السعودية... نموذج فريد بين توارث العرش وولاية العهد

«الشرق الأوسط» ترصد تحولات اليوم الوطني... بين «عيد الجلوس» و«العيد الوطني»

الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن
الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن
TT

السعودية... نموذج فريد بين توارث العرش وولاية العهد

الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن
الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن

إن المتأمل في رؤية الملك عبد العزيز لبناء الدولة وإرثه السياسي والدستوري ومدرسته في مناهج الحكم وإدارة الدولة، يدرك أن كل ذلك كان كفيلاً بجعل الملك عبد العزيز يغمض عينيه مطمئناً على دولة سيحافظ عليها من بعده أبناؤه، خريجو مدرسته، وأمناء إرثه، وورثة حكمه، فكيف به لو أدرك طلائع منجزات أحفاده التي أدركنا؟

لكن تأريخ ذلك الإرث ودراسته لم ينل كامل حقه من البحث والتدوين والرصد والتوثيق والتحليل! كما أسهمت فوضى وسائل التواصل ومنصات الاتصال في تأصل مفاهيم غير دقيقة تتصل بجوانب عدة من التاريخ السعودي الحديث، علاوة على وجود نظريات ومقولات يجانب معظمها الصواب، خاصة ما يتعلق بتاريخ الدولة السعودية عموماً وأسسها الدستورية وطبيعة أنظمتها وخلفياتها وأعرافها وتقاليدها وقواعد عملها النظامية والقانونية خصوصاً.

المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن

كما أن نُدرة الدراسات والبحوث التي تتناول، وبعمق جوانب مهمة مثل الجوانب «الدستورية» من التاريخ السعودي وشح المعلومات المتصلة بها تُصعّب من مهمة الباحثين، وقد يكون مفهوماً حساسية بعض المعلومات المرتبطة بانتقال السلطة والبيعة، أو ما يعرف بـ«توارث العرش» في دساتير بعض الدول مع إيضاح الفرق بين المصطلحين، والمتعلقة بأهم منصبين في المملكة العربية السعودية (الملك وولي العهد)، والتي يصف الحديث عنها الفقيه الدستوري السعودي الدكتور إبراهيم الحديثي: «أنه يقترب من الخطوط الحمراء التي تعودنا ألا نقترب منها في السعودية؛ نظراً لحساسيتها، ولأنها قد تفسر تفسيرات غير التي يقصدها الباحث»، لكن غير المفهوم هو ندرة الدراسات التي تتناول جوانب تاريخية أخرى كتاريخ اليوم الوطني، أو تاريخ العَلم السعودي، أو توثيق بعض الحوادث والقرارات التاريخية المهمة.

من هذا المنطلق أتى هذا البحث ليسهم في إلقاء الضوء على جوانب من تاريخ المملكة العربية السعودية، وليوثق مراحل التطورات الدستورية التي مرّت بأحد أهم عوامل الاستقرار السعودية (انتقال الحكم)، وارتباط ذلك باليوم الوطني، كما رصد وبالتفصيل تاريخ الأيام الوطنية السعودية وصور طرق الاحتفال بها، وتناول بعض التفصيلات المتعلقة بتاريخ البيعة في السعودية، وشهودها وأماكن انعقادها وأولياتها؛ كونها «الخطوة الأولى لممارسة الحكم في المملكة العربية السعودية»، وفقاً لوصف الحديثي.

وجاء هذا الموضوع ليُسهم في تعريف الأجيال السعودية بصفحات لم تنل حقها من البحث والتدوين في تاريخهم الوطني، وليساعد في الإجابة عن تساؤلات كثير من المراقبين والمحللين حول العالم عن السر وراء سلاسة انتقال السلطة في المملكة العربية السعودية؟

لأن موضوع انتقال السلطة يعدّ تطبيقياً من المراحل الحرجة حتى في أبرز الديموقراطيات، بينما أثبتت التجربة السعودية صلابتها وأكدت على استقرار الحكم وسلاسة انتقال السلطة، وجرى انتقال السلطة منذ وفاة الملك المؤسس وحتى اليوم بكل سلاسة ودون حدوث ما يوصف في الدساتير بـ«فراغ السلطة»، رغم أن عملية انتقال الحكم لم تأتِ كلها في ظروف طبيعة؛ بل أتى بعضها في ظروف بالغة الدقة، كما كان الحال عند تولي الملك فيصل (1384هـ - 1964م)، وكذلك الملك خالد (1395هـ - 1975م)، مقاليد الحكم.

الإمام عبد الرحمن الفيصل

الإمام يبايع ابنه عبد العزيز

بعد استرداد الملك عبد العزيز الرياض في شوال 1319هـ الموافق يناير (كانون الثاني) 1902م وبدء تحركاته لضم أقاليم نجد، عاد والده الإمام عبد الرحمن إلى عاصمة حُكمه التي غادرها قبل إحدى عشرة سنة، معلناً تنازله عن الإمارة لابنه عبد العزيز، يقول المؤرخ والدبلوماسي خير الدين الزركلي: «وفي اجتماع عام حضره علماء الرياض وكبراؤها في باحة المسجد الكبير بالرياض (جامع الإمام تركي بن عبد الله الآن)، بعد صلاة الجمعة أعلن الإمام عبد الرحمن نزوله عما له من حقوق في الإمارة، لكبير أبنائه عبد العزيز، وأهدى إليه سيف سعود الكبير.....، وبذلك تمت البيعة الأولى لعبد العزيز في سنة 1320هـ الموافق 1902م».

لكن الزركلي وأكثر المصادر الأخرى التي أشارت إلى تلك البيعة لم تحدد تاريخ ذلك اليوم والشهر، وإن كانت بعض المصادر، خاصة الأجنبية كالباحث والمؤرخ الروسي أليكسي فاسيليف وغيره، قد أشارت إلى أنه في منتصف ذلك العام (بين شهري مايو/أيار ويونيو/حزيران).

صورة قديمة للرياض وتبدو مئذنة الجامع الذي تمت فيه مبايعة الملك عبد العزيز عام 1902

ولأهمية ذلك اليوم في تاريخنا الوطني؛ رصد هذا البحث أهم المصادر التي تطرقت إلى خروج الإمام عبد الرحمن من الكويت، ووجد إشارة مهمة أوردها حسين خلف الشيخ خزعل في الجزء الثاني من كتابه «تاريخ الكويت السياسي»، كما جاءت في بحث بعنوان «الدور السياسي للإمام عبد الرحمن الفيصل» للدكتور سطام بن غانم الحربي، وهذه المعلومة ومن خلال الوثائق تذكر، أن الإمام عبد الرحمن غادر الكويت يوم 19 مايو 1902م في طريقه إلى الرياض. وإذا عرفنا أن الرحلة بين الرياض والكويت تستغرق بين 12 و14 يوماً على ظهور الإبل فيكون وصول الإمام للرياض في أوائل شهر يونيو، وبهذا ينحصر بحثنا في ذلك الشهر، وأول جمعة تلي تاريخ وصول الإمام عبد الرحمن للرياض يكون تاريخها 6 يونيو 1902م الموافق 30 صفر 1320هـ وهذا هو التاريخ الذي أرجحه، مع احتمال أن يكون أحد الجمع التالية خلال شهر يونيو 1902م ــــــ ربيع الأول 1320هـ.

الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن

عبد العزيز ملكاً

بعد ذلك التاريخ بنحو 22 عاماً، استطاع الملك المؤسس أن يوحّد تحت رايته أقاليم متعددة من الجزيرة العربية، دخل الملك عبد العزيز مكة المكرمة يوم 7 جمادى الأولى 1343هـ الموافق 4 ديسمبر (كانون الأول) 1924م، وكان لقبه الرسمي وقتذاك «سلطان نجد وملحقاتها»، وعندما أتم ضم الحجاز، نُشر بلاغ عام مؤرخ في يوم 22 جمادى الآخرة 1344هـ الموافق 7 يناير 1926م، ومذيلٌ باسم عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل (السعود) مجرد من أي لقب، وملخصه أن أهل الحجاز طلبوا منه أن يمنحهم حريتهم في تقرير مصير بلادهم كما وعدهم، فلم يسعه أمام طلباتهم المتكررة إلا أن يمنحهم ذلك، وبعد نشر ذلك البلاغ رفع أهل الحل والعقد في مملكة الحجاز كتاب البيعة لـ«عظمة السلطان عبد العزيز».

وبعد صلاة الجمعة من يوم 23 جمادى الآخرة 1344هـ الموافق 8 يناير 1926م، بايع أعيان الحجاز وعلماء البلد الحرام وجموع الأهلين الملك عبد العزيز ملكاً على الحجاز، مع الإشارة إلى أن الملك عبد العزيز لم يتَسَمّ ملكاً إلا حينما بويع ملكاً على الحجاز، وحمل قبل ذلك ألقاباً عدة، منها: أمير نجد ورئيس عشائرها في بداية التكوين السياسي للدولة، ثم سلطان نجد وملحقاتها بعد ضم الأحساء وعسير، ثم ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها بعد ضم الحجاز، ثم ملك الحجاز ونجد وملحقاتها بعد تحول نجد مملكة، لكن الأهم أن تلك البيعة التي تمت قبل أكثر من مائة عام كانت لحظة تاريخية فارقة.

وأقيمت مراسمها داخل المسجد الحرام، وتحديداً عند باب الصفا، أحد أكبر الأبواب وقتئذ وتعتليه قبة تحفها النقوش والزخارف الإسلامية، ويحتوي على خمسة منافذ للدخول والخروج، ويعدّ البوابة الرئيسية في الجهة الجنوبية من الحرم ويؤدي إلى شارع الصفا، ثم إلى جبل الصفا حيث بداية السعي. أقيمت مراسم البيعة نحو الساعة الواحدة والربع ظهراً وتلا الشيخ عبد الملك مرداد، إمام وخطيب المسجد الحرام، نص البيعة وأطلقت المدافع «مائة مدفع ومدفع»، ثم توافد الناس أفواجاً أفواجاً لمبايعة الملك، وتزامن معها بيعة أهالي مدن الحجاز في المدينة المنورة، والطائف، وجدة، وينبع، والوجه، وظبا والعلا، وغيرها من البلدات، حيث تلقى أمراء المدن والبلدات البيعة نيابةً عن الملك.

باب الصفا

كانت تلك المناسبة التاريخية هي المرة الأولى التي يحمل فيها أحد حكام الدولة السعودية في أيٍ من مراحلها الثلاثة لقب «ملك»، وأول بيعة ملكية سعودية تستخدم فيها البرقية وسيلةَ مبايعة وتنشر الصحف وتتناقل وسائل الإعلام الخارجية أخبارها.

عيد الجلوس الملكي

وبعد مرور عام على تلك المبايعة، أصدر مجلس الشورى قراراً بتاريخ 16 جمادى الآخرة 1345هـ الموافق 22 ديسمبر 1926م «برفع استعطاف للملك عبد العزيز يطلب موافقته على جعل يوم مبايعته ملكاً على الحجاز يوماً وطنياً تحيي الأمة ذكراه سنة بعد سنة»، لكن الملك عبد العزيز لم يوافق على ذلك الاستعطاف.

ولإيمان أعضاء المجلس بالفكرة وقناعتهم بها لم ييأسوا؛ فحشدوا التماسات من الأهالي والهيئات الرسمية ورفعوا معها استعطافاً آخر في 9 رمضان 1347هـ الموافق 18 فبراير (شباط) 1929م، راجين من الملك ألا يخيّب رجاءهم في إقرار يوم مبايعته في السابع عشر من برج الجدي الموافق للثامن من يناير من كل عام «عيداً وطنياً» وصدرت موافقة الملك عبد العزيز على ذلك يوم 7 ربيع الثاني 1348هـ الموافق 10 سبتمبر (أيلول) 1929م، وأصدر نائب جلالة الملك في الحجاز الأمر بشأن مراسم عيد الجلوس الملكي في الأول من جمادى الآخرة من عام 1348هـ الموافق 2 نوفمبر (تشرين الثاني) 1929م، بالنص الآتي:

«النائب العام لحضرة صاحب الجلالة الملك المعظم:

بعد الاطلاع على قرار مجلس الشورى الموقّر رقم 64 تاريخ 16 جمادى الثانية سنة 1345 ورقم 257 تاريخ 9 رمضان سنة 1347.

وبما أن حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم قد تفضل بإصدار موافقته الكريمة على إجازة الاستعطاف المرفوع إلى مقامه الملوكي، بتاريخ 7 ربيع الثاني برفق القرارين المذكورين بشأن مراسم عيد الجلوس الملكي، يأمر بما يلي:

المادة الأولى: يعتبر اليوم الذي يوافق اليوم السابع عشر من برج الجدي من كل سنة عيداً وطنياً تعيده البلاد لإحياء (ذكرى) الجلوس الملكي.

المادة الثانية: تعطّل دوائر الحكومة الرسمية في ذلك اليوم، وتجري فيه مراسيم المعايدة وتطلق المدافع 21 طلقة.

المادة الثالثة: يصادف العيد الأول لعامنا الحالي في اليوم الثامن من شعبان سنة 1348».

الطوابع البريدية احتفالاً بعيد الجلوس

ويلاحظ هنا استخدام كلمة «العيد الوطني» بهذا اللفظ وتكراره في البيانات والأخبار الرسمية؛ بل وحتى في القصائد التي نُظمت في تلك المناسبة. وقد شُكلت «لجنة تنظيم الاحتفال بعيد جلوس جلالة الملك»، انبثق عنها لجان فرعية، وقد نُشرت أخبارٌ وتغطيات عن الترتيبات والفعاليات التي واكبت الاحتفال بعيد الجلوس أو العيد الوطني الأول، حيث اشتملت مظاهر الاحتفال على: منح عطلة للدوائر الحكومية، وإصدار الإدارة العامة للبريد والبرق والتلفون طوابع بريدية خاصة بمسمى «طوابع ذكرى الجلوس الملكي» بفئات عدة تراوحت قيمتها بين نصف قرش وخمسة قروش.

كما أصدرت الجريدة الرسمية (أم القرى) يوم الثلاثاء 7 شعبان 1348هـ - 7 يناير 1930م عدداً تضمن أخباراً ومعلومات عن المناسبة، عدا العدد الأسبوعي للجريدة والذي يصدر كل جمعة. كما أصدر نائب الملك في الحجاز أمراً بالعفو عن المساجين المحكومين بمدد صغيرة، وتخفيض ثلث المدة عن المحكومين بمدد كبيرة.

كما وجهت الدعوات لمجموعة من محبي البلاد وأصدقائها ومراسلي الصحف في البلدان العربية لحضور الاحتفالات. وقد وضعت اللجنة برنامجاً للاحتفال بعيد الجلوس في مكة المكرمة يبدأ في الساعة الثانية والنصف صباحاً (بالتوقيت الغروبي أي الثامنة والنصف) من صباح يوم الأربعاء 8 شعبان 1348هـ - 8 يناير 1930م برعاية النائب العام لجلالة الملك في الحجاز.

الملك فيصل حينما كان نائباً للملك عبد العزيز في الحجاز

وقد وصل الأمير فيصل إلى الملتزم أمام الكعبة الشريفة وكان بابها مفتوحاً فتقدم الشيخ حسن يماني، وكيل رئيس هيئة مراقبة القضاء، بترتيل الدعوات لجلالة الملك المعظم، وتبعه سادن بيت الله الحرام الشيخ عبد القادر الشيبي وهو واقف بباب الكعبة المعظمة بالدعاء للملك عبد العزيز وأطلقت المدفعية من قلعة أجياد 101 طلقة.

كما أقيمت الاحتفالات الرسمية في باقي مدن وبلدات الحجاز كالمدينة والطائف وجدة وينبع والوجه ووادي فاطمة، وقد رعى نائب جلالة الملك الحفلة التي أقامتها لجنة الاحتفال في قصر الكندرة بجدة، ثم شرَّف استعراض الجيش وحضر مأدبة العشاء التي أقيمت بهذه المناسبة بحضور كبار رجالات الدولة والأعيان والقناصل وممثلي الدول والوفود القادمة من الخارج.

«وألقى سعادة فؤاد بك حمزة، وكيل الشؤون الخارجية خطاباً أشبه بالبيان، شرح فيه سبب الاحتفال بذكرى الجلوس والمظهر الذي ظهرت به البلاد والأمة تجاه هذا (العيد القومي) وسبب التقدير والإعجاب بجلالة الملك وما قدمه للبلاد والعباد، ثم تحدث عن سياسة جلالته الخارجية». كما احتفلت بهذا اليوم الوكالات الحجازية النجدية (المفوضيات أو السفارات السعودية حينذاك)، كما تلقى الديوان الملوكي الخاص المئات من برقيات التهاني من مختلف الأقطار، من ضمنها برقيات من رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في القدس ومن اللجنة التنفيذية العربية في القدس ومن الجمعية الإسلامية في حيفا ومن هيئة الأمر بالمعروف في المدينة المنورة، كما أقامت لجنة الاحتفال بهذه المناسبة حفلة في وادي فاطمة، ألقيت فيها الخطب والقصائد، ومنها قصيدة الشيخ أحمد بن إبراهيم الغزاوي، التي قال فيها:

ألا إن هذا اليوم عيد مخلد

يظل على كر الدهور له ذكر

وقصيدة للأستاذ خير الدين الزركلي، جاء فيها:

هنيئاً لأهل العيد عيد (مُملّكِ)

شفى المجد من سُقمٍ عراهُ وإدناف

كان ذلك الاحتفال هو أول احتفال باليوم الوطني وحدث في عام 1348هـ - 1930م، تلاه احتفال مماثل في عام 1349هـ - 1931م، «ويذكر فؤاد حمزة أن حفلات عيد الجلوس لم تتكرر إلا تلكما المرتين، ثم تم الاقتصار على الاحتفال بتلك الذكرى في جدة فقط، حيث تتقبل الحكومة تهاني ممثلي الحكومات الصديقة وفق مراسيم مقننة، كما يتلقى جلالة الملك برقيات الملوك ورؤساء الجمهوريات»، فما الذي حدث؟

تحول في احتفالات عيد الجلوس

ورصد البحث أكثر من أمر طرأ أدى إلى التحول في احتفالات عيد الجلوس، وهي كالتالي:

الأول: اعتراض علماء الدين؛ إذ أرسل علماء أهل نجد كافة (مع ملاحظة أن نجد في ذلك التاريخ كانت مملكة كما الحجاز تماماً) كتاباً إلى الملك عبد العزيز بتاريخ 7 ذي القعدة 1349هـ - الموافق 26 مارس (آذار) 1931م، أي بعد الاحتفال الثاني بعيد الجلوس الملكي بنحو شهرين ونصف الشهر، ينتقدون فيه الاحتفال بعيد الجلوس، ويناصحون الملك، مبينين أن هذا الأمر لا يجوز إقراره ولا السكوت عليه لأنه من أعياد الجاهلية.

ورد الملك على العلماء متفهماً وجهة نظرهم، لكن اللافت هو صيغة المناصحة والرد الملكي، ونرى كيف ناصح العلماء الملك وأبدوا رأيهم بلا أي تحفظ، وكيف احترم الملك رأي العلماء وقدّر نصيحتهم؛ لندرك الأسس التي أقام عليها الملك عبد العزيز دولته.

كان طلب العلماء من الملك إلغاء الاحتفال بعيد الجلوس، وكان ذلك الطلب أو الاعتراض قبيل موسم حج العام 1349هـ - شهر أبريل (نيسان) 1931م، كما صادفت ذكرى عيد الجلوس في عام 1932م وعام 1933م شهر رمضان 1350هـ و1351هـ، فلم يكن هناك أي مظاهر احتفالية خلال ذلكما العامين، وتغير المسمى من عيد الجلوس إلى ذكرى الجلوس أو يوم الجلوس رسمياً. لكن مسمى «عيد الجلوس» استمر يُتداوَل شعبياً وفي بعض وسائل الإعلام، كما استمر الاحتفال به كيوم وطني بشكل رسمي خلال الأعوام التالية وطوال حياة الملك عبد العزيز (أي لمدة 23 عاماً) مع تفاوت المراسم البروتوكولية والتغطيات الإعلامية لها، وكان آخر احتفال بذلك اليوم في عهد الملك عبد العزيز يوم 22 ربيع الثاني 1372هـ - الموافق 8 يناير 1953م، حيث توفي رحمه الله بعد نحو 11 شهراً من ذلك التاريخ.

أما الأمر الثاني: هناك موضوع أهم كان يجول في ذهن الملك عبد العزيز، ألا وهو الإعلان عن توحيد البلاد وتسميتها المملكة العربية السعودية؛ لذا فإن الملك لم يشأ أن يكون هناك جدل حول عيد الجلوس مع الوضع في الحسبان أن الاعتراض رسمياً كان من علماء نجد، ولم يكن هناك اعتراض رسمي من علماء الحجاز؛ بل إن علماء الحجاز كانت لهم مشاركة في المراسم الاحتفالية بعيد الجلوس.

كما أن تلك الاحتفالات كانت تقام في الحجاز، حيث مقر الحكومة ووزارة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي الأجنبي، والمناسبة في مجملها تتعلق بالاحتفال بجلوس الملك عبد العزيز على عرش الحجاز.

ونَجْد في ذلك التاريخ كانت مملكة مستقلة تماماً كما الحجاز، والجامع بينهما هو جلالة الملك، إضافة إلى أنه قد يكون نُظر إلى الاحتفالات التي صاحبت إعلان توحيد البلاد خلال شهر جمادى الأولى 1351هـ - سبتمبر 1932م في أنحاء المملكة كافة بما في ذلك نجد والحجاز، كاحتفالات بديلة عن احتفالات عيد الجلوس.

ورغم ذلك لم يتم اعتبار ذكرى الإعلان عن توحيد البلاد يوماً وطنياً في تلك الأيام أو حتى الاحتفال بها في السنوات اللاحقة، كما يؤكد على ذلك الباحث والمؤرخ السعودي قاسم بن خلف الرويس: «ويلاحظ أن الصحيفة الرسمية نشرت ــ ربما لأول مرة ــ تنويهاً مقتضباً بمناسبة وطنية مهمة هي الذكرى السابعة لإعلان توحيد المملكة العربية السعودية عام 1357هـ - 1939م، وتكرر التنويه بهذه المناسبة في ذكراها الثامنة عام 1358هـ - 1940م، وكما يظهر فإنه لم يكن هناك أي بوادر للاهتمام بهذه المناسبة الوطنية أو إبرازها أو الاحتفال بها في تلك الفترة».

