هل تقترب أميركا وإيران من «تفاهمات» نووية بعد تبادل السجناء؟

رئيسي طالب أميركا بإبداء حسن النية... وسائل إعلام «الحرس الثوري» تكشف عن هوية أميركيين أطلق سراحهما

الرئيس الإيراني يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (د.ب.أ)
TT

هل تقترب أميركا وإيران من «تفاهمات» نووية بعد تبادل السجناء؟

الرئيس الإيراني يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (د.ب.أ)

هاجم الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي العقوبات الأميركية، وطالب واشنطن بإثبات «حسن نواياها وعزمها» على إحياء الاتفاق النووي لعام 2015، وسط مساعٍ دبلوماسية على هامش أعمال الجمعية العامة، لكسر الجمود على المحادثات النووية المتعثرة بين الخصمين منذ العام الماضي.

وقال رئيسي في كلمة ألقاها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في وقت متأخر الثلاثاء: «بالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة، انتهكت الولايات المتحدة الاتفاق»، وأضاف: «يجب على أميركا بناء ثقة لإظهار حسن نواياها ورغبتها الحقيقية في الوفاء بالتزاماتها وقطع الطريق لنهايته».

وتلقي طموحات إيران النووية بظلالها على الشرق الأوسط، وتثير قلق الغرب إلى جانب الحرب الروسية - الأوكرانية التي تتصدر اهتمامات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وتُخّصِب طهران باطراد مزيداً من اليورانيوم بنسب عالية، وتقترب أكثر من روسيا من خلال تزويد جيشها بطائرات مسيَّرة.

وكانت هذه الملفات في صلب لقاء مسؤول السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل ووزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث بحثا القضايا الأكثر إلحاحاً، التي تؤثر على العلاقات الثنائية بين الاتحاد الأوروبي وإيران، خصوصاً التطورات الأخيرة بشأن الاتفاق النووي.

عبداللهیان يلتقي بوريل ونائبه إنريكي مورا على هامش أعمال الجمعية العامة (الخارجية الإيرانية)

وبصفته منسق المحادثات النووية، أكد بوريل أهمية اتباع مسار وقف التصعيد، وحث إيران على إعادة النظر في قرارها بسحب التصريح الرسمي لعدد من مفتشي الوكالة ذوي الخبرة وتحسين التعاون مع الوكالة.

وحض الحكومة الإيرانية على وقف تعاونها العسكري المستمر مع روسيا في الحرب مع أوكرانيا.

وذكر بيان للاتحاد الأوروبي أن بوريل أبلغ عبداللهيان إدانة الاتحاد الأوروبي الشديدة للاعتقالات التعسفية للعديد من مواطني دول الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك مزدوجو الجنسية، وفقاً لـ«وكالة أنباء العالم العربي».

مسار متعثر

أخرج الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب الولايات المتحدة من هذا الاتفاق في 2018، قائلاً إنه كان سخياً للغاية مع طهران، لعدم تطرقه إلى برنامج الصواريخ الباليستية، والدور الإقليمي، وأعاد فرض عقوبات اقتصادية أميركية واسعة النطاق على إيران، مما دفع طهران إلى انتهاك التزاماتها النووية.

وبعد توليه منصبه في يناير (كانون الثاني) 2021، حاول الرئيس الأميركي جو بايدن التفاوض على إحياء الاتفاق الذي كانت إيران تكبح بموجبه برنامجها النووي مقابل تخفيف العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.

لكن المحادثات التي استمرت شهوراً توقفت منذ سبتمبر (أيلول) الماضي، إذ اتهم الجانبان بعضهما بعضاً بالمطالبة بتنازلات مغالى فيها.

ويبحث مسؤولون أميركيون وأوروبيون عن سبل للحد من أنشطة طهران النووية منذ انهيار المسار الدبلوماسي قبل عام.

ومن أجل تهدئة التوتر، توصلت طهران وواشنطن إلى اتفاق الشهر الماضي أسفر عن تبادل خمسة محتجزين أميركيين مقابل خمسة سجناء إيرانيين يوم الاثنين، وتضمن الإفراج عن ستة مليارات دولار من أموال طهران في كوريا الجنوبية.

