإن المنطقة ستتحول إلى «جنة».

وقال أرمن كاراباخ لوكالة «رويترز» إنهم لا يريدون العيش كجزء من أذربيجان ويخشون التطهير العرقي على يد أذربيجان التي نفت مراراً مثل هذه المزاعم، ووصفتها بأنها كلام لا قيمة له.

ويقول تقرير صحيفة «لوموند» الثلاثاء، إن الخوف من تطهير عرقي أصبح أقوى من أي وقت مضى، خصوصاً أنه بعد انتصار باكو في الحرب الأخيرة في ناغورنو كاراباخ عام 2020، تفاخر رئيس أذربيجان إلهام علييف بأنه «طارد (الأرمن)... مثل الكلاب». وكانت أذربيجان تنتظر هذا الانتقام منذ أكثر من 30 عاماً، إذ قامت أرمينيا بعد فوزها في حرب كاراباخ الأولى (1988 - 1994)، بطرد مئات الآلاف من الأذربيجانيين، وضم الأراضي المحيطة بناغورنو كاراباخ (الذي يطلق عليه الأرمن تسمية آرتساخ). وفي عام 2020، كان انتصار علييف غير مكتمل، إذ ظل جزء من الإقليم تحت سيطرة السلطات الانفصالية «في حين أن الرئيس علييف انتصر اليوم»، حسب «لوموند».

أشخاص من العرق الأرميني يسيرون على طول الطريق من كاراباخ إلى كورنيدزور في منطقة سيونيك بأرمينيا في 26 سبتمبر 2023 (أ.ب)

مواقف إقليمية ودولية من أزمة كاراباخ

وجَّه رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان، نهاية الأسبوع الماضي، انتقادات لأداء قوات حفظ السلام الروسية في كاراباخ، واتهمها بأنها لم تتحرك لمساعدة أرمن كاراباخ على وقف الهجوم الأذري. ولوح بالانسحاب من معاهدة الأمن الجماعي، التي تلزم أعضاءها بالتدخل في حال تعرض أي من البلدان الموقعة عليها لاعتداء خارجي.

في المقابل، سعى «الكرملين»، الثلاثاء، إلى تبديد التوتر في العلاقة مع يريفان، على خلفية الاتهامات الأرمينية لروسيا بخذلان أرمينيا، وجدد التأكيد على عمق التحالف مع يريفان. وشن الإعلام الروسي حملة شرسة على رئيس الوزراء الأرميني باشينيان، وحمّله بشكل مباشر مسؤولية إخفاقات السياسة الأرمينية.

وأشاد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال لقائه نظيره الأذربيجاني إلهام علييف، الإثنين، بما سماه «انتصار» باكو في العملية. وقال إن «انتصار أذربيجان... في كاراباخ، يفتح نافذة لفرصة التطبيع في المنطقة». ودعا الرئيس التركي أرمينيا إلى مصافحة يد السلام الممدودة إليها.

من جهتها، أرسلت الولايات المتحدة، موطن ثاني أكبر جالية أرمينية في العالم بعد روسيا، مسؤولين كباراً إلى أرمينيا لإظهار دعمهم، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية ماثيو ميلر إن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن طلب من الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف يوم الثلاثاء «التأكيد على ضرورة امتناع أذربيجان عن المزيد من الأعمال العدائية في ناغورنو كاراباخ، وتوفير وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق».

وقال ميلر: «أحث الوزير الرئيس علييف على الالتزام بالعفو الشامل والسماح بإرسال بعثة مراقبة دولية إلى ناغورنو كاراباخ».

وقال الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف لوزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن إن «المنشآت العسكرية فقط هي التي تم استهدافها خلال إجراءات مكافحة الإرهاب، التي استمرت أقل من 24 ساعة، ولم يُصَب المدنيون بأذى»، بحسب بيان صادر عن المكتب الرئاسي الأذربيجاني.

وجاء في البيان أن «الرئيس إلهام علييف أكد أن الأنشطة المعنية جارية لضمان حقوق السكان الأرمن الذين يعيشون في منطقة كاراباخ».