ومن ذلك يتضح أن اليوم الوطني الأول للمملكة العربية السعودية والذي كان يحتفل به رسمياً لمدة 23 عاماً في عهد الملك عبد العزيز منذ عام 1348هـ وحتى 1372هـ - 1930م وحتى عام 1953م هو يوم 17 الجدي الموافق 8 يناير، وهو يوم مبايعة الملك المؤسس ملكاً على الحجاز، وخلال تلك الثلاثة والعشرين عاماً كانت المظاهر الاحتفالية باليوم الوطني تتأرجح بين مد وجزر حسب الظروف المحيطة.

أول بيعة لولي العهد

تعدّ أول بيعة لولي عهد المملكة العربية السعودية؛ وجاءت بناءً على المقترح المرفوع للملك عبد العزيز والذي أورده وزير الدولة والمستشار فؤاد حمزة بالنص الآتي:

في اليوم الثاني عشر من شهر جمادى الأولى عام 1351هـ (13 سبتمبر 1932م) اجتمع لفيف من الوطنيين في الطائف وحرّروا الصك التاريخي الآتي:

«الحمد لله وحده، إنه لما كان في هذا اليوم الثاني عشر من شهر جمادى الأولى من عام الواحد والخمسين والثلاثمائة والألف من هجرة صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم، اجتمع الموقّعون أدناه للبحث والمذاكرة في أمر فيه عزّ ومنعة وشرف وألفة ووضع قرار فيه يرفعونه إلى سدة حضرة صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، نصره الله وأيّد ملكه، ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد خصّ هذه البلاد بين شقيقاتها الأقطار العربية، فكانت أشرف صنعاً، وأوسع رقعة وأعزّ نفراً وأوفر خلقاً وعداً، وأظهر استقلالاً وسؤدداً، وأقدر على مواجهة الملمات والكوارث، وأسبق إلى الغايات والمصالح، ووهب أهلها مزايا لم تكن لسواهم فجاءوا عنصراً عربياً واحداً في أصله، واحداً في عاداته وتقاليده، واحداً في دينه وإسلامه، واحداً في تاريخه وعنعناته، ففي البلاد بأجمعها ما يوحّدها ويجعلها وحدة عنصرية كاملة، ويجعل أهلها أمة واحدة لا فرق بين من أتهم منهم ومن أنجد، ومن أغور، ومن أحجز، ومن أيمن. فلما كانت حال البلاد وأهلها كما مرّ وكان لها هذا المقام الممتاز بين سائر الأصقاع والأمصار التي يقطنها العرب، وكانت أوضاعها الحكومية الراهنة لا تتلاءم مع طبيعة الوحدة التي هي وأهلوها عليها، وكان اسمها الحاضر وهو (المملكة الحجازية والنجدية وملحقاتها) لا يعبر عن الوحدة العنصرية والحكومية والشعبية الواجب إظهارها فيها ولا يدل إلا على مسميات لأصقاع جغرافية لبعض أقطار العرب، تقصر عن الإشادة بالحقيقة الواقعة المشار إليها آنفاً، ولا يرمز إلى الأماني التي تختلج في صدور أبناء هذه الأمة للاتحاد والائتلاف بين جميع الناطقين بالضاد على اختلاف أقطارهم وتباعد أمصارهم. ولما كانت الأوضاع الشكلية المشار إليها لا تدل على الروابط العميمة الكائنة بين أفراد السكان ولا على التضامن الموجود بينهم على ما فيه عز البلاد وتعاليها (كما ظهر ذلك جلياً في التضامن في حوادث ابن رفادة الأخيرة) ولا على الارتباط الحقيقي بين شقي المملكة المهيبين تحت ظل جلالة الجالس على العرش، فإن المجتمعين يرفعون بكمال الخضوع إلى سدة حضرة صاحب الجلالة أمنيتهم الأكيدة في أن يتكرم بإصدار الإرادة السنية بالموافقة على تبديل اسم المملكة الحالي إلى اسم يكون أكثر انطباقاً على الحقيقة وأوضح إشارة إلى الأماني المقبلة وأبين في الإشادة بذكر من كان السبب في هذا الاتحاد، والأصل في جمع الكلمة وحصول الوحدة وهو شخص جلالة الملك المفدى، وذلك بتحويل اسم (المملكة الحجازية والنجدية وملحقاتها) إلى اسم (المملكة العربية السعودية) الذي يدل على البلاد التي يقطنها العرب ممن وفّق الله جلالة الملك عبد العزيز السعود إلى توحيد شملهم وضم شعثهم هذا، ولما كان الاستقرار والديمومة والثبات من الشروط الأساسية التي تستهدفها الأمم في حياتها السياسية والاجتماعية، والتي لا أمل بمواجهة صروف الحدثان وكوارث الدهر إلا بها، والتي لا تقوم لبلاد ولا لأمة بدونها قائمة كما هو مشاهد في تاريخ الأمم والحكومات والدول التي أهملت مثل هذا الأمر الخطير وما آلت إليه من سوء المنقلب والمصير. فإن المجتمعين يتقدمون إلى سدة صاحب الجلالة الجالس على العرش أطال الله بقاءه وأمد حياته باستعطاف آخر مؤداه أن يتفضل جلالته بإصدار الأمر الكريم بالموافقة على سن نظام خاص بالحكم وتوارث العرش لكي يعلم الجميع من صديق وعدو، وقريب وبعيد، أن هذا المُلك موطد الأركان ثابت الدعائم لا تزعزعه العواصف، ولا تثني عوده الأيام، وجلالته أطال الله عمره أول من يقدّر أهمية هذا الأمر الخطير وفوائده العميمة في داخل البلاد وخارجها وتقوية مركزها الأدبي والمادي. والله تعالى نسأله أن يوفق جلالة الملك المفدى إلى ما فيه الخير والصلاح.

التــواقيـــع

فؤاد حمزة، صالح شطا، عبد الله الشيبي، محمد شرف رضا، السيد عبد الوهاب نائب الحرم، إبراهيم الفضل، محمد عبد القادر مغيربي، رشيد الناصر، أحمد باناجه، عبد الله الفضل، خالد أبو الوليد القرقني، محمد شرف عدنان، حامد رويحي، حسين باسلامة، محمد صالح نصيف، عبد الوهاب عطار، مهدي القلعلي.

مرسوم التوحيد الذي أصدره الملك عبد العزيز

توحيد البلاد

لكن ما يهمنا هنا هو هذا النص النفيس الذي كتبه سبعة عشر من رجال الدولة الكبار لخّصوا فيه الحال واستشرفوا المستقبل واقترحوا الفكرة، استكمالاً لرؤية قائدهم عبد العزيز، رحم الله الجميع. ومثل هذه النصوص تستحق أن تُقرأ وتُحلل في سياقها التاريخي، ويستنبط منها ويكتب عنها الكثير عن ظروف الزمان والمكان والإنسان.

لقد كان تحدي بناء الدولة وإدارتها هو أحد أكبر التحديات التي واجهت الملك المؤسس، ناهيك عن استمراريتها وتطورها وضبط أهم عناصر استقرارها. يقول مؤرخ القومية العربية الكاتب والدبلوماسي اللبناني جورج أنطونيوس: «ولم يكن ما حققه ابن سعود في إدارة إمبراطوريته أقل روعة من نجاحه في ميادين القتال ومجالات السياسة. وكانت مهمة إنشاء نظام وعدالة وأسس للتقدم من الأمور الشاقة العسيرة في بلاد مفتوحة مترامية الأطراف.....».

وفي 17 جمادى الأولى 1351هـ - 18 سبتمبر 1932م، صدر الأمر الملكي رقم 2716، ونصّت المادة السادسة منه: «على مجلس وكلائنا الحالي الشروع حالاً في وضع نظام أساسي للمملكة ونظام لتوارث العرش ونظام لتشكيلات الحكومة وعرضها علينا لاستصدار أوامرنا فيها». ويلاحظ في منطوق الأمر الملكي النص على مصطلح «توارث العرش»؛ وذلك تأسيساً على ما ورد في النظام المقترح والالتماسات المرفوعة من المواطنين، وسنتطرق فيما يلي لما حصل بعد ذلك، ونحاول الإجابة عن أسباب استبدال ذلك المصطلح.

ونزولاً عند رغبة الملك عبد العزيز عقد اجتماع مساء يوم الأربعاء 15 محرم 1352هـ - 10 مايو 1933م في قاعة مجلس الشورى بدار الحكومة (مبنى الحميدية) في مكة المكرمة، والحقيقة أن ذلك الاجتماع لم يقتصر على أعضاء مجلسي الوكلاء والشورى (السلطتين التنفيذية والتشريعية)، كما أوردت ذلك أكثر المصادر التي تطرقت للاجتماع؛ بل إن الاجتماع كان اجتماعاً للسلطات الثلاث، حيث كانت السلطة القضائية ممثلة أيضاً. رأس الاجتماع (الأمير) فيصل، رئيس مجلس الوكلاء ورئيس مجلس الشورى، وبحضور الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ، رئيس القضاة والشيخ عبد الله المحمد الفضل نائب رئيس مجلس الوكلاء ونائب رئيس مجلس الشورى، والشيخ أحمد القاري قاضي مكة المكرمة والسيد محمد المرزوقي أبو حسين عضو هيئة التدقيقات (مجلس القضاء الأعلى)، وأعضاء مجلس الوكلاء: يوسف ياسين، وفؤاد حمزة، وعبد الله السليمان والسيد صالح شطا، وأعضاء مجلس الشورى: الشريف محمد شرف رضا، والسيد عبد الوهاب نائب الحرم، وعبد الله الشيبي، ومحمد مغيربي، وعبد الوهاب عطار، وأحمد الغزاوي، وعبد الله الجفالي وحسين باسلامة.

الملك سعود بن عبد العزيز

مبايعة سعود بن عبد العزيز ولياً للعهد

وفي صباح يوم الخميس 16 محرم - 11 مايو، عقد المجتمعون جلسة ثانية وقّعوا فيها على قرار مبايعة (الأمير) سعود بن عبد العزيز ولياً لعهد المملكة العربية السعودية. تم توقيع ذلك القرار التاريخي على ورق من «رق الغزال الفاخر»، ثم توجه المجتمعون إلى القصر الملكي في المعابدة وقدموا القرار إلى الملك عبد العزيز الذي أصدر أمره السامي بالموافقة على ذلك. وتم تعميم منطوق الأمر الملكي إلى أنحاء المملكة كافة وتحديد موعد الاحتفال بالبيعة، وجرت مراسلات برقية بين الملك عبد العزيز وابنه سعود تضمنت وصايا وتوجيهات الملك المؤسس لولي عهده، وبلّغه فيها أن أخاه فيصل سيتلقى البيعة نيابةً عنه في مكة المكرمة ومن ثم سيسافر مع أفراد الأسرة إلى الرياض لمبايعته، ورد (الأمير) سعود، مؤكداً التزامه بوصية والده وأنها ستظل في قلبه راسخة مرحباً بمجيء إخوته.

وتلقى (الأمير) فيصل البيعة نيابةً عن ولي العهد عند باب الصفا في المسجد الحرام صباح يوم الاثنين 20 محرم 1352هـ - 15 مايو 1933م، كما تم الاحتفال بالبيعة في الملحقات (المناطق)، ووجّه (الأمير) سعود في بيان نشرته الجريدة الرسمية، شكره للشعب السعودي على إجماع كلمته على مبايعته بولاية العهد.

ومساء يوم الخميس 23 محرم - 18 مايو غادر وفد برئاسة (الأمير) فيصل نائب الملك في الحجاز ورئيس مجلس الوكلاء ورئيس مجلس الشورى يرافقه عماه الأميران أحمد ومساعد ابنا عبد الرحمن، وأخواه محمد وخالد، وأبناء عمومته خالد وعبد الله ابنا محمد بن عبد الرحمن، وفيصل وفهد وسعود أبناء سعد بن عبد الرحمن، وتركي وسعود بنا عبد الله بن سعود بن فيصل، وابنه عبد الله، كما رافقه أعضاء مجلس الشورى عبد الله الشيبي وعبد الوهاب نائب الحرم وأحمد الغزاوي، وحمل الوفد صك البيعة بولاية العهد للأمير سعود.

مأدبة كبرى في عتيقة

وفي قصر الحكم بالرياض تلقى الأمير سعود صباح يوم الاثنين 27 محرم - 22 مايو البيعة من كبار الأمراء يتقدمهم عمّه الأمير محمد بن عبد الرحمن والأمير سعود الكبير، وأفراد الأسرة والعلماء وأعيان البلاد وشيوخ القبائل، وتُليت برقية الملك عبد العزيز والكتاب الملكي الذي أرسله مع وفد البيعة، وألقى كل من الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ والشيخ عبد الله الشيبي كلمتين، وألقى الشاعر أحمد الغزاوي قصيدة بهذه المناسبة، ثم ألقى الأمير محمد بن عبد الرحمن كلمة ضافية، وفي عصر اليوم نفسه أقام الأمير محمد بن عبد الرحمن بقصره في عتيقة مأدبة كبرى احتفاءً بإعلان البيعة لولي العهد.

وتزامن مع بيعة ولي العهد إجراء أول مكالمة هاتفية بين مكة والرياض، وذلك يوم الخميس 30 محرم - 25 مايو، حيث تحدث فيها الملك عبد العزيز مع ولي عهده (الأمير) سعود لمدة 20 دقيقة، كما طرحت إدارة البريد أوائل عام 1353هـ - 1934م طوابع تذكارية بمناسبة مبايعة (الأمير) سعود بولاية العهد، وحملت تلك الطوابع ولأول مرة اسم المملكة العربية السعودية. لقد أرسى الملك المؤسس بثاقب رؤيته نهجاً دستورياً فيما يتعلق بانتقال السلطة وولاية العهد، أثبت صلابته في «تثبيت دعائم الملك وتشييد أركانه وإدامة تسلسله».

توارث العرش وولاية العهد

ونلاحظ هنا استبدال عبارة «توارث العرش» بـ«ولاية العهد». والسبب كما يراه بعض الدارسين للنظام الدستوري السعودي، أن توارث العرش قد يُفهم منه انتقال الحكم دون شورى أو بيعة، حيث ينتقل الحكم وفقاً لخط الوراثة الذي تحدده أحكام دستورية مدونة أو عرفية، دون اشتراط الشورى والبيعة؛ بينما ينتقل الحكم في المملكة العربية السعودية بانعقاد البيعة.

وكل ما يتعلق بتفاصيل البيعة والاستخلاف وولاية العهد يجده الباحث في كتب السياسة الشرعية. لذا؛ ورد في ذلك القرار التاريخي (صك مبايعة الأمير سعود بولاية العهد) النص الآتي: «رأى (الملك عبد العزيز) بعين حكمته الساهرة على راحة رعاياه والعاملة على تثبيت دعائم هذا الملك العربي الوطيد وتشييد أركانه وإدامة تسلسله أن يجيب طلب رعاياه، ويوافق على تعيين شكل واضح ثابت لولاية العهد كما ورد في أمره الملكي الكريم الصادر في 17 جمادى الأولى 1351 (الموافق 18 سبتمبر سنة 1932)، وأن يسير في ذلك على المنهاج الشرعي الذي سار عليه خلفاء المسلمين وملوكهم، وأن يعقد البيعة بولاية العهد على ما كان مستجمعاً للشروط الشرعية المرعية».

أما بشأن وضع نظام أساسي للمملكة، ففي شهر جمادى الأولى 1355هـ – أغسطس (آب) 1936م انتهى مجلس الشورى من إعداد مشروع (النظام الأساسي للمملكة العربية السعودية) بهذا المسمى، والذي تكون من 140 مادة ورفعه للمراجع العليا للمصادقة عليه، لكن ذلك النظام لم يصدر، ولم تتوفر نسخة من مسودته لاطلاع العموم.

ويرى بعض الباحثين أن عدم صدور ذلك النظام لأنه تضمن خطوات وبرامج إصلاحية يتطلب تنفيذها مبالغ كبيرة ولم تكن موارد الدولة ولا الظروف الاقتصادية تمكن الحكومة من تنفيذها. وأذهب إلى أن الظروف السياسية والاقتصادية بعد ذلك أعاقت صدور النظام الأساسي الذي تكرر ذكره في أكثر من بيان حكومي في عهود الملوك سعود وفيصل وخالد، ورغم عدم صدور تلك الوثيقة الدستورية المكتوبة، إلا أن القواعد والأعراف الدستورية استقر واستمر عليها العمل وحتى صدور الأنظمة الأساسية في عهد الملك فهد.

التطورات الدستورية والتنظيمية

ولعله من المهم أن نوضح هنا أن تأخر صدور تلك الأنظمة لم يكن – بأي حال من الأحوال – معيقاً للبناء والتطور الدستوري للدولة، ذلك البناء الذي بدأ في عهد الملك المؤسس من خلال توحيد البلاد ونيل الاعتراف الدولي بإقليمها «إعلان الدولة»، والشروع في إصدار أنظمة للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية «تنظيم سلطات الدولة»، وسنّ وأخذ البيعة لولي العهد «تنظيم انتقال الحكم في الدولة».

مع الإشارة إلى التطورات التنظيمية التي سبقت وتلت ذلك، فقد أصدر الملك عبد العزيز في شهر صفر 1373هـ - أكتوبر 1953م مرسوماً بإنشاء مجلس الوزراء، وتضمن ذلك المرسوم أول نظام لمجلس الوزراء تكون من 10 مواد، ثم أصدر الملك سعود نظاماً أشمل لمجلس الوزراء في شهر رجب 1373هـ – مارس 1954م، وتكوّن النظام من 21 مادة، ثم صدر في شهر شوال 1377هـ – أكتوبر 1958م النظام الشهير للمجلس من 50 مادة، ومنح ذلك النظام مجلس الوزراء – مع مؤسسة المُلك – الولاية الدستورية على السلطتين التنظيمية (التشريعية) والتنفيذية، إلى أن صدر نظام مجلس الشورى مع صدور الأنظمة الأساسية عام 1412هـ - 1992م، والذي أشرك مجلس الشورى في دراسة الأنظمة، والمعاهدات، والاتفاقيات الدولية، ويرى الفقيه الدستوري السعودي الدكتور محمد بن عبد الله المرزوقي: أنه «من الأمور الجديدة التي جاء بها النظام الأساسي للحكم إسناده السلطة التنظيمية (التشريعية) إلى جهتين، هما مجلس الوزراء ومجلس الشورى».

استقلال السلطة القضائية

وبالنسبة للسلطة القضائية، كانت منذ عهد الملك عبد العزيز ولا تزال مستقلة وتستند إلى مبادئ الشريعة الإسلامية، وأكدت أنظمة القضاء التي صدرت في مراحل مختلفة على أن: «القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير أحكام الشريعة الإسلامية والأنظمة المرعية، وليس لأحد التدخل في القضاء». وقد أصدر الملك المؤسس جملة من الأنظمة والتعليمات المتعلقة بالمحاكم ورئاسة القضاء (صاحبة الولاية الدستورية على السلطة القضائية)، كان آخرها تنظيم الأعمال الإدارية في الدوائر الشرعية، ونظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي الذي تكوّن من 258 مادة لتنظيم رئاسة القضاء، والتفتيش القضائي، واختصاصات وصلاحيات وأعمال المحاكم الشرعية وقضاتها. صدر ذلك النظام عام 1352هـ – 1953م وظل نافذاً لأكثر من ستين عاماً وحتى صدور نظام المرافعات الشرعية عام 1435هـ - 2013م في عهد الملك عبد الله.

ولفظة «تركيز المسؤوليات» التي ظهرت في عنوان ذلك النظام القضائي، جاءت كذلك في ديباجة مرسوم إصدار نظام مجلس الوزراء لعام 1377هـ - 1958م، وهي تشير بوضوح إلى تنظيم مسؤوليات واختصاصات كانت قائمة وممارسة فعلاً وبعضها ذو صفة أو صبغة دستورية، كاختصاص إصدار الأنظمة وكذلك إبرام المعاهدات والتي برع الملك عبد العزيز في الاضطلاع بها مرفوداً – في الجانب الفني القانوني – بخبرات عدد من مستشاريه وكانت حجر أساس في البناء الدستوري للدولة.

كما كان نظام مجلس الوزراء ولخمسة وثلاثين عاماً، بكل ما اشتمل عليه من تنظيم لاختصاصات الدولة التشريعية والتنفيذية والإدارية والمالية، وثيقة دستورية، وفي رأي بعض شراح القانون الدستوري السعودي بمثابة نظام أساسي، شكلت مع أنظمة القضاء ومن بينها نظام القضاء الذي صدر عام 1395هـ - 1975م في عهد الملك خالد، قاعدةً للأحكام الدستورية الخاصة بسلطات الدولة التي تضمنها النظام الأساسي للحكم.

«الفراغ الدستوري»

وقد أشار الملك فهد، في بيانه الشهير عند إصدار الأنظمة الأساسية، إلى ذلك بالقول: «وقد استدعى تطور الحياة الحديثة أن ينبثق عن هذا المنهج أنظمة سياسية في عهد الملك عبد العزيز. ونظراً لتطور أمور الدولة وتكاثر واجباتها فقد أصدر الملك عبد العزيز - رحمه الله – أمره بتأسيس مجلس الوزراء والذي يعمل الآن وفقاً لنظامه الصادر في عام 1377هـ، وما طرأ عليه من تعديلات. لقد استمر العمل بهذا المنهج حتى يومنا هذا بحمد الله وتوفيقه.

ولذلك لم تعرف المملكة العربية السعودية ما يسمى (بالفراغ الدستوري)، فمفهوم (الفراغ الدستوري) – من حيث النص – هو ألا تكون لدى الدولة مبادئ موجهة وقواعد ملزمة ولا أصول مرجعية في مجال التشريع وتنظيم العلاقات، إن المملكة العربية السعودية لم تشهد هذه الظاهرة في تاريخها كله لأنه طوال مسيرتها تحكم بموجب مبادئ موجهة وقواعد ملزمة وأصول واضحة يرجع إليها الحكام والقضاة والعلماء وسائر العاملين في الدولة».

