عرمان لـ«الشرق الأوسط»: البرهان يمثل الجيش... لا السودان

القيادي في «الحرية والتغيير» قال إن «أوهام الإسلامويين» تمنع جهود إنهاء الحرب

ياسر عرمان القيادي في «الحرية والتغيير» ومستشار رئيس الوزراء السابق في السودان (الشرق الأوسط)
ياسر عرمان القيادي في «الحرية والتغيير» ومستشار رئيس الوزراء السابق في السودان (الشرق الأوسط)
TT

عرمان لـ«الشرق الأوسط»: البرهان يمثل الجيش... لا السودان

ياسر عرمان القيادي في «الحرية والتغيير» ومستشار رئيس الوزراء السابق في السودان (الشرق الأوسط)
ياسر عرمان القيادي في «الحرية والتغيير» ومستشار رئيس الوزراء السابق في السودان (الشرق الأوسط)

قال القيادي في «قوى الحرية التغيير» في السودان، ياسر عرمان، إن الحرب بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، مرشحة للاستمرار لفترة أطول، وإن أي طرف لم يستطع تحقيق نصر حاسم بعد 6 أشهر من اندلاعها، مشيراً إلى أن هذه الحرب لا تزال إلى الآن محصورة بين طرفي الصراع عسكرياً، لكن من سماتها الخطرة أنها يمكن أن تتمدد لتصبح حرباً أهلية شاملة بين المكونات المجتمعية في البلاد، ما يستدعي تكوين جبهة مدنية واسعة من القوى الوطنية لإنهائها.

البرهان سيختار أجندة الحرب

وقال عرمان في مقابلة مع «الشرق الأوسط» إن قائد القوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بعد خروجه من القيادة العامة في الخرطوم، لا يستطيع توحيد الجيش على أجندة السلام، وسيلجأ إلى توحيده على أجندة الحرب التي يقف من خلفها الإسلاميون، للقضاء على ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2019 بعد أن فشلوا في ذلك من طريق الانقلاب.

وأضاف أن «هذه الحرب، بالنسبة لحزب المؤتمر الوطني المعزول والإسلاميين، هي وسيلة للرجوع إلى السلطة، وهم يسعون إلى أن تكون قوات (الدعم السريع) الشريك الأصغر، وفي سبيل ذلك لا يمانعون أن يصلوا إلى اتفاق معها إذا تخلت عن مواقفها المعلنة».

البرهان خلال جولة في قاعدة «فلامنغو» البحرية في بورتسودان في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

ويرأس ياسر سعيد عرمان «الحركة الشعبية - التيار الثوري الديمقراطي»، وهو فصيل رئيسي في تحالف «قوى الحرية والتغيير». وكان عرمان من أوائل «الشماليين» من وسط السودان، الذين التحقوا بـ«الحركة الشعبية» و«الجيش الشعبي»، بزعامة الراحل جون قرنق، والتي كانت تقاتل نظام البشير.

«حرب الحروب»

ويرى عرمان أن الحرب الحالية تختلف كمّاً ونوعاً عن كل الحروب السابقة التي شهدتها البلاد ما بعد الاستقلال، وعدها «حرب الحروب» على حد وصفه، وأنها أتت نتاج تراكمات فشل المشروع الوطني، الذي وصل إلى مرحلة نوعية بعد استيلاء الرئيس المعزول عمر البشير، مدعوماً من الإسلاميين، على السلطة في 1989، فاختطفوا الدولة السودانية، وعملوا على تسييس القوات النظامية، ولم يستطيعوا حتى الحفاظ على مؤسسة مهنية واحدة. وبالنسبة للقوات النظامية فقد لجأت إلى تعددية الجيوش للقضاء على حركات المقاومة المسلحة في الريف في سبيل الحفاظ على بقاء نظامهم في السلطة.

أعمدة الدخان الكثيف تتصاعد من جهة مطار الخرطوم الدولي الملاصق لمقر القيادة العامة للجيش في أبريل (رويترز)

ويشير زعيم «التيار الثوري» في «الحركة الشعبية» إلى أن الحرب الحالية نشأت في عصب وقلب قوتين نظاميتين، هما القوات المسلحة السودانية و«الدعم السريع»، واندلعت في مركز السلطة وسيطرة القيادة، وأدت إلى دمار النسخة القديمة من الدولة السودانية، كما ألحقت أضراراً عميقة بالمدنيين والبنية التحتية للدولة ستستمر لعقود مقبلة، وتكاد الدولة تكون قد وصلت الآن إلى مرحلة الانهيار.

