2023 عام الأرقام القياسية في الكوارث الطبيعية... والضحايا

حرائق وأعاصير وفيضانات وزلازل على مساحة الكرة الأرضية

TT

2023 عام الأرقام القياسية في الكوارث الطبيعية... والضحايا

طفل يتأمل الخراب الذي لحق بمنزل أسرته بعد كارثة إعصار «دانيال» في درنة  (أ.ف.ب)
طفل يتأمل الخراب الذي لحق بمنزل أسرته بعد كارثة إعصار «دانيال» في درنة (أ.ف.ب)

تعرض مجمل سكان الأرض خلال العام الجاري إلى جو حار ضاعف من فرص حصوله الاحتباس الحراري، وفق ما أكثد أكده بحث جديد. ويأتي هذا الخبر وسط موجة من الأحداث المناخية القاسية طالت مناطق كثيرة في جميع أنحاء العالم، بدءاً بالفيضانات المدمّرة في الهند واليابان وليبيا، مروراً بحرائق الغابات الواسعة في أوروبا والولايات المتحدة وكندا، وانتهاءً بالعواصف المدارية غير المسبوقة في شرق أفريقيا ونيوزيلندا والبرازيل.

رغم أن صيف 2023 كان تاريخياً، حيث تعاقبت خلاله ثلاثة أشهر هي الأكثر سخونة في التاريخ المسجّل، إلا أن فإن أحداثه لم تخرج بعيداً عن دائرة التوقعات.

فمنذ أمد طويل، أطلق علماء المناخ تحذيراتهم من فصول صيف قاسية تشهد موجات حرّ قاتلة وعواصف مفاجئة ومحيطات شديدة الحرارة.إن تحطيم هذا الصيف للعديد من الأرقام القياسية هو نتيجة واضحة لارتفاع حرارة النظام المناخي.

أما النتيجة الأخرى فهي الطقس المتطرّف الذي أصاب مناطق كثيرة بالجفاف والفيضانات وحرائق الغابات. وفي أكثر من مكان، كما في الهند واليونان وأغلب بلدان شرق المتوسط، تَبِع ارتفاع درجات الحرارة حصول هطولات مطرية غزيرة أو ومضية.

فمع كل درجة مئوية ترتفع فيها حرارة الغلاف الجوي للأرض تزداد كمية بخار الماء في الجو بنحو 1 إلى 7 في المائة.

أرشيفية لجليد يذوب في المحيط المتجمد الشمالي (رويترز)

شهِد النصف الأول من سنة 2023 مجموعة كبيرة من الكوارث المناخية، التي طالت بلداناً كثيرة في نصفي الكرة الأرضية الشمالي والجنوبي. وفي أكثر من مكان، سجّلت درجات الحرارة والعواصف المطرية أرقاماً قياسية، ونتجت عنها حرائق واسعة وفيضانات عنيفة وذوبانا للجليد. وكأن الصيف يسدل الستار على تسابق في عدد الضحايا بين كارثة الزلزال في المغرب والفيضانات في ليبيا، حيث يستمر العدُّ بالآلاف.

ولا يمكن أن تُعزى جميع أحداث هطول الأمطار الغزيرة إلى تغيُّر المناخ، إذ إن عوامل أخرى، كالتقلُّبات الطبيعية والتغيُّرات في استخدام الأراضي، قد تلعب دوراً كبيراً. لكن تقرير التقييم السادس الصادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ يخلص إلى أن زيادة تواتر وشدّة هطول الأمطار الغزيرة في معظم مناطق اليابسة ترتبط بالنشاط البشري المسبب لتغيُّر المناخ. ويتوقّع التقرير أن يصبح هطول الأمطار الغزيرة أكثر تواتراً وشدّة مع زيادة الاحترار.

الزلزال تسبب في انهيار جزء من جبل على قرية إيمي نتالا في المغرب (رويترز)

ففي المغرب أودى الزلزال، الذي بلغت قوته سبع درجات وضرب منطقة جبال الأطلس الكبير، بحياة ما يقرب من ثلاثة آلاف وأوقع أكثر من 5500 مصاب، وفقا لأحدث الأرقام الرسمية. وأطاح الزلزال، الأقوى من حيث عدد القتلى في المغرب منذ عام 1960، بالبنية التحتية للقرى النائية في المنطقة الجبلية الوعرة، ودمر المنازل وتسبب في انقطاع الكهرباء، تاركاً سكان هذه القرى في معاناة مع اقتراب الأجواء الباردة في الأشهر القليلة القادمة، وتسبب في انهيار جزئي أو كلي لنحو 50 ألف منزل. وكان فبراير (شباط) الماضي شهد زلزالاً من أسوأ الزلازل ضرب تركيا وسوريا وخلف أكثر من 50 ألف ضحية ودماراً واسعاً وأكثر من 25 مليون متضرر.

أما في ليبيا، فكانت كارثة مماثلة إذ وصلت العاصفة «دانيال» بعد ظهر الأحد إلى الساحل الشرقي لليبيا وضربت مدينة بنغازي قبل أن تتجه شرقا نحو مدن في الجبل الأخضر (شمال شرق)، مثل شحات (قورينا) والمرج والبيضاء وسوسة (أبولونيا) ودرنة وهي المدينة الأكثر تضررا. وليل الأحد الاثنين، انهار السدان الرئيسيان على نهر وادي درنة الصغير ما تسبب في انزلاقات طينية ضخمة دمّرت جسورا وجرفت العديد من المباني مع سكانها.

وأعلن مسؤولون من السلطات في شرق البلاد تقديرات مختلفة لعدد الضحايا الذين تجاوز عددهم 3800 شخص قضوا في الفيضانات إضافة إلى آلاف المفقودين. ويرجح أن الحصيلة إلى ارتفاع.

وأفاد مسؤول في الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر عن حصيلة قتلى «ضخمة» قد تصل إلى آلاف الأشخاص، بالإضافة إلى 10 آلاف شخص في عداد المفقودين. وتشرّد 30 ألف شخص على الأقل، بالإضافة إلى ثلاثة آلاف شخص في البيضاء وأكثر من ألفين في بنغازي، وهي مدن تقع إلى الغرب، وفقا للمنظمة الدولية للهجرة. وتضرر 884 ألف شخص بشكل مباشر من الكارثة، بحسب المنظمة.

وفي سبتمبر (أيلول)، شهِدت بلدان شمال أفريقيا هطولات مطرية مبكرة، كان أخطرها في ليبيا، حيث يُخشى وفاة ما يصل إلى عشرين ألف شخص نتيجة الفيضانات والسيول التي خلّفها إعصار «دانيال» في شرق البلاد. وكانت العاصفة المتوسطية العنيفة التي طالت مدناً ساحلية عدّة أدّت إلى انهيار سدود وجرف أحياء بأكملها، لا سيما في مدينة درنة التي أُعلنت منطقةً منكوبةً.