سيامك نمازي (وسط) يمسك مراد طاهباز وعماد شرقي لدى وصولهم إلى مطار الدوحة الاثنين الماضي (أ.ب)

وكشفت وسائل إعلام إيرانية الأربعاء هوية اثنين من الأميركيين الخمسة، اللذين بقيت هويتهما طي الكتمان، حسب رغبتهما. وقالت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» إن رضا بهروزي وفخر السادات معيني بالإضافة إلى سيامك نمازي، ومراد طاهباز، وعماد شرقي هم خمسة أميركيين، من أصل إيراني جرى إطلاق سراحهم.

مساعٍ قطرية

وذكرت وكالة «رويترز» عن مصادر أن قطر، التي توسطت في صفقة تبادل المحتجزين، تريد الاستفادة من الاتفاق لإيجاد أرضية مشتركة تتعلق بقضية أكثر صعوبة بين الخصمين اللدودين، وهي الخلاف على البرنامج النووي الإيراني.

وستزيد الانتخابات الأميركية عام 2024 من قتامة هذه التوقعات بالعودة إلى الاتفاق النووي بعد خمس سنوات على انسحاب ترمب. فالرئيس الأميركي جو بايدن يواجه بالفعل انتقادات من الجمهوريين بسبب إفراجه عن أصول إيران بقيمة ستة مليارات دولار في اتفاق على تبادل السجناء.

ونقلت «رويترز» عن مصادر ثلاثة «إقليمية» أن قطر تبحث مع الجانبين المشاركة في محادثات أخرى والتوصل إلى «تفاهمات» على هامش أعمال الجمعية العامة في نيويورك.

وقالت المصادر إن التفاهمات تهدف إلى إبطاء تخصيب اليورانيوم في طهران مع زيادة المراقبة الدولية والحد من أنشطة الميليشيات الموالية لإيران في المنطقة، ووقف تصدير إيران لطائرات مسيَّرة، كل ذلك مقابل بعض الإعفاءات من العقوبات الأميركية على صادرات النفط الإيرانية.

وقال مصدر مطلع على المحادثات في الدوحة إن تلك الاجتماعات ستناقش تخصيب اليورانيوم والطائرات المسيَّرة الإيرانية، مضيفاً أن قطر تستهدف استضافة محادثات غير مباشرة بين طهران وواشنطن في حالة حدوث تقدم بعدما ساعدت الدوحة في صياغة اتفاق تبادل السجناء بدبلوماسية مكوكية بين مفاوضين إيرانيين وأميركيين كانوا يقيمون في فندقين منفصلين بالدوحة.

وكان مسؤولون إيرانيون قد أبدوا رغبتهم خلال الأسابيع الأخيرة بالعودة إلى طاولة المفاوضات بهدف إحياء الاتفاق النووي.

 خفض التصعيد

وقال مسؤولون غربيون وإيرانيون إن فكرة التفاهمات لمنع التصعيد بدلاً من الاتفاق النووي، الذي يتطلب مراجعة الكونغرس الأميركي طُرحت في السابق. ولم يعترف المسؤولون الأميركيون قط باتباع مثل هذا النهج.

وتشتبه واشنطن في أن طهران تريد التكنولوجيا اللازمة لصنع سلاح نووي. وتصر إيران على أن هذا ليس هدفها على الإطلاق.

وبعد إنجاز الصفقة الأخيرة، ترك وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن الباب مفتوحاً أمام الدبلوماسية لتناول الملف النووي، الذي وصفه بأنه «ربما يكون القضية الأولى المثيرة للقلق»، لكنه قال إنه لا يوجد شيء وشيك.

ورداً على سؤال عما إذا كان من الممكن إجراء مزيد من المحادثات غير المباشرة مع إيران قريباً، قال في نيويورك: «لم نتناول ذلك في الوقت الراهن، لكننا سنرى في المستقبل ما إذا كانت هناك فرص».

وقال مصدران إيرانيان مطلعان لوكالة «رويترز» إن اجتماعات غير مباشرة ستعقد بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين في نيويورك قد تمهد الطريق لإجراء محادثات بشأن «تفاهم نووي». وأضافا أن إيران لم تغلق الباب أبداً أمام الدبلوماسية النووية.

وقال مصدر إيراني آخر مطلع على المناقشات التي جرت حتى الآن مع قطر: «مع أخذ الانتخابات الأميركية المقبلة في الحسبان، من الممكن التوصل إلى تفاهم يتضمن إصدار إعفاءات بقطاعي البنوك والنفط تسمح لإيران بتصدير نفطها بحرية واستعادة أموالها عبر النظام المصرفي»، وهذا أمر محظور حالياً بموجب العقوبات الأميركية.