لست كاتب خطابات «حميدتي»

ورداً على من يتهمونه بكتابة خطابات قائد قوات «الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو الشهير باسم «حميدتي»، قال عرمان: «هذه أقاويل في غاية السذاجة والغرابة. الإسلاميون هم من أجازوا قانون (الدعم السريع) في 2017، وسمحوا له بتكوين جيش موازٍ»، مذكّراً بحديث مشهور للرئيس المعزول، عمر البشير، قال فيه إن قوات حميدتي هي لـ«حمايته».

قائد قوات «الدعم السريع» الفريق حميدتي في 19 فبراير (رويترز)

وتابع عرمان قائلاً: «إن الإسلاميين لم يطالبوا مطلقاً بدمج أو حل قوات (الدعم السريع)، بل كانوا يدافعون عنها، وذهبوا بزعيم (حزب الأمة القومي) الراحل، الإمام الصادق المهدي، إلى السجن والمحكمة عندما انتقد (الدعم السريع) في ذلك الحين». ويضيف عرمان أن «إلصاق تلك الاتهامات به جاءت بعدما أجرى (الدعم السريع) تصحيحاً لموقفه من انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، وأعلن وقوفه مع الاتفاق الإطاري»، وكانت «قوى التغيير» على وشك التوقيع على اتفاق نهائي يعيدها وقوى ثورة ديسمبر إلى السلطة مرة أخرى. فماذا كانت ستجني من الحرب؟ الإسلاميون هم المستفيدون من الحرب ويقفون خلفها».

لسنا جناحاً سياسياً لـ«الدعم السريع»

واعتبر عرمان دمغ «قوى التغيير» بأنها «الجناح السياسي لقوات (الدعم السريع)، والاتهامات التي تطاله، تربصاً وشيطنة، يطلقها الإسلاميون لتفتيت وتدمير حركة المجتمع السياسي والمدني، وهم الذين دفعوا بهذه الحرب بتقديرات خاطئة، ظناً منهم بأنهم قد يكسبونها في ثلاثة أيام كما صرح قادتهم، ولم يستطيعوا. وهم لا يرون (الدعم السريع) بتسليحها وقوتها والآلاف الذين انضموا إليها، وكل تركيزهم على الخطابات، وإذا تمكن حميدتي من إنشاء جيش وتسليحه، فإنه لا يتمكن من كتابة خطاب. أيهما أصعب: إنشاء الجيش وتسليحه أم مجرد كتابة خطاب؟».

البرهان يمثل الجيش... لا السودان

وحول خطاب رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، يقول عرمان إن «البرهان يمثل القوات المسلحة بوصفه قائداً للجيش، ولا يمثل السودان، وهو الذي نفذ انقلاباً عسكرياً على الحكم المدني الديمقراطي».

البرهان يدلي بخطابه في الأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)

وفي حديثه في نيويورك وزياراته للخارج لم يطرح أي أفكار عملية أو حلولاً لقضية الحرب وكيفية الخروج منها، وكل ما يبحث عنه هو مشروعية وشرعية لإطالة أمد الحرب التي وصفها من قبل بالعبثية، وليس لوضع حدٍّ لها. في مقابل مطالب قائد «الدعم السريع» حميدتي بتصور واضح لإنهاء الحرب، والتزامات قاطعة تجاه الشعب ووقف انتهاكات حقوق الإنسان. وأضاف عرمان أن البرهان وحميدتي أعلنا استعدادهما لوقف الحرب والتزامهما بمنبر جدة، و«نطالبهما الآن بالذهاب والتوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار طويل الأمد، وفتح ممرات آمنة لتوصيل المساعدات الإنسانية للمحتاجين من المدنيين، ووقف الانتهاكات من الطرفين، والتوجه بمشاركة واسعة من المدنيين الراغبين في التغيير لمخاطبة جذور الأزمة، وبناء جيش مهني مختلف تماماً عن القوات الموجودة الآن».