وشدد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الثلاثاء، على ضرورة «حماية» حقوق آلاف السكان الفارين من ناغورنو كاراباخ إلى أرمينيا، حسبما أفادت به «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال المتحدث باسم الأمين العام ستيفان دوجاريك، أمام الصحافيين: «يشعر الأمين العام بقلق بالغ إزاء التحركات السكانية التي نشهدها نحو أرمينيا، بعد الأحداث الأخيرة في المنطقة. من الضروري، في المقام الأول، حماية حقوق السكان النازحين وأن يتلقوا المساعدة الإنسانية اللازمة».

ودعت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك الأربعاء أذربيجان إلى السماح لمراقبين دوليين بدخول ناغورنو كاراباخ، لإظهار التزام باكو بحماية الأشخاص الذين يعيشون هناك، وفق شبكة الإذاعة والتلفزيون الألمانية الدولية «دويتشه فيله».


مقالات ذات صلة

موريتانيا تدفع بتعزيزات عسكرية إلى مناطق توتر مع مالي

شمال افريقيا السلطات الموريتانية دفعت بتعزيزات عسكرية مهمة إلى مناطق توتر مع مالي (الجيش الموريتاني)

موريتانيا تدفع بتعزيزات عسكرية إلى مناطق توتر مع مالي

دفعت موريتانيا مساء الثلاثاء بتعزيزات من الجيش والحرس إلى قرى يسكنها موريتانيون، تقع بمحاذاة الحدود مع مالي.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
آسيا صورة مُرسلة بتاريخ 28 فبراير 2026 تُظهر مقاتلين من حركة «طالبان» يستقلون مركبة مدرعة عند نقطة تفتيش قرب معبر تورخم الحدودي بين باكستان وأفغانستان (د.ب.أ)

أفغانستان تعلن مقتل 30 جندياً باكستانياً في اشتباكات حدودية

ذكرت السلطات الأفغانية أن قوات «طالبان» قتلت 30 جندياً باكستانياً خلال اشتباكات على طول خط ديوراند الحدودي المتنازع عليه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا جندي باكستاني يقف حارساً عند الحدود الباكستانية الأفغانية في تشامان 24 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

باكستان وأفغانستان تتبادلان إطلاق النار على الحدود

تبادلت قوات باكستانية وأفغانية إطلاق النار على الحدود، الثلاثاء، واتهم كل طرف الآخر ببدء الاشتباك، وذلك بعدما شنت باكستان غارات جوية على أفغانستان قبل أيام.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
آسيا منزل متضرر في كمبوديا إثر اشتباكات حدودية سابقة بين جنود كمبوديين وتايلانديين (أ.ف.ب) p-circle

كمبوديا تطلق النار «عن طريق الخطأ» على أراضي تايلاند

قال الجيش التايلاندي، الثلاثاء، إن كمبوديا أبلغته بأنها أطلقت النار عن طريق الخطأ، ما تسبب في إصابة أحد الجنود بنيران قذائف هاون في منطقة حدودية.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
آسيا دمار لحق قرية تشوك شي على الحدود بين كمبوديا وتايلاند جراء قتال بين البلدين (وكالة أنباء كمبوديا-أ.ف.ب) p-circle

كمبوديا تتهم تايلاند بـ«ضم» قرية حدودية

أعلنت كمبوديا أن القوات التايلاندية سيطرت على قرية حدودية متنازع عليها، متّهمة تايلاند بـ«ضم» المنطقة بعد هدنة وضعت حداً للقتال على طول الحدود بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (بنوم بنه)

سفيرة أميركية ثانية لدى أوكرانيا تستقيل لخلافات مع ترمب

القائمة بالأعمال الأميركية في أوكرانيا جولي ديفيس (أرشيفية - رويترز)
القائمة بالأعمال الأميركية في أوكرانيا جولي ديفيس (أرشيفية - رويترز)
TT