شركة «أرامكو» تهنئ الملك سعود بذكرى الجلوس الملكي

الاحتفال باليوم الوطني

وعودة إلى الاحتفال باليوم الوطني، فقد تغير تاريخ اليوم الوطني عندما تولى الملك سعود مقاليد الحكم بعد وفاة الملك عبد العزيز يوم الاثنين 2 ربيع الأول 1373 هـ الموافق 9 نوفمبر 1953م، وبايعته الأسرة المالكة وأهل الحل والعقد في القصر الملكي بالطائف كما بايعت (الأمير) فيصل بولاية العهد، ولكن تم اختيار اليوم الثاني عشر من شهر نوفمبر وليس اليوم التاسع من الشهر نفسه يوماً للاحتفال بذكرى جلوس الملك سعود على العرش (اليوم الوطني)؛ وقد يكون ذلك تيمناً كما يرى بعض الباحثين، إذ إنه اليوم الذي توجه فيه الملك سعود إلى مكة المكرمة (مقر الحكومة آنذاك) وأمّ المصلين في صلاة المغرب في المسجد الحرام وتلقى بيعة رؤساء الدوائر الحكومية وكبار الموظفين والعلماء والتجار والوجهاء وأعضاء المجالس والهيئات وعموم الشعب، أو أن الملك سعود لم يستحسن أن يكون يوم الاحتفاء يوم 9 نوفمبر لأنه يوم وفاة الملك عبد العزيز، وهذا هو المرجح.

وجاء الاحتفاء بالذكرى الأولى لجلوس الملك سعود يوم الجمعة 12 نوفمبر 1954م الموافق 17 ربيع الأول 1374هـ «يوماً وطنياً سعيداً» مثلت فيه الوفود بين يدي الملك للتهنئة وتلقى فيه برقيات التهاني من الداخل والخارج وأقيمت فيه الاحتفالات في عدد من المناطق وأصدرت فيه الجرائد والمجلات أعداداً ممتازة خاصة بهذه المناسبة، ومن أبرزها جرائد «أم القرى، والبلاد، والمدينة» ومجلتا «الرياض، والمنهل».

كما انبرى عدد من الشعراء العرب للتعبير عن فرحتهم بهذه المناسبة، لكن التطور اللافت هو الخطاب الملكي السنوي الذي كان يوجهه الملك إلى الشعب في هذه المناسبة كل عام، ويتناول فيه ما يتعلق بقضايا الوطن وحياة المواطنين.

الملك سعود بن عبد العزيز أثناء إلقائه الخطاب

ووفقاً للباحث الرويس، «كان هناك تطور سنوي على برامج الاحتفال بتلك الذكرى، فبدءاً من الذكرى الأولى، أصبحت الجريدة الرسمية (أم القرى) تنشر كلمات للأمراء والوزراء بهذه المناسبة، واختارت الإذاعة السعودية يوم الذكرى لإصدار مجلة (الإذاعة)، كما أقامت كلية الملك عبد العزيز الحربية مهرجاناً خاصاً بتلك المناسبة».

استمرت الاحتفالات سنوياً مع تصاعد الاهتمام الإعلامي كإصدار الجريدة الرسمية عدداً خاصاً، وتخصيص الإذاعة برامج خاصة بالذكرى ونشر إعلانات التهاني في الصحف، وظل الاحتفال بذكرى الجلوس يوم 12 نوفمبر كيوم وطني (ثانٍ) للمملكة العربية السعودية لمدة عشر سنوات، وكان آخرها الذكرى العاشرة في عام1383هـ - 1963.

صور الأمر الملكي لليوم الوطني بتحديد 23 سبتمبر يوماً وطنياً

الملك فيصل يحدد 23 سبتمبر

وحينما ارتقى الملك فيصل العرش في 27 جمادى الأخرة 1384هـ - 2 نوفمبر 1964م وقبل حلول الذكرى الحادية عشرة بأيام، ولم يكن هناك أي احتفال باليوم الوطني ذلك العام، رأى الملك فيصل أن تحديد اليوم الوطني بذكرى جلوس الملك يجعله يوماً غير ثابت، حيث يتغير مع تولي كل ملك للعرش فعُرض على مجلس الوزراء بضرورة جعل يوم وطني محدد وثابت التوقيت في كل عام.

فتقرر اختيار يوم إعلان توحيد المملكة العربية السعودية الموافق لليوم الأول من الميزان (مطلع السنة الهجرية الشمسية) وهو يوم 23 سبتمبر من السنة الميلادية وصدر قرار من مجلس الوزراء بذلك، وتوج بالمرسوم الملكي رقم م/9 بتاريخ 24 ربيع الآخر 1385هـ الموافق 21 أغسطس 1965م، بأن يكون يوم 23 سبتمبر هو اليوم الوطني (الثالث) للمملكة العربية السعودية.

وقد بدأ الاحتفال بهذا اليوم لأول مرة في 28 جمادى الأولى 1385هـ - 23 سبتمبر 1965م، أي بعد مرور 33 عاماً على إعلان توحيد المملكة العربية السعودية. ومنذ ذلك الحين اختفى مصطلح ومناسبة (ذكرى الجلوس الملكي) واستبدل بذكرى البيعة، غير أنها ظلت مناسبة ليس لها أي مظاهر أو مراسم. كما أن الاحتفاء باليوم الوطني كان في إطار رسمي تمثل في تلقي الملك التهاني وإقامة السفارات السعودية في الخارج حفلات استقبال مع تغطيات إعلامية، دون احتفالات شعبية ودون أن يكون عطلة رسمية.

استمر الوضع على هذا المنوال طوال عهد الملك فيصل والملك خالد وأكثر سنوات عهد الملك فهد. لكن الاهتمام باليوم الوطني شعبياً والمواكبة الإعلامية زادت في أواخر عهد الملك فهد، حيث صدر الأمر السامي رقم (7/1600/م ب) وتاريخ 2 ذو القعدة 1425هـ الموافق 14 ديسمبر 2004م القاضي بالموافقة على ما رأه مجلس الوزراء بأن يكون يوم (23 سبتمبر) من كل عام إجازة رسمية بمسمى إجازة اليوم الوطني، وذلك بعد نحو 40 عاماً من إقرار ذلك التاريخ يوماً وطنياً، وبدءاً من عام 1426هـ - 2005م أخذ الاحتفاء باليوم الوطني بُعداً رسمياً وشعبياً وأصبحت الاحتفالات تقام في أنحاء المملكة كافة مع تغطيات إعلامية مكثفة ازدادت مع انتشار وسائل التواصل وتطور تلك الاحتفالات وتنوعها.

3 مراحل لليوم الوطني

مما سبق يتضح أن اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية تنقّل تاريخه ثلاث مرات بين 8 يناير و12 نوفمبر واستقر في 23 سبتمبر، وكان أول احتفال به في عام 1930م، وذلك قبل إعلان توحيد البلاد. وبذلك يكون مرّ 93 عاماً على أول يوم وطني في عهد الملك عبد العزيز كما مرّ معنا. وهذا قد يوضح اللبس الذي يتداول كل عام حول صحة عدد أعوام اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية.

هذا فيما يتعلق بتاريخ اليوم الوطني وعيد الجلوس، أما عن البيعة فهي في الأصل مبدأ إسلامي تميزت به الحضارة الإسلامية وتُعدّ عهداً وعقداً بين الراعي والراعية، كما أنها أحد الأسس الدستورية للدولة السعودية منذ تأسيسها الأول قبل 300 عام، كما أكدت عليها نصوص النظام الأساسي للحكم ثم نظام هيئة البيعة. وكما تقدم: تمت مبايعة الملك عبد العزيز في المسجد الحرام، وتطرقنا كذلك إلى تفاصيل مبايعة ولي عهده (الأمير) سعود، لكن ماذا عن أماكن وتفاصيل مبايعة الملوك وأولياء العهد بعد ذلك؟

الملك سعود يتوسط أخوته بعد مبايعته ملكاً للمملكة العربية السعودية

البيعة وانتقال الحكم

هنا لا بد من التفصيل، حيث إنه عند وفاة الملك عبد العزيز (يوم 2 ربيع الأول 1373هـ - 9 نوفمبر 1953م) بايع كبار الأمراء الملك سعود في القصر الملكي بالطائف (قصر العقيق حالياً)، وهو المكان نفسه الذي توفي فيه الملك المؤسس كما بايعوا (الأمير) فيصل بولاية العهد.

وتم ذلك قبل إعلان بيان الوفاة وأصبح هذا تقليداً متبعاً (مبايعة كبار أفراد الأسرة الحاكمة أو «البيعة الخاصة» أولاً ثم تتم «البيعة العامة»)، وجاء نص البلاغ رقم (2) الذي صدر عن الديوان الملكي العالي كالآتي: «على إثر وفاة حضرة صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود ملك المملكة العربية السعودية تغمده الله برحمته والتفاف أفراد الأسرة المالكة الكريمة حول جثمانه الطاهر خرجوا من عنده وبايعوا حضرة صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن عبد العزيز المعظم ملكاً على البلاد العربية السعودية على طاعة الله ورسوله والسمع والطاعة، فنُودي بحضرة صاحب الجلالة الملك سعود بن عبد العزيز بن عبد الرحمن آل الفيصل آل سعود ملكاً للمملكة العربية السعودية. وعلى أثر ذلك أعلن حضرة صاحب الجلالة الملك سعود بن عبد العزيز ولاية عهده لأخيه حضرة صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن عبد العزيز ولياً للعهد، كما بايع سموه على أثر ذلك أفراد الأسرة المالكة».

ويلاحظ في نص هذا البيان، أن الملك سعود أعلن ولاية العهد لأخيه فيصل، ويفهم من كلمة «أعلن» أن الأمر كان محسوماً قبل ذلك، وفي اليوم التالي تلقى الملك سعود في القصر نفسه بيعة قادة الجيش وأعضاء مجلس الشورى وكبار رجالات الدولة وشيوخ القبائل وجموع غفيرة من المواطنين، وهذا يصحح ما ذكرته بعض المصادر، وهو ما يتداول في مواقع رسمية بأن بيعة الملك سعود تمت في جدة، مع إيضاح أن الملك سعود بقي في الطائف ولم يرافق جثمان الملك عبد العزيز للرياض، ثم توجه من الطائف بالطائرة إلى جدة يوم الأربعاء 4 ربيع الأول 1373هـ - 11 نوفمبر 1953م، ثم إلى مكة وتلقى البيعة من وفود وجموع من طبقات الشعب كافة، بينما تلقى ولي العهد (الأمير) فيصل البيعة في قصر الحكم بعد دفن الملك عبد العزيز في الرياض.

عاد الأمير فيصل إلى الطائف ورافق الملك سعود إلى جدة ومكة. وكانت بيعة الملك سعود أول بيعة تبث أخبارها الإذاعة السعودية، وزاد استعمال البرقيات فيها كوسيلة مبايعة، كما زادت التغطيات الصحفية، حيث نشرت الصحف وأذاعت الإذاعة بياناً باسم الملك سعود يمكن أن يعدّ بمثابة «خطاب العرش».

الملك سعود يتلقى البيعة من المواطنين

وأصدر الملك سعود عدداً من الأوامر تضمنت استمرار الوزراء وكبار المسؤولين في مناصبهم والعفو عن السجناء والمبعدين السياسيين وسجناء الحق العام، واستقبل الملك وفوداً خارجية وممثلي البعثات الدبلوماسية والجاليات الأجنبية الذين قدموا التهاني لجلالته بتوليه الحكم، وتلقى أمراء المناطق البيعة نيابة عن الملك كما تلقت الممثليات السعودية في الخارج البيعة من المواطنين السعوديين الموجودين في تلك الدول، وأصبحت هذه وغيرها من التدابير والمراسم والإجراءات من التقاليد المصاحبة للبيعة.

وفي يوم الاثنين 27 جمادى الآخرة 1384هـ - 2 نوفمبر 1964م عُقدت جلسة مشتركة لأعضاء مجلسي الوزراء والشورى في قصر الحمراء (وهذا هو الاسم الأساس للقصر وليس «الأحمر») بالرياض برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء (الأمير) خالد بن عبد العزيز، وقرروا فيها: «مبايعة ولي العهد فيصل بن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملكاً شرعياً على المملكة العربية السعودية وإماماً للمسلمين»، وطلبوا من الملك فيصل: «قبول البيعة وإعلانها»، بايع كبار الأمراء والعلماء (أعضاء السلطة القضائية) وأعضاء مجلس الوزراء وأعضاء مجلس الشورى المجتمعون في قصر الحمراء الملك فيصل هناك، أذيع «بيان البيعة» نحو الساعة الثانية ظهراً وتلاه وزير الإعلام السعودي آنذاك الشيخ جميل الحجيلان، الذي ذكر أنه نحو الساعة 11 من صباح ذلك اليوم أقلته طائرة بوينغ 707 وكانت من أوائل الطائرات الحديثة في أسطول الخطوط السعودية من مطار الرياض إلى جدة لبث البيان، حيث لم يكن هناك استوديوهات إذاعية في الرياض.

بيان البيعة

وكانت تلك هي المرة الأولى التي يتلو فيها وزير الإعلام بيان البيعة وأصبحت تقليداً مصاحباً، أما خطاب العرش فقد تلاه الملك فيصل بنفسه وبثّته الإذاعة مساء ذلك اليوم، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يبث فيها خطاب اعتلاء العرش بصوت الملك عبر الإذاعة، وذكر الإعلامي والمؤرخ السعودي الدكتور عبد الرحمن الشبيلي تفاصيل عن كواليس تسجيل الخطاب الملكي في قصر المعذر عصر ذلك اليوم بحضور الأمير سلطان بن عبد العزيز (وزير الدفاع والطيران وأحد كبار مستشاري الملك فيصل) والدكتور رشاد فرعون (المستشار الخاص للملك) والشيخ محمد النويصر (رئيس المكتب الخاص) والكاتب والشاعر كنعان الخطيب (يُرجح أنه هو من صاغ الخطاب الملكي)، وكيف أن طائرة خاصة أقلت الشبيلي إلى جدة بتوجيه من الأمير سلطان، حاملاً معه شريط تسجيل خطاب العرش.

وفي قصر الحكم بوسط العاصمة الرياض تلقى الملك فيصل يوم الثلاثاء 28 جمادى الآخرة - 3 نوفمبر البيعة من الأمراء وكبار رجال الدولة وأعيان البلاد وممثلي فئات الشعب، وكان يقف إلى جانبه أخوه أمير الرياض وقتذاك سلمان بن عبد العزيز.

الملك فيصل بن عبد العزيز وبجانبه الملك سلمان بن عبد العزيز حين كان أميراً للرياض

ويتكرر الأمير (الملك سلمان) والمكان والمراسم في كل بيعة تالية ولما يزيد على نصف قرن؛ مما يبين عراقة مراسم وتقاليد البيعة في المملكة العربية السعودية. ولعله من المهم الإشارة هنا إلى أن بيعة الملك فيصل في قصر الحكم عام 1384هـ - 1964م كانت أول بيعة ملكية في ذلك القصر كما كانت أول بيعة بعد إعادة بناء القصر على الطراز الحديث.

الملك فيصل بن عبد العزيز حين تلقيه البيعة ملكاً للبلاد وبجانبه الأمير محمد بن عبد العزيز

كما تلقى الملك بيعة قادة القطاعات العسكرية، واستقبل وفوداً ومبعوثين ودبلوماسيين وإعلاميين من مختلف الدول، مهنئين باعتلائه عرش البلاد، كما بدأت إعلانات التهاني في الصحف تنتشر. وصدرت أوامر ملكية باستمرار تشكيلات الوزارة (مجلس الوزراء)، وتعديلات لنظام المجلس وتعيينات، والعفو عن سجناء الحق العام، وتلقى أمراء المناطق البيعة نيابةً عن الملك، كما فتحت السفارات السعودية في الخارج أبوابها لاستقبال المواطنين المبايعين. غير أنه فور تولي الملك فيصل مقاليد الحكم لم يتم اختيار ولي للعهد، وجرت مشاورات داخل الأسرة؛ إذ بعث الملك فيصل كتاباً إلى أخيه الأمير محمد يوم 22 رمضان 1384هـ - 24 يناير 1965م - أي بعد أكثر من شهرين ونصف الشهر من مبايعته ملكاً - ومضمون الكتاب استطلاع رأي الأمير محمد حول موضوع ولاية العهد؛ كونه الذي يلي الملك فيصل في السن من أبناء عبد العزيز، وجاء في نص الكتاب:

«من فيصل بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية

إلى جناب الأخ الكريم محمد بن عبد العزيز حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... وبعد:

فإنني أرى من المصلحة اختيار ولي للعهد؛ لأن ذلك عنصر أساسي من عناصر استمرار الحكم ورسوخه في هذه البلاد التي باتت تنعم بالطمأنينة والاستقرار، وتتطلع لحياة أفضل بعد أن عصفت بها تيارات مختلفة داخلية وخارجية، وإنني إذ أطلب من سموكم إخباري بوجهة نظركم في هذا الموضوع، أنتهز هذه الفرصة لأشيد بالجهود العظيمة التي بذلها سموكم ومساهمتكم الفعالة في سبيل استقرار الوضع وتجنيب البلاد الفتن والكوارث، وبانتظار مرئياتكم».

لحظة مبايعة الملك فيصل بن عبد العزيز ملكاً وبجانبه الأمير محمد بن عبد العزيز والملك سلمان بن عبد العزيز واقفاً بجانبه حينما كان أميراً للرياض

وقبل التطرق إلى التفاصيل، لا بد من الإشادة بدور الأمير محمد وبقية إخوته من أبناء الملك عبد العزيز في تأمين وسلاسة انتقال مقاليد الحكم في جميع العهود الماضية رغم حساسيات المراحل وتحدياتها؛ وذلك لأنهم آمنوا بتقديم المصلحة العامة على المصالح الفردية لأي منهم. ويعزو المؤرخ السعودي عبد الرحمن الرويشد ذلك السلوك الرشيد إلى: «تقاليد الأسرة العتيدة وثوابتها، وقناعة أفرادها بأنهم أصحاب رسالة يسيرون على نهج والدهم الملك عبد العزيز، الذي قال: (نحن آل سعود لسنا ملوكاً ولكننا أصحاب رسالة)، وهذه الرسالة هي التي تعمق مفهومها في نفوس قادة البيت السعودي ومنحتهم دوراً خاصاً وملأت صدورهم قناعة» بأن مهمتهم المحافظة على كيان دولتهم وحفظ مصالحها وتوفير احتياجات مجتمعهم وخدمة أمتهم. يقول الكاتب والصحافي المصري محمد جلال كشك: «ولا أظن في تاريخ العرب الحديث رجلاً عرف أعباء الملك ومتطلباته ووفى بهذه الالتزامات أكثر من عبد العزيز...».

إيمان وعبقرية الملك عبد العزيز

يروي المؤرخ والسياسي الفرنسي جاك بنوا ميشان، أن «الملك عبد العزيز في شهر نوفمبر عام 1950م (1370ه) استقبل في الرياض بعثة من الأمم المتحدة وتحدث أحد أعضائها عن الإنجازات التي تحققت والتطور الذي شهدته الجزيرة العربية، فرد الملك المؤسس وهو يشير إلى بعض الفتية في المجلس: (إن أغلى ما أملك هم أبنائي... لقد عشت حياة حافلة، وها إنني اليوم في مرحلة الشيخوخة، وسوف لن يتأخر كثيراً زمن الراحة، وسأغمض عيني مطمئناً. إن أبنائي سيعكفون من بعدي على إكمال رسالتي وإذا منحهم الله العون الذي منحني فإنهم سيرسمون يوماً الطريق لأكثر من مائة مليون من المؤمنين).

واعترض مندوب الأمم المتحدة فقال: ألا تعتقدون جلالتكم أنكم في هذا تغالون في التفاؤل؟ إن العالم يعيش على فوهة البركان، ولا يعلم أحد أي مصير يترقب الجزيرة العربية إذا نشبت حرب جديدة! ففكر ابن سعود لحظة ثم أجاب ببساطة: (لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا أدعي أنني أعلم الغيب، ولكن الله جل جلاله قد غمر هذه الجزيرة بفيض من خيراته وسيمُنُّ عليها بالمزيد إذا قدَّر أنها تستحق فضله وإحسانه)».

لا أعلم بماذا أصف ما قاله الملك المؤسس، أهو رؤية أم إيمان أم ثقة أم توكل؟ لكنه بلا شك (إيمانُ عبد العزيز) وشيء من عبقريته. ويكفي أن نقرأ جواب الأمير محمد المؤرخ في 23 رمضان 1383هـ - 25 يناير 1964م على كتاب الملك فيصل لنجد التطبيق العملي لما قاله الملك المؤسس، حيث جاء في رد الأمير محمد:

«إن ميادين العمل لخدمة الشعب ليست وقفاً على المناصب والألقاب، وهناك مجالات واسعة ومتعددة تمكن كل فرد من أفراد شعبنا العزيز من تأدية واجبه في خدمة بلاده.

وإنني وإن كنت المرشح الأول لمنصب ولاية العهد إلا أنني أفضّل أن أكون بعيداً عن مظاهر الرتب والألقاب ممن يشد أزركم ويوجد في الصفوف لمواصلة العمل في ظل قيادتكم الرشيدة التي لمس الجميع آثارها في الداخل والخارج.

وإذا جاز لي أن أرشح أحداً لشغل منصب ولاية العهد فإنني أرى في أخي الأمير خالد بن عبد العزيز من الصفات ما يجعله أهلاً لذلك، راجياً من الله أن يلهمكم التوفيق والسداد ويحفظ جلالتكم من كل سوء مولاي».

وفي يوم الاثنين 16 ذو القعدة 1383هـ - 29 مارس 1964م وجّه الملك فيصل رسالة سامية إلى الشعب السعودي هذا نصها: «بسم الله الرحمن الرحيم

من فيصل بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية إلى إخواني أبناء الشعب العربي السعودي الكريم:

تحية وبعد:

فإني أحمد الله على نعمه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه. هذا، ونظراً لأن ولاية العهد هي عنصر أساسي من عناصر استمرار الحكم ورسوخه، وبعد أن تمتعت البلاد بنعمة الاستقرار، وسارت في طريق التقدم والازدهار بفضل تمسكها بدينها الحنيف وشريعتها السمحاء.