فيضانات واسعة في القارة الآسيوية

في 7 أغسطس (آب)، شهِدت العاصمة الصينية هطولات مطرية غزيرة قاربت 745 ملم، وهي الأعلى في يوم واحد منذ بدء رصد أحوال الطقس في 1883. ونتج عن هذه الهطولات فيضانات تسببت في مقتل 33 شخصاً و18 مفقوداً، وانهيار وتضرر أكثر من 200 ألف منزل. وفي الأسبوع التالي، وصلت الحرارة في مقاطعة شينجيانغ إلى 52.2 درجة مئوية، وهو رقم قياسي جديد في الصين.

مياه أمطار تغمر شارعاً في هونغ كونغ (رويترز)

وخلال النصف الأول من 2023، شهِدت القارة الآسيوية مجموعة من الأحوال المناخية التي أودت بحياة الكثيرين، أبرزها موجة البرد التي أصابت أفغانستان في 10 يناير (كانون الثاني) حيث وصلت الحرارة إلى 33 درجة تحت الصفر وأودت بحياة أكثر من 160 شخصاً، وكذلك إعصار موكا الذي اجتاح ميانمار في مايو (أيار) وتسبب في وفاة نحو 500 شخص وأضرار تقارب 1.5 مليار دولار.

كما أسفر إعصار «بيبارجوي» عن مقتل أكثر من 12 شخصاً في الهند خلال شهر يونيو (حزيران). وفي الشهر ذاته، عانت البلاد من موجة حرّ شديدة أدّت إلى انقطاع التيار الكهربائي عدة مرات ووفاة ما يقرب من 170 شخصاً. ومنذ يوليو (تموز)، تستمر الفيضانات غير المسبوقة في الهند في حصد الأرواح، حيث تسببت حتى الآن في وفاة أكثر من 100 شخص.

أعاصير مدمّرة في نصف الكرة الجنوبي

لم يكن النصف الشمالي من الكرة الأرضية هو الوحيد الذي عانى من ارتفاع الحرارة. ففي أغسطس، شهِدت البرازيل ارتفاعاً قياسياً في الحرارة بلغ 41.8 درجة مئوية في مدينة كويابا في منتصف الشتاء. وطالت موجة الحرّ جزءاً كبيراً من البلاد، مما دفع الآلاف من سكان ريو إلى الشواطئ.

وفي جنوب البلاد، شهِدت ولاية ريو غراندي في 6 سبتمبر أسوأ كوارثها المناخية، حيث تسبب إعصار في أمطار ورياح غزيرة أودت بحياة 27 شخصاً على الأقل. وكان ما لا يقل عن 40 شخصاً فقدوا حياتهم نتيجة فيضانات وانهيارات أرضية في ولاية ساو باولو خلال فبراير (شباط) الماضي. كما أدّت حرائق الغابات في جنوب وسط تشيلي خلال الشهر ذاته إلى مقتل 24 شخصاً وإصابة نحو ألفي شخص، وإحراق أكثر من 800 ألف فدان من الأراضي.

وخلال الفترة بين 4 فبراير و15 مارس (آذار)، اجتاح الإعصار فريدي جنوب المحيط الهندي بفاعلية هي الأعلى واستمرارية هي الأطول لإعصار مداري. وأحدث فيضانات وأضراراً مادية وبشرية كبيرة في شرق أفريقيا، بحيث صُنِّف كثالث أخطر إعصار مداري في نصف الكرة الأرضية الجنوبي، وتسبب في وفاة ما لا يقل عن 1434 شخصاً، معظمهم في مالاوي وبنسبة أقل في موزمبيق ومدغشقر وزيمبابوي وموريشيوس.

وفي فبراير أيضاً، تسبب الإعصار المداري «غابرييل» في تدمير أجزاء من جزيرة نورث آيلاند في نيوزيلاندا، وقُدّرت أضرار هذا الإعصار بنحو 8.4 مليار دولار على الأقل، مما يجعله الإعصار الأعلى كلفة في نصف الكرة الجنوبي.

موجات الحرّ

وشهِدت بلدان الشرق الأوسط خلال صيف 2023 موجات حرّ شديدة وصلت إلى مستويات قياسية في بعض الدول، كما تسببت في اندلاع حرائق غابات واسعة النطاق في لبنان وسوريا والمغرب. وفي الجزائر وتونس، سجّلت درجات الحرارة 48.7 درجة مئوية و49 درجة مئوية على التوالي في 23 يوليو. وخلافاً لما حصل على الضفة الأخرى من المتوسط، ما زالت حرائق الغابات في الجزائر حتى هذا الوقت من السنة أقلَّ حِدةً، وغطّت مساحات أصغر، مقارنة بالسنوات الماضية. وحصل هذا رغم موجات الحرّ التي ضربت المناطق الساحلية، حيث يوجد الغطاء الغابي بكثافة، متجاوزةً في بعض المناطق 49 درجة مئوية، مع رياح جافة بلغت سرعتها 65 كيلومترا في الساعة.

وبلغت المساحة المتضررة حتى بداية سبتمبر نحو 33 ألف هكتار، مع خسائر بشرية وصلت إلى 34 ضحية، بينهم جنود من الجيش الشعبي الوطني يشاركون إلى جانب عناصر الحماية المدنية في عملية الإطفاء وإجلاء السكان، الذين تجاوز عددهم هذه السنة 1500 شخص. ومنذ 2021، فاقت الاعتمادات المالية لتعويض أضرار الحرائق 23.51 مليار دينار (نحو 172 مليون دولار) حسب وزير المالية لعزيز فايد. وفي المغرب، بلغت الحرارة 50.4 درجة مئوية في 11 أغسطس، وهو رقم قياسي جديد. كما شهِدت البلاد حرائق طالت غابات وواحات بمساحة 5400 هكتار.

وشهِد المغرب خلال الشهرين الأوّلين من هذا الصيف ما بين 5 و6 حرائق يومياً، حيث تغطي الغابات 12 في المائة من مساحة البلاد، بينما شهِدت سنة 2022 نحو 500 حريق، حوَّلت أكثر من 22 ألف هكتار إلى رماد. وفي اليمن، تسببت الفيضانات في نزوح 200 ألف شخص ووفاة العشرات.

حرائق أميركا وكندا

تسببت الحرائق النشطة في كندا منذ أبريل (نيسان) في ارتفاع معدلات التلوُّث الجوّي إلى أعلى مستوياتها، وأظلمت السماء فوق مونتريال ونيويورك في بداية يونيو. وفي منتصف أغسطس، كان نحو 5738 حريقاً قد أتى على 13.7 مليون هكتار منذ بداية السنة، وهي منطقة تقارب مساحة اليونان. وفي أرخبيل هاواي، تسببت حرائق 10 أغسطس في وفاة 110 أشخاص، وكادت تمحو بلدة لاهاينا التي يبلغ عدد سكانها 13 ألف نسمة في جزيرة ماوي. وكانت الظروف المناخية هي المسؤولة عن هذه الكارثة، حيث أدّى الجفاف إلى اندلاع النيران التي نشرتها رياح الإعصار «دورا».