وقال مسؤول كبير في الإدارة الأميركية الأحد الماضي: «تسألون عما إذا كانت هناك أي محادثات مزمعة هذا الأسبوع، بالتأكيد لا».

ولم يتضح ما إذا كان المسؤول يقصد نفي إجراء أي محادثات غير مباشرة، أم أنه يتعمد ترك الباب مفتوحاً أمامها.

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية على أسئلة تفصيلية بهذا الخصوص.

تعامل

تعد مناقشة أي تعامل مع إيران أمراً حساساً في الولايات المتحدة، إذ ما زال اقتحام السفارة الأميركية في طهران عام 1979، عندما احتُجز 52 أميركياً رهائن لمدة 444 يوماً، يلقي بظلاله على علاقات واشنطن مع طهران.

وتكتم المسؤولون الأميركيون على تفاصيل اتفاق تبادل السجناء يوم الاثنين حتى أقلعت طائرة الأميركيين الخمسة المفرج عنهم من مطار طهران.

وكانت مصادر أبلغت «رويترز» في وقت سابق أن محادثات غير مباشرة في قطر، أدت إلى تبادل السجناء، عقدت بعد تعثر المحادثات الأوسع نطاقاً بشأن البرنامج النووي الإيراني. وحينها طالبت طهران بضمانات بعدم إنهاء الاتفاق الجديد مرة أخرى، وهو الطلب الذي قال مصدر إيراني إنه تم التخلي عنه الآن.

وقالت المصادر الثلاثة بالمنطقة إن المسؤولين الإيرانيين أظهروا خلال المحادثات علامات على استعدادهم لتقديم تنازلات في حالة تخفيف العقوبات الأميركية التي أصابت اقتصاد بلدهم بالشلل. وأضافت المصادر الثلاثة أن طهران التزمت بالفعل بخفض تخصيب اليورانيوم إلى 60 في المائة، أي أقل من النسبة اللازمة لصنع سلاح نووي، وهي 90 في المائة تقريباً، وأبدت استعدادها لاستئناف التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، التي تراقب أنشطتها النووية.

وأفادت تقارير للوكالة اطّلعت عليها «رويترز» هذا الشهر أن إيران خفّضت بالفعل معدل تخصيب اليورانيوم إلى 60 في المائة، لكن مخزونها واصل النمو ولديها حالياً 121 كيلوغراماً من اليورانيوم بنسبة 60 في المائة، مما يكفي عملياً لإنتاج ثلاث قنابل، إذا رفعت تخصيبه إلى 90 في المائة.

وقال دبلوماسيون في المنطقة إن هناك «مؤشراً إيجابياً» آخر هو عدم شن وكلاء إيران هجمات كبيرة على مصالح الولايات المتحدة أو مصالح حلفائها في المنطقة في الأشهر القليلة الماضية. ووقع آخر حادث كبير في سوريا في مارس (آذار)، عندما حمّلت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) مسلحين مدعومين من طهران مسؤولية هجوم على القوات الأميركية هناك.

ولكن، قد يتوقف الكثير على الانتخابات الأميركية التي تجرى في العام المقبل عندما يتنافس الرئيس الديمقراطي بايدن مجدداً مع ترمب، الذي يتصدر حالياً السباق لنيل ترشيح الحزب الجمهوري.

وقال أحد الدبلوماسيين: «ما الفائدة من جعل واشنطن الأمر أكثر إغراء لطهران قبل الانتخابات، خاصة في سباق شرس حيث سينقض المنافسون الجمهوريون على أي اتفاق يبدو أنه يضر بالمصالح الأميركية».

ومع ذلك لا يزال الغرب قلقاً حيال أنشطة طهران النووية. وقال خبراء إن اتفاق عام 2015، الذي وصفه ترمب بأنه «أسوأ اتفاق على الإطلاق»، أوقف برنامج إيران النووي ما يكفي لإبعادها عاماً أو نحو ذلك عن التكنولوجيا اللازمة لصنع قنبلة نووية.

وقال دبلوماسي كبير في المنطقة: «عندما لا يريد أحد حدوث أزمة، فإن الوقت يكون مناسباً للتفاوض من الآن وحتى الانتخابات الأميركية».