فإنه ليسرني أن أعلن لإخواني أبناء الشعب السعودي الكريم، بأنني قد اخترت أخي الأمير خالد بن عبد العزيز ولياً للعهد، يحكم من بعدي بكتاب الله وسنة رسوله، وكلي ثقة بأن الشعب سيكون له خير ناصر ومعين.

والله ولي التوفيق».

ونلاحظ في هذا البيان استخدام مفردة (اخترت)، ويفهم منها أن القرار كان للملك.

ومساء اليوم نفسه، وفي قصر الأمير محمد بحي عليشة في الرياض، بايع أفراد الأسرة وعلى رأسهم الأمراء عبد الله بن عبد الرحمن ومحمد بن عبد العزيز، (الأمير) خالد ولياً للعهد.

تجدر الإشارة إلى أن (الأمير) خالد كان قد عُيّن نائباً لرئيس مجلس الوزراء في عام 1382هـ - 1962م، واستمر في المنصب بعد اختياره ولياً للعهد، وأصبح ذلك تقليداً متبعاً، بأن يكون ولي العهد هو نائب رئيس مجلس الوزراء.

منصب النائب الثاني

كما حصل تطور لافت في عهد الملك فيصل، وهو استحداث منصب النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء، حيث صدر يوم الأحد 27 جمادى الآخرة 1387 هـ - 1 أكتوبر 1967م الأمر الملكي رقم أ/36 بتعيين (الأمير) فهد بن عبد العزيز نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء مع احتفاظه بحقيبة الداخلية.

وعلى الرغم من عدم وجود نص دستوري، فإن هذا المنصب أصبح من يتولاه يكون الثالث عُرفاً في تراتبية الحكم بعد الملك وولي العهد، كما أن كل من تولاه منذ ذلك التاريخ اُختير ولياً للعهد.

وهكذا، مع كل بيعة هناك أسس راسخة وتقاليد مرعية ومراسم واضحة، وأشياءٌ أُخر يمكن أن تتطور أو تتغير، بيد أنه لا بد من التأكيد أن بيعة الملك فيصل بالذات أسست نهجاً محدداً لكل البيعات التي تلتها، أو كما يرى الكاتب والباحث الأمريكي جوزيف كيشيشيان: «وضع الأسس لخلافة أفقية متينة».

الملك خالد بن عبد العزيز

مبايعة في المستشفى

في ضحى يوم 13 ربيع الأول 1395 هـ - 25 مارس 1975م نُقِل الملك فيصل إلى مستشفى الرياض المركزي (الشميسي) إثر تعرضه لإطلاق النار، وانتقل ولي العهد وكبار الأمراء إلى هناك. وبعد الظهر عندما أعلن الأطباء وفاة الملك فيصل، بايع الأمراء ــ وهم في المستشفى ــ ولي العهد خالد بن عبد العزيز ملكاً، وصدر بيان الديوان الملكي الذي نعى الملك فيصل: «قام أفراد الأسرة وفي مقدمتهم الأمراء عبد الله بن عبد الرحمن، ومحمد وناصر وسعد وفهد أبناء عبد العزيز بمبايعة ولي العهد الأمير خالد بن عبد العزيز ملكاً على البلاد. وبعد إتمام البيعة أعلن صاحب الجلالة الملك خالد بن عبد العزيز ترشيح صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز ولياً للعهد، وقد أجمع أفراد الأسرة على ذلك وقاموا بمبايعة سموه...».

ومما يلفت الانتباه هنا استخدام كلمة «ترشيح» الملك لولي العهد بدلاً من كلمة «اختيار» كما سبق، وقد يكون السبب وجود الأمير محمد وهو أكبر سناً من الملك خالد، وكذلك الأميران ناصر وسعد وهما أكبر سناً من (الأمير) فهد، فكان من الأنسب استخدام كلمة ترشيح.

ألقى وزير الإعلام إبراهيم العنقري كلمة الملك خالد إلى الشعب في أول «خطاب عرش» متلفز. وتلقى الملك خالد وولي عهده (الأمير) فهد البيعة من طبقات الشعب كافة في قصر الحكم صباح الأربعاء، وكانت هذه أول بيعة مشتركة للملك وولي عهده في قصر الحكم بالرياض. كما تطورت التغطيات الإعلامية هذه المرة، فإلى جانب الإذاعة والصحف والمجلات التي كثفت من تغطياتها وإعلاناتها، غُطيت مراسم البيعة تلفزيونياً وبثت وكالة الأنباء السعودية أخبار البيعة لأول مرة.

استقبل الملك وفوداً خارجية على المستويات كافة، وصدرت الأوامر الملكية بتعديل نظام مجلس الوزراء واستمرار أعضائه في مناصبهم وتعيين ولي العهد (الأمير) فهد نائباً أول و(الأمير) عبد الله نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء وغيرها من التعيينات، كما صدر الأمر بالعفو عن سجناء الحق العام، وتلقى أمراء المناطق البيعة من المواطنين نيابةً عن الملك، وكذلك السفارات في الخارج.

الملك فهد بن عبد العزيز

النظام الأساسي للحكم

توفي الملك خالد في قصره بالخالدية بالطائف صباح يوم الأحد 21 شعبان 1402 هـ - 13 يونيو 1982م، وصدر عن الديوان الملكي بيانٌ عن وفاة الملك وبيانٌ آخر عن مبايعة ولي العهد ملكاً، وجاء فيه: «لقد قام أفراد الأسرة وعلى رأسهم الأمير محمد بن عبد العزيز بمبايعة ولي العهد الأمير فهد بن عبد العزيز ملكاً على البلاد. وبعد إتمام البيعة أعلن صاحب الجلالة الملك فهد بن عبد العزيز ترشيح صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولياً للعهد، وقد أجمع أفراد الأسرة على ذلك وقاموا بمبايعة سموه...»، ونرى هنا استمرار استخدام كلمة «ترشيح» الملك لولي العهد وذلك للسبب نفسه.

وتضمن أول أمر ملكي يصدره الملك فهد استمرار جميع أعضاء مجلس الوزراء في مناصبهم وتعيين ولي العهد (الأمير) عبد الله نائباً، ووزير الدفاع والطيران الأمير سلطان نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء.

وفي مساء اليوم نفسه ألقى الملك فهد كلمة مؤثرة بثها التلفزيون السعودي، وتعدّ أول خطاب عرش يلقيه الملك بنفسه تلفزيونياً. تلقى الملك فهد وولي عهده (الأمير) عبد الله البيعة من الأمراء والعلماء والقادة العسكريين وكبار رجالات الدولة والمواطنين في قصر الحكم يوم الاثنين، كما استقبل وفوداً من مختلف دول العالم مهنئة بارتقائه عرش البلاد.

وفي تطور دستوري لما يتعلق بمبايعة الملك، تحولت معه القواعد الدستورية العرفية التي استقر عليها العمل إلى مواد مكتوبة، أصدر الملك فهد يوم 27 شعبان 1412 هـ - 1 مارس 1992م أمراً ملكياً معلناً صدور النظام الأساسي للحكم من 9 أبواب و83 مادة، ونصت الفقرة (ب) من المادة الخامسة منه على: «يكون الحكم في أبناء الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود وأبناء الأبناء، ويبايع الأصلح منهم للحكم على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم». مع ملاحظة التعديل الذي طرأ على هذه الفقرة فيما بعد. ويمكن أن يفهم من عدم النص في النظام الأساسي على أن الحكم «وراثي»، وتخصيص الحكم في ذرية المؤسس أنه ليس تأسيساً لمبدأ «توارث العرش» بمفهومه الدقيق، الذي يلزمه خط أو تسلسل معلوم، ونص وتطبيق النظام الأساسي للحكم لم يأت بذلك، حيث لم يجعل استنفاذ الحكم في أبناء المؤسس لازماً لانتقاله لأبناء الأبناء. والواقع الدستوري المعمول به يؤيد هذا التفسير.

الملك عبد الله بن عبد العزيز

هيئة البيعة

توفي الملك فهد في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض فجر يوم الاثنين 26 جمادى الآخرة 1426هـ - 1 أغسطس 2005م، وهناك تقدم الأمير سلطان بن عبد العزيز وتبعه كبار الأمراء مبايعين أخاهم عبد الله ملكاً، وجاء في بيان الديوان الملكي الذي تلاه وزير الإعلام إياد مدني: «لقد قام أفراد الأسرة بمبايعة صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير عبد الله بن عبد العزيز ملكاً على البلاد وفق المادة الخامسة من النظام الأساسي للحكم، وبعد إتمام البيعة أعلن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية اختيار صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز ولياً للعهد حسب المادة الخامسة من النظام الأساسي للحكم، وقد بايع أفراد الأسرة سموه على ذلك...»، وجاءت هنا كلمة «اختيار» الملك لولي العهد، وذلك وفقاً لنص النظام الأساسي للحكم.

تلقى الملك وولي عهده البيعة يوم الأربعاء في قصر الحكم من الأمراء والعلماء والقادة العسكريين وكبار رجالات الدولة والمواطنين وفق التقاليد العريقة والمراسم المتبعة، ووجّه الملك خطابه إلى الأمة، وأصدر الأوامر وعفا عن السجناء، واستقبل المهنئين بتوليه مقاليد الحكم من رؤساء الدول وممثليهم.

وجاءت هذه البيعة بأوليات، فهي أول بيعة تتم بعد وفاة الأمير محمد بن عبد العزيز الذي كان دوره مؤثراً في البيعات السابقة، كما أنها أول بيعة تتم في قصر الحكم بعد إعادة بنائه على طراز العمارة النجدية الحديثة والذي أصبح يعرف بـ«العمارة السلمانية» نسبة إلى دور الملك سلمان في تبني هذا التوجه العمراني.

وأول بيعة بعد صدور النظام الأساسي للحكم مع النص عليه في بيان الديوان الملكي. كما كانت البيعة الأولى في عصر الإنترنت والقنوات الفضائية والصحف والمواقع الإلكترونية والتغطيات المباشرة التي بثت مباشرة مراسم البيعة، كما بثت خطاب العرش الملكي.

وفي يوم 26 رمضان 1427هـ الموافق 19 أكتوبر 2006م، أصدر الملك عبد الله أمراً ملكياً يتضمن صدور نظام هيئة البيعة من 25 مادة، وتعديل الفقرة (ج) من المادة الخامسة من النظام الأساسي للحكم ليصبح نصها: «تتم الدعوة لمبايعة الملك واختيار ولي العهد وفقاً لنظام هيئة البيعة». ونص الأمر على أن أحكام نظام هيئة البيعة تسري على الحالات المستقبلية ولا تسري على الملك وولي العهد الحاليين. كان صدور ذلك النظام وقبله النظام الأساسي للحكم مراحل مهمة من التطور السياسي والبناء الدستوري للدولة. ويشير أستاذ القانون الإداري والدستوري الدكتور إبراهيم الحديثي إلى أن «نظام هيئة البيعة جاء تأكيداً لاستقرار الحكم وسلاسة انتقال السلطة...»، ويعزو ذلك لارتباط البيعة بأهم منصبين في المملكة العربية السعودية (الملك وولي العهد).

وفي 1 ربيع الثاني 1430هـ - 27 مارس 2009م صدر الأمر الملكي بتعيين وزير الداخلية الأمير نايف بن عبد العزيز نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء. وإثر وفاة ولي العهد الأمير سلطان بن عبد العزيز، أصدر الملك عبد الله أمراً ملكياً يوم الخميس 30 من ذي القعدة 1432هـ - 27 أكتوبر 2011م، وذلك بعد إشعار رئيس وأعضاء هيئة البيعة باختيار الأمير نايف ولياً للعهد وتعيينه نائباً لرئيس مجلس الوزراء إضافة إلى احتفاظه بحقيبة الداخلية. وفي قصر الملك عبد الله بالرياض بايع رئيس وأعضاء هيئة البيعة الأمير نايف، وكانت هذه أول بيعة تتم بعد إنشاء الهيئة، وعصر يوم السبت التالي وفي قصر الحكم بايع الأمراء والعلماء وكبار رجالات الدولة والمواطنون الأمير نايف ولياً للعهد.

وبعد وفاة الأمير نايف أصدر الملك عبد الله أمراً ملكياً يوم الاثنين 29 رجب 1433هـ - 18 يونيو 2012م باختيار (الأمير) سلمان ولياً للعهد وتعيينه نائباً لرئيس مجلس الوزراء مع احتفاظه بحقيبة الدفاع.

بايع كبار الأمراء في قصر الملك عبد الله بالطائف (الأمير) سلمان بولاية العهد، ويوم الأربعاء تلقى البيعة في قصر السلام بجدة من الأمراء، وكبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، والمواطنين.

الملك سلمان بن عبد العزيز يتلقى البيعة ملكاً على البلاد والأمير مقرن بن عبد العزيز ولياً للعهد في قصر الحكم (واس)

المبايعة وقصر الحكم

وفي قصر الحكم بالرياض بايعه الأمراء والعلماء والوزراء وأعضاء مجلس الشورى والقادة العسكريون والمواطنون. ويوم 21 ربيع الأول 1434هـ - 1 فبراير 2013م صدر أمر ملكي بتعيين المستشار والمبعوث الخاص لخادم الحرمين الشريفين الأمير مقرن بن عبد العزيز نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء، لكن التطور اللافت الآخر الذي تم في عهد الملك عبد الله كان استحداث منصب ولي ولي العهد بموجب الأمر الملكي الصادر يوم الخميس 26 جمادي الأول 1435هـ - 27 مارس 2014م وتعيين الأمير مقرن في المنصب بعد تأييد أغلبية أعضاء هيئة البيعة، مع استمراره نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء.

وظهر يوم الأحد 29 جمادي الأول 1435هـ - 30 مارس 2014م تلقى الأمير مقرن في قصر الحكم بيعة الأمراء والعلماء والوزراء ورئيس وأعضاء مجلس الشورى وكبار المسؤولين من مدنيين وعسكريين والمواطنين.

توفي الملك عبد الله في مستشفى مدينة الملك عبد العزيز الطبية للحرس الوطني في الرياض، وأعلن الديوان الملكي فجر يوم الجمعة 3 ربيع الثاني 1436هـ - 23 يناير 2015م نبأ الوفاة، كما صدر بيان من الديوان الملكي، جاء فيه: «تلقى صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير سلمان بن عبد العزيز آل سعود البيعة ملكاً على البلاد وفق النظام الأساسي للحكم. وبعد إتمام البيعة، وبناءً على البند (ثانياً) من الأمر الملكي رقم أ / 86 وتاريخ 26 / 5 / 1435هـ، الذي نص على أن يبايع صاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبد العزيز آل سعود ولياً للعهد في حال خلو ولاية العهد، دعا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية - يحفظه الله - لمبايعة صاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبد العزيز ولياً للعهد، وقد تلقى سموه البيعة على ذلك».

أصدر الملك سلمان عدداً من الأوامر باستمرار جميع أعضاء مجلس الوزراء في مناصبهم وتعيين ولي العهد الأمير مقرن نائباً لرئيس مجلس الوزراء واختيار الأمير محمد بن نايف ولياً لولي العهد وتعيينه نائباً ثانياً، ووجّه الملك خطابه إلى الأمة.

جاءت هذه البيعة في عصر الثورة المعلوماتية ومنصات ووسائل التواصل، وشهدت أول بيعة إلكترونية عبر منصات التواصل، كما كانت أول بيعة ثلاثية مشتركة، لكن التقاليد الثابتة باقية، ففي مساء اليوم نفسه تلقى الملك سلمان وولي عهده وولي ولي العهد البيعة من الأمة في قصر الحكم، هذا القصر الذي شهد مبايعة الملوك السابقين وكان سلمان أحد شهود تلك البيعات.

وفي يوم الأربعاء 11 رجب 1436هـ - 29 إبريل 2015م رفع الأمير مقرن كتاباً إلى خادم الحرمين الشريفين يتضمن رغبته في الإعفاء من ولاية العهد، فصدر الأمر الملكي بالاستجابة لرغبة سموه، واختيار الأمير محمد بن نايف ولياً للعهد وتعيينه نائباً لرئيس مجلس الوزراء واستمراره وزيراً للداخلية ورئيساً لمجلس الشؤون السياسية والأمنية، كما صدر في اليوم نفسه أمر ملكي آخر باختيار الأمير محمد بن سلمان - وبتأييد أغلبية أعضاء هيئة البيعة - ولياً لولي العهد وتعيينه نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء واستمراره وزيراً للدفاع ورئيساً لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية. وفي مساء ذلك اليوم تقدم الأمير مقرن المبايعين في قصر الحكم بوسط الرياض، كما تلقى ولي العهد وولي ولي العهد البيعة من الأمراء والعلماء وكبار المسؤولين والقادة العسكريين والمواطنين. وقام الملك سلمان بزيارة الأمير مقرن في منزله بالرياض، كما وجّه له برقية الشكر الآتي نصها:

«صاحب السمو الملكي الأخ الأمير مقرن بن عبد العزيز آل سعود حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

تلقينا طلب سموكم إعفاءكم من منصبكم بما تضمنه من مشاعر الولاء والأخوة الصادقة، وهذا ليس بمستغرب على أخي العزيز، وقد قضيتم ما يزيد على نصف قرن في خدمة وطنكم متنقلاً بين أرجائه وتحملتم المسؤوليات المختلفة فيه بكل أمانة وصدق وإخلاص. سمو الأخ العزيز:

إننا والوطن جميعاً نحفظ لكم بكل اعتزاز ما قدمتموه من خدمات وما بذلتم في سبيله من جهود، وستظلون كما كنتم دائماً قريبين منا ومن وطنكم وإخوانكم، متمنين لسموكم الكريم حياة حافلة بالصحة والسعادة والتوفيق. والله يحفظكم ويرعاكم».

وفي يوم الأربعاء 26 رمضان 1438هـ الموافق 21 يونيو 2017م صدر أمر ملكي بناءً على تأييد أعضاء هيئة البيعة بأغلبية 31 من 34 عضواً، بإعفاء الأمير محمد بن نايف واختيار الأمير محمد بن سلمان ولياً للعهد وتعيينه نائباً لرئيس مجلس الوزراء واستمراره وزيراً للدفاع وما كُلّف به من مهام أخرى. وتلقى الأمير محمد بن سلمان البيعة من الأمراء والعلماء وكبار المسؤولين والقادة العسكريين والمواطنين في قصر الصفا بمكة المكرمة، وعلى بعد أمتار من المكان الذي تلقى فيه الملك عبد العزيز البيعة الملكية الأولى.

جاء هذا الاختيار ضمن رؤية الملك سلمان التجديدية الشاملة لمستقبل المملكة العربية السعودية، وستسطر صفحات التاريخ أن سلمان بن عبد العزيز هو من قاد البلاد في هذه المرحلة السياسية بالغة الدقة ونقل الحكم إلى جيل أحفاد عبد العزيز وأعاد هيكلة الدولة وتجديد شبابها، مع المحافظة على النهج الذي قامت عليه البلاد. وكما أشرنا إلى دور الأمراء الكبار من أبناء عبد العزيز في سلاسة انتقال السلطة فيما مضى من العهود، كان الأمير مقرن بن عبد العزيز مع كبار الأمراء أوائل المبايعين للأمير محمد بن سلمان في قصر الصفا.

الأمير محمد بن سلمان خلال تلقيه البيعة لولاية العهد من الأمراء والعلماء والمواطنين في قصر الصفا بمكة المكرمة في 26 رمضان 1438 للهجرة (واس)

أبناء عبد العزيز على العهد

حافظ أبناء و أحفاد عبد العزيز على هذا النموذج الفريد للدولة وقدّموا النسخة المعاصرة للتراث السياسي العربي والإسلامي، وظلّت سلاسة انتقال الحكم في المملكة على مدى المائة عام الماضية، دون حدوث أي «فراغ للسلطة» (فراغ دستوري) أو حتى «إعلان لحالة الطوارئ»؛ بل بتفاعل شعبي قلّ نظيره؛ حالة لافتة ومفاجئة لكثير من المراقبين والمحللين السياسيين.

قد عرفوا كيف يتعاملون مع أعباء ومتطلبات والتزامات ومسؤوليات الملك، كيف لا وهم أصحاب رسالة لا طلاب ملك. تحفهم عناية الله في مواصلة البناء على المنجز العظيم للملك عبد العزيز الذي أعيا كل محاولات التدوين والتأريخ.

ولو تأملنا في إرث الملك المؤسس السياسي والدستوري: توحيد البلاد وقلوب وعقول أبنائها ونيل الاعتراف الدولي بها وبإقليمها، وأخذ البيعة الشرعية لولي العهد وسنّها عرفاً، وإيداع أبنائه – أمناء إرثه – وصاياه المحفوظة بالتعاضد وإعلاء مصالح الشعب التي تجسدت فيهم جميعاً قيد حياته وبعد مماته، والشروع في تنظيم سلطات الدولة الثلاث بإصدار أنظمة خاصة بها، لأدركنا أن ذلك الإرث كان كفيلاً بجعل الملك عبد العزيز يغمض عينيه مطمئناً على دولة سيحافظ عليها من بعده أبناؤه «أغلى ما يملك»، كما قال لبعثة الأمم المتحدة تلك. وكيف به لو اطلع على منجزات أحفاده التي أدركنا.

لا يزال هناك الكثير من الزوايا والجوانب المتعلقة بتاريخ الدولة والبيعة لملوكها والتي تستلزم أن يُنقب في وثائقها ويُبحث في تاريخها ويُلقى الضوء على كثير من أخبارها، كما تستحق أن توثق وتبرز؛ بل وتُدرّس، وهنا يجب التنبيه إلى عبارة تتردد في الإعلام وعلى ألسنة البعض وهي «تجديد البيعة» وهذه عبارة لا تصح؛ فالبيعة من ركائز الحكم في الإسلام وهي عقد تأبيد لا ينتهي حتى يتجدد، كما أن بيعة ولي الأمر لا يجوز نقضها ولها قواعد وأركان وشروط وأحكام وكل ذلك مؤصل ومبسوط في كتب السياسة الشرعية، أما تكرار الحديث عن تجديد البيعة حتى وإن كان تعبيراً عن الولاء وبدافع الحب ففي نظري أنه مصطلح خاطئ، وأمر يجب أن يُعالج. أما الأمر الآخر فهو عدم وجود اعتماد رسمي لذكرى البيعة سواءً بالتاريخ الهجري القمري أو الشمسي وحيث أن الأيام الوطنية حدد الاحتفال بها بالتاريخ الشمسي فآمل أن يصدر اعتماد رسمي بذلك.