وكانت مدينة فينيكس، عاصمة ولاية أريزونا، شهِدت موجة حرّ قياسية استمرت طيلة شهر يوليو وتجاوزت فيها الحرارة 43.3 درجة مئوية. وتسببت هذه المحنة غير المسبوقة في دخول العديد من الأشخاص إلى المستشفيات. وخلال الفترة من مطلع 2023 إلى يوليو، رصدت الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي 15 حدثاً مناخياً كارثياً في البلاد تسببت في وقوع 113 وفاة، وقاربت خسائرها 40 مليار دولار.

حرائق غير مسبوقة في القارة الأوروبية

تسببت موجة الحرّ الاستثنائية التي سيطرت على اليونان في الأسبوعين الأخيرين من يوليو إلى مضاعفة أعداد حرائق الغابات، وتسجيل البلاد أكبر عملية إجلاء بسبب المناخ شملت 30 ألف شخص في جزيرة رودس وفي جزيرتي إيفيا وكورفو. واعتبرت المفوضية الأوروبية أن حرائق الغابات في شمال شرقي اليونان أكبر ما تم تسجيله على الإطلاق في الاتحاد الأوروبي. وما أن خمدت الحرائق، حتى اجتاحت الفيضانات مناطق واسعة في وسط وجنوب أوروبا خلال شهر أغسطس. وعمل التيّار النفّاث في طبقات الجو العليا على تثبيت نظامين عاصفين في مكانهما، مما أدّى إلى هطول أمطار مستمرة فوق إسبانيا والبرتغال وسلوفينيا واليونان وتركيا. وفي الوقت ذاته، فرض ضغطاً مرتفعاً على فرنسا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ والمملكة المتحدة، مما تسبب في موجة حارّة في أواخر الصيف.

أرقام قياسية في المحيطات والقطب الجنوبي

سجّلت المحيطات في يوم 4 أغسطس درجة حرارة سطحية قاربت 21 درجة مئوية، وهو رقم قياسي عالمي يتم رصده لأول مرة. وكانت خدمة كوبرنيكوس لمراقبة المناخ التابعة للاتحاد الأوروبي أعلنت في يونيو أن شمال المحيط الأطلسي كان دافئاً على نحو غير عادي. وفي سواحل فلوريدا، وصلت حرارة المياه إلى 38 درجة مئوية. كما سجّلت الحرارة السطحية في البحر المتوسط رقماً قياسياً بوصولها إلى 28.7 درجة مئوية في يوليو. وفي مايو، أدّت حرائق الغابات في جبال الأورال الروسية وسيبيريا إلى مقتل 21 شخصاً على الأقل، والتهمت 280 ألف فدان من الأراضي، ودمّرت مئات المنازل. ونتجت الحرائق عن موجة الحرّ التي يُرجّح ارتباطها بتغيُّر المناخ. وتُعزى درجة الدمار إلى نقص الموارد والعزلة التامة في مواقع هذه الحرائق.

وطيلة يوليو 2023، بلغ متوسط مساحة الجليد البحري في القطب الجنوبي 13.5 مليون كيلومتر مربع، وهي أدنى مساحة تم رصدها في هذا الوقت من السنة منذ بدء التسجيل المستمر عبر الأقمار الاصطناعية في أواخر عام 1978. وقد وصف أحد خبراء وكالة «ناسا» الأميركية هذه المغطيات بأن «ما نشهده هذا العام هو منطقة مجهولة في سِجل الأقمار الاصطناعية».

أحداث مناخية مترابطة

وتبدو الأحداث المناخية مترابطة إلى حدٍ بعيد. فتأثير البحار الساخنة مثلاً لا يقتصر فقط على دوران التيارات في المحيطات والنظم البيئية البحرية ومصايد الأسماك العالمية، بل يمتد ليلقي بثقله على اليابسة أيضاً. ويشير باحثو المناخ إلى أن شمال الأطلسي الدافئ بشكل غير طبيعي يشكّل موضع اهتمام خاص، وذلك بسبب دوره الكبير في تأجيج العواصف والأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة والجفاف في غرب أفريقيا.

محاكاة حاسوبية

ويستخدم العلماء عمليات المحاكاة الحاسوبية لتقييم زيادة احتمالية الأحداث المناخية المتطرّفة بسبب الاحتباس الحراري الناجم عن النشاط البشري. ومن الاستنتاجات الدقيقة التي وفّرتها هذه العمليات أن الموجات الشديدة من الحرّ التي ضربت جنوب أوروبا وجنوب الولايات المتحدة والمكسيك في يونيو 2023 كانت «مستحيلة تقريباً» لولا تغيُّر المناخ الناتج عن النشاط البشري. وقد يكون من الصعب ربط تغيُّر المناخ بحالات جفاف فردية معيّنة، إذ إن توفُّر المياه لا يتوقف فقط على درجات الحرارة وهطول الأمطار. ولكن موجات الحرّ الأطول والأكثر شدّة يمكن أن تفاقم حالات الجفاف عن طريق تجفيف التربة، كما يؤدي الطلب المتزايد على المياه في الطقس الحار إلى زيادة الضغط على الإمدادات.

وفي أجزاء من شرق أفريقيا، ساهمت قلّة الهطولات المطرية خلال الفترة بين 2020 و2022 في معاناة المنطقة من أسوأ موجة جفاف في 40 عاماً. ويزيد تغيُّر المناخ فرص انتشار حرائق الغابات، إلى جانب عوامل مختلفة مثل التغييرات في استخدام الأراضي، حيث تعمل الحرارة الشديدة والطويلة الأمد على سحب المزيد من رطوبة الأرض والنباتات.

وتوفّر ظروف الجفاف الشديدة وقوداً للحرائق التي قد تنتشر بسرعة كبيرة، خاصةً إذا كانت الرياح قوية. ويخلص باحثون من جامعة كاليفورنيا في دراسة نشرتها دورية «علوم الأرض والغلاف الجوي والكواكب» إلى أن مساحات الغابات المحترقة في كاليفورنيا زادت بمقدار خمسة أضعاف خلال الفترة من 1996 إلى 2021 مقارنةً بالفترة بين 1971 إلى 1995، وأن الزيادة الملحوظة في المناطق المحترقة خلال نصف القرن الماضي ترجع إلى تغيُّر المناخ الذي يسببه الإنسان، ومن غير المرجح أن تكون ناجمة عن التقلّبات الطبيعية وحدها. ومن المتوقع أن تصبح حرائق الغابات أكثر تواتراً وشدةً في المستقبل على مستوى العالم، بسبب التأثيرات المشتركة لاستخدام الأراضي وتغيُّر المناخ، وفقاً لتقرير حديث صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة.