مقالات ذات صلة

إيران تنفي مجدداً السعي لامتلاك سلاح نووي وتبدي استعدادها للحوار

شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان (أ.ف.ب)

إيران تنفي مجدداً السعي لامتلاك سلاح نووي وتبدي استعدادها للحوار

نفى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال محادثات مع رئيس وزراء جورجيا، سعي طهران لامتلاك أسلحة نووية، وأعرب عن استعداده للحوار، مديناً العقوبات الأميركية.

«الشرق الأوسط» (تبليسي)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض (إ.ب.أ)

ترمب: قد نحتاج لشن ضربة على موقع «جبل الفأس» في إيران

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الولايات المتحدة قد تضطر إلى استهداف بيكاكس ​ماونتن (جبل الفأس) في إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ تظهر في هذه الصورة التي وُزعت دون تحديد تاريخها «أم القنابل» في قاعدة «إيغلين» الجوية (رويترز)

«أم القنابل» الأميركية التي قد تضرب إيران... ماذا نعرف عنها؟

أعادت خطط عسكرية أميركية تتضمن احتمال استخدام قنبلة «أم القنابل» ضد أهداف إيرانية تسليط الضوء على أحد أكبر الأسلحة في الترسانة الأميركية... فما هي؟

لينا صالح (بيروت)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

تقرير: أميركا تدرس استخدام «أم القنابل» ضد إيران

ذكرت شبكة «سي إن إن»، اليوم (الخميس)، ​نقلاً عن مسؤولين أميركيين، أن الجيش الأميركي وضع خططاً لشن ضربات قد تشمل ‌استخدام «أم ​القنابل».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية نائب الرئيس جيه دي فانس يخطب أمام المناصرين الجمهوريين (أ.ب)

فانس: على إيران خفض قدرات تخصيب اليورانيوم «جوهرياً» لإنهاء الحرب

قال جيه دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، في مقابلة حصرية مع «رويترز»، إن على إيران أن تُجري خفضاً «جوهرياً» لقدراتها في تخصيب ​اليورانيوم

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«الحرس الثوري» يعلن انفجار ناقلة بعد اصطدامها بلغم في مضيق هرمز

أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
TT

«الحرس الثوري» يعلن انفجار ناقلة بعد اصطدامها بلغم في مضيق هرمز

أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)

​نقلت وسائل إعلام إيرانية عن «الحرس الثوري»، اليوم (السبت)، أن ‌ناقلة ‌نفط ​تعرضت لانفجار ‌واندلعت ⁠فيها ​النيران بعد ⁠اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها مضيق ⁠هرمز.

وأفاد التقرير ‌بأن الناقلة ‌كانت ​تحمل ‌أكثر ‌من مليوني برميل من النفط الخام، وكانت ‌تحاول عبور الممر المائي ⁠الاستراتيجي بشكل ⁠غير قانوني عبر مسار غير مرخص به من إيران.


ترمب يلوّح بضرب «جبل الفأس»

بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)
TT

ترمب يلوّح بضرب «جبل الفأس»

بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)

تتواصل الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران في ظلّ غياب مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية، وسط تصاعد التهديدات العسكرية وتبادل الاتهامات بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز.

وفي ظلّ هذه الأجواء، لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإمكانية استهداف موقع «جبل الفأس»، في إطار مساعي واشنطن لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي. وبرّر ترمب تصعيده قائلاً إن إيران قد تستخدم السلاح النووي «إذا تمكنت من الحصول عليه».

في المقابل، استبعد الرئيس الأميركي استخدام السلاح النووي ضد إيران، مؤكداً أن واشنطن لا تحتاج إلى مثل هذه الأسلحة لتحقيق أهدافها العسكرية. لكنه أشار إلى إمكانية اللجوء إلى أسلحة تقليدية شديدة التدمير، في إشارة إلى قنبلة «جي بي يو 43/ بي» المعروفة أيضاً باسم «أم القنابل»، والتي تُعدّ أقوى سلاح أميركي غير نووي.

من جانبه، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أمس، أن بلاده لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، وأنها مستعدة للحوار، مشدداً على أن طهران لن تخضع للعقوبات.


إيران تلتف على الحصار الأميركي بصادرات وقود محدودة

تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)
تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)
TT

إيران تلتف على الحصار الأميركي بصادرات وقود محدودة

تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)
تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)

تمكنت إيران من تصدير شحنات محدودة من غاز البترول المسال ووقود الطائرات منذ يوليو (تموز)، رغم الحصار البحري الأميركي المفروض على صادراتها، مستفيدة من عمليات نقل الشحنات بين السفن في مياه الخليج، وفق معلومات استخباراتية بحرية ومصادر في قطاع الشحن.