سفيرة أميركية ثانية لدى أوكرانيا تستقيل لخلافات مع ترمب

القائمة بالأعمال الأميركية في أوكرانيا جولي ديفيس (أرشيفية - رويترز)
القائمة بالأعمال الأميركية في أوكرانيا جولي ديفيس (أرشيفية - رويترز)

للمرة الثانية على التوالي، تغادر ممثلة واشنطن لدى كييف منصبها الدبلوماسي بسبب خلافات مع الإدارة الأميركية حول الملف الأوكراني، ووعود الرئيس دونالد ترمب بإنهاء الحرب في أوكرانيا، التي دخلت عامها الخامس بغزو روسي في عام 2022، وفشله في التوصل إلى سلام، في حين يضغط ترمب على كييف من أجل التوصل إلى اتفاق مع روسيا.

وستغادر السفيرة جولي ⁠ديفيس ⁠​لدى أوكرانيا منصبها، الذي عينت فيه قبل أقل من عام، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، الثلاثاء، بسبب ‌خلافات ‌مع ​الرئيس ‌الأميركي، حسب تقارير إعلامية.

ونقلت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية اليومية، عن مصادر لم تسمّها، أن جولي ديفيس تشعر بإحباط متزايد بسبب عدم دعم إدارة ترمب لأوكرانيا. لكن وزارة الخارجية نفت وجود أي خلاف، وأشارت إلى أن ديفيس ستتقاعد.

صورة نُشرت في 26 أبريل 2026 تظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في كييف (أ.ف.ب)

وعيّنت إدارة ترمب ديفيس التي لا تحمل رتبة سفيرة معتمدة من مجلس الشيوخ، في مايو (أيار) العام الماضي، بعد استقالة بريدجيت برينك التي كانت قد احتجت على ما اعتبرته «سياسة استرضاء» ينتهجها ترمب تجاه روسيا. وقال الناطق باسم وزارة الخارجية تومي بيغوت: «من الخطأ التلميح إلى أن السفيرة ديفيس ستستقيل بسبب خلافات مع دونالد ترمب»، مضيفاً أنها «ستواصل بكل فخر الترويج لسياسات الرئيس ترمب حتى مغادرتها كييف رسمياً في يونيو (حزيران) 2026 وتقاعدها».

واشتكى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من تزايد الهجمات الأوكرانية على مواقع مدنية داخل روسيا، مشيراً إلى ضربات حديثة استهدفت منشآت لتخزين النفط في مدينة توابسي المطلة على البحر الأسود. وقال بوتين، الثلاثاء، خلال اجتماع حول قضايا الأمن قبيل الانتخابات البرلمانية المقررة في سبتمبر (أيلول)، إن «هجمات الطائرات المسيرة تنفذ بشكل متزايد ضد البنية التحتية المدنية».

وأعلنت أوكرانيا أنها استخدمت أنظمة اعتراض لإسقاط أكثر من 33 ألف طائرة مسيرة روسية بمختلف أنواعها خلال شهر مارس (آذار)، في رقم قياسي شهري منذ بدء الحرب، بحسب ما أفاد به وزير الدفاع الأوكراني ميخايلوف يدوروف.

وشنت أوكرانيا ثلاث هجمات كبيرة على توابسي خلال الأسبوعين الماضيين. وبعد أحدث هجوم، وقع فجر الثلاثاء، اندلعت حرائق كبيرة مجدداً، ما دفع السلطات إلى إخلاء شوارع قريبة لأول مرة. وتحدث بوتين عن «عواقب محتملة خطيرة» على البيئة، لكنه نفى وجود خطر جدي حالياً على السكان، مؤكداً أن السلطات تسيطر على الوضع بعد اتصاله بحاكم إقليم كراسنودار فينيامين كوندراتيف.

وطورت أوكرانيا تكنولوجيا متقدمة للطائرات المسيرة أثبتت فاعليتها في ساحة المعركة، وأسهمت في صد الجيش الروسي الأكبر حجماً، كما أثارت اهتماماً عسكرياً من دول عدة حول العالم.