ويشير التقرير إلى أن عدد الحرائق الأكثر خطورة قد يرتفع بنسبة تصل إلى 50 في المائة بحلول 2100. التخفيف من تأثيرات الكوارث المناخية لا تزال المعلومات عن حجم الأضرار والوفيات التي نتجت عن أحوال الطقس هذه السنة محدودة حتى الآن، وإن كانت قلّتها مقلقة. ولا بد من ملاحظة أن المعطيات في هذا الشأن متحفظة بشكل كبير، حيث تعمد بعض الحكومات، في البلدان النامية والمتقدمة على حدٍ سواء، إلى تقليل تقديرها للتأثيرات الصحية والاقتصادية المترتبة على تغيُّر المناخ لأسباب مختلفة، من بينها غياب الشفافية وعدم تصميم أنظمة الرصد الصحي لعالم متغيّر المناخ.

ففي مجال الحرائق، تساعد النمذجة ورصد مؤشرات الحرارة والرطوبة والرياح في توقُّع مخاطر اندلاع الحرائق وانتشارها. وعلى سبيل المثال، يحدد مكتب الأرصاد الجوية في بريطانيا التهديد اليومي في مؤشر لشدّة الحرائق، يصنِّف الخطورة على مقياس من واحد إلى خمسة. وقد ثبتت فاعلية هذا المؤشر في 19 يوليو الماضي عندما ارتفع مستوى التهديد إلى الشدّة الخامسة مع احتمال حدوث «مخاطر حرائق استثنائية» في معظم أنحاء بريطانيا.

 

وف

ي سوريا، نجحت منصة الغابات ومراقبة الحرائق في التنبؤ بنحو 93 في المائة من الحرائق التي اندلعت خلال الفترة بين انطلاقها في عام 2022 ومنتصف السنة الحالية، وكانت شدّة الحرائق ومواقعها متوافقة بنسبة 87 في المائة مع مواقع وشدّة الحرائق المندلعة.

وتعتمد المنصة مجموعة من المحددات لإعلان بداية موسم حرائق الغابات في البلاد، من بينها بدء تسجيل درجات حرارة ربيعية مرتفعة تترافق مع انخفاض مستويات الرطوبة الجوية النسبية. ويساهم تثقيف المجتمع حول الأسباب الرئيسية لحرائق الغابات في اتخاذ الخطوات المناسبة لمنع اندلاع الحرائق، لا سيما أن معظم حرائق الغابات يتسبب فيها البشر عن قصد أو غير قصد. ويمكن للأفراد تقليل مخاطر انتشار الحرائق بمبادرات بسيطة، مثل إبقاء مصادر النار الشائعة كالسجائر والشواء والألعاب النارية بعيدةً عن المناطق الخطرة، مثل الأراضي العشبية الجافة التي تعصف بها الرياح.

وتساعد الخبرات التقليدية والنهج القائم على الطبيعة في تقديم حلول مجدية من ناحية الكلفة لمواجهة مخاطر تغيُّر المناخ. ففي أستراليا، كان السكان الأصليون يحمون مناطقهم بإشعال حرائق صغيرة ومتكررة تخلق فسيفساء موائل متنوّعة بيولوجية وتخفض مخاطر الحرائق. وتعمل السلطات الأسترالية حالياً على الاستفادة من هذه المعارف لإعادة بناء أنظمة الحرائق المسيطر عليها وبيئات المناظر الطبيعية.

وفي إسبانيا والبرتغال، وهما من الدول الأكثر تضرراً بحرائق الغابات، يُسمح للماعز بالتجوُّل بحرية لأكل العشب الجاف والشجيرات التي تغذي الحرائق، وذلك في إطار برنامج للحدّ من حرائق الغابات يموّله الاتحاد الأوروبي. وقد أتاحت هذه الممارسة تخفيض أعداد الحرائق في البرتغال إلى النصف بين عامي 2017 و2018. وفي مواجهة الفيضانات وتقليل مخاطر الجفاف، يجري تأهيل المدن لتصبح «إسفنجية» تمتص فائض الهطولات المطرية لتستفيد منها في أشدّ أوقات الحاجة لها. ومن أجل ذلك، يجري إحياء المجاري المائية القديمة داخل المدن وإعادة تشكيل الأراضي الرطبة التي دمّرها التوسّع الحضري السريع. وتستطيع المدن الإسفنجية في مرحلة متقدمة الاستفادة من شبكتها المائية في معالجة المنصرفات وتخليصها بيولوجياً من الملوّثات التي تحملها.

وفيما تضع العديد من الدول خططاً لنقل مدنها بعيداً عن السواحل لتفادي الفيضانات الناتجة عن العواصف وارتفاع منسوب مياه البحر، يُتيح بناء الحواجز الطبيعية كالشعاب المرجانية وغابات المانغروف زيادة فرص هذه المدن في النجاة من الكوارث المناخية، وتوفير الظروف المناسبة لزيادة التنوُّع البيولوجي وتعزيز عوائد الصيد والسياحة.

تحت وطأة تغيُّر المناخ وظاهرة «النينيو»، تجاوزت الحرارة في هذا الصيف عتبة 1.5 درجة مئوية فوق متوسط ما قبل الثورة الصناعية، فكانت هذه الفترة بمثابة لمحة عما سيصادفه البشر في حال استمرار احترار الكوكب. وفيما لم ينج أحد تقريباً على وجه الأرض من تأثير ظاهرة الاحتباس الحراري خلال الأشهر الثلاثة الماضية، لا يزال الأمل معقوداً على الجهد الدولي المشترك لاتخاذ خطوات سريعة ومؤثرة من أجل ضمان مستقبل الأجيال القادمة.

ما الذي يعزز الكوارث المناخية؟

اهتمت المجلات الصادرة في مطلع سبتمبر (أيلول) بأحوال الطقس القاسية التي طالت العالم، وربطتها بتغيُّر المناخ. مجلة «ساينس» خصصت سلسلة مقالات لحرائق الغابات، لا سيما في هاواي حيث يساهم تغيير النظم البيئية في زيادة مخاطرها. وسلّطت مجلة «بيجينغ ريفيو» الضوء على ضعف التخطيط الحضري في الصين، والذي فاقم ضرر الفيضانات الأخيرة في العاصمة. فيما دعت مجلة «نيو ساينتست» إلى تجنب المبالغة في اعتبار أحوال الطقس القاسية في السنة الحالية نهاية العالم.

تغيير النظم البيئية في هاواي يضاعف مخاطر الحرائق

في سلسلة من المقالات، تناولت مجلة «ساينس» (Science) ظاهرة الحرائق الواسعة التي اجتاحت مدينة لاهاينا التاريخية والغابات الجافة على جزيرة ماوي في ولاية هاواي الأميركية.