مقالات ذات صلة

الحاضر امتداد للتاريخ الأول... السعودية تحتفل بـ«يوم التأسيس»

الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان (واس)

الحاضر امتداد للتاريخ الأول... السعودية تحتفل بـ«يوم التأسيس»

يحتفي السعوديون اليوم بمرور 299 عاماً على ذكرى خالدة في التاريخ، حين أسس الإمام محمد بن سعود في 22 فبراير (شباط) 1727 الدولة السعودية الأولى في الدرعية.

بدر الخريف (الرياض)
عالم الاعمال «مجموعة أباريل» تختتم حملتها الحصرية في «بارك أفنيو مول» بفعالية كبرى للسحب على السيارات

«مجموعة أباريل» تختتم حملتها الحصرية في «بارك أفنيو مول» بفعالية كبرى للسحب على السيارات

اختتمت مجموعة «أباريل»، الشركة العالمية الرائدة في مجال التجزئة، حملتها الحصرية احتفالاً باليوم الوطني السعودي في «بارك أفنيو مول».

الخليج حضور تمثل بمسؤولين ودبلوماسيين وشخصيات فاعلة اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وإعلامياً (واس)

احتفال سعودي باليوم الوطني يجتذب اهتمام الباريسيين

اجتذب الاحتفال السعودي باليوم الوطني الـ95 اهتمام الباريسيين والسياح، حيث صدحت الموسيقى التقليدية في مقر الحدث وجواره، واستمتع الضيوف والمارة برقصة «العرضة».

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة سعودية احتفالات متنوعة أقامها القادسية بمناسبة اليوم الوطني (نادي القادسية)

بيسغروف: مجتمع الخبر هو القلب النابض لتراث القادسية

أكّد الأسكوتلندي جيمس بيسغروف، الرئيس التنفيذي للقادسية، أن اليوم الوطني الـ95 يمثل مناسبة استثنائية للمملكة بشكل عام، ولناديه بشكل خاص.

سعد السبيعي
رياضة سعودية النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو قائد فريق النصر (الشرق الأوسط)

رونالدو وفينالدوم ورينارد يشاركون السعوديين احتفالات اليوم الوطني الـ95

تفاعلت الأندية السعودية ولاعبوها المحترفون الأجانب مع احتفالات المملكة باليوم الوطني الـ95، حيث امتلأت منصات التواصل الاجتماعي ورسائل التهاني بأجواء الفخر.

«الشرق الأوسط» (الرياض )

بغداد ساحة جديدة للمواجهة الأميركية- الإيرانية المقبلة

فصائل عراقية انخرطت إلى جانب إيران في الحرب الإخيرة مع الولايات المتحدة (إعلام الحشد الشعبي)
فصائل عراقية انخرطت إلى جانب إيران في الحرب الإخيرة مع الولايات المتحدة (إعلام الحشد الشعبي)
TT

بغداد ساحة جديدة للمواجهة الأميركية- الإيرانية المقبلة

فصائل عراقية انخرطت إلى جانب إيران في الحرب الإخيرة مع الولايات المتحدة (إعلام الحشد الشعبي)
فصائل عراقية انخرطت إلى جانب إيران في الحرب الإخيرة مع الولايات المتحدة (إعلام الحشد الشعبي)

بعد أكثر من شهر على نيلها ثقة البرلمان، في 14 مايو (أيار) 2026، لا تزال حكومة علي الزيدي غير مكتملة التشكيل، فما يقرب من 10 حقائب وزارية لم تُحسم بعد، من بينها وزارتان تحتلان موقعاً محورياً في بنية الدولة العراقية، هما الداخلية والدفاع.

وفي بلدٍ كثيراً ما تولد فيه الحكومات بعد مفاوضات طويلة بين الأحزاب، والكتل البرلمانية، وشبكات النفوذ، والقوى الإقليمية، قد يبدو هذا البطء مألوفاً، غير أن هذا الانطباع لا يصح إلا ظاهرياً؛ فعدم اكتمال التشكيلة الحكومية لا يعكس الصعوبات المعتادة المرتبطة بتقاسم المناصب فحسب، بل يكشف، قبل كل شيء، أن التسويات التي أتاحت وصول علي الزيدي إلى السلطة لم تُفضِ بعد إلى توازن حكومي حقيقي.

وبذلك، يتمتع رئيس الوزراء بشرعية برلمانية، لكنه لا يسيطر بصورة كاملة على جهازه التنفيذي. وحكومته قائمة قانونياً، لكنها تبقى ناقصة سياسياً. ولم تعد المسألة الأساسية تتمثل في استكمال تشكيل الحكومة، بل في هامش المناورة الذي سيُمنح له لتنفيذ برنامجه السياسي والاقتصادي والأمني.

فهل سيكون علي الزيدي مجرد مدير لتسوية أبرمتها القوى الرئيسية داخل المعسكر الشيعي، أم سيتمكن تدريجياً من تحويل هذه التسوية إلى رافعة حقيقية للعمل السياسي، واستعادة جزء، ولو محدود، من قدرة الدولة العراقية على المبادرة؟

في هذا السياق، تكتسب الزيارة التي يُفترض أن يجريها علي الزيدي إلى واشنطن في منتصف يوليو (تموز) أهمية خاصة؛ فهذه الزيارة تتجاوز بكثير إطار زيارة دبلوماسية تقليدية. وإلى جانب الملفات الاقتصادية والطاقة والقضايا الأمنية التي أُعلن أنها ستكون محور النقاش، فإنها ستمثل أول اختبار حقيقي لولايته الحكومية، كما ستتيح تقييم قدرته على تعزيز شرعيته الدولية، وتوسيع هامش استقلاليته إزاء القوى السياسية التي أوصلته إلى السلطة، وكذلك تحديد طبيعة علاقته بالإدارة الأميركية، في وقت تبدو فيه أولويات واشنطن في العراق آخذة في التغير.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه المبعوث الأميركي توم برَّاك في بغداد 16 يونيو 2026 (إعلام حكومي)

العراق في معادلة إقليمية جديدة

استوقفت كثيرين المفاجأة الاستراتيجية التي فجّرتها طهران، وغيرت بعض موازين القوى في المنطقة، وتمثلت في تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وإدخال تغيير مقلق على القانون الدولي عبر فرض ما سمته «حقها في السيطرة».

وقد أتاح الاتفاق المرحلي الذي جرى التوصل إليه بين واشنطن وطهران وقفاً لإطلاق النار، وفتح مرحلة جديدة من المفاوضات المقبلة. ومن المرجح أن يقلل هذا الاتفاق من احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة على المدى القصير، لكنه لا يحل أياً من الملفات الأساسية التي لا تزال موضع خلاف عميق بين الولايات المتحدة وإيران في الشرق الأوسط، بل إن المنافسة بينهما تميل، على العكس، إلى الانتقال نحو ساحات لا تزال مصالحهما تتقاطع فيها، ويأتي العراق في مقدمتها.

بالنسبة إلى بغداد، ينطوي هذا التطور على مفارقة واضحة. فمن جهة، قد يتيح الانفراج النسبي بين واشنطن وطهران لحكومة علي فالح الزيدي هامشاً إضافياً لمواصلة إصلاحاتها، من دون أن تتحمل بصورة مباشرة تداعيات أي تصعيد إقليمي. ومن جهة أخرى، قد يؤدي هذا الانفراج نفسه إلى نقل ساحة التنافس بين القوتين إلى داخل المؤسسات العراقية، بحيث تصبح الدولة العراقية هي ميدان الصراع الرئيسي.

إضافة إلى ذلك، يعيد الاتفاق بين واشنطن وطهران فتح الملف العراقي على جبهات جيوسياسية أخرى.

فمن المتوقع أن تعمل دول الخليج على تسريع استراتيجياتها الرامية إلى ترسيخ مصالحها الإقليمية، لا سيما في ما يتعلق بالعراق وسوريا ولبنان. وفي الوقت نفسه، ستسعى تركيا، تحديداً عبر استراتيجيتها الجيوسياسية في مجالي الطاقة والربط اللوجستي، إلى تعزيز موقعها في العراق. أما الصين وروسيا، فستحاولان بدورهما تثبيت حضورهما فيما تعدانه «الجبهة الجنوبية» للهجوم الأميركي ــ والغربي عموماً ــ في الفضاء الأوراسي، أي إيران (إلى جانب الجبهة الغربية المتمثلة بأوكرانيا، والجبهة الشرقية المتمثلة بتايوان) وما يحيط بها من فضاءات اتصال وامتداد.

ومن المفترض أن يتمكن العراق من الاستفادة من هذه المنافسة الجديدة على النفوذ الإقليمي، ولا سيما من خلال جذب الاستثمارات الاقتصادية، والحصول على دعم أكبر لمسار التطبيع والاندماج الإقليمي.

وسوف ينعكس هذا التحول الجيوسياسي، بصورة حتمية، على موقع العراق داخل التنافس القائم بين واشنطن وطهران. فعلى امتداد ما يقرب من عقدين، قام النظام السياسي العراقي على توازن ملتبس؛ فلا هو محمية أميركية، ولا تابع مطلق لإيران، بل فضاء مفتوح للتفاوض الدائم بين التأثيرات الخارجية، والنخب المحلية، والأحزاب الطائفية، والفصائل المسلحة، والمؤسسات الهشة، والاقتصاد الريعي.

وأتاح هذا النموذج، رغم هشاشته، قدراً من الاستقرار النسبي طوال سنوات، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأنه يدخل اليوم مرحلة جديدة، يُفترض أن تتجه نحو ترسيخ الدولة ومؤسساتها.

رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي منتصف مايو 2026 (إعلام حكومي)

تحول في السياسة الأميركية

يبدو أن إدارة ترمب لم تعد مستعدة للقبول الكامل بالمنطق الضمني الذي حكم الملف العراقي خلال السنوات الماضية، والقائم على نوع من الإدارة المشتركة، المباشرة أو غير المباشرة، بين واشنطن وطهران.

فالرسائل التي صدرت حتى الآن تشير إلى توجه أميركي يقوم على إرساء نفوذ طويل الأمد، يستند إلى تعزيز مؤسسات الدولة العراقية نفسها، بحيث يؤدي هذا التعزيز، عبر أدوات تكنوقراطية، وربما أيضاً من خلال قدر أكبر من الحياد الآيديولوجي، إلى ترجيح كفة المصالح الوطنية العراقية، لا سيما الاقتصادية منها، على حساب النفوذ الإيراني.

ويبدو أن عدداً من المسؤولين داخل الإدارة الأميركية يتبنون هذه الرؤية؛ إذ يؤكدون أن العراق يمكنه أن يتحرر تدريجياً من اعتماده على الدعم الإيراني إذا ما استعادت مؤسسات الدولة العراقية مصداقيتها وفاعليتها.

وفي وقت يقترب فيه موعد الانسحاب العسكري الأميركي، المقرر في سبتمبر (أيلول) 2026، تبدو المقاربة الأمنية البحتة غير كافية لمعالجة الوضع العراقي، لا سيما إذا أخذنا في الحسبان أن عمليات استهداف قادة الفصائل المسلحة وبناها التنظيمية، التي استمرت بصورة متكررة منذ عام 2020، لم تؤدِّ إلى تغيير حقيقي في موازين القوى.

ومن بين أبرز المدافعين عن هذا التوجه يبرز توم برّاك، الذي يحتل موقعاً خاصاً داخل هذه المقاربة. فهو السفير الأميركي لدى تركيا، وأحد المقربين من دونالد ترمب، كما يُعرف بعلاقته الوثيقة بالرئيس التركي رجب طيب إردوغان واحد أبرز المدافعين عن فاعلية النظم المركزية (بل حتى التسلطية) في أحداث انتقال، وهو اليوم أحد أبرز الفاعلين في الملفين السوري والعراقي.

وينتمي برّاك إلى المدرسة الكلاسيكية التي ترى أن أي نفوذ مستدام في الشرق الأوسط لا يمكن أن يقوم من دون دول مركزية تتمتع بحد أدنى من المصداقية السياسية والمؤسساتية. من هنا، يدعم برّاك في سوريا مساراً براغماتياً لتطبيع العلاقات مع الحكم الجديد في دمشق، بينما ينعكس الأمر في العراق في اهتمام خاص بتعزيز دور بغداد، من دون إغفال أهمية أربيل ومكانتها.

لهذا السبب ينبغي فهم إعادة تنشيط عدد من الملفات خلال الفترة الأخيرة؛ فالمساعي الرامية إلى تخفيف التوتر بين بغداد وأربيل، والرغبة في تشجيع تنسيق أوثق بين بغداد ودمشق، وكذلك الاهتمام المتجدد ببعض المشاريع الإقليمية، لا تعكس مجرد اعتبارات دبلوماسية، بل تندرج جميعها ضمن منطق واحد، يتمثل في تعزيز قدرة الدولة العراقية تدريجياً على استعادة دورها بوصفها الفاعل المركزي في التوازنات الإقليمية. وسيؤدي التوصل إلى تسوية للخلافات المزمنة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان ــ سواء فيما يتعلق بالموازنة، أو صادرات النفط، أو إدارة موارد الطاقة، أو توزيع الصلاحيات ــ إلى تعزيز موقع بغداد، ومن ثم إلى تقوية موقع علي الزيدي نفسه.

وينطبق المنطق نفسه على العلاقات بين بغداد ودمشق؛ إذ يبدو أن السلطات الأميركية (تحت تأثير برّاك) باتت تفضل اليوم قيام تنسيق براغماتي بين العاصمتين، ليس انطلاقاً من تأييدها للسلطة السورية الجديدة بقدر ما ينبع ذلك من رغبتها في تحقيق الاستقرار في منطقة حدودية أصبحت ذات أهمية بالغة للأمن الإقليمي.

فلا تزال الحدود العراقية - السورية تمثل رهاناً استراتيجياً رئيسياً في مكافحة الجماعات المسلحة، وعمليات التهريب، وشبكات العبور غير الشرعي، لكنها، في الوقت نفسه، يمكن أن تستعيد دورها فضاءً للتبادل الاقتصادي ولحركة الطاقة إذا ما توفرت الظروف السياسية المناسبة.

وفي هذا السياق، تستعيد فكرة إعادة تشغيل خط أنابيب كركوك – بانياس أهمية خاصة؛ فهذا المشروع لا يقتصر على أبعاده الاقتصادية، بل يحمل أيضاً دلالات جيوسياسية عميقة، ومن شأنه أن يوفر للعراق منفذاً إضافياً لتصدير نفطه عبر البحر الأبيض المتوسط، بما يقلل، ولو جزئياً، من اعتماده على المسارات الحالية التي تمر عبر الخليج أو تركيا.

والأهم من ذلك أنه سيجسد عودة العراق إلى أداء دوره التاريخي بوصفه حلقة وصل بين الخليج والمشرق العربي والبحر الأبيض المتوسط. ورغم أن هذا المشروع، وحده، لن يكون كفيلاً بحل الأزمة الاقتصادية العراقية، فإنه يعبّر عن إرادة لإعادة تموضع العراق في قلب الديناميات الإقليمية، بدلاً من بقائه مجرد ساحة تتصارع فوقها القوى الإقليمية والدولية.

الصادرات النفطية العراقية تأثرت سلباً بإغلاق مضيق هرمز (رويترز)

الحكم في ظل القيود المالية

غير أن هذا الأفق شديد الهشاشة، بالنظر إلى الوضع الاقتصادي الداخلي؛ فحكومة علي الزيدي ورثت أوضاعاً مالية متدهورة. وتقلصت هوامش حركة الدولة بصورة كبيرة نتيجة الالتزامات التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في عهد حكومة محمد شياع السوداني. وباتت كتلة الرواتب في القطاع العام، والإنفاق الاجتماعي، والديون الداخلية، والالتزامات المالية المختلفة، تستنزف جزءاً كبيراً من موارد الدولة.

يضاف إلى ذلك ما يحيط بصادرات النفط من صعوبات؛ فالمفاوضات مع تركيا بشأن استئناف التصدير عبر ميناء جيهان لم تحسم بعد، ما يحرم العراق من جزء مهم من إيراداته النفطية. وقبل اندلاع هذه الأزمة، كانت الصادرات عبر هذا الخط تبلغ مئات الآلاف من البراميل يومياً.

ومن ثم، فإن الأزمة الحالية لا تعكس مجرد ظرف اقتصادي عابر أو وضع مالي مؤقت، بل تكشف الحدود البنيوية للنموذج السياسي والاقتصادي الذي تأسس في العراق بعد عام 2003؛ فقد تحولت الدولة العراقية تدريجياً إلى آلية واسعة لإعادة توزيع الريع النفطي. وأصبحت رواتب الموظفين، ومعاشات التقاعد، والإعانات الاجتماعية، والعقود الحكومية، والشركات العامة، وشبكات المقاولات الثانوية، تشكل الأدوات الأساسية التي يجري من خلالها تنظيم التوازنين السياسي والاجتماعي.

وفي ظل هذه المعادلة، لم يعد ضمان دفع الرواتب بصورة منتظمة مجرد قضية تتعلق بالإدارة المالية أو بالموازنة العامة، بل أصبح قضية جوهرية تتصل باستقرار النظام السياسي نفسه. ويعتمد بصورة مباشرة على المالية العامة ما يقرب من 5 ملايين موظف حكومي، يضاف إليهم ملايين المتقاعدين والمستفيدين من برامج الرعاية الاجتماعية. وأي اضطراب طويل الأمد في هذا النظام قد يؤدي سريعاً إلى انفجار توترات اجتماعية واسعة، ويزيد من هشاشة حكومة تواجه أصلاً تحديات سياسية متعددة ومتزامنة.

أما الخيارات المتاحة أمام السلطة التنفيذية، فتظل محدودة؛ فقد يوفر إصدار السندات الحكومية سيولة مالية مؤقتة، لكنه لن يعالج الاختلالات البنيوية العميقة، كما أن اللجوء إلى الاقتراض الداخلي يبقى مقيداً بضعف السيولة المتوافرة داخل الاقتصاد العراقي.

ويبقى خيار الاستعانة بالبنك الدولي أو صندوق النقد الدولي قائماً، غير أنه سيقترن بشروط صارمة، من بينها إصلاح الشركات العامة، وترشيد الإنفاق الحكومي، وتحسين إدارة المالية العامة، والحد التدريجي من بعض أشكال الدعم الحكومي.

وقد تسهم هذه الإجراءات في طمأنة الشركاء الدوليين، لكنها تحمل في المقابل مخاطر تغذية حالة من الاستياء الاجتماعي في بلد لا تزال الدولة فيه تمثل صاحب العمل الأكبر، كما تمثل شبكة الأمان الأساسية التي تمتص آثار الأزمات الاقتصادية.

صورة أرشيفية لمقاتلي إحدى الميليشيات العراقية في شمال غربي مدينة تكريت بالعراق (رويترز)

الفصائل بين المأسسة وإعادة التشكل

ترتبط الأزمة الاقتصادية في العراق ارتباطاً وثيقاً بالمسألة الأمنية؛ لأن الدولة لم تعد مجرد دولة ريعية توزع عوائد النفط، بل أصبحت فضاءً تتداخل فيه مؤسسات الدولة مع شبكات سياسية وإدارية واقتصادية وعسكرية متشابكة، تتغذى جميعها، بدرجات متفاوتة، من الريع العام. ومن هنا، لم تعد الفصائل المسلحة تستمد قوتها من قدراتها العسكرية وحدها، بل من عملية مأسسة طويلة شهدتها خلال العقدين الماضيين، جعلتها تمتلك امتدادات داخل البرلمان والسلطة التنفيذية، وحضوراً في أجهزة الإدارة العامة، وموارد مالية، وشبكات ومكاتب اقتصادية، ومكاتب حماية للعمل مع الشركات النفطية، ووسائل إعلام، ومنظمات اجتماعية، فضلاً عن بعض «الشرعية» التي اكتسبها عدد منها خلال الحرب ضد تنظيم «داعش».

وبذلك، فإن النظر إلى هذه الفصائل بوصفها مجرد جماعات مسلحة تقف خارج الدولة لم يعد يعكس الواقع العراقي كما تشكل بعد عام 2003؛ لهذا، فإن التداخل بين الدولة والفصائل لم يعد مجرد اختراق لمؤسسات الدولة، بل أصبح جزءاً من طريقة اشتغالها نفسها.

وهذا الواقع يدعو أيضاً إلى تجاوز تبسيط آخر كثيراً ما يتكرر في الأدبيات الغربية، وهو اختزال هذه الفصائل في كونها «أذرعاً إيرانية»؛ فليست جميعها على الدرجة نفسها من القرب من طهران، ولا تتمتع بالمستوى نفسه من الارتباط السياسي أو العسكري بها؛ فبعضها يمتلك هامشاً معتبراً من الاستقلالية، ويضع حساباته العراقية في المقام الأول، بينما يبقى بعضها الآخر أكثر اندماجاً في الشبكات الإقليمية لطهران؛ ولذلك يبدو أدقّ الحديث عن «فصائل عراقية قريبة من إيران» بدلاً من اختزالها في كونها مجرد امتدادات مباشرة لها؛ لأن هذا الاختزال يحجب التحولات التي عرفتها هذه التنظيمات داخل المجتمع والدولة العراقيين.

وتكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة لفهم النقاشات الدائرة اليوم حول مستقبل الفصائل؛ إذ يبدو أن قسماً منها أصبح مستعداً لبحث إعادة تنظيم وضعه بصورة تدريجية، بينما لا تدور المفاوضات القائمة مع الحكومة حول نزع السلاح بصورة فورية، بقدر ما تتمحور حول تعميق اندماج هذه التنظيمات داخل «هيئة الحشد الشعبي»، وإقامة فصل أوضح بين النشاط السياسي والقيادة العسكرية.

وفي المقابل، تبدي تنظيمات أخرى، وفي مقدمتها «كتائب حزب الله»، و«حركة النجباء»، و«كتائب سيد الشهداء»، تحفظاً أكبر تجاه أي مسار يمكن أن يؤدي إلى تقليص هامش استقلالها أو إعادة تعريف علاقتها بالدولة.

غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمدى واقعية الفصل بين الجناحين السياسي والعسكري بقدر ما يتعلق بطبيعة الدولة نفسها. فهل يمكن فعلاً الفصل بين السياسة والسلاح، بينما كلاهما يتحرك ضمن البنية المؤسسية نفسها؟ وهل يمكن تطبيق نماذج تقليدية لنزع السلاح، وإعادة الإدماج على تنظيمات لم تعد تقف خارج الدولة؟

واليوم، لم تعد الفصائل تدافع عن ترساناتها العسكرية، بقدر ما تدافع عن مواقعها داخل الدولة، وعن حصتها من الموارد العامة، وعن شبكاتها الاقتصادية، وعن جمهور اجتماعي بات يعتمد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على ما توفره من وظائف، ورواتب، وخدمات، ورعاية. وتشير التقديرات إلى أن عدد المنتسبين إليها يتراوح بين 200 ألف و300 ألف عنصر، وهو رقم يعني، مع احتساب أسرهم، أن ملايين العراقيين أصبحوا مرتبطين بهذه المنظومة بدرجات مختلفة؛ ولهذا، فإن أي مشروع لإعادة هيكلتها أو تقليص دورها سيجد نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: ضغوط أميركية تدفع باتجاه حصر السلاح بيد الدولة، ونفوذ إيراني يسعى إلى الحفاظ على جزء من منظومة الردع الإقليمية، ومصالح محلية واسعة أصبحت ترى في استمرار هذه الفصائل ضماناً لمواقعها الاقتصادية والسياسية.

وفي ظل هذا التداخل، لم يعد السؤال: كيف يمكن نزع سلاح الفصائل؟ بل كيف يمكن إعادة بناء دولة؟

الزمن بوصفه عنصراً في ميزان القوى

يضاف إلى هذا التعقيد المؤسسي بعدٌ آخر غالباً ما يجري التقليل من أهميته، هو العلاقة بالزمن. فالولايات المتحدة تفكر عادة وفق أفق زمني سياسي قصير نسبياً، تحكمه مدة الولاية الرئاسية، والبحث عن نتائج سريعة، والاستحقاقات الدبلوماسية القريبة.

أما الفصائل العراقية القريبة من إيران، شأنها شأن طهران نفسها، فتتحرك ضمن أفق زمني مختلف تماماً؛ فهي تعرف كيف تنتظر، وكيف تؤجل اتخاذ القرارات، وكيف تستوعب الضغوط، وتكثر من الوساطات، وتحول الزمن نفسه إلى مورد سياسي.

وفي العراق، يشكل الزمن في حد ذاته أحد عناصر ميزان القوى؛ فالفاعلون الأكثر رسوخاً هم الذين يعرفون كيف يصمدون أمام تغير الحكومات، والعقوبات الدولية، وتبدل التوازنات السياسية، والأزمات الإقليمية.

وهذه القدرة على العمل بمنطق الزمن الطويل تفسر لماذا أسفرت المحاولات المتعاقبة لإعادة هيكلة المجال الأمني عن نتائج متواضعة؛ فالقوى المحلية تدرك أن موازين القوى الدولية تتغير بوتيرة أسرع كثيراً من تغير التوازنات الداخلية العراقية. كما تساعد هذه الفوارق الزمنية على فهم الكيفية التي جرى بها تلقي الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل داخل جزء مهم من المشهد السياسي العراقي.

فقد ترسخ تدريجياً لدى شريحة واسعة من الفاعلين السياسيين الاعتقاد بأن إيران خرجت من هذه المواجهة وهي أكثر قوة من الناحية السياسية، ولا يعني ذلك أن طهران لم تتكبد خسائر، أو أنها لم تتعرض لضغوط كبيرة، بل يعني ببساطة أن النظام الإيراني لم يسقط، ولم يُدفع إلى هامش المعادلة الإقليمية. وبالنسبة إلى كثير من حلفائه، فإن مجرد قدرته على الصمود قدمت شكلاً من أشكال «الانتصار السياسي».

وتؤثر هذه القراءة بصورة مباشرة في سلوك الفصائل العراقية الأقرب إلى طهران؛ فكثير منها يطرح اليوم سؤالاً بسيطاً: إذا كانت إيران نفسها قد حافظت على قدراتها الإقليمية، فلماذا تقدم الفصائل، داخل العراق، تنازلات؟

عناصر من "الحشد الشعبي" يجرون تمريناً تعبوياً في أحد المعسكرات (إعلام الهيئة)

هل هناك عقيدة أميركية جديدة؟

في المحصلة، لا تسمح المرحلة الراهنة بعدُ بالقول إن ثمة عقيدة أميركية جديدة، واضحة المعالم، قد تبلورت تجاه العراق، غير أن جملة من المؤشرات توحي بأن جزءاً من الإدارة الأميركية بات يرى أن الحد من النفوذ الإيراني لا يمر، عبر المواجهة المباشرة مع طهران، بل عبر تعزيز تدريجي لمصداقية الدولة العراقية وقدرتها على العمل.

غير أن هذه المقاربة تصطدم بواقع العراقي الآنف الذكر، كما أن كلاً من الولايات المتحدة وإيران والعراق يتحرك وفق إيقاع زمني مختلف.

وسيجد علي الزيدي نفسه مضطراً إلى مواجهة مجموعة من التحديات المتزامنة. ففي الوقت نفسه، عليه أن يعمل على استعادة التوازن في المالية العامة، وأن يحافظ على التسويات السياسية القائمة، وأن يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والفصائل، وأن يوازن علاقات بغداد بكل من أربيل ودمشق، وأن يحافظ على حوار بنّاء مع واشنطن، من دون أن يؤدي ذلك كله إلى إعادة إنتاج حالة الاستقطاب الداخلي.

لذا، فإن تحدي الحكومة الجديدة اليوم ليس في نجاحها في إدارة شؤون البلاد، بل في معرفة ما إذا كان العراق قادراً، على إعادة بناء دولة أكثر مصداقية، ضمن التوازنات السياسية القائمة التي وفرت قدراً من الاستقرار النسبي.

وفي هذه المنطقة الفاصلة، بين الإصلاح والاستمرار، وبين سلطة الدولة وسلطة شبكات النفوذ والهيمنة، وبين الإيقاعات الوطنية والإقليمية المختلفة، سيتحدد، على الأرجح، مستقبل العراق السياسي خلال السنوات المقبلة.

*باحث في الأنثروبولوجيا السياسية

المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي


بين فيضان جارف وجفاف قاتل... هل تتحكم تركيا بمفاتيح دجلة والفرات؟

سد أتاتورك المقام على نهر الفرات تسبب في أزمة بين تركيا وسوريا في تسعينات القرن الماضي (موقع المديرية العامة للأشغال الهيدروليكية الحكومية التركية)
سد أتاتورك المقام على نهر الفرات تسبب في أزمة بين تركيا وسوريا في تسعينات القرن الماضي (موقع المديرية العامة للأشغال الهيدروليكية الحكومية التركية)
TT

بين فيضان جارف وجفاف قاتل... هل تتحكم تركيا بمفاتيح دجلة والفرات؟

سد أتاتورك المقام على نهر الفرات تسبب في أزمة بين تركيا وسوريا في تسعينات القرن الماضي (موقع المديرية العامة للأشغال الهيدروليكية الحكومية التركية)
سد أتاتورك المقام على نهر الفرات تسبب في أزمة بين تركيا وسوريا في تسعينات القرن الماضي (موقع المديرية العامة للأشغال الهيدروليكية الحكومية التركية)

فتحت الفيضانات التي ضربت شمال وشرق سوريا مطلع شهر يونيو (حزيران) الحالي، وارتفاع منسوب المياه في نهر الفرات نتيجة الأمطار الغزيرة إضافة إلى زيادة تدفق المياه الواردة من تركيا، الباب من جديد أمام تساؤلات حول أزمة المياه في سوريا والعراق، وما إذا كانت تركيا تستخدم نهري دجلة والفرات ورقة ضغط سياسية وأمنية.

تتمحور أزمة المياه بين تركيا والعراق وسوريا حول تقاسم حصص مياه نهري دجلة والفرات، وتركيا هي دولة المنبع التي تسيطر على الروافد الرئيسية، وتسببت سياساتها المائية وتوسعها في إنشاء السدود على النهرين في التأثير الشديد على التدفقات المائية وتفاقم الجفاف وانخفاض مناسيب المياه إلى مستويات شبه كارثية، لا سيما في العراق الذي ضربته موجة جفاف لم يشهدها منذ أكثر من 80 عاماً.

وتتمسك تركيا بأن دجلة والفرات نهران عابران للحدود، وأن من حقها إدارة مواردهما بناءً على سيادتها الإقليمية، بينما يطالب العراق وسوريا بتصنيفهما نهرين دوليين، واعتماد معايير التقاسم العادل والقوانين الدولية وفقاً للاتفاقيات التاريخية الموقعة، كمعاهدة لوزان 1923، وبروتوكولات التعاون المشترك.

سوء إدارة أم استنزاف موارد؟

واجهت تركيا اتهامات بتوظيف المياه ورقة ضغط ضد العراق وسوريا لأسباب أمنية تتعلق في الأساس بنشاط حزب «العمال الكردستاني» وامتداداته الموجودة على أراضي البلدين، والتي تطورت إلى التدخل العسكري عبر عمليات جوية وبرية في البلدين الجارين خلَّفت وجوداً عسكرياً تركياً، لطالما كان مثار خلاف بين أنقرة وبغداد على وجه الخصوص.

وتتمحور الأزمة حول قضايا رئيسية عدة، أهمها مشروع «جنوب شرقي الأناضول» لتنمية مناطق شرق وجنوب شرقي تركيا، والذي أقامت خلاله تركيا سدوداً وخزانات ضخمة، من أبرزها سدود أتاتورك، وكيبان، وإليسو، بهدف تنظيم الري وتوليد الطاقة، ما أدى إلى تقليص كميات المياه التي تصل إلى دولتي الممر والمصب، سوريا والعراق، بشكل كبير.

أدى شح المياه إلى جفاف شديد في العراق خلال عام 2025 لم يسبق له مثيل منذ 80 عاماً (أ.ف.ب)

وانعكس هذا الأمر بشكل سلبي جداً على العراق تحديداً، حيث أدى شح المياه إلى أزمة حادة في القطاع الزراعي، وتقلص المساحات الزراعية، وتضرر الأهوار الجنوبية المدرجة على لائحة التراث العالمي، بالإضافة إلى اندلاع أزمات اجتماعية واضطرابات بيئية متكررة.

كذلك أثر انخفاض التدفقات، بشكل مباشر، على توليد الطاقة الكهرومائية، ومياه الشرب لملايين الأشخاص، وزيادة مخاطر التلوث وانتشار الأمراض في سوريا في فترات الجفاف.

وجرت محاولات دبلوماسية بين الحين والآخر؛ لتسوية الخلافات، حيث تم التوصل إلى تفاهمات واتفاقيات مشتركة ومذكرات تفاهم ثنائية أحياناً، وثلاثية أحياناً أخرى، لضمان تحقيق الحد الأدنى من الاحتياجات الحيوية لكل دولة، أو الاعتماد في بعض فترات الجفاف الشديد على إقناع تركيا بزيادة التدفقات، في ظل تمسكها بأنها دولة فقيرة مائياً، وإصرارها بأن الأزمة في العراق نابعة من سوء إدارة محلية واستغلال للموارد وليس بسبب سدودها.

وغالباً ما شكلت المياه في بلاد ما بين النهرين عنصراً يتجاوز كونه مورداً طبيعياً، إلى عامل مؤسس للحضارة أو مصدر للصراع، وأحياناً مفتاح لإعادة البناء والتنمية المشتركة، كما انعكس في توقيع العراق وتركيا اتفاقية إطارية في مجال المياه والتنمية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

ما يجمعه دجلة يفرّقه الفرات

بحسب الكاتب الباحث التركي المتخصص في شؤون المياه، بيلجاي دومان، برزت هذه الاتفاقية، التي لم يكشف الطرفان عن بنودها بالكامل بعد، باعتبارها تطوراً مهماً، ليس فقط في العلاقات بين أنقرة وبغداد، بل في إعادة تعريف مفهوم إدارة الموارد المشتركة في الشرق الأوسط.

ولفت دومان إلى أنه مع نشوء تركيا والعراق وسوريا، أصبح تنظيم استخدام الموارد ضرورة سياسية وقانونية، لكنه في الوقت ذاته تحوّل إلى ملف خلافي دائم، وبينما أصبح نهر الفرات قضية ثلاثية، بات نهر دجلة محوراً أساسياً للعلاقات التركية - العراقية.

فيضانات الفرات أغرقت مساحات شاسعة من الأراضي في دير الزور في شمال شرقي سوريا مطلع يونيو الحالي (أ.ف.ب)

وجرت محاولات مبكرة للتوصل إلى تفاهمات حول تقسيم الحصص، كاتفاقية أنقرة عام 1921 واتفاقية 1946 بين تركيا والعراق، اللتين وضعتا أسس تقنية للتعاون، شملت تبادل البيانات والسيطرة على الفيضانات.

ولاحقاً، جاءت الاتفاقية السورية - التركية عام 1987، وهي اتفاقية مؤقتة لتقاسم مياه نهر الفرات بين سوريا وتركيا خلال فترة ملء حوض سد أتاتورك والتي امتدت إلى 5 سنوات.

ووقّعت الاتفاقية في 17 يوليو (تموز) 1987، ونصت على تعهد الجانب التركي بأن يوفر معدلاً سنوياً يزيد على 500 متر مكعب في الثانية عند الحدود التركية - السورية بشكل مؤقت إلى حين الاتفاق على التوزيع النهائي لمياه نهر الفرات بين الدول الثلاث على ضفتيه.

وفي 17 أبريل (نيسان) 1989، وقعت سوريا والعراق اتفاقية تنص على أن تكون حصة العراق الممررة له من الحدود السورية 9.106 مليار متر مكعب، وحصة سوريا 6.627 مليار متر مكعب وحصة تركيا 15.700 مليار متر مكعب في السنة.

وسجلت سوريا اتفاقيتها مع تركيا في الأمم المتحدة عام 1994 لضمان الحد الأدنى من حقها وحق العراق في مياه الفرات، لكن ذلك لم يكن كافياً لحل المشكلة.

المياه مقابل «العمّال الكردستاني»

مع تزايد الاتهامات لتركيا باستخدام المياه ورقة لابتزاز جيرانها، والضغط على الأكراد في سوريا، ودفع العراق إلى اتخاذ موقف من حزب «العمال الكردستاني» وتصنيفه منظمة إرهابية، تم تحديد مبادئ عدم الضرر والعدالة في التوزيع ضمن اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن الاستخدام غير الملاحي لمجاري المياه، وضرورة مراعاة الاحتياجات المائية والاقتصادية والاجتماعية لجميع الدول المشاطئة المعنية، فضلاً عن احتياجات السكان الذين يعتمدون على المجرى المائي، بما في ذلك الآثار المباشرة والمحتملة.

مسلحون من «العمال الكردستاني» في شمال العراق (رويترز)

وعززت هذه الاتفاقية الموقف القانوني للعراق وسوريا في مواجهة تركيا، باعتبارهما دولتين تضمان أراضي واسعة على ضفاف نهري دجلة والفرات، ولذلك كانت سوريا من أولى الدول التي صادقت عليها فور إعلانها، لكن تركيا لم تنضم إليها؛ لأنها رأت فيها إضراراً بمصالحها وحقوقها المائية، وصوتت ضد اعتمادها.

ولم تلجأ سوريا، التي يروي الفرات أكثر من 640 ألف هكتار من أراضيها، إلى التحكيم الدولي للحصول على حقوقها المائية من تركيا؛ لأن القانون الدولي لا يزال غير حاسم في مثل هذه القضايا، فضلاً عن أن القانون الدولي يشترط موافقة طرفي النزاع على الذهاب للتحكيم.

وتسبب الدعم السوري لحزب «العمال الكردستاني»، والسماح لمسلحيه باستخدام شمال سوريا كقاعدة خلفية لعملياتهم، في أن اتجهت تركيا للتعنت أكثر وربطت هذا الدعم بالخلافات المائية.

وعقدت عام 1993 جولة مفاوضات تركية - سورية في أنقرة بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي حول حصص المياه، لم تصل إلى نتيجة مختلفة عن اتفاقية عام 1987، المؤقتة التي ارتبطت بفترة ملء بحيرة أتاتورك فقط.

وشهدت الفترة نفسها توقيع اتفاقية تنمية مشتركة بين سوريا وتركيا على نهر العاصي، الذي ينبع من أعالي سهل البقاع في لبنان، وكانت تركيا قد استُبعدت من تقاسمه مع سوريا ولبنان عام 1994. وجاء تنازلها عن حصتها منه بمثابة ثمن زهيد دفعته مقابل استفادة أكبر من نهر الفرات، فلم يكن يصل إلى ولاية هاتاي التركية سوى 10 في المائة من مياهه بعدما تكون ملوثة وغير صالحة لأي استخدام. ولعقود طويلة، اعتبر سكان الولاية الحدودية مع سوريا، والمعروفة تاريخياً بـ«لواء إسكندرون»، أن سياسات المركز جاءت مجحفة بحقهم، وأسهمت في تهميشهم وحرمانهم من مورد طبيعي نتيجة لاعتبارات سياسية وقومية ودينية.

استهدفت الفصائل السورية الموالية لتركيا سد تشرين في شرق حلب بعد سقوط نظام بشار الأسد لطرد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من المنطقة (رويترز)

الثورة السورية... فرصة تركية

بعد انطلاق الثورة السورية على نظام بشار الأسد، سارعت تركيا إلى استكمال تنفيذ مشروع قنوات مياه شانلي أورفا عام 2012، التي سمحت باستخدام المياه المحتجزة في سد أتاتورك لري السهول الحدودية مع سوريا في حرّان وماردين وجيلان بينار، وكذلك اكتمال حجز المياه في سد سيلوان عام 2011، ولم تتخذ سوريا أي خطوة مقابلة نتيجة انشغال سلطة الأسد بقمع الثورة.

وأظهر التحرك السوري في ملف المياه في مواجهة تركيا أن أهم استراتيجيتها كانت التركيز على استغلال الأمن الداخلي وتهديد «العمال الكردستاني»، الذي انتهى مع توقيع اتفاقية أضنة؛ لأن السبل الأخرى بدت غير ممكنة، بحكم قوة تركيا العسكرية وقدرتها على تعزيز موقفها من خلال التحالفات الخارجية، فضلاً عن سيطرتها على منبع نهر الفرات.

العراق: جفاف واضطرابات

كان العراق، الذي يحصل على 60 في المائة من احتياجاته المائية من تركيا، هو الأكثر تضرراً من نقص المياه، وواجه أزمات حادة متتالية في أجزاء مختلفة من أراضيه، وبخاصة بعد بدء تشغيل سد إليسو، الذي بني في أعلى مجرى نهر دجلة في تركيا، عام 2020، والسدود الأخرى التي بنيت على روافد أصغر، ووصلت التوترات إلى ذروتها مع تركيا بشأن هذه المسألة.

يقول خبراء إن إقامة سد إليسو ضمن مشروع تنمية جنوب شرقي تركيا أثر سلباً على حصة العراق من مياه دجلة وخفضها بنسبة 60 % (موقع ولاية بطمان التركية)

وأدت قضايا بيئية أخرى، مثل قطع الأشجار في شمال العراق وسط حملة عسكرية تركية ضد مسلحي «العمال الكردستاني»، إلى تفاقم التوترات مع أنقرة، ولم تسفر الجهود المبذولة للضغط على الحكومة التركية عن أي تغير بخلاف دفع تركيا إلى تأجيل ملء إليسو قليلاً، أي ترحيل المشكلة قليلاً بدلاً من حلها.

وفي صيف عام 2018، تسبب تضاؤل موارد المياه إلى جانب التلوث في نفوق الأسماك في نهر الفرات، وتحول نقص المياه إلى أحد الأسباب الرئيسية للاضطرابات الاجتماعية في جميع أنحاء البلاد خلال السنوات التي تلت ذلك، وصولاً إلى ذروة الجفاف في 2025 على نحو غير مسبوق منذ 80 عاماً.

وتسبب سد إليسو في انخفاض حصة العراق من مياه نهر دجلة إلى ما يقرب من 60 في المائة بسبب تشغيل مولدات الكهرباء.

وفي يونيو (حزيران) 2025، دعا العراق إلى عدم استخدام ملف المياه ورقة ضغط لتحقيق أهداف سياسية، وطالب بالتوصل إلى رؤية إقليمية مشتركة تعتمد على توزيع عادل للمياه العابرة للحدود، منوهاً في الوقت نفسه بوجود تقدم في المفاوضات وعمل اللجان المشتركة مع الجانبين التركي والإيراني.

وحافظ البلدان، على الرغم من ذلك، على علاقات إيجابية، تطورت بشكل كبير في ظل رئاسة محمد شياع السوداني للحكومة العراقية، حيث تم التوصل إلى تفاهمات أمنية واقتصادية وتجارية وفي ملفات المياه والطاقة، والتركيز على التعاون في مشروع «طريق التنمية».

وتحولت الخلافات المائية، التي ارتبطت أيضاً بالملف الأمني كما في الحالة السورية، إلى سبيل للتعاون بعدما أعلن مجلس الأمن الوطني العراقي حزب «العمال الكردستاني» جماعة محظورة في 2024.

وزيرا خارجية تركيا هاكان فيدان والعراق فؤاد حسين يوقعان اتفاقية آلية التعاون المائي في بغداد بحضور رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني في 2 نوفمبر 2025 (الخارجية التركية)

«طريق التنمية» يمرّ بالسياسة

في 2 نوفمبر 2025، وقّع وزيرا الخارجية التركي، هاكان فيدان، والعراقي، فؤاد حسين، «وثيقة آلية تمويل المشاريع بموجب اتفاقية إطارية للتعاون المائي» كآلية لتنفيذ اتفاقية التعاون الإطارية في مجال المياه الموقعة في عام 2024 خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى العراق.

ورسمت الاتفاقية إطار التعاون المائي في مشروعات تُقدر بمليارات الدولارات، وبموجبها ستقوم شركات تركية بإنشاء بنية تحتية جديدة لتحسين كفاءة استخدام المياه وتخزينها في العراق، ويتم تمويل هذه المشاريع من عائدات النفط العراقي، في محاولة لتحويل صادرات البلاد من النفط الخام إلى أمن مائي.