وبحسب مسؤولين أوكرانيين، تسعى دول في الشرق الأوسط والخليج إلى الحصول على طائرات اعتراض مسيرة كجزء من أنظمة دفاع جوي متكاملة، في ظل تداعيات الحرب مع إيران. وقال فيدوروف في منشور على تطبيق «تلغرام» إن أوكرانيا تعمل على زيادة إمدادات طائرات الاعتراض المسيرة للتصدي للهجمات الجوية الروسية، كما أن الجيش أنشأ قيادة جديدة ضمن سلاح الجو لتعزيز قدراته الدفاعية.

الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)

وأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن بلاده تستعد لتصدير الأسلحة إلى الخارج، في ظل إنتاج يفوق احتياجات قواتها المسلحة. وقال زيلينسكي في خطابه المسائي، الثلاثاء: «في بعض مجالات الإنتاج لدينا حالياً فائض يصل إلى 50 في المائة من القدرة الإنتاجية». وأضاف أن «تصدير الأسلحة الأوكرانية سيصبح واقعاً، لكن الجيش الأوكراني سيبقى دائماً له الأولوية في الحصول على ما يحتاج إليه، بينما يذهب الفائض إلى التصدير».

مسيّرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

وأشار زيلينسكي إلى أن أوكرانيا تعمل بالفعل مع دول في الشرق الأوسط وأوروبا والقوقاز ضمن صيغة تعاون خاصة تعرف باسم «صفقات الطائرات المسيرة».

كما لفت إلى أن «ثمة اقتراحاً مطروحاً أيضاً على شركائنا الأميركيين»، موضحاً أن الاتفاقات المحتملة قد تشمل تصدير طائرات مسيرة وأنظمة دفاع وأنواع أخرى من الأسلحة، بما يسهم في تحسين الوضع المالي للبلاد. وأكد أن شروط هذه الصفقات يجب أن تكون «مفيدة لأوكرانيا مع وجود رقابة واضحة، وأن تستخدم العائدات لتعزيز دفاعاتها». وتشهد أوكرانيا توسعاً كبيراً في إنتاج الأسلحة منذ بدء الحرب الروسية واسعة النطاق قبل أكثر من أربع سنوات.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية، في بيان، في وقت متأخر من الثلاثاء، أن العرض التقليدي الذي تنظمه روسيا بمناسبة الذكرى الـ81 لهزيمة ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، ستجري دون معدات عسكرية. وهذه ستكون أول مرة منذ أن شنت موسكو غزواً شاملاً على أوكرانيا في عام 2022، لا توجد معدات عسكرية في المسيرة التي تجوب الميدان الأحمر في موسكو في التاسع من مايو المقبل، وهو اليوم الذي تحتفل فيه روسيا بأهم أعيادها وتظهر قدرتها العسكرية.

جنود أوكرانيون في غرفة تحوَّلت لكنيسة قرب الجبهة في دونيتسك (اللواء 93 الميكانيكي - أ.ف.ب)

من جانب آخر، يدرس الاتحاد الأوروبي فرض شروط أكثر صرامة لقرض قدمته لأوكرانيا وتمت المصادقة عليه رسمياً في قمة قبرص، الأسبوع الماضي، قيمته ‌90 مليار ​يورو (105.35 ‌مليار ⁠دولار)، ​ويشترط الاتحاد ربط بعض دفعات القرض بتعديل ضريبي ⁠على الشركات، لكن الاقتراح لا يحظى بقبول ​كبير.

وقال ‌تقرير «بلومبيرغ نيوز»، نقلاً ​عن مصادر مطلعة، الأربعاء، إن الخطة ستؤثر على ما قيمته 8.4 مليار ‌يورو مما يسمى بالمساعدة المالية الكلية ⁠من ⁠المتوقع منحها هذا العام في إطار البرنامج.