أوهام الإسلاميين تمنع الحل

وأكد عرمان أن «فلول النظام المعزول هم من يقودون هذه الحرب، ويقفون خلف تعبئة المدنيين للمشاركة في القتال، ويهاجمون البرهان نفسه، ويحذرونه من الذهاب إلى جدة، ومن التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار، ويدفعونه لمواصلة الحرب». وقال إن منبر جدة، بوساطة المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية، أهم محاولة لوقف الحرب في السودان، لكنها اصطدمت بغياب الإرادة السياسية، والمنبر يحتاج إلى توافق وتكامل مع مبادرات منظمة «إيغاد» والاتحاد الأفريقي، وضم قوى جديدة من الاتحاد الأوروبي ومجموعة «الترويكا» والدول العربية والأفريقية، لخلق قوة دفع جديدة.

الأمين العام للحركة الإسلامية علي كرتي أحد المتهمين بتأجيج الصراع (غيتي)

وأضاف عرمان أن «العقبة الحقيقية هي أوهام الإسلاميين بإحراز نصر في هذه الحرب. فهم يسعون لإطالة أمد الحرب لإنتاج نموذج سوري في السودان، للاعتراف بهم من المجتمع الدولي، ويعتقدون أنه بالتجييش يمكن أن يجدوا قوة كافية لهزيمة قوات (الدعم السريع)، ونخشى أن يؤدي ذلك إلى حرب أهلية شاملة ومشاكل إثنية وجهوية في البلاد». وأكد عرمان أن «الفرصة الآن متاحة لوقف الحرب والبحث عن مشروع وطني جديد يكسب فيه السودان، ولا يكسب فيه أي من طرفي الحرب».

المطلوب إرادة سياسية مدعومة إقليمياً ودولياً

وبشأن المبادرات المطروحة لوقف الحرب في السودان، قال: «إذا لم تتوفر الإرادة السياسية لدى الأطراف، فلن نحرز أي تقدم. والمبادرات تحتاج إلى قوى ضغط إقليمية ودولية. صحيح أن الجهود الحالية تضم قوى وبلداناً مهمة، لكن بلا تنسيق وعمل مشترك لن تستطيع التأثير على الأطراف». وأشار عرمان إلى أن «غياب الاتحاد الأوروبي والدور الفاعل للأمم المتحدة، ساهم في إضعاف المبادرات وجعلها تعمل بإرادة محدودة، وكذلك التناقضات وتضارب المصالح الإقليمية والدولية، وعدم مشاركة المدنيين بصورة فاعلة، ورغبة بعض الأطراف التي تدفع بالاستمرار في الحرب، مثل وزارة الخارجية السودانية في الهجوم الذي تشنه على بلدان (إيغاد) والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي».

أعمدة الدخان تتصاعد من جهة مطار الخرطوم الدولي الملاصق لمقر القيادة العامة للجيش في أبريل (رويترز)

واعتبر أن «المطلوب تجميع كل المبادرات، أي منبر جدة مع كافة المنابر الأخرى، لخلق صلة تكاملية مشتركة، وأن يكون المدنيون طرفاً فاعلاً، وفي الوقت نفسه يأخذ المجتمع الدولي قرارات حقيقية ضد كل من يريد إطالة أمد الحرب».

السودانيون هم أساس الحل

ورأى القيادي في «قوى التغيير» أن «الضغوط الدولية على طرفي القتال غير كافية، والضغط الحقيقي يجب أن يأتي من السودانيين»، مشيراً إلى أن «الحركة السياسية التي هجرت ونزحت من أهم مراكزها في العاصمة الخرطوم، تحتاج إلى وقت لإعادة ترتيب أجندتها وتنظيم صفوفها». وأكد عرمان أن «لا أحد يدعم التدخل الدولي أو الأمم المتحدة لتولي قيادة السودان، وهذا غير مطلوب أو مرغوب بالنسبة للسودانيين، وأفضل الحلول هي التي يشارك فيها السودانيون ويقودونها بأنفسهم، والتدخل الإقليمي والدولي مكلف، ويمكن للسودانيين في الخارج أن يلعبوا دوراً فاعلاً في إعادة الاهتمام بالقضية السودانية، وكذلك المجتمع السياسي والمدني».

ياسر عرمان خلال رئاسته إحدى جلسات قوى الإعلان بالقاهرة (الصفحة الرسمية للقوى على «فيسبوك»)

وأعرب عرمان عن خشيته من أن «هذه الحرب مرشحة لأن تكون طويلة إذا لم يوحد السودانيون قواهم، ويجعلوا الاهتمام بقضية الحرب محوراً أساسياً، إقليمياً ودولياً»، مؤكداً أن «الأولوية الرئيسية لشعبنا هي إيقاف الحرب وإيصال المساعدات الإنسانية، ووقف الانتهاكات، وليس لتكوين حكومة في بورتسودان شرق البلاد أو في العاصمة الخرطوم. وعلى طرفي النزاع التوجه لوقف الأعمال العدائية بشكل شامل».