وحسب ما رشح عن الاتفاقية، التي لم يعلن الجانبان بنودها، تشمل المشاريع الأولية سدوداً لتجميع المياه ومبادرات لاستصلاح الأراضي.

ووصفت أنقرة هذه المبادرة بأنها مفيدة للطرفين من حيث تحقيق الاستقرار الإقليمي والتعاون الاقتصادي. وقال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، خلال مراسم التوقيع: «نحن في تركيا حريصون على دعم أمن العراق وتنميته وسلامته، ودعمنا في هذا الشأن مطلق».

ووصف حسين الاتفاقية بأنها ضرورية لحماية الأمن المائي والإنتاج الغذائي والاستقرار الاقتصادي، لافتاً إلى أن بغداد عانت طويلاً من ضعف موقفها بسبب غياب معاهدات رسمية تنظم استخدام مياه نهري دجلة والفرات.

تثبيت رئاسة إردوغان في 2028؟

وأثارت الاتفاقية شكوكاً ومخاوف لدى بعض السياسيين والخبراء في مجال المياه في العراق، وذهب البعض إلى أنها تخدم مصالح تركيا أكثر من العراق، كما تدعم إردوغان في سعيه إلى البقاء في رئاسة تركيا بعد عام 2028.

وتواجه اتفاقات العراق مع تركيا الرفض من قبل بعض القوى السياسية، التي أعلنت رفضها لعقد الاتفاقات الخاصة بمشروع «طريق التنمية» والتعاون المائي، معتبرة أنه طريقة لجعل العراق تابعاً لتركيا.

كما أن مسألة تخصيص إيرادات نفطية لإبرام عقود مع الشركات التركية تثير العديد من التساؤلات القانونية والدستورية، فضلاً عن تحديات ومخاطر الفساد وعدم الشفافية، فضلاً عن احتمال نشوء عراقيل بسبب الاعتماد على مورد واحد، هو النفط لهذا التمويل، ما يجعله عرضة للمخاطر والتقلبات حسب الأسعار في أسواق النفط العالمية.

مباحثات تركية - عراقية حول المياه والأمن وقضايا التعاون في أنقرة في 2025 (الخارجية التركية)

ويلفت بعض معارضي الاتفاقية إلى عدم وجود إطار قانوني ملزم ونهائي متفق عليه بين الطرفين يحدد الحصة المائية للعراق التي يجب إطلاقها من قبل تركيا لنهري دجلة والفرات.

وعلى الرغم من بدء عملية بين تركيا وحزب «العمال الكردستاني» لإنهاء نشاطه، فإن ملف الحزب ووجود عناصره في شمال العراق في مناطق لا تسيطر عليها حكومة بغداد، يمكن أن يتسبب في عقبة تحول دون تنفيذ الاتفاقية.

يضاف إلى ذلك أن الأمر لا يقتصر على الأوضاع الداخلية للعراق بل يمتد إلى الوضع الإقليمي، ورؤية بعض الأطراف أن تعزيز العلاقات بين العراق وتركيا قد يشكل ضغطاً عليها، وهو ما قد يحول العراق إلى ساحة للتنافس وصراع النفوذ بين القوى الإقليمية.

الإرث العثماني

بحسب الكاتب التركي، بيلجاي دومان، فإن الاتفاقية تحقق مصلحة مشتركة لكل من تركيا والعراق، لافتاً إلى أن إشكالية المياه بين تركيا والعراق لم تكن وليدة العقود الأخيرة، بل تعود إلى مرحلة ما بعد انهيار الدولة العثمانية، حين تحول دجلة والفرات من نهرين داخليين في كيان سياسي واحد إلى نهرين عابرين للحدود بين دول مستقلة.

لكنه أشار إلى أن ما يميز المرحلة الراهنة في العلاقات التركية - العراقية هو التحوّل التدريجي من منطق الصراع حول تقاسم المياه إلى منطق إدارة المنفعة المشتركة، وإعادة صياغة شاملة لكيفية فهم الموارد العابرة للحدود على أنها أداة دافعة للتكامل، لا مصدر دائم للتوتر.

إردوغان ورئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني خلال توقيع مذكرة تفاهم بشأن مشروع طريق التنمية في 22 أبريل 2024 (الرئاسة التركية)

وأوضح أن الملمح الجديد الأبرز في الاتفاقية يتمثل في الربط العضوي بين ملفي المياه والطاقة، حيث تستخدم عائدات النفط الذي تستورده تركيا من العراق في تمويل مشاريع مائية داخل الأراضي العراقية، وهي مشاريع تنفذها شركات تركية متخصصة في مجالات السدود، وشبكات الري الحديثة، ومعالجة المياه، والحد من الهدر، وبذلك يجرى تجاوز أحد أهم عوائق التنمية في العراق، وهو نقص التمويل، دون اللجوء إلى قروض خارجية أو شروط مؤسسات مالية دولية.

وأضاف دومان، في مقال عبر منصة «فكر تورو» التركية، أن هذا النموذج يمنح تركيا دوراً جديداً، لا بوصفها دولة تتحكم بمصادر المياه فحسب، بل كشريك في إعادة بناء البنية التحتية العراقية، وهو ما يعزز نفوذها الإقليمي بأدوات اقتصادية وتنموية بدل الأدوات الصلبة، مع إمكانية التوسع إقليمياً؛ إذ يمكن أن يشكل مرجعاً عملياً للتعاون مع سوريا في المستقبل، خصوصاً فيما يتعلق بإدارة مياه نهر الفرات، وذلك في حال توفرت الظروف السياسية الملائمة، وتحول دبلوماسية المياه في المشرق من مصدر هشاشة وصراع مزمن إلى منصة لبناء الثقة والتكامل الإقليمي، من خلال الربط بين الموارد الطبيعية والتنمية الاقتصادية بدل اختزالها في معادلات السيادة والصراع.

بدورها، قالت الباحثة التركية البارزة في مجال المياه العابرة للحدود، الدكتورة توبا إيفريم مادن، لـ«الشرق الأوسط» إن هناك حاجة للإدارة المشتركة القائمة على حلول تكنولوجية لموارد المياه بدلاً من الصراع أو النزاعات القانونية.

وأضافت أن مشاكل دول المصب تنتج في الغالب عن غياب الاستقرار السياسي وتدمير البنية التحتية، وبالتالي سوء استغلال الموارد وهدرها.

تركيا ليست غنية بالمياه

خلافاً للاعتقاد السائد، فإن تركيا ليست دولة غنية بالموارد المائية، كما أنها ليست دولة بها الكثير من المياه في منطقتها؛ إذ تقع في منطقة مناخية شبه قاحلة، ولديها مياه أقل من حيث نصيب الفرد السنوي من المياه مقارنة بجيرانها وأميركا الشمالية وشمال أوروبا الغنية بالمياه.

في البلدان الغنية بالمياه، يبلغ نصيب الفرد من المياه الصالحة للاستخدام سنوياً أكثر من 10 آلاف متر مكعب، وتبلغ هذه الكمية في تركيا نحو 1350 متراً مكعباً، بحسب بيانات وزارة الخارجية التركية.

ووفقاً للتقديرات بأن عدد السكان سيصل إلى 100 مليون في عام 2030، فمن المتوقع أن تتخفض كمية المياه للفرد في تركيا إلى نحو 1000 متر مكعب، ونظراً لأن موارد المياه في تركيا تختلف جغرافياً وموسمياً، فإنها لا تستطيع تلبية الاحتياجات الحالية والمتوقعة في كل منطقة، وبمعنى آخر، بينما تتمتع بعض مناطق تركيا بموارد مائية وفيرة وغير مناسبة للاستخدام، لا توجد مياه كافية في المناطق الصناعية المكتظة بالسكان.

وتتلقى المناطق القاحلة وشبه القاحلة في تركيا 4 أو 5 أشهر من هطول الأمطار سنوياً، ولذلك فإن مشاريع تطوير موارد المياه، مثل السدود والخزانات التي تسمح بتجميع المياه في أوقات المطر لاستخدامها طول العام، ذات أهمية كبيرة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة.

في الوقت ذاته، يزداد استهلاك الطاقة في تركيا بسبب التحضر السريع والتصنيع، ويتوافق نصيب الفرد من استخدام الطاقة في تركيا مع سدس متوسط ​​الاتحاد الأوروبي فقط، ولا تمتلك موارد كبيرة من النفط والغاز الطبيعي، ويتم تنفيذ مشاريع لاستخدام الموارد المحلية لتلبية احتياجات الطاقة المتزايدة، للاستفادة من إمكانات الطاقة المائية المتجددة والرخيصة والصديقة للبيئة.

تسببت قلة هطول الأمطار في جفاف خزانات المياه في تركيا وأثرت بشكل كبير على الزراعة في عام 2025 (إعلام تركي)

ووضع تقرير «بؤر الجفاف حول العالم 2023 - 2025»، الصادر عن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، تركيا ضمن النطاقات الحرجة الواقعة في حزام الجفاف الممتد من جنوب أوروبا حتى الشرق الأوسط.

وحذر التقرير من أن استمرار الاتجاهات الحالية قد يدفع البلاد إلى حالة ندرة مائية حادة بحلول عام 2030، مع إمكانية تعرض ما يقرب من 80 في المائة من الأراضي الزراعية لموجات جفاف متكررة وشديدة خلال العقد المقبل.

ومع حدة التغيرات المناخية، تجد تركيا نفسها على شفا أزمة تهدد أمنها المائي، وتقترب، بحسب خبراء أتراك ودوليين، من الوصول إلى العتبة الحرجة للفقر المائي» مع احتمالات لتصنيفها رسمياً كدولة فقيرة بالمياه بحلول عام 2030، إذا استمر الحال على ما هو عليه الآن.

وتراجع نصيب الفرد من المياه المتجددة في تركيا من نحو 1650 متراً مكعباً في مطلع الألفية الثانية إلى ما دون 1300 متر مكعب حالياً، مقترباً من الخط الأحمر الذي حددته الأمم المتحدة عند ألف متر مكعب سنوياً، ولا يعكس هذا التراجع، الذي يقدر بنسبة 19 في المائة خلال عقدين فقط، أزمة موارد فحسب، بل يكشف عن نمط استهلاك غير مستدام، ونظام إدارة مائية يواجه تحدياً هيكلياً بالغ الخطورة، كما يقول خبراء المياه.

وشهدت تركيا عاماً من الجفاف الحاد في 2025، تميز بندرة الأمطار وارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة، وجفاف بحيرات ومسطحات مائية، وعاشت أكثر شهور ديسمبر (كانون الأول) حرارة منذ أكثر من نصف قرن، مع عجز مطري تجاوز 50 في المائة عن المعدلات الموسمية، وفق بيانات هيئة الأرصاد الجوية التركية.

غياب الاستجابة

يرى خبراء أنه رغم تزايد التحذيرات بشأن الوصول إلى خطر الفقر المائي، فإن الاستجابة الرسمية من جانب السلطات لا تزال دون مستوى التحدي.

ونبه أستاذ المناخ في جامعة البحر الأسود، مصطفى تشاشماز، إلى أن التبخر الناجم عن ارتفاع درجات الحرارة أصبح أحد أبرز أسباب فقدان الموارد المائية، كما أن تخزين المياه في سدود سطحية واسعة، دون مراعاة المعايير المناخية، يجعلها أكثر عرضة للتبخر مع نزايد موجات الحر، ما يتطلب حلولاً تقنية عاجلة، مثل إعادة تصميم الخزانات لتكون أكثر عمقاً وأقل عرضة لأشعة الشمس، وتغطية الأحواض المكشوفة في المناطق الحساسة، إلى جانب حظر استخدام المياه العذبة في أحواض السباحة الخاصة بالمنتجعات الساحلية، واستبدالها المياه المالحة المعالجة بها.

وأشار، في الوقت ذاته، إلى أن مؤسسات الدولة تشكل بدورها جزءاً من المشكلة، بسبب استهلاك المرافق العامة كميات كبيرة من المياه من دون تطبيق فعال لأنظمة الترشيد أو اعتماد تقنيات توفير حديثة.

وتواجه تركيا واحداً من أعقد التحديات البيئية في تاريخها الحديث، يتمثل في اتساع رقعة التصحر وتفاقم موجات الجفاف، وتزايد مظاهر الإجهاد البيئي خلال السنوات الأخيرة، مع تكرار موجات الحر الشديد وحرائق الغابات، وأبرزها حرائق صيف 2025، التي بلغت نحو 3 آلاف حريق.

وتتجاوز أزمة المياه في تركيا حدودها الداخلية لتؤثر على الأمن المائي الإقليمي، خاصة في سوريا والعراق، حيث تتحكم في نحو 90 في المائة من مياه الفرات، وفي قسم كبير من مياه دجلة.

وخلال افتتاح مشاريع مائية في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، أكد الرئيس رجب طيب إردوغان أن تركيا ليست بلداً غنياً بالمياه كما يعتقد البعض، موضحاً أن المعدل السنوي للهطول المطري لا يتجاوز 574 ملليمتراً، وهو ما يقل كثيراً عن المعدل العالمي.

يطالب خبراء بإيجاد حلول تكنولوجية لتقليل فائض خزانات مياه الأمطار المكشوفة في تركيا لتقليل التبخر (إعلام تركي)

ويوضح الخبراء أن الزراعة تستهلك ما بين 70 و75 في المائة من إجمالي السحب المائي، فيما تهدر المدن ما بين 20 و35 في المائة عبر فواقد الشبكات، بينما تتأثر كفاءة السدود بعوامل التبخر وتراكم الرواسب.

وأعلنت الحكومة التركية، مؤخراً، عن برنامج لترميم البحيرات المتقلصة أو الجافة، ومن أبرزها بحيرة مرمرة غرب البلاد، إلى جانب الاستثمار في محطات إعادة تدوير مياه الصرف لاستخدامها في الري والزراعة والصناعة، وبناء محطات تحلية جديدة في مناطق تعاني من ندرة مزمنة في الموارد العذبة، لا سيما في غرب الأناضول وسواحل البحر المتوسط.

وتتمثل الأولويات العاجلة في خفض الفواقد الحضرية إلى أقل من 15 في المائة، وتعميم أنظمة الري عالية الكفاءة لتوفير ما يصل إلى 30 في المائة من استهلاك الزراعة، وتقليل التبخر عبر تحسين تصميم الخزانات والتوسع في التخزين الجوفي، ورفع إعادة استخدام المياه المعالجة إلى 20 في المائة من الطلب الحضري، وتعديل التعرفة المائية، والتحول نحو محاصيل أقل استهلاكاً للمياه، ووضع خطط إلزامية لإدارة الجفاف.


«مدن مصغرة» وشقق ذكية تواكب أنماط الحياة المعاصرة في السعودية

وحدات سكنية ضمن المرحلة الأولى من مشروع «سدرة» في شمال الرياض (روشن)
وحدات سكنية ضمن المرحلة الأولى من مشروع «سدرة» في شمال الرياض (روشن)
TT

«مدن مصغرة» وشقق ذكية تواكب أنماط الحياة المعاصرة في السعودية

وحدات سكنية ضمن المرحلة الأولى من مشروع «سدرة» في شمال الرياض (روشن)
وحدات سكنية ضمن المرحلة الأولى من مشروع «سدرة» في شمال الرياض (روشن)

قبل سنوات قليلة كان البحث عن مسكن في الرياض كالسير بين الألغام: أسعار فلكية لمساحات غير مستغلة وسوق تحكمها «التخمينات». ذلك كله تغير بنقرة سريعة على تطبيق ذكي.

في الطابق العشرين من أحد الأبراج المكتبية شاهقة الارتفاع، شمال العاصمة الرياض، يجلس المهندس خالد (38 عاماً) يتأمل في شاشة هاتفه الذكي تطبيق «إيجار». بضع نقرات سريعة كانت كافية لتجديد عقد شقته السكنية في إحدى الضواحي الحديثة، دون الحاجة لزيارة مكتب عقاري تقليدي، أو مواجهة الاختناقات المرورية في شوارع العاصمة، ودون قلق من «مفاجآت» المؤجر التقليدية التي طالما أرَّقت المستأجرين في سنوات مضت.

قبل خمس سنوات فقط، كانت رحلة البحث عن مسكن للمواطن السعودي تشبه السير في حقل ألغام: أسعار فلكية لمساحات شاسعة غير مستغلة، وسوق تحكمها «العلاقات والتخمينات» الشخصية، وغياب للتنظيم. اليوم، يمثل خالد الجيل الجديد من السعوديين الذين لم يعودوا يبحثون عن مجرد «جدران وأربعة حوائط»، بل عن «جودة حياة»: مجمع سكني متكامل، وممرات مشجرة للمشاة، وموثوقية رقمية كاملة، وجوار شركات عالمية اختارت الرياض مقراً إقليمياً لها.

ما يمر به خالد في يومياته ليس مجرد تغيير اعتيادي في عنوان السكن، بل هو الانعكاس الحي لـ«زلزال» تنظيمي واقتصادي واجتماعي صامت تقوده «رؤية 2030»، يعيد تشكيل أعرق وأكبر الأسواق العقارية في المنطقة، ويحوّلها من بيئة تقليدية غير رسمية، إلى منظومة مؤسسية شفافة تجذب رؤوس الأموال كـ«ملاذ آمن»، وسط عالم مضطرب. هذا المشهد الفردي يعكس بدوره مساراً أوسع تشهده السوق العقارية السعودية، التي تدخل مرحلة إعادة تشكيل شاملة، تقودها مشاريع كبرى، وإصلاحات تنظيمية متتابعة، وتوسع عمراني واقتصادي متسارع في مختلف مناطق المملكة، لا سيما في المدن الرئيسة، وعلى رأسها الرياض.

مشهد عام لمساحات مخصصة لمشاريع الإسكان الحديثة في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

تحول هيكلي ضمن «رؤية 2030»

إن هذا التحول الهيكلي اللّافت الذي تترجمه شاشة هاتف خالد، يختصر الجهود المرتبطة بـ«رؤية 2030»، التي لم تعد تستهدف توفير وحدات سكنية مجردة، بل رَفْع جودة الحياة، وزيادة نسب التملك، وتطوير بيئة عمرانية معاصرة تستوعب النمو السكاني والاقتصادي المتسارع.

ويؤكد مختصون عقاريون أن القطاع لم يعد يعتمد فقط على النمو السكاني الطبيعي، بل أصبح جزءاً من منظومة اقتصادية متكاملة ترتبط بجذب الاستثمارات الأجنبية، واستقطاب المقرات الإقليمية للشركات العالمية، وتطوير المدن الكبرى كمراكز اقتصادية إقليمية، مع إصلاحات تنظيمية غير مسبوقة. ويضيف الخبراء أن المؤشرات الحالية تؤكد أن القطاع العقاري يتجه نحو مزيد من الاحترافية والشفافية والاستدامة، بما يجعله أحد أهم المحركات الاقتصادية للمملكة خلال السنوات المقبلة، مشيرين إلى أن هذه الجهود المتناغمة أعادت رسم ملامح القطاع العقاري السكني والاستثماري، ومنظومة الإسكان بأسرها في أربعة محاور أساسية هي الأسعار، والتمويل، والتشريع، والذوق المعماري، إلى جانب تنظيم علاقة المالك بالمستأجر.

أحد المجمعات السكنية الحديثة في الرياض وقد بدت مواقف السيارات والفسحة الخضراء المشتركة (الشرق الأوسط)

صحيح أن السوق العقارية لم تصل بعد إلى نقطة التوازن الكامل، وما زال الطلب أقوى من العرض في المدى المنظور؛ ما يسهم في احتفاظ الأسعار ببعض زخم الارتفاع مع تفاوت حسب المدينة ونوع السكن، إلا أن التشريعات الجديدة وزيادة المعروض المنظم وتوسع أدوات التمويل المدعوم، تُشير جميعها إلى مستقبل أكثر استدامة واتزاناً.

وكان القطاع العقاري قد شهد نقلة تنظيمية غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، عبر مجموعة من الأنظمة واللوائح التي أسهمت في تعزيز شفافية وحوكمة القطاع، ومن أبرزها: نظام الوساطة العقارية، وترخيص الوسطاء والمنصات العقارية، وإطلاق المؤشرات الإيجارية، وتوثيق العمليات العقارية إلكترونياً؛ ما انعكس في الحد من الممارسات غير النظامية، ورفع موثوقية البيانات العقارية، ورفع كفاءة السوق وشفافيتها.

ويبرز هنا دور تفعيل وتطوير منصة «إيجار» وتعزيز دورها في تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر، ورفع موثوقية السوق الإيجارية، حيث تتحدث لغة الأرقام الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للعقار لتؤكد هذا النجاح التاريخي؛ إذ تجاوز عدد العقود الإيجارية المسجلة عبر المنصة حاجز الـ10 ملايين عقد منذ إطلاقها، تشكل العقود السكنية منها النسبة الأكبر بنحو 8.3 مليون عقد، تمثل 82.3 في المائة من إجمالي العقود، فيما بلغ عدد العقود التجارية نحو 1.7 مليون عقد، مع تسجيل طفرة توثيقية بلغت أكثر من 1.5 مليون عقد خلال عام 2024 وحده.

أحد مشاريع «الوطنية للإسكان» وقد بدت الوحدات السكنية المتوسطة والمستقلة (الشرق الأوسط)

مدن مصغرة ومجتمعات مكتفية

عند الغوص في تفاصيل هذه المجمعات السكنية الجديدة، يتضح أنها لم تعد مجرد كتل خرسانية متراصة للنوم، بل تحولت إلى «مدن مصغرة» مكتفية ذاتياً ومصمَّمة هندسياً لتلبية احتياجات الحياة المعاصرة دون عناء. فالمجمع الذي يقطنه خالد يضم في محيطه نادياً صحياً متطوراً (جيم) منفصلاً، وصيدلية، وميني ماركت متكاملاً، ومقاهي ومغاسل ملابس؛ ما يجعل الساكن في غنى عن مغادرة أسوار المجمع لقضاء احتياجاته اليومية الأساسية.

وتتخذ الحياة داخل هذه المشاريع شكلاً اجتماعياً جديداً يرتكز على «المساحات المشتركة»؛ حيث توفر الحدائق الداخلية المفتوحة، والملاعب الرياضية، والمجالس العامة المخصصة لساكني المجمع بيئة خصبة تتيح للأطفال اللعب بأمان وللكبار التلاقي العفوي. هذا النمط المعماري قدم بدوره بديلاً عصرياً ومنظماً تخلل مكان فكرة «الحي التقليدي» أو «الحارة والشارع القديم» (ما يُطلق عليه «الفريج»). فبدلاً من التفاعل العشوائي السابق في الأزقة، باتت هذه المساحات المشتركة تخلق شبكة علاقات اجتماعية آمنة بين العائلات والوافدين من مختلف الثقافات، تلائم تماماً إيقاع الحياة العصري والسريع.