واعتبر مقال افتتاحي أن الحريق الذي التهم لاهاينا هو تذكير محزن وصارخ بالضغوط البيئية التي تتعرض لها جزر هاواي بسبب الإفراط في التنمية والسياحة. ومع خروج ماوي من تحت الرماد، ترى المجلة وجود فرصة لتحسين إدارة الموائل عبر عمليات مستدامة وعادلة تحافظ على الجمال الطبيعي لهاواي، وتضمن اقتصاداً أخضر أقل تدميراً، يركّز على السياحة البيئية وعدم تهميش السكان الأصليين. وكانت حرائق ماوي في صيف هذه السنة أدّت إلى وفاة أكثر من 100 شخص، وخسائر اقتصادية تقدر بمليارات الدولارات. وألحقت الحرائق أضراراً بالغة بالبنية التحتية والمرافق السياحية في لاهاينا، مما أدى إلى فقدان الكثير من الوظائف والإيرادات.

ويرى باحثون في اجتماع عدة عوامل الوصفة المثالية التي أدّت إلى حصول الكارثة، من بينها حالة الجفاف التي تعاني منها ماوي منذ عدة سنوات، والرياح العاصفة التي هبّت على الجزيرة وعزّزها إعصار «دورا» الذي اجتاح جنوب غربي أرخبيل هاواي. كما يربط باحثون بين تغيير النظم البيئية وزيادة مخاطر حرائق الغابات في ماوي، لا سيما تحت وطأة الجفاف الناتج عن تغيُّر المناخ. ويشير دان روبينوف، عالِم الأحياء في جامعة هاواي، إلى دور الاستعمار الأوروبي لهاواي منذ قرنين في تسريع وتيرة إدخال الأنواع الغازية التي لم تتراجع أعدادها منذ ذلك الحين. وتشمل هذه الأنواع أعشاباً قادرة على التكيُّف مع الحرائق، فهي تنمو بسرعة، وتلعب دور الوقود في انتشار النار، وتعاوِد النمو سريعاً في أعقاب حرائق الغابات، مما يجعلها مزاحمةً للأنواع المحلية.

ويقول باحثون إن أحد الأسباب التي تزيد من انتشار هذه الأعشاب الأجنبية في ماوي هو استهلاك النباتات المحلية بشراهة من الماعز الوحشي والحيوانات البرية الأخرى. وتُشكّل الأنواع الغازية عائقاً أمام إعادة إنشاء الغابات المحلّية التي يعتقد العلماء أنها ضرورية لصحة البيئة وقدرتها على مقاومة الحرائق في ماوي.

فيضانات الصين تكشف ضعف التخطيط الحضري

حذّرت مجلة «بيجينغ ريفيو» (Beijing Review) من أن الصين تواجه «عصراً جديداً من التغيُّر المناخي»، حيث أصبحت الأحداث المناخية الكارثية أكثر تواتراً وشدّة. وأشار مقالها الافتتاحي إلى أن الفيضانات الأخيرة التي غمرت بكين ومدنا أخرى في شمال الصين، والتي تسببت في أضرار واسعة النطاق ووفاة العشرات، هي مِثال على هذا الاتجاه. ورغم الجهود التي تبذلها الصين لتعزيز بناء القدرات في مجال مراقبة الكوارث والإنذار المبكر والاستجابة لحالات الطوارئ، دعت المجلة إلى المضي قدماً في تعزيز القدرات على الاستجابة للصدمات المناخية. واقترحت، على سبيل المثال، بناء «مدن إسفنجية» مصممة لامتصاص مياه الأمطار والتعامل على نحو أفضل مع إدارة الفيضانات.

وخلصت المجلة إلى ضرورة أن تكون المجتمعات البشرية مستعدة لمواجهة الظواهر الجوية القاسية، علماً بأن التكيُّف لا يمكن تحقيقه بواسطة دولة واحدة أو عدة بلدان بل يتطلب جهداً دولياً مشتركاً. وإذا فشلت الجهود في التعامل كجبهة واحدة مع تغيُّر المناخ والتكيُّف معه، فقد تتسبب الطبيعة في مزيد من الكوارث.

وفي مقال منفصل، نقلت المجلة عن رئيس المركز الوطني الصيني للمناخ، تشاو تشينغ تشن، قوله إن هطولات الأمطار الغزيرة للغاية أصبحت أكثر تواتراً منذ بداية القرن. ورغم أن الكمية الإجمالية للهطولات المطرية في الصين لم تتغيّر بشكل ملحوظ، فإن حالات الهطول الغزيرة ارتفعت في مقابل تناقص حالات الهطول الخفيفة. ويشير تشاو إلى أن شمال الصين هو جاف تاريخياً حيث لا تستطيع البنية التحتية التعامل مع هطولات الأمطار الغزيرة.

وفي السنوات الأخيرة، حدثت زيادة في ميل الأعاصير إلى التحرك شمالاً، وارتفعت بالتالي فرص هطول أمطار غزيرة في الشمال. ولم يواكب التوسع الحضري السريع عملية تجديد وبناء أنظمة صرف فعّالة في التعامل مع الهطولات الغزيرة. ويشير لي شياو جيانغ، الرئيس السابق للأكاديمية الصينية للتخطيط والتصميم الحضري، إلى أن العديد من المدن أهملت الاستثمار في الوقاية من الكوارث والحدّ منها لصالح الشوارع الواسعة والساحات الكبيرة والمباني الشاهقة.

وفي هذا السياق، قامت بعض المدن ببناء أحياء جديدة في المناطق المنخفضة، أو غيرها من المناطق المعرضة للكوارث الطبيعية، دون إيلاء اهتمام يذكر لمخاطر الكوارث في تخطيط التوسع.

أحوال الطقس الحالية ليست نهاية العالم

في عدد خصصته للأحوال الجوية المتطرِّفة، ناقشت «نيو ساينتست» (New Scientist) القلق المتزايد بين الناس حول قدرة العالم على مواجهة تغيُّر المناخ، وفيما إذا كان الكوكب قد تجاوز بالفعل نقطة اللاعودة. ويتوقع باحثون أن يكون عام 2024 أكثر دفئاً من السنة الحالية مع وصول ظاهرة «النينيو» إلى ذروتها، وهذا يعني أن مزيداً من الناس سيختبرون آثار تغيُّر المناخ بشكل مباشر، مما سيرفعه إلى أعلى قائمة اهتماماتهم. وتجاوزت سنة 2023 مسألة إدراك معظم الناس لحقيقة تغيُّر المناخ إلى تفكيك الحاجز النفسي حول تأثيره المباشر عليهم. ففي هذه السنة، عانى أغلب البشر حول العالم من حرائق الغابات المدمّرة، أو درجات الحرارة القياسية، أو الفيضانات العنيفة.