تشارلز يطوي محطة واشنطن بخطاب تاريخي أمام الكونغرس

ترمب مستقبلاً الملك تشارلز والملكة كاميلا في البيت الأبيض يوم 28 أبريل (أ.ب)
ترمب مستقبلاً الملك تشارلز والملكة كاميلا في البيت الأبيض يوم 28 أبريل (أ.ب)
TT

تشارلز يطوي محطة واشنطن بخطاب تاريخي أمام الكونغرس

ترمب مستقبلاً الملك تشارلز والملكة كاميلا في البيت الأبيض يوم 28 أبريل (أ.ب)
ترمب مستقبلاً الملك تشارلز والملكة كاميلا في البيت الأبيض يوم 28 أبريل (أ.ب)

تنفّس البريطانيون الصعداء، الأربعاء، بعد مغادرة الملك تشارلز العاصمة الأميركية باتّجاه نيويورك، غداة إلقاء خطاب تاريخي أمام الكونغرس وعقد محادثات ناجحة إلى حدّ كبير مع الرئيس دونالد ترمب، في محاولة لتجاوز الخلافات بين البلدين على خلفية حرب إيران.

ورغم نجاحها، فإن الزيارة لم تخلُ من المزحات المتبادلة بين القائدين والرسائل المبطّنة، كما شهدت خرقاً دبلوماسياً أثار بعض الجدل في المملكة المتّحدة؛ فخلال مأدبة عشاء رسمية أُقيمت، الثلاثاء، تكريماً للملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا، قال الرئيس الأميركي إن العاهل البريطاني وافقه، خلال اجتماع خاص، على أنه لا ينبغي السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي. وقال ترمب للحضور: «نقوم ببعض العمل في الشرق الأوسط حالياً... ونحقق تقدماً جيداً للغاية. لقد هزمنا عسكرياً ذلك الخصم تحديداً، ولن نسمح أبداً لذلك الخصم - تشارلز يوافقني، بل أكثر مني - لن نسمح له أبداً بامتلاك سلاح نووي».

جانب من مأدبة العشاء الرسمية في البيت الأبيض مساء 28 أبريل (أ.ف.ب)

ورغم أن كثيرين في بريطانيا قد يتفقون مع هذا الطرح، فإن تصريح ترمب أثار قدراً من الاستغراب بين المعلقين في المملكة المتحدة؛ إذ يُعدّ ذلك خرقاً واضحاً للبروتوكول. وبحسب الأعراف، لا يُفترض كشف تفاصيل المحادثات الخاصة مع الملك، وذلك جزئياً؛ لأنه يتوقّع من الملك البقاء فوق التجاذبات السياسية، وأيضاً لأن العاهل لا يستطيع الدخول في نقاش عام لتصحيح ما قد يُنقل عنه إذا أسيء اقتباسه.

وقال كريغ بريسكوت، الخبير في القانون الدستوري وشؤون الملكية في جامعة رويال هولواي بلندن، لوكالة «أسوشييتد برس» إنه «بشكل عام، ومن حيث البروتوكول، أتوقع أن تبقى المناقشات بين رؤساء الدول خلف الكواليس، في تلك الاجتماعات المغلقة، وأن تُحفظ سريتها». وأضاف: «هذا أمر كانت الحكومة البريطانية ترغب في تجنبه».

توتّر بين الحليفين

تأتي زيارة تشارلز وكاميلا إلى نيويورك، الأربعاء، في اليوم الثالث من زيارتهما ⁠الرسمية للولايات المتحدة، في ظل توتر في العلاقات بين البلدين، بعد ‌أن انتقد ترمب مراراً رئيس الوزراء البريطاني ‌كير ستارمر لما يصفه سيد البيت الأبيض بـ«التقاعس» عن المساعدة في ​الحرب على إيران.

ترمب مستقبلاً الملك تشارلز والملكة كاميلا في البيت الأبيض يوم 28 أبريل (أ.ب)

وكما هو الحال في جميع الزيارات الملكية، تُعدّ هذه الزيارة حدثاً دبلوماسياً منظماً بعناية، ويتم بناءً على طلب الحكومة البريطانية التي تأمل أن تسهم العلاقات الودية بين الملك وترمب، الذي يُظهر إعجاباً بالمؤسسة الملكية، في إصلاح هذا التوتر.