وفي حين تؤكد واشنطن أن الحصار يحدّ بصورة كبيرة من صادرات الطاقة الإيرانية، تكشف هذه الشحنات عن محاولات طهران الالتفاف على القيود والحفاظ على منافذ محدودة لتصريف منتجاتها النفطية.

وقالت أربعة مصادر عاملة في مجال الأمن البحري ومتابعة تحركات النفط في الخليج لوكالة «رويترز» إن إيران تمكنت خلال الأسابيع الأخيرة من تمرير شحنات من غاز البترول المسال، عبر إخفائها ضمن عمليات متزايدة لنقل المنتجات النفطية من سفينة إلى أخرى.

ولم تكن هذه الصادرات قد ظهرت في تقارير سابقة بهذه الصورة، وهي، رغم محدودية حجمها مقارنة بصادرات إيران من الطاقة قبل فرض الحصار، تقدم مؤشرات على استمرار تدفق بعض المنتجات النفطية الإيرانية إلى الأسواق الخارجية.

وأظهر تحليل أجرته منظمة «متحدون ضد إيران النووية»، التي تراقب حركة ناقلات النفط المرتبطة بإيران باستخدام بيانات تتبع السفن وصور الأقمار الصناعية، أن ما لا يقل عن 8 ناقلات غاز محملة بغاز البترول المسال الإيراني غادرت خليج عُمان منذ منتصف يوليو.

صور الأقمار الصناعية

بزشكيان يترأس اجتماعاً حكومياً لمناقشة إدارة استهلاك الوقود بحضور وزيرَي الداخلية والنفط وقادة الشرطة الإيرانية الأحد (الرئاسة الإيرانية)

كما أظهرت صور الأقمار الصناعية وتحليلات مجموعة الاستخبارات البحرية «سينماكس» وصول ناقلة أخرى تحمل وقود طائرات إيرانياً إلى ميانمار في سبتمبر (أيلول).

ووفقاً لتحليل «رويترز» لبيانات السفن والعقوبات الأميركية، فإن 6 من ناقلات الغاز الـ8، إلى جانب ناقلة وقود الطائرات، تخضع لعقوبات أميركية بسبب نقل منتجات نفطية وبتروكيماوية إيرانية.

وقالت جميما شيلي، الباحثة في منظمة «متحدون ضد إيران النووية»، إن المنظمة رصدت عدداً محدوداً من الناقلات التي تحمل غاز البترول المسال الإيراني، في حين أعادت القوات الأميركية توجيه الغالبية العظمى من الناقلات المحملة بمنتجات إيرانية.

وأضافت أن بعض ناقلات الغاز نقلت شحناتها بالقرب من مدينتي شناص وصحار الساحليتين في عُمان، بينما انتظرت ناقلات أخرى في خليج عُمان قبل محاولة تجاوز الحصار الأميركي، الذي قالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إنه يمتد عبر الخليج بالقرب من الحدود الإيرانية الباكستانية.

وقدّرت شيلي إجمالي شحنات غاز البترول المسال التي رصدتها المنظمة بنحو 4.1 مليون برميل، مشيرة إلى أن هذه التحركات تبدو مدفوعة بانتهاز فرص محدودة لتصدير المنتجات، أكثر من كونها دليلاً على تحول استراتيجي واسع نحو استخدام سفن أصغر للالتفاف على القيود.

ووفقاً لتحليل المنظمة، اتجهت معظم الشحنات إلى ميناء في ماليزيا، حيث يُرجح إجراء عمليات إضافية لنقلها بين السفن، قبل وصولها إلى وجهات محتملة في الصين.

الجيش الأميركي: الحصار محكم

في المقابل، تؤكد القيادة المركزية الأميركية أن الحصار البحري لا يزال محكماً، وأن مرور بعض السفن لا يعني بالضرورة نجاحها في الإفلات من القيود.

وقال مسؤول عسكري أميركي لـ«رويترز» إن القوات الأميركية تقيّم حركة كل سفينة على حدة، من خلال إجراءات تشمل مراجعة الوثائق، مشيراً إلى أن بعض السفن قد يُسمح لها بالمرور لأسباب إنسانية.