وهنا يبرز تحول سيكولوجي لافت يفرضه هذا النمط المعماري الجديد، وهو الانتقال نحو مفهوم «العزلة الاختيارية» أو «الخصوصية المشروطة»؛ فخلافاً لـ«الفريج» القديم الذي كان يفرض تفاعلاً اجتماعياً دائماً ومستقراً قد لا يحبذه جيل الشباب اليوم، تمنح المجمعات الحديثة قاطنيها مرونة كاملة في اختيار أوقات الراحة وأوقات التفاعل الاجتماعي.

رجل سعودي يعبر زقاقاً في أحد الأحياء التراثية السياحية في الرياض (غيتي)

الأسرة الصغيرة وغياب «بيت الجد»

هذا التحول المعماري واكبه تحوّل اجتماعي أعمق في بنية الأسرة السعودية التقليدية؛ فلو سألت والد خالد قبل عقدين من الزمن عن مسكن العمر، لقال دون تردد: «فيلا رئيسية كبرى بأسوار عالية ومساحات هائلة تجمع الأبناء والأحفاد». في ذلك الوقت، كان مفهوم «بيت الجد» هو المحور الأساسي الذي يتوزع الأبناء في شقق فوقه أو ملاحق حوله في سكن مشترك ممتد. أما اليوم، فقد انفرط عقد هذا النمط التقليدي لصالح استقلالية كاملة للأسرة النواة الصغيرة. جيل خالد بات يفضل العيش المستقل في شقق معاصرة ومجمعات ذكية تمنحه الخصوصية والراحة وتتناسب مع قدراته المالية، مبتعداً عن أعباء الفيلات السكنية الضخمة والمتهالكة التي باتت تمثل إرثاً معمارياً يصعب على جيل الشباب إدارته أو تحمل تكاليف صيانته وتشغيله بشكل منفرد.

مرونة وعناية بلا «عمالة»

لم يتوقف التغيير عند حدود حجم المسكن، بل امتد ليعيد صياغة تفاصيل الحياة اليومية من الداخل وطبيعة الصيانة المنزلية؛ فالشقق والمجمعات الحديثة بتصاميمها المدروسة والذكية ألغت تماماً الحاجة للأنماط المعمارية السابقة، مثل «الملاحق الخارجية المنفصلة» أو «مجالس الضيوف الضخمة المعزولة» التي كانت تلتهم مساحات شاسعة دون استخدام حقيقي؛ حيث استبدلت بها جلسات داخلية مفتوحة وعملية.

هذه الكفاءة في المساحة وسهولة العناية بالموقع أدَّت تلقائياً إلى تخلي كثير من الأسر المعاصرة عن مفهوم «العاملة المنزلية المقيمة» أو «السائق الخاص»؛ إذ وفرت شركات إدارة المجمعات خدمات صيانة مركزية دورية تشمل النظافة والترميم بضغطة زر عبر التطبيقات، مما قلَّص التكاليف والالتزامات الأسرية المعتادة في البيوت الكبيرة القديمة.

ركاب على متن مترو الرياض في محطة جامعة الملك سعود (أ.ف.ب - غيتي)

النقل وثقافة المترو

على مستوى التخطيط الحضري، ارتبطت هذه الضواحي والمجمعات السكنية الجديدة بشبكة طرق وشرايين نقل حديثة صممتها الدولة لفك الاختناقات المرورية. هذه المشاريع لم تعد تُحدِث ازدحامات عشوائية في محيطها بفضل المداخل والمخارج الذكية، بل على العكس تماماً، بدأت في بث ثقافة جديدة كلياً في المجتمع العقاري، وهي ثقافة الاعتماد على المواصلات العامة.

وجرى ربط معظم هذه المجمعات المعاصرة بمسارات حافلات الرياض ومحطات «مترو الرياض» الذكي، مما دفع موظفين، مثل خالد وجيرانه من الوافدين التنفيذيين، إلى ترك سياراتهم الخاصة في مواقف المجمع، وتفضيل المترو للوصول إلى مقار عملهم في الأبراج المكتبية، شمال ووسط العاصمة، متجاوزين عناء القيادة اليومية.

المرأة... وافد جديد إلى ملعب العقار

لعل التحول الاجتماعي الأكثر دلالة في المجمعات السكنية لعام 2026 هو قدرة الفتيات والمستقلات على السكن بمفردهن والعمل في السعودية كعازبات؛ فقد تلاشت إلى حد بعيد النظرة الفاصلة بين مجمعات «العزاب» ومجمعات «العائلات»، لتصبح الكفاءة والأمان والالتزام بالأنظمة هي المعيار الوحيد الذي يحكم الجميع في مجمعات مختلطة وراقية تحتضن الجميع دون تمييز.

وفي هذا السياق، تروي ريم العبد الله (29 عاماً)، وهي اختصاصية تسويق في إحدى الشركات العالمية بالرياض، تجربتها لـ«الشرق الأوسط»، قائلة: «انتقلت من المنطقة الشرقية إلى الرياض قبل عامين، بعد حصولي على فرصة عمل، وكان أكبر مخاوفي هو العثور على مسكن آمن ومستقل يعكس نمط حياتي المعاصر كفتاة عازبة تركز على مسيرتها المهنية، لكن الواقع هنا تجاوز كل توقعاتي».

وتستطرد ريم في حديثها عن تفاصيل حياتها اليومية داخل المجمع قائلة: «المجمع الذي أقطنه ليس مجرد مكان للنوم، بل هو نظام حياة متكامل وخالٍ من التعقيد؛ فلم أعد بحاجة لاستقدام عاملة منزلية مقيمة أو الاعتماد على سائق خاص كالسابق؛ حيث تتيح لي إدارة المجمع، عبر تطبيقها الذكي، جدولة خدمات التنظيف والصيانة الدورية بضغطة زر وبموثوقية عالية تمنحني طمأنينة كاملة أثناء غيابي في العمل. وحتى نمط تسوقي واهتمامي بصحتي تغير؛ فالجيم والصيدلية والميني ماركت تقع كلها على بُعد خطوات من مصعد شقتي، مما وفر عليَّ عناء القيادة والبحث عن مواقف بعد يوم عمل طويل».

سعوديتان تمشيان أمام جامع الإمام تركي بن ​​عبد الله في الرياض (أ.ف.ب)

وعن البُعد الاجتماعي وثقافة التنقل الجديدة في العاصمة، تضيف ريم لـ«الشرق الأوسط»: «المساحات المشتركة والمقاهي الملحقة بالمجمع خلقت بديلاً حضارياً وذكياً عن الحي التقليدي؛ حيث ألتقي بجيراني من السعوديين والوافدين وسط أجواء يملأها الاحترام المتبادل والاهتمامات المشتركة». وتضيف: «الأجمل من ذلك، أن المجمع مرتبط مباشرة بشبكة النقل الحديثة؛ إذ تفصلني دقائق معدودة مشياً عن محطة المترو، مما جعلني أتخلى تماماً عن قيادة سيارتي في ساعات الذروة الصباحية، لأصل إلى مكتبي، شمال الرياض، براحة تامة وبثقافة نقل عام لم نكن لنتخيلها قبل سنوات؛ فالأنظمة العقارية والأمنية والتحول الحضري هنا منحني أماناً واستقلالية جعلت من سكني في الرياض مكاناً لتحقيق طموحي العملي والشخصي».

حركة حيوية للمارة والمتسوقين في شارع التحلية التجاري النابض بالحياة بوسط العاصمة السعودية (أ.ف.ب)

العاصمة تشعل «ثورة الطلب»

من شرفة مجمّعه السكني، يلاحظ خالد تنوعاً كبيراً في وجوه جيرانه؛ فبينهم الموظف التنفيذي القادم من جدة، والخبير التقني الأوروبي، والمستثمر الآسيوي. وفي قراءة تحليلية لعمق هذا المشهد، يقول الخبير والمسوِّق العقاري، صقر الزهراني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إنّ القطاع يعيش مرحلة تحول استثنائية تقودها مستهدفات الرؤية، حيث لم يعد الطلب على السكن مرتبطاً بالنمو الديموغرافي التقليدي، بل بات انعكاساً مباشراً للتحول الاقتصادي الكبير الذي تشهده المدن الرئيسية، وفي مقدمتها الرياض.

ولفت إلى أن خطط تحويل العاصمة إلى مركز اقتصادي عالمي، واستقطاب المقرات الإقليمية للشركات الدولية، أطلقت موجة هجرة داخلية وخارجية واسعة شملت موظفين تنفيذيين ومتخصصين وطلاباً ورواد أعمال - كحالة المهندس خالد وزملائه - مما خلق طلباً غير مسبوق على الوحدات السكنية، سواء للتملك أو الإيجار.

وفي المقابل، يرى الزهراني أن المعروض السكني يواجه تحدياً طبيعياً في مواكبة هذا التدفق المتسارع؛ فالمشاريع الجديدة تتقدم بوتيرة عالية، غير أن هندستها الإنشائية تحتاج إلى وقت لتنعكس بالكامل على السوق، بينما يستمر توافد السكان والأنشطة الاقتصادية بوتيرة أسرع، ما يفسر جانباً من فجوة الأسعار الحالية وارتفاع الإيجارات في بعض المناطق الحيوية التي يقطنها الجيل الجديد.

شقق سكنية في «كافد» بالعاصمة السعودية الرياض (الموقع الإلكتروني)

ميزان التمويل وتحديات الفائدة

هذه الفجوة بين العرض والطلب ترافقت مع تبدل في حسابات الأسر التمويلية. فالمهندس خالد، كغيره من أبناء جيله، يتابع بدقة تحركات السياسات النقدية. ويشير الزهراني إلى أن أسعار الفائدة ما زالت عند مستويات مرتفعة نسبياً مقارنة بسنوات الطفرة التمويلية السابقة، وذلك في إطار التوجهات الهادفة إلى كبح موجات التضخم والارتفاعات السعرية التي شهدتها الأسواق العالمية، خلال الأعوام الماضية.

هذا الارتفاع انعكس تلقائياً على القوة الشرائية للأفراد، ودفع كثيراً من الأسر إلى إعادة حساباتها التمويلية وتأجيل بعض قرارات التملك أو البحث عن خيارات أكثر مرونة، كالإيجار المؤقت الذكي.

يقول الزهراني هنا: «الحكومة السعودية تدرك تماماً هذه التحديات وما تفرضه من ضغوط على المستهلكين، لذلك بادرت بإطلاق حزمة واسعة من الحلول المرنة عبر وزارة البلديات والإسكان وصندوق التنمية العقارية وبرنامج (سكني)، بالشراكة مع المطورين، لتخفيف أثر تكلفة التمويل وزيادة المعروض».

وتتجلى هذه الحلول التي تتبناها المملكة في حزمة تدابير تشريعية وتنظيمية وتمويلية شاملة يترجمها «برنامج الإسكان» أحد أبرز برامج «رؤية 2030»، التي وضعت نصب عينيها هدفاً استراتيجياً برفع نسبة تملك المواطنين للمساكن إلى 70 في المائة بحلول عام 2030 (وصلت النسبة حالياً إلى 66.2 في المائة من 47 في المائة في 2016)، مدعومة بـ4 محاور استراتيجية تلامس تفاصيل يوميات مواطنين مثل خالد.

التمكين التمويلي الذكي

لم يعد التمويل العقاري عبئاً منفرداً؛ إذ يقدم برنامج «سكني» خيارات تمويلية مدعومة بالشراكة مع البنوك المحلية لتسهيل شراء الوحدات الجاهزة أو البناء الذاتي، بالتوازي مع الدور المحوري الذي تلعبه الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري (SRC) بضخ السيولة في السوق، وتثبيت نسب المرابحة طويلة الأجل لحماية جيل الشباب من تقلبات الفائدة العالمية، دون إغفال الفئات الأشد حاجة، عبر تسليم أكثر من 95 ألف وحدة سكنية تنموية تراكمية من خلال برنامج الإسكان التنموي.

الحوكمة ومنع العشوائية

الرحلة الرقمية التي اختبرها خالد بهاتفه تدعمها حزمة من التنظيمات الرقابية؛ بدءاً من منصة «إيجار» وتحويل عقودها إلى «صكوك تنفيذية» تحمي حقوق الجميع، مروراً بتنظيم الوساطة العقارية وحصرها على المرخصين من الهيئة العامة للعقار، وصولاً لبرنامج «وافي» الذي ينظم البيع على الخريطة ويحمي أموال المشترين ويوفر تدفقات آمنة للمطورين.

مترو الرياض يعبر وسط المدينة (أ.ف.ب)

تكسير الاحتكار وأنسنة الضواحي

لضبط ميزان الأسعار ومحاربة المضاربات، جاء تفعيل برنامج «رسوم الأراضي البيضاء» داخل النطاق العمراني ليجبر الملّاك على تطويرها أو بيعها، مما ضاعف المعروض العقاري، وتزامن ذلك مع صعود الضواحي السكنية الكبرى التي تقودها شركات وطنية عملاقة، مثل «روشن» (التابعة لصندوق الاستثمارات العامة) لتقديم أحياء متكاملة الخدمات تعزز جودة الحياة وأنسنة المدن.

عالمية السوق والاستدامة

التحول لم يقف عند حدود الداخل؛ فمع بدء نفاذ النظام المحدث لتملك غير السعوديين للعقار لعام 2026، فُتحت الأبواب لرساميل عالمية ومسارات استثمارية منظمة وضعت العقار السعودي كـ«حصان أسود» دولي، ترافقه منصات رقمية تضمن جودة الأصول المستدامة، مثل منصة «البناء المستدام»، لفحص المباني قبل الشراء.

ويتوقع الزهراني بدء ظهور دورة أكثر توازناً بين العرض والطلب، في ظل استمرار المشاريع الكبرى وبرامج التطوير الحضري، بشكل تدريجي خلال السنوات المقبلة، وأن تتضح آثارها بشكل أكبر بحلول عام 2028، بما يضمن لجيل خالد فرص تملك أكثر استدامة وأقل عبئاً على المدى الطويل.

امرأتان تتبضعان من سوق محلية وسط الرياض (أ.ف.ب)

وداعاً لـ«الفلل الهالكة»

التغيير لم يكن في طريقة الدفع فحسب، بل في فلسفة المسكن ذاته. لو سألت والد خالد قبل عشرين عاماً عن بيت العمر، لقال فوراً: «فيلا بأسوار عالية ومساحات شاسعة». لكن خالد يفضل شقته الحديثة ذات الممرات المشجرة.

هذا التحول الجوهري يحلله الخبير والمهتم بالشأن العقاري، عبد الله الموسى، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، موضحاً أنَّ السوق السكنية تشهد مرحلة تحول نوعي تتجاوز مفهوم توفير الوحدات السكنية المجردة إلى بناء مجتمعات عمرانية متكاملة تتوافق مع مستهدفات «رؤية 2030»، حيث لم يعد النجاح يُقاس بعدد الوحدات المطوَّرة، بل بقدرتها على رفع جودة الحياة وتحسين تجربة السكن اليومية.

وفيما يتعلق بدور المطورين العقاريين، يشير الموسى إلى أن الضواحي السكنية الكبرى أسهمت في ترسيخ مفهوم «أنسنة المدن» عبر توفير بيئات متكاملة تجمع بين السكن، والخدمات، والمرافق، والمساحات المفتوحة المشجرة، ضمن نطاق واحد، يحمي سكانها من التنقل اليومي الطويل.

هذا التحول في المعروض واكبه (بحسب الموسى) تغير طبيعي في تفضيلات الأسر السعودية، فالمستهلك اليوم (مثل خالد) أصبح أكثر وعياً واهتماماً بكفاءة المسكن، وجودة الموقع، وسهولة الصيانة، مقارنة بالتركيز التقليدي السابق على المساحات الضخمة المهدورة.

ونتيجة لذلك، نشهد اليوم إقبالاً متزايداً على الشقق السكنية الحديثة والمجمعات المتكاملة التي توفر تجربة معيشية تليق بمتطلبات الحياة المعاصرة.

ثورة التشريعات

السهولة الرقمية التي جدد بها خالد عقده لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج ثورة تشريعية قطعت دابر العشوائية العقارية. فقد شهد القطاع نقلة تنظيمية غير مسبوقة عززت الشفافية والحوكمة، ومن أبرزها: نظام الوساطة العقارية، ترخيص المنصات العقارية، وإطلاق المؤشرات الإيجارية.

وفي هذا الصدد، يرى عبد الله الموسى أن الأنظمة الحديثة وتنظيم الإعلانات العقارية حمت المتعاملين وجعلت البيانات أكثر دقة لمساعدة المستهلك والمستثمر على اتخاذ قراره بكفاءة، لافتاً إلى الدور المحوري لمنصة «إيجار» في تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر وتوثيق الحقوق والالتزامات إلكترونياً، مما قلّص النزاعات القضائية وسرّع إجراءات المعالجة؛ فلم يعد أحد مضطراً لانتظار «مفاجآت المؤجر»، أو زيارة المكاتب التقليدية.

«الحصان الأسود»

حين يغادر خالد مكتبه في ذلك البرج الشمالي، يلتقي في ردهة الاستقبال بمديري مقار الشركات العالمية التي انتقلت حديثاً للرياض. هذا المشهد يؤكد أن العقار السعودي بات يظهر في الأفق الدولي كـ«ملاذ آمن» وسط عالم يموج بالاضطرابات الجيوسياسية والاقتصادية.

وحول هذا التفاعل الدولي، يؤكد الخبير والمقيّم العقاري المهندس أحمد الفقيه، لـ«الشرق الأوسط»، أن الاضطرابات الحالية أثبتت أن السعودية هي البيئة الأكثر أماناً واستقراراً في المنطقة، لامتلاكها قدرات سيادية وعسكرية متطورة، وهي النقطة التي منحت المستثمرين غير السعوديين رسالة طمأنينة إضافية.

العاصمة الرياض (الأراضي البيضاء والعقارات الشاغرة)

ويوضح الفقيه أن الجاذبية الاستثمارية العالية الحالية للسوق العقارية تبلورت بشكل واضح في التشريعات الأخيرة التي دعمت المستثمر الأجنبي والسعودي على حد سواء، من خلال عدة قنوات استراتيجية، أبرزها نظام الإقامة المميزة، وقانون تملك واستثمار غير السعوديين المحدث الذي دخل حيز التنفيذ مع بداية هذا العام (2026).

وتجمع التقارير الدولية الصادرة حديثاً على أن السعودية هي «الحصان الأسود» في ملف الاستثمار العقاري العالمي.

وتابع الفقيه بالقول: «إن الأرقام الصادرة عن وزارة الاستثمار تثبت أن المملكة تتقدم يوماً بعد يوم كعملاق اقتصادي قادم لـ«الشرق الأوسط». ويكفي النظر إلى زخم وكثافة الشركات العالمية التي نقلت مقارها الإقليمية إلى العاصمة الرياض، والتي تجاوزت في آخر الإحصاءات الرسمية لعام 2026 أكثر من 660 شركة إقليمية، لندرك حجم المناخ القانوني الجاذب».

وأكمل الفقيه برصد نبض السوق الميداني الذي يتقاطع مع محيط خالد الوظيفي قريباً: «بحكم عملنا ووجودنا اليومي داخل السوق، نلاحظ بشكل جلي تنامي رغبة غير السعوديين في التملك والاستثمار؛ حيث أبرمت بالفعل جنسيات متعددة صفقات ضخمة، وفي مقدمتها الجنسيات الصينية والمصرية وغيرها، وقد تضاعف زخم هذه الأعداد والصفقات مع دخول التصنيفات والتشريعات المحدثة حيز النفاذ مؤخراً».

ميزان التحديات

هذه الترسانة التشريعية والتحولات الرقمية الباهرة التي يلمسها جيل خالد، لا تلغي أن الطريق نحو نقطة الاتزان العقاري الكاملة لا يزال يمر عبر حقل من التحديات التي يفرضها الواقع الاقتصادي والميداني.

ويتمثل أول هذه التحديات في فجوة المدى الزمني بين العرض والطلب؛ فبينما يتدفق السكان والمقرات الإقليمية للشركات العالمية إلى العاصمة الرياض بوتيرة متسارعة وخاطفة، تحتاج المشاريع الإنشائية والضواحي السكنية الكبرى إلى دورة زمنية تمتد لسنوات حتى تكتمل وتنعكس بالكامل كمخزون متاح في السوق، وهو ما يفسر استمرار طفرة الإيجارات وضغوط الأسعار الحالية في المناطق الحيوية.

أحد المراكز التجارية التابعة لـ«سينومي سنترز» في الرياض (موقع الشركة الإلكتروني)

وعلى جبهة أخرى، تبرز معادلة تكلفة التمويل كتحدٍ مباشر يواجه القوة الشرائية للأفراد؛ فبقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة كأداة لكبح التضخم العالمي يضع عبئاً إضافياً على الأسر، ويدفع قسماً من جيل الشباب إلى تأجيل قرارات التملك واللجوء لخيارات مرنة، مما يضع برامج الدعم السكني أمام اختبار مستمر لابتكار حلول تمويلية أكثر ديناميكية.

يُضاف إلى ذلك تحدي مواكبة المطورين العقاريين المحليين للسرعة والمعايير الصارمة التي تفرضها مفاهيم «أنسنة المدن» والبناء المستدام؛ حيث تتطلب السوق اليوم تحولاً كاملاً من الشركات العقارية التقليدية نحو العمل المؤسسي، لضمان تسليم وحدات ذات جودة عالية وبأسعار تنافسية تلائم الشريحة الأوسع من المواطنين دون تأخير في الجداول الزمنية للبيع على الخريطة.

في الختام، يعود خالد إلى شقته مساءً، يسير في الممر المشجّر المؤدي إلى بوابته الرقمية، يدرك تماماً أن تفاصيل يومه البسيطة هي جزء من لوحة رسمتها «رؤية 2030»... لوحة لا تبني مجرد ناطحات سحاب، بل تُعيد صياغة نمط وعمران حياة بأكملها.