لكن ترمب يُعرف بأسلوبه غير التقليدي وميله إلى خرق الأعراف، ما أثار تساؤلات بشأن ما قد يقوله أو يفعله. وفي هذه الحالة، بدا أن تصريحات الملك - كما نقلها ترمب - تقع ضمن حدود السياسة البريطانية القائمة.

وقال قصر باكنغهام، في بيان يهدف إلى وضع تصريحات الرئيس في سياقها، إن «الملك يدرك بطبيعة الحال موقف حكومته الراسخ والمعروف جيداً بشأن منع انتشار الأسلحة النووية». وقال بريسكوت: «بطبيعة الحال، كان هذا هو التحدي دائماً: ماذا سيفعل ترمب أو يقول؟ هل سيضع الملك في موقف محرج؟». وأضاف: «كان هناك دائماً احتمال لما قد ينشره على وسائل التواصل الاجتماعي... وأعتقد أن الأمر كان يمكن أن يكون أسوأ بكثير».

خطاب تاريخي

وقبل مأدبة العشاء الرسمية، ألقى الملك تشارلز خطاباً أمام جلسة مشتركة للكونغرس الأميركي، قوبل بتصفيق حار ومتكرر، حيث أشاد بالعلاقات التاريخية بين الولايات المتحدة وبريطانيا، مع الإشارة إلى بعض نقاط الخلاف بشأن حلف شمال الأطلسي (ناتو)، والدعم لأوكرانيا، وضرورة مواجهة التغير المناخي.

استقبال ملك بريطانيا تشارلز أمام الكونغرس في واشنطن 28 أبريل 2026 (رويترز)

وقال تشارلز أمام الجلسة المشتركة لمجلسي الشيوخ والنواب، إن «التحديات التي نواجهها أكبر من أن تتحملها أي دولة بمفردها»، داعياً الشركاء إلى الدفاع عن القيم المشتركة. وأضاف: «مهما كانت اختلافاتنا، ومهما كانت خلافاتنا، نحن نقف متحدين في التزامنا دعم الديمقراطية».

وألقى تشارلز الثالث خطابه تزامناً مع احتفال الولايات المتحدة بـ250 عاماً على إعلان استقلال المستعمرات الأميركية عن التاج البريطاني في 4 يوليو (تموز) 1776. وتابع: «أصلّي من كل قلبي أن يستمر تحالفنا في الدفاع عن قيمنا المشتركة... وأن نتجاهل الدعوات إلى مزيد من الانغلاق على أنفسنا»، مُشيراً إلى أن «هناك حاجة إلى عزيمة لا تلين للدفاع عن أوكرانيا وشعبها الشجاع، من أجل ضمان سلام عادل ودائم».

وكان الرئيس الأميركي قد أكّد، الثلاثاء، أن ليس لدى الولايات المتحدة «أصدقاء أقرب من البريطانيين»، خلال مراسم استقبال تشارلز الثالث والملكة كاميلا في البيت الأبيض.

وهذه ثاني مرة فقط يلقي فيها عاهل بريطاني كلمة في الكابيتول في واشنطن، بعد خطاب الملكة إليزابيث الثانية عام 1991.

وبعد تصفيق حار من المشرّعين، دان الملك البريطاني العنف السياسي، وأعرب عن أسفه لإطلاق النار الذي وقع، السبت، خلال عشاء مراسلي البيت الأبيض، معتبراً أن ما حدث هو محاولة لـ«إثارة المزيد من الخوف والفتنة»، لكنه أضاف: «لن تنجح مثل هذه الأعمال العنيفة أبداً» في ذلك. كما دعا الملك المعروف بدفاعه عن الطبيعة، إلى حماية البيئة.