دور «الفلول» و«التماسيح»

ولفت القيادي السوداني إلى «محاولات الفلول والتماسيح الموجودين في بورتسودان للدفع بأن تكون الأولوية للتوظيف وإعطاء ألقاب ليست موجودة على الواقع، بأن يكون هنالك رئيس وزراء أو وزراء، يستنزفون القليل الموجود من إمكانيات البلاد، ويدفعون في تكريس تقسيم السودان».


مقالات ذات صلة

ردود فعل متباينة على دعوة رئيس الوزراء السوداني لحوار شامل

شمال افريقيا جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة السودانية الخرطوم جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

ردود فعل متباينة على دعوة رئيس الوزراء السوداني لحوار شامل

أطلق رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، دعوة لحوار وطني شامل بحلول نهاية مايو (أيار) المقبل، دون «أجندة محددة» وآليات مشتركة للحوار والتشاور

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية p-circle

الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية

صعّد الاتحاد الأوروبي من لهجته تجاه الحرب في السودان ولوح باتخاذ عقوبات جديدة تستهدف اقتصاد الحرب والمستفيدين منها معلناً تمسكه بوحدة السودان ورفضه لأي حكم مواز

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز) p-circle

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية بولاية النيل الأزرق

أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، استعادة منطقة «مقجة» الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق (جنوب شرق)، بعد معارك مع «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال استقباله في القاهرة مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية والوفد المرافق له (الخارجية المصرية - فيسبوك)

مصر: نرفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع في السودان

أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، رفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع أو تقويض فرص التسوية السياسية في السودان

شمال افريقيا السيسي خلال لقاء المبعوث الأميركي مسعد بولس في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)

مصر تؤكد عدم التهاون في مصالحها المائية الوجودية

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن بلاده لن تتهاون في مصالحها المائية الوجودية، مستعرضاً مع مسعد بولس، في القاهرة، الاثنين، مستجدات الأوضاع في السودان.

فتحية الدخاخني (القاهرة )

الحكومة المصرية لتشجيع الصناعة المحلية رداً على «انتقادات»

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)
TT

الحكومة المصرية لتشجيع الصناعة المحلية رداً على «انتقادات»

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)

افتتح رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الخميس، 9 مشروعات صناعية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بإجمالي استثمارات نحو 182.5 مليون دولار، عملاً على تشجيع الصناعات المحلية مع توفير بيئة محفزة للاستثمار، وذلك رداً على انتقادات وجهت لها سابقاً بشأن توقف مصانع عن العمل وعدم التركيز على الإنتاج المحلي.

وقال مدبولي إن «حكومته تكثف جهودها لتشجيع الصناعة المحلية، وتوطين مختلف الصناعات الحيوية والإنتاجية بالشراكة مع القطاع الخاص»، وأشار إلى أنها «تسعى بكل الجهود الممكنة لزيادة الاستثمارات المحلية وجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية والعربية لضخها في قطاع الصناعة».

وأضاف أن «حكومته اتخذت إجراءات لتوفير بيئة محفزة لجذب المستثمرين المحليين والأجانب، وإقامة مصانع جديدة في مختلف المناطق الصناعية بالدولة»، لافتاً إلى أن «حكومته تعمل على احتواء الضغوط التي تواجهها الصناعات بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، في ظل التحديات التي تشهدها السوق العالمية».

وتحدث رئيس الوزراء المصري عن انتقادات وجهت لحكومته أخيراً على منصات التواصل الاجتماعي بسبب «توقف مصانع عن العمل والإنتاج»، وقال في مؤتمر صحافي على هامش جولته في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إن ما يجري تداوله «لا أساس له من الصحة»، مشيراً إلى أن «المصانع تعمل بكامل طاقتها الإنتاجية دون توقف».

وكثيراً ما توجَّه انتقادات للحكومة تستحثها على ضرورة التركيز على الصناعة والزراعة بدلاً من الاهتمام بالطرق، وذلك لدعم الإنتاج المحلي وتقليل فاتورة الاستيراد بالعملة الصعبة من الخارج.