وأوضح المسؤول أن إدراج سفينة على قوائم العقوبات الأميركية ليس العامل الوحيد الذي يحدد خضوعها للحصار، لافتاً إلى أن القوات تراقب بعض السفن عن كثب من دون اتخاذ إجراءات مباشرة ضدها لأسباب عملياتية.

وفي تحديث صدر في 13 أكتوبر (تشرين الأول)، قالت القيادة المركزية الأميركية إن قواتها عطّلت 4 سفن تجارية وأعادت 135 سفينة أخرى خلال الحصار الأخير، الذي استمر ثلاثة أشهر وفق البيان. وكانت القيادة قد ذكرت في تصريحات سابقة أنها أعادت سفناً قادمة من آسيا وصادرت بعض الناقلات.

تشكيك أميركي في البيانات

وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)

وشكك متحدث باسم وزارة الخزانة الأميركية في دقة بيانات الشحن التي تشير إلى نجاح سفن في تجاوز الحصار، قائلاً إن بعض السفن قد تتلاعب بمواقعها أو تستخدم هويات مزيفة أثناء عمليات التحميل، داعياً إلى التعامل مع هذه البيانات بحذر.

وأضاف أن ما وصفه بـ«الإقصاء الاقتصادي»، إلى جانب الحصار البحري، يفاقم الضغوط على إيران ويحدّ من قدرتها على تحقيق الإيرادات.

وفرضت الولايات المتحدة الحصار للمرة الأولى في 13 أبريل (نيسان)، قبل أن ترفعه في يونيو (حزيران) عقب التوصل إلى مسودة تفاهم مع إيران، ثم تعيد فرضه في 14 يوليو بعد انهيار الاتفاق، وفق المعلومات الواردة في التقرير.

وترافق الحصار مع حملة عقوبات مالية وتجارية تستهدف تقليص الإيرادات الإيرانية وقطع ما تبقى لطهران من روابط مالية خارجية. وفي هذا السياق، فرضت واشنطن الأسبوع الماضي عقوبات جديدة على 17 سفينة قالت إنها شاركت في نقل النفط الخام والبتروكيماويات والمنتجات البترولية الإيرانية.

ضغوط تدفع طهران للمجازفة

وتأتي محاولات تصدير المنتجات النفطية في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً اقتصادية متزايدة، وسط تراجع قدرتها على بيع النفط الخام وتزايد القيود المفروضة على تعاملاتها التجارية والمالية.

وقال توربيورن سولتفيدت، المحلل الكبير لشؤون الشرق الأوسط لدى شركة «فيريسك مابلكروفت» المتخصصة في معلومات المخاطر، إن تدهور الأوضاع الاقتصادية قد يدفع إيران إلى تحمل مخاطر أكبر في محاولة تمرير شحنات محدودة، رغم عدم وجود مؤشرات على احتمال تخفيف الحصار.

وأشار إلى أن وقود الطائرات قد يمثل خياراً مناسباً لإيران في هذه الظروف، نظراً إلى الضغوط المتزايدة التي يتعرض لها قطاع الطيران الإيراني بسبب العقوبات الأميركية، وما قد ينجم عنها من توقف عدد متزايد من الطائرات، الأمر الذي قد يترك فائضاً من وقود الطائرات في المصافي المحلية.

وفي مؤشر على حجم الضغوط التي تواجهها صادرات الطاقة الإيرانية، قالت شركة «كبلر» المتخصصة في تحليل بيانات الشحن والطاقة إن صادرات النفط الخام الإيراني انخفضت إلى الصفر في سبتمبر، في أول شهر لا تُسجل فيه أي شحنة منذ أن بدأت الشركة تتبع أنشطة إيران عام 2013.

من جانبه، قال وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، إن الحصار منع معظم مشتريات الصين من النفط الإيراني، وجعل إيران غير قادرة على توريد النفط الخام إلى عملائها.

وتشير هذه المعطيات إلى أن الحصار الأميركي يفرض قيوداً واسعة على صادرات الطاقة الإيرانية، وإن كانت الشحنات المحدودة من غاز البترول المسال ووقود الطائرات توضح أن طهران لا تزال تحاول استغلال الثغرات المتاحة في حركة الشحن البحري. لكن استمرار هذه العمليات لا يعني بالضرورة نشوء مسار بديل قادر على تعويض خسائر صادرات النفط الخام، خصوصاً في ظل تشديد العقوبات ومراقبة الناقلات وعمليات النقل بين السفن.