محطة نيويورك

وصل تشارلز الثالث وكاميلا إلى نيويورك، الأربعاء، لإحياء ذكرى ضحايا الهجمات الإرهابية التي استهدفت المدينة في 11 سبتمبر (أيلول) 2001. وبدأ ملك وملكة بريطانيا يومهما في نيويورك بحضور مراسم في النصب التذكاري للضحايا ‌في جنوب مانهاتن، حيث دمر انتحاريون من تنظيم «القاعدة» برجي مركز التجارة العالمي، في هجوم أودى بحياة ما يقرب من 2800 شخص. والتقى تشارلز برئيس بلدية مدينة نيويورك زهران ممداني خلال المراسم.

الملك تشارلز والملكة كاميلا برفقة رئيس بلدية نيويورك السابق مايكل بلومبيرغ خلال زيارة نصب تذكاري لضحايا 9/11 يوم 29 أبريل (أ.ف.ب)

ويتوجه الملك ‌بعد ذلك إلى هارلم لزيارة منظمة مجتمعية محلية أطلقت مبادرة زراعية بعد الدوام الدراسي بهدف مكافحة انعدام الأمن الغذائي. ومثلت ⁠هذه المشاريع شغفاً ⁠للملك على مدى عقود. وفي الوقت نفسه، ستحتفل كاميلا بالذكرى المئوية لميلاد شخصية «ويني ذا بو» الخيالية التي ابتكرها إيه إيه ميلن، نيابة عن مؤسستها الخيرية «غرفة قراءة الملكة» في فعالية يصفها قصر بكنغهام بأنها «أدبية».


تركيا وأرمينيا إلى تعاون يتجاوز الخلافات و«مزاعم الإبادة» بدعم أميركي

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في إسطنبول يوم 20 يونيو 2025 (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في إسطنبول يوم 20 يونيو 2025 (الرئاسة التركية)
TT

تركيا وأرمينيا إلى تعاون يتجاوز الخلافات و«مزاعم الإبادة» بدعم أميركي

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في إسطنبول يوم 20 يونيو 2025 (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في إسطنبول يوم 20 يونيو 2025 (الرئاسة التركية)

قطعت تركيا وأرمينيا خطوة جديدة على طريق تطبيع العلاقات بينهما، بعد عقود من قطع العلاقات وخلاف عميق بشأن مزاعم «الإبادة الجماعية للأرمن» عام 1915 خلال فترة الدولة العثمانية، التي تحييها أرمينيا وكثير من الدول الغربية في 24 أبريل (نيسان) من كل عام.

واستبدلت أنقرة ويريفان، هذا العام، بحالة التوتر والتراشق التي كانت تصاحب إحياء ذكرى الإبادة المزعومة، التي لا تعترف بها تركيا وتؤكد أنها كانت أحداثاً وقعت في شرق الأناضول إبان الحرب العالمية الأولى خلفت ضحايا من الجانبين، العملَ على مشروعات تعاون تسهم في دفع جهود تطبيع العلاقات المجمدة منذ عام 1993 بسبب النزاع على إقليم ناغورنو قره باغ بين أرمينيا وأذربيجان.

تفاهمات بترحيب أميركي

ووسط ترحيب أميركي، عُقد في مدينة كارص الحدودية مع أرمينيا في شمال شرقي تركيا، اجتماع لـ«مجموعة العمل المشتركة» بين البلدين، التي تشكلت بهدف إعادة تأهيل وتشغيل خط السكك الحديدية بين كارص ومدينة غيومري الأرمينية.

جانب من اجتماع تركي - أرميني في مدينة كارص الحدودية لبحث إعادة تشغيل خط سكة حديد بين البلدين (الخارجية التركية)

وقالت وزارة الخارجية التركية، في بيان، إن الاجتماع، الذي عقد الثلاثاء، جاء في إطار تفاهمات جرى التوصل إليها ضمن مسار تطبيع العلاقات بين البلدين، الذي انطلق منذ عام 2021.

ووفق البيان، فقد أكد الجانبان أهمية إعادة تفعيل خط السكك الحديدية بين كارص وغيومري في أسرع وقت ممكن، في إطار تعزيز روابط النقل الإقليمية.