وتتخذ الحكومة إجراءات عدة لاحتواء تأثيرات الحرب الإيرانية الاقتصادية، وأعلنت عن قرارات استثنائية، تضمنت رفع أسعار المحروقات بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، كما أعلنت عن إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، من بينها إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي داخل أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)

وشدد مدبولي، الخميس، على أن «أسعار الوقود والطاقة لن تعود سريعاً إلى مستويات ما قبل الحرب على إيران»، مضيفاً أنه «حال انتهاء الصراع خلال الفترة الحالية، فهذا لا يعني تراجعاً في أسعار النفط والغاز، ذلك لأن الأضرار التي لحقت بالبنية الأساسية للطاقة في دول الخليج وإيران ستحتاج إلى وقت قبل عودة الأسواق إلى الاستقرار الكامل».

ويرى رئيس الوزراء المصري أن الطاقة ستحتاج إلى فترة زمنية حتى تستعيد توازنها الطبيعي، مؤكداً أن بلاده لديها سيناريوهات للتعامل مع تداعيات التصعيد العسكري بالمنطقة.

وبحسب الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة، فإن هناك مؤشرات تعكس تحسن مستوى التصنيع المحلي في مصر، وقال إن الحكومة مهتمة بتوطين عدد من الصناعات بما يقلل من أعباء الاستيراد من الخارج بالعملة الصعبة، مع توفير منتجات منافسة تساهم في خفض الأسعار.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «دعم الصناعة المحلية يحقق مكاسب عدة من بينها توفير فرص عمل وزيادة معدلات التشغيل، مع فتح أسواق تصديرية للخارج».

رئيس الوزراء المصري مصطفلا مدبولي أكد أن حكومته تعمل على جذب استثمارات صناعية تُسهم في زيادة الإنتاج المحلي (مجلس الوزراء)

وزادت نسبة الصادرات بالنسبة إلى الناتج المحلي في مصر بنسبة 11.8 في المائة في العام الماضي، وفق وزير الاستثمار المصري محمد فريد الذي قال في كلمته بمجلس النواب، الأربعاء، إن معدل نمو القطاع الصناعي وصل إلى 14 في المائة في عام 2025.

ويرى بدرة أن «التحديات الإقليمية تُصعب من أي فرص جذب للاستثمارات الداخلية والخارجية في هذا التوقيت»، وأشار إلى أن هناك ضغوطاً اقتصادية على منظومة الإنتاج لدى غالبية الدول حالياً.

وأضاف: «الانتقادات الموجهة للحكومة بشأن إهمال التصنيع المحلي سوف تستمر في ظل الأعباء الاقتصادية العالمية القائمة».

من جهته، قال مدبولي، الخميس، إن حكومته «تعمل على جذب استثمارات صناعية تُسهم في زيادة الإنتاج المحلي وتعزز تنافسية الصادرات المصرية في الأسواق العالمية»، مشيراً إلى «التركيز على تعميق القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني».


بدء «التوقيت الصيفي» بمصر... هل تتغير مواعيد «غلق المحال»؟

إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)
إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)
TT

بدء «التوقيت الصيفي» بمصر... هل تتغير مواعيد «غلق المحال»؟

إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)
إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)

أثار «التوقيت الصيفي» في مصر، ويبدأ عند منتصف ليل الخميس، تساؤلات بشأن مواعيد «غلق المحال» التجارية التي تم إقرارها سابقاً ضمن إجراءات استثنائية اتخذتها الحكومة لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية.

ويكون تطبيق «التوقيت الصيفي» بتقديم الساعة 60 دقيقة. وعن موقف مواعيد غلق المحال مع التوقيت الجديد، قال رئيس الوزراء، الخميس، إن «لجنة إدارة الأزمات ستعقد اجتماعاً قريباً لتحديد القرار».

وكانت الحكومة المصرية قد قررت تطبيق «إجراءات استثنائية» لمدة شهر بدءاً من 28 مارس (آذار) الماضي، بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها إغلاق المحال والمقاهي الساعة 9 مساء - تم تمديدها لاحقاً إلى الساعة 11 يومياً - وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقار المصالح الحكومية، إلى جانب العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع.