ويساعد تركيز انتباه الجمهور على هذه الظواهر الجوية القاسية في تحفيز المشاركة على نطاق واسع في مواجهة أزمة المناخ، وإقناع من هم في السلطة باتخاذ إجراءات صارمة لخفض الانبعاثات، ولكن هذا النهج ينطوي أيضاً على بعض المخاطر. فمع تقلُّص ظاهرة «النينيو» ستعود أنماط الطقس إلى ما يُشبه الوضع «الطبيعي»، وقد يؤدي ذلك إلى تراجع الاهتمام العام بالمسائل المناخية خلال منتصف عشرينات القرن الحالي، في الوقت الذي يؤكد فيه العِلم على ضرورة مضاعفة جهود خفض الانبعاثات في هذه الفترة بالذات. إن المبالغة في تفسير دور ظاهرة «النينيو» باعتبارها الوضع الطبيعي الجديد يقوّض سلامة علوم المناخ، ويمنح الذرائع لأولئك الذين يزعمون بعدم جدوى فعل شيء لمواجهة تغيُّر المناخ. والفكرة الخاطئة التي تعتبر أنه لا يوجد شيء يمكننا القيام به تمثّل تهديداً كبيراً يماثل إنكار تغيُّر المناخ.


مقالات ذات صلة

ماكرون يحذّر من صيف «شديد» فيما تستعر حرائق الغابات في أوروبا

أوروبا رجال إطفاء يعملون في موقع حريق غابات في أوريس شمال منطقة أراغون بإسبانيا 15 يوليو 2026 في هذه اللقطة المأخوذة من مقطع فيديو (رويترز)

ماكرون يحذّر من صيف «شديد» فيما تستعر حرائق الغابات في أوروبا

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس، إن بلاده تشهد أشد حرائق غابات ضراوة منذ الحرب العالمية الثانية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا ترش فرق الإطفاء نحو 9000 لتر من الماء على الأجزاء الرئيسية من مدرج المطار في النرويج (رويترز)

بالطائرات المسيرة والطلاء الأبيض... أوروبا تحاول حماية البنية التحتية من الحر

تلجأ الدول الأوروبية إلى مجموعة متنوعة من الحلول لمواجهة موجات الحرارة القياسية.

«الشرق الأوسط» (لندن )
الاقتصاد وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان مع وزير البيئة والتخطيط العمراني والتغير المناخي التركي ورئيس مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين «COP31» مراد قوروم (وزارة الطاقة)

السعودية وتركيا تعززان التنسيق المناخي قبيل مؤتمر «كوب 31»

بحث وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان مع وزير البيئة والتخطيط العمراني والتغير المناخي التركي مراد قوروم، التعاون المشترك في مجال العمل المناخي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا طائرة تتبع الحماية المدنية تلقي بمواد إطفاء الحرائق فوق كول ديه أوزين بجنوب فرنسا (أ.ف.ب)

أجهزة الإطفاء في جنوب أوروبا تكافح حرائق بدأ موسمها مبكراً

بدأ موسم الحرائق في جنوب أوروبا مبكراً، هذه السنة؛ إذ اندلع عدد منها في جنوب فرنسا وإسبانيا والبرتغال واليونان مترافقة مع موجة حر جديدة.

الولايات المتحدة​ أمواج مرتفعة قبالة سواحل جزيرة غوام قبل ساعات من وصول «إعصار شديد الخطورة» (أ.ف.ب)

إعصار «شديد الخطورة» يقترب من الجزر الأميركية في المحيط الهادئ

اجتاحت رياح عاتية وأمطار غزيرة غوام وجزر ماريانا الشمالية قبل ساعات من وصول «إعصار شديد الخطورة» بقوة تعادل قوة إعصار من الفئة الخامسة فوق هذه الجزر.

«الشرق الأوسط» (غوام)

استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين التنبؤات الجوية للظواهر الجوية المتطرفة

استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين التنبؤات الجوية للظواهر الجوية المتطرفة
TT

استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين التنبؤات الجوية للظواهر الجوية المتطرفة

استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين التنبؤات الجوية للظواهر الجوية المتطرفة

تقول آمي ماكغفرن: «أحب أن أقول للناس إنني كنت أعمل في مجال الذكاء الاصطناعي قبل أن يصبح رائجاً... فقد عرفت الحقيقة أنني أريد استخدام الذكاء الاصطناعي لإحداث تغيير في العالم الحقيقي، كما كتبت ساتشي كيتاجيما مولكي».

تحسين التنبؤات الجوية

وتضيف آمي ماكغفرن، الأستاذة في كلية الأرصاد الجوية وكلية علوم الحاسوب بجامعة أوكلاهوما: «في عام 2005، عندما انتقلتُ لأول مرة إلى أوكلاهوما وأصبحتُ أستاذة جامعية، بدأتُ دراسة كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين التنبؤات الجوية. وتحديداً، كان بحثي يسعى إلى تحسين التنبؤات المتعلقة بالظواهر الجوية المتطرفة، مثل الأعاصير، وموجات الحر، والعواصف الثلجية».

وتضيف أنها مشكلة معقدة للغاية تتجاوز مجرد معرفة ما إذا كنتَ بحاجة إلى معطف أو مظلة اليوم. إنها تتعلق بما إذا كان عليكَ إخلاء منزلكَ من إعصار قادم إلى شارعكَ خلال الدقائق الخمس القادمة أو الخمس عشرة دقيقة القادمة. إنها لحظات حاسمة لاتخاذ القرارات، مليئة بالشكوك.

مسألة مثالية للذكاء الاصطناعي

لكنها مسألة مثالية للذكاء الاصطناعي، نظراً لوفرة بيانات الطقس المتاحة، والبيانات هي ما يبرع فيه الذكاء الاصطناعي حقاً. فهو يكشف أنماطاً لا يستطيع البشر رؤيتها، ويجد روابط مفيدة بين نماذج الطقس المختلفة.

خلال العشرين عاماً الماضية تغيرت إمكانياتنا في استخدام الذكاء الاصطناعي والتنبؤات الجوية بشكل كبير. فاليوم، يُستخدم الذكاء الاصطناعي في التنبؤات التي تُجريها الهيئات الحكومية، وشركات القطاع الخاص، مثل مؤسسات الطقس، وتظهر النتائج على هواتف الجمهور.

تجربة علمية

في عام 2019 حصلتُ أنا وزملائي على منحة قدرها 20 مليون دولار من المؤسسة الوطنية للعلوم لإنشاء معهد للذكاء الاصطناعي مُخصص للتنبؤات الجوية (كنت مديرة له). وقد دعم هذا التمويل 24 عضواً من أعضاء هيئة التدريس، و35 باحثاً، و46 طالب دراسات عليا، و83 طالباً جامعياً. إنه نوع من العمل لا يُمكن إنجازه بمنح أصغر، وأكثر تقليدية.

أصبحنا قادرين على التنبؤ بموعد وصول موجة البرد إلى مياه المحيط قرب جنوب تكساس بوقت كافٍ لفرق إنقاذ الحيوانات لإنقاذ السلاحف البحرية. وقد حسّنّا نظام الإنذار المبكر بالبرد، ما أتاح للناس 60 دقيقة لحماية سياراتهم، ومعداتهم الزراعية، وطائراتهم، بدلاً من الإنذارات التي كانت تُصدر كل 15 دقيقة فقط. كما حسّنّا توقعات الأعاصير، بحيث أصبح بإمكان خبراء الأرصاد الجوية تقدير حدة الإعصار المداري بدقة كل خمس دقائق، بدلاً من مرة أو مرتين فقط في اليوم.