ورحب السفير الأميركي لدى تركيا، توم برّاك، بالاجتماع، ووصفه، عبر حسابه على منصة «إكس»، بأنه «نقطة تحول مهمة» من حيث الترابط الإقليمي والسلام. وذكر برّاك أن خط كارص - غيومري كان ممراً تجارياً محورياً وحيوياً يربط المنطقة لأكثر من قرن، إلا إن آخر قطار مر عبره كان في يوليو (تموز) 1993.

وأضاف: «أُثمن الخطوات الأخيرة التي اتخذتها تركيا وأرمينيا لتقريب اقتصاديهما وشعبيهما من جديد»، لافتاً إلى أن هذا التقدم يعكس الرؤية التي طرحها «مسار ترمب للسلام والازدهار الدوليين»، وقمة السلام «التاريخية» التي عُقدت (بين أميركا وأذربيجان وأرمينيا) في البيت الأبيض يوم 8 أغسطس (آب) 2025.

وأطلقت تركيا، التي دعمت أذربيجان بقوة في حربها في ناغورنو قره باغ عام 2020، مباحثات لتطبيع العلاقات وحل القضايا الخلافية العالقة مع أرمينيا في عام 2021، وعينت سفيرها السابق لدى الولايات المتحدة، سردار كيليتش، ممثلاً خاصاً لها، كما عينت أرمينيا نائب رئيس برلمانها، روبن روبينيان، ممثلاً خاصاً لها، في إطار عملية الحوار بينهما، التي لا تزال مستمرة حتى الآن.

مصافحة بين الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال قمة بالبيت الأبيض برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أغسطس 2025 (إ.ب.أ)

وتوصلت أذربيجان وأرمينيا، العام الماضي، إلى اتفاق بشأن نص اتفاقية سلام؛ مما أسهم في دفع العلاقات الأرمينية - التركية. وفُتح معبر «أليكان- مارغارا» الحدودي بين البلدين، لأول مرة منذ 35 عاماً، لعبور المساعدات الإنسانية من أرمينيا إلى تركيا بعد زلزال 6 فبراير (شباط) 2023.

تقدم على مسار التطبيع

وحضر رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، حفل تنصيب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لولاية رئاسية جديدة في يونيو (حزيران) 2023، وبعد عامين أجرى أول زيارة عمل لتركيا بدعوة من إردوغان في 20 يونيو 2025، كانت الأولى على هذا المستوى بعد كثير من اللقاءات السابقة بين مسؤولي البلدين في محافل مختلفة.

ولم يطبق البروتوكول المعمول به في الزيارات الرسمية بالنسبة إلى رؤساء الدول والحكومات الآخرين على باشينيان، الذي التقى إردوغان بالمكتب الرئاسي في «قصر دولمه بهشه» بإسطنبول.

جانب من مباحثات إردوغان وباشينيان في إسطنبول يوم 20 يونيو 2025 بحضور وزيرَي خارجية البلدين (الرئاسة التركية)

لكن رئيس البرلمان الأرميني، ألين سيمونيان، وصف زيارة باشينيان بـ«التاريخية»؛ لأنها أول زيارة على مستوى رئيس وزراء أرميني، مؤكداً أن اجتماعه مع إردوغان اكتسب أهمية بالغة في سياق عملية التطبيع التي تجريها تركيا وأرمينيا، اللتان لم تُقما علاقات دبلوماسية بعد.

وقيّم باشينيان العلاقات بتركيا، خلال زيارة لاحقة لجمهورية التشيك، قائلاً: «عقدنا اجتماعات عدة بناءة للغاية مع الرئيس إردوغان، ورغم عدم تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع، حتى الآن، فإننا قد أحرزنا تقدماً ملحوظاً».

وأضاف: «على سبيل المثال، قبل 3 سنوات، عندما أرادت أرمينيا معرفة موقف تركيا من قضية ما، لم يكن بإمكانها ذلك إلا من خلال وساطة أطراف ثالثة، أما اليوم، فنجري اتصالات مباشرة، بل يومية، مع جيراننا».