وشهدت الأسابيع الماضية مطالبات برلمانية بإلغاء «التوقيت الصيفي»، وانتقد وكيل «لجنة القوى العاملة» بمجلس النواب إيهاب منصور تطبيقه وجدواه، وتقدم بسؤال برلماني للحكومة، الخميس، مطالباً بالكشف عن البيانات الرسمية حول حجم توفير استهلاك الطاقة عند تطبيق «التوقيت الصيفي».

في حين طالب الإعلامي المصري أحمد موسى بإعادة النظر في مواعيد غلق المحال التجارية خلال فصل الصيف، ودعا خلال برنامجه التلفزيوني، مساء الأربعاء، إلى تمديد مواعيد إغلاق المحال من 11 مساء إلى الواحدة صباحاً مع بدء التوقيت الصيفي، بما يتناسب مع طبيعة الموسم السياحي والحركة التجارية.

مدى توفير الطاقة

الخبير الاقتصادي المصري أحمد حنفي يرى أن «التوقيت الصيفي» يساهم في توفير استهلاك الطاقة بنسبة صغيرة ليس لها تأثير. وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه مع بدء التوقيت الصيفي وتقاطعه مع إجراءات الترشيد الحكومية يجب تعديل مواعيد غلق المحال حتى 12 مساءً؛ لأن التوقيت الجديد «يخصم ساعة يومياً من فترة عمل هذه المحال، ولا يتناسب مع طبيعة الأنشطة المختلفة والحركة التجارية خلال الصيف».

محال تجارية تنتظر القرار الحكومي الجديد بشأن المواعيد بعد تطبيق «التوقيت الصيفي» (وزارة التموين)

وخلال كلمته أمام مجلس النواب، الثلاثاء الماضي، تحدث مدبولي عن خطة «التقشف الحكومي» لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية، مؤكداً أن «ترشيد الطاقة خلال الفترة الماضية خيار، لكن كان ضرورة فرضتها علينا معطيات الأزمة».

وأضاف: «خطة ترشيد الاستهلاك لا تزال تحت التقييم لدراسة حجم الوفر الذي حققته، وإن كانت المؤشرات الأولية لها تشير إلى تحقيق وفر خلال الأسبوع الأول بلغ 18 ألف ميغاوات / ساعة، وتحقيق وفر في الوقود بلغ 3.5 مليون متر مكعب، ووفر في يوم العمل عن بُعد بلغ 4700 ميغاوات / ساعة، و980 ألف متر مكعب وفراً في الوقود».

وأضاف أن «انتهاء أزمة الحرب - حتى وإن تحقق من الناحية الشكلية - لا يعني بالضرورة زوال آثارها، التي من المرجح أن تستمر تداعياتها الاقتصادية لفترة تمتد على الأقل حتى نهاية العام الجاري».

ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)

ويرجح حنفي «استمرار الحكومة في تطبيق إجراءات الترشيد، وتمديد قرار الإغلاق المبكر للمحال لفترة أخرى كونه نوعاً من التحوط الاقتصادي».

وتثير خطة «التقشف الحكومي» والإغلاق المبكر جدلاً واسعاً في مصر منذ بدء تطبيقها.

وقال الخبير الاقتصادي المصري وائل النحاس لـ«الشرق الأوسط» إن تداعيات الحرب الإيرانية وأزمة الطاقة «تتطلب استمرار خطة التقشف والترشيد، لأن القادم أصعب»، وفق رأيه، مؤكداً أن «الأزمة تستدعي إجراءات أكثر حدة؛ لأن العالم مقبل على أزمة طاقة كبيرة، وتأثر في سلاسل الإمدادات خاصة للمواد الغذائية».

ويرى النحاس أنه «لا يوجد معنى الآن للحديث عن تأثر المحال بالإغلاق المبكر ساعة أو ساعتين، بسبب تصاعد تداعيات الأزمة»، لكنه أشار إلى أن «الحكومة المصرية ملتزمة بخطة الترشيد والحد من نفقاتها غير الضرورية».


السيسي في قبرص... محادثات تستعرض أزمات المنطقة وسبل دعم الاقتصاد

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالقاهرة في مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالقاهرة في مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي في قبرص... محادثات تستعرض أزمات المنطقة وسبل دعم الاقتصاد

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالقاهرة في مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالقاهرة في مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

يشارك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القمة الأوروبية بقبرص، وسط توترات تشهدها المنطقة تسببت في أزمات اقتصادية عالمية كان للقاهرة نصيب كبير من تداعياتها.