إيقاف الأبحاث بسبب «الهستيريا المناخية»

كان لدينا الكثير لنفعله. ولكن في الصيف الماضي اكتشفنا أن تمويلنا سينتهي بدلاً من تجديده كما كنا نتوقع. إذ أبلغ مكتب الإدارة والميزانية الأميركي الإذاعة الوطنية العامة (NPR) أن برنامجنا يُهدر أموال دافعي الضرائب بسبب «الهستيريا المناخية». صحيح أن الاسم الرسمي لمعهدنا، الذي اختارته المؤسسة الوطنية للعلوم، يتضمن كلمة «المناخ»، إلا أن تركيزنا كان على الظواهر الجوية المتطرفة. فالمناخ والطقس أمران مختلفان.

* خدمة «نيويورك تايمز»


موجة الحر متواصلة في أوروبا وسط تحذيرات من موجة جديدة مقبلة

أشخاص يقفون في «ساحة الأبطال» في العاصمة المجرية بودابست حيث يقوم مدفع مياه تابع للشرطة برشّ رذاذ منعش على المارة خلال موجة حر... 30 يونيو 2026 (أ.ب)
أشخاص يقفون في «ساحة الأبطال» في العاصمة المجرية بودابست حيث يقوم مدفع مياه تابع للشرطة برشّ رذاذ منعش على المارة خلال موجة حر... 30 يونيو 2026 (أ.ب)
TT

موجة الحر متواصلة في أوروبا وسط تحذيرات من موجة جديدة مقبلة

أشخاص يقفون في «ساحة الأبطال» في العاصمة المجرية بودابست حيث يقوم مدفع مياه تابع للشرطة برشّ رذاذ منعش على المارة خلال موجة حر... 30 يونيو 2026 (أ.ب)
أشخاص يقفون في «ساحة الأبطال» في العاصمة المجرية بودابست حيث يقوم مدفع مياه تابع للشرطة برشّ رذاذ منعش على المارة خلال موجة حر... 30 يونيو 2026 (أ.ب)

تواصل موجة الحرّ التأثير على عشرات الملايين في أوروبا، مع تسجيل درجات قياسية في عدد من الدول، فيما توقّع خبراء موجة حرّ جديدة في عدد من المناطق في الأيام المقبلة، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورغم أن موجة الحر الحالية بدأت تتراجع في أوروبا، يواجه أكثر من 95 مليون نسمة، خاصة في شرق القارة وجنوبها، درجات حرارة تتجاوز 35 درجة مئوية، وفقاً لبيانات أعدتها أو جمعتها «وكالة الصحافة الفرنسية».

في سلوفاكيا، بلغت الحرارة مستوى قياسياً إذ وصلت إلى 41.3 درجة، وفقاً لهيئة الأرصاد الجوية، بحسب إيفان غارتشار، المتحدث باسم المعهد السلوفاكي للأرصاد الجوية.

أشخاص يقفون في الظل خلال موجة حر أمام القلعة الملكية في المدينة القديمة في وارسو 27 يونيو 2026 (رويترز)

وفي كرواتيا، سجّلت مدينة سبليت، الثلاثاء، رقماً قياسياً أيضاً مع بلوغ الحرارة 39.5 درجة مئوية، بحسب ما أفادت هيئة الأرصاد الجوية الكرواتية «وكالة الصحافة الفرنسية»، متجاوزة الرقم القياسي السابق البالغ 38.6 درجة المسجل في يوليو (تموز) 1950.

ويقول خبراء إن موجة الحرّ الحالية هي الأشدّ على الإطلاق في أوروبا، وأنها ناجمة عن التغيّر المناخي.

وتلقي موجة الحر ظلالها على الجنوب الأوروبي أيضاً، حيث يواجه 19 مليون شخص في إيطاليا وأكثر من 15 مليون في جنوب غربي إسبانيا درجات مرتفعة.

أما في شرق القارة ووسطها، ولا سيما المجر، فيواجه معظم السكان حرارة تزيد عن 35 درجة.

وفيما بدا أن موجة الحر تنحسر، في بعض المناطق على الأقل، حذّر خبراء من موجة جديدة قد تسود في الأيام المقبلة.

أشخاص يسبحون في البحر الأسود في أوديسا بأوكرانيا في 30 يونيو 2026 وسط موجة حرّ تشهدها أوروبا والغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ف.ب)

مستوى قياسي

وقال الخبير في الهيئة الوطنية للأرصاد الجوية الفرنسية، باتريك غالوا، لوكالة الصحافة الفرنسية: «ابتداء من يوم الجمعة، وخلال عطلة نهاية الأسبوع، نتوقع مرتفعاً جوياً... ستكون درجات الحرارة فيه مرتفعة جداً، ومن المرجح أن تتجاوز 35 درجة»، وذلك في وقت بدأت فيه موجة الحرّ الاستثنائية التي شهدتها فرنسا في الآونة الأخيرة بالانحسار.

وما تزال 4 مقاطعات في جنوب شرقي البلاد في حالة الإنذار البرتقالي بسبب موجة الحرّ الحالية، وفقاً لهيئة الأرصاد الجوية الفرنسية.

وفي البرتغال، التي ظلّت بمنأى نسبياً عن موجة الحرّ في الأسبوعين الماضيين، يتوقع أن تحلّ موجة حر اعتباراً من الأربعاء، تؤثر بشكل خاص على السواحل بشدّة، بحسب هيئة الأرصاد الجوية.

وقال خبير الأرصاد، خورخي بونتي، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن مناطق عدة في الداخل ستكون تحت الإنذار البرتقالي، على أن يمتد هذا الإنذار لمعظم أنحاء البلاد.

لكن درجات الحرارة المرتفعة المتوقعة ستظل دون الرقم القياسي التاريخي البالغ 47.3 درجة مئوية، المسجل عام 2003.

وقال الخبير: «ما يلفت انتباهنا في هذه التوقعات ليس درجات الحرارة القصوى فقط، بل استمرار هذه المستويات المرتفعة جداً لأيام متتالية».

رجل يستريح على مقعد بالظل في بلغراد 30 يونيو 2026 حيث تعاني صربيا من موجة حر شديدة (أ.ف.ب)

موجة حر بحريّة «تاريخية»

ويشهد شمال غربي البحر المتوسط موجة حرّ بحريّة بلغت مستوى قياسياً من حيث الشدة، مع تسجيل ارتفاع بمعدل 5.2 درجات عن المعدلات الطبيعية، وفقاً لبيانات معهد علوم البحار الإسباني.

وقال خوستينو مارتيينيز، الباحث في معهد علوم البحار لوكالة الصحافة الفرنسية: «إنْ قمنا بحساب متوسط شدّة هذه الظاهرة، نحصل على 5.2 درجة، وعندما نجري الحساب نفسه للسنوات السابقة نلاحظ أن هذا الرقم يمثل مستوى قياسياً».