وتحمل تلك القمة أهمية كبيرة لمصر وملفات التعاون مع أوروبا، وفي مقدمتها دعم الاقتصاد واحتواء أزمات المنطقة، حسبما قال عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية الأسبق، رخا أحمد حسن، لـ«الشرق الأوسط».

وتستقبل قبرص أعمال القمة غير الرسمية لقادة الاتحاد الأوروبي، تزامناً مع رئاستها مجلس الاتحاد الأوروبي في النصف الأول من عام 2026.

وتُعقد القمة على مدى يومين، الخميس والجمعة، حيث يبدأ البرنامج بعشاء عمل للقادة في منتجع آيا نابا الساحلي، قبل أن تنتقل يوم الجمعة إلى نيقوسيا، حيث سينضم إلى قادة الاتحاد الأوروبي رؤساء دول وحكومات من عدة دول في الشرق الأوسط، بينهم قادة عرب في خطوة تهدف إلى تعزيز التقارب السياسي والاقتصادي بين الجانبين، وهي إحدى الأولويات الأساسية للرئاسة القبرصية الحالية لمجلس الاتحاد الأوروبي.

وأفادت وسائل إعلام مصرية، الأربعاء، بأن القمة ستكون بمشاركة السيسي وبحضور عدد كبير من قادة دول الاتحاد الأوروبي، لافتة إلى أهميتها في ظل التطورات المتسارعة بالمنطقة.

الرئيسان المصري عبد الفتاح السيسي والفنلندي ألكسندر ستوب خلال مؤتمر صحافي بالقاهرة يوم الثلاثاء (الرئاسة المصرية)

وكان الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، قد قال في مؤتمر صحافي بالقاهرة مع نظيره المصري، الثلاثاء، إن هناك اجتماعاً مهماً في قبرص مع القادة الأوروبيين بحضور الرئيس السيسي لمناقشة العديد من القضايا والملفات التي تهم الجانبين.

ويرى حسن أن القمة تحمل أهمية كبيرة لمصر في ظل تداعيات اقتصادية عالمية جراء توترات المنطقة، متوقعاً أن تُجرى محادثات بالغة الأهمية بشأن مساعي احتواء التصعيد ودعم الاقتصاد المصري وتعزيز التعاون.

وأشار إلى أن حرب إيران ستتصدر ملفات أزمات المنطقة بجانب ملف الطاقة، مع تقديرات بأن تبحث القمة ما بعد انتهاء الحرب بين واشنطن وطهران، خاصة والمنطقة ستأخذ فترة حتى تعود للاستقرار أمنياً واقتصادياً.

ولفت إلى أن ما يحدث في المنطقة، لا سيما لبنان جراء العدوان الإسرائيلي، سيكون مطروحاً على الطاولة في ظل نزوح تتضرر منه اليونان وقبرص بشكل خاص.

وتابع: «إضافة لذلك ستكون الأزمات المتواصلة كحرب السودان وغزة وملف الهجرة غير المشروعة على طاولة القمة».

الرئيس المصري خلال مؤتمر صحافي مشترك مع قادة أوروبيين بالقاهرة في مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

وتأتي القمة الأوروبية وسط تنامي علاقات القاهرة ودول الاتحاد الأوروبي وتقديمها مساعدات مالية.

وكانت المفوضية الأوروبية قد أعلنت في ديسمبر (كانون الأول) 2024 تقديم دعم مالي لمصر بقيمة مليار يورو، تم صرفه في يناير (كانون الثاني) 2025 باعتباره جزءاً من تمويل إجمالي يبلغ 7.4 مليار يورو (نحو 8.1 مليار دولار).

وفي 15 يناير 2026 أعلنت «المفوضية» صرف الشريحة الثانية بقيمة مليار يورو لمصر، وينتظر صرف شريحة ثالثة بقيمة 4 مليارات يورو.

وصدرت مطالبات مصرية متعددة لسرعة صرف الشريحة الثالثة، وذلك خلال اتصالين هاتفيين أجراهما وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس، ووزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو.

ويتوقع عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» أن يشهد الملف الاقتصادي والتعاون المشترك نقطة رئيسية في مسار المحادثات الثنائية أو على مستوى القمة التي يشارك فيها السيسي، مرجحاً أن تشهد مخرجات القمة تقديم مساعدات مالية أو تعجيل صرف شريحة مالية جديدة للقاهرة في ظل التداعيات الكبيرة للتوترات على الاقتصاد المصري.