وأشار إلى أن هذا الرقم القياسي يعود بدرجة كبيرة إلى موجة الحر الشديدة التي اجتاحت أوروبا في الآونة الأخيرة.

وأوضح أن «موجة الحر هذه... هي الأكثر شدّة مقارنة بأيّ متوسط يومي سجلناه سابقاً»، في إشارة إلى المنطقة الممتدة شمال جزر البليار الإسبانية وغرب كورسيكا وسردينيا.

سكان بوخارست يبردون أنفسهم في أحد أكثر أيام شهر يونيو حرارة من خلال المرور عبر جهاز رش المياه المثبت وسط مدينة بوخارست في رومانيا 30 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

وقال إن القياس اعتمد على درجات حرارة السطح فقط باستخدام بيانات الأقمار الاصطناعية.

ولفت إلى أن تسجيل الرقم القياسي في شمال غربي المتوسط جاء بعد انتقال ذروة موجة الحر الجوية نحو شرق أوروبا.

وبحسب العلماء، فإن المحيطات امتصّت نحو 90 في المائة من الحرارة الزائدة الناتجة عن النشاط البشري منذ بداية العصر الصناعي، بينما تُعد أوروبا أسرع قارات العالم احتراراً.

مدفع مياه تابع للشرطة المجرية يرش رذاذاً منعشاً على المارة خلال موجة حر في بودابست 30 يونيو 2026 (أ.ب)

كما أن ارتفاع حرارة الغلاف الجوي يزيد من قدرته على الاحتفاظ بالرطوبة، ما يؤدي إلى عواصف أشد، وبالتالي ارتفاع خطر الفيضانات، وهي من الظواهر الجوية المتطرفة التي يُفاقمها تغيّر المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية.

وكان ارتفاع حرارة البحر المتوسط ساهم في تغذية عاصفة عنيفة أدّت إلى أسوأ فيضانات تشهدها إسبانيا منذ عقود في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، حيث سُجّلت معظم الوفيات، التي تجاوزت 230، في منطقة فالنسيا، شرق البلاد.


حرّ أوروبا يتخطى 35 درجة... ويطول 150 مليون شخص على الأقل

امرأة تحمل مظلة للحماية من أشعة الشمس بالقرب من النصب التذكاري للملكة فيكتوريا خارج قصر باكنغهام وسط موجة حارة في لندن... 26 يونيو 2026 (رويترز)
امرأة تحمل مظلة للحماية من أشعة الشمس بالقرب من النصب التذكاري للملكة فيكتوريا خارج قصر باكنغهام وسط موجة حارة في لندن... 26 يونيو 2026 (رويترز)
TT

حرّ أوروبا يتخطى 35 درجة... ويطول 150 مليون شخص على الأقل

امرأة تحمل مظلة للحماية من أشعة الشمس بالقرب من النصب التذكاري للملكة فيكتوريا خارج قصر باكنغهام وسط موجة حارة في لندن... 26 يونيو 2026 (رويترز)
امرأة تحمل مظلة للحماية من أشعة الشمس بالقرب من النصب التذكاري للملكة فيكتوريا خارج قصر باكنغهام وسط موجة حارة في لندن... 26 يونيو 2026 (رويترز)

من المتوقع أن تتخطى موجة الحر التي تجتاح أوروبا 35 درجة مئوية لفترة، الجمعة، وأن تطول 150 مليون شخص على الأقل، بينهم أكثر من 50 مليوناً في ألمانيا و30 مليوناً في فرنسا، وفق تحليلات «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشير تحليلات «وكالة الصحافة الفرنسية» إلى أنَّ الحرارة ستتخطى 30 درجة مئوية بالنسبة إلى أكثر من 420 مليون شخص في أوروبا (من دون احتساب تركيا)، ما يعني أنها ستطول نحو 7 أشخاص من كلّ 10 بالقارة، حسب أرقام تستند إلى توقعات خدمة الأرصاد الجوية الألمانية ومركز الأبحاث المشتركة، وتتقاطع مع أرقام منظمة «كليماداشبورد» النمساوية غير الحكومية.

وهذه الأرقام تتجاوز التوقعات الصادرة عن المعهد الألماني للأحوال الجوية، والتي حُسبت بالنسبة إلى الخميس في الساعة 3.00 بتوقيت غرينتش. وتوقَّعت أن تتجاوز الحرارة 35 درجة مئوية وأن تطول 101 مليون نسمة.

امرأة تدفع عربة أطفال وسط المدينة خلال موجة حارة في فيينا بالنمسا 26 يونيو 2026 (رويترز)

وعلى عكس الخميس، لم تعد المنطقة الأكثر تضرراً من موجة الحر هي البر الفرنسي بل ألمانيا، حيث من المتوقع أن تصل درجات الحرارة إلى أكثر من 30 درجة مئوية، الجمعة، وأن تطول نحو 82 مليون نسمة، بينهم 52 مليوناً ستطولهم درجات حرارة تصل إلى 35 مئوية.

ولا تزال التوقعات تشير إلى أنّ درجات الحرارة ستتجاوز 35 مئوية لنحو 34 مليون نسمة في فرنسا و17 مليوناً في إيطاليا و15 مليوناً في هولندا. وأصدر «المعهد الهولندي للأرصاد الجوية» أول إنذار له بشأن موجة الحر الشديد، الذي يسري مفعوله الجمعة في معظم أنحاء البلاد.

ومن المتوقع أيضاً أن تؤثر مستويات درجات الحرارة هذه بشكل كبير على كل من المجر وبلجيكا ولوكسمبورغ.

ويُتوقع أن تطول موجة الحرّ التي شهدتها أوروبا الغربية في الأيام الأخيرة منطقة البلقان اعتباراً من السبت، فيما كان كامل ساحل البحر الأدرياتيكي مشمولاً، الجمعة، بتحذيرات من المستوى الأحمر، حسب وكالة «ميتيو ألارم».

ومن المنتظَر أن تصل مستويات الحرارة إلى 39 درجة، اعتباراً من الأحد حتى الاثنين على الأقل، في بعض مناطق صربيا ومقدونيا الشمالية والبوسنة ومونتينيغرو، وفق مختلف الهيئات الوطنية للأرصاد الجوية.

رجل يضع غطاءً على رأسه لتخفيف أثر الحرارة في روتردام بهولندا (إ.ب.أ)

وفي بلغراد، يُفترَض أن تصل الحرارة إلى 36 درجة السبت، و38 الأحد، و39 الاثنين والثلاثاء، متجاوزة الرقم القياسي البالغ 38.7 درجة الذي سُجّل في العاصمة في يونيو (حزيران) 2021.

وفي صربيا التي شهدت في السنوات الثلاث الأخيرة معدلات الحرارة الأشدّ صيفاً منذ بدء القياسات عام 1951، يعمل أكثر من عامل من كل خمسة في الهواء الطلق، حسب موقع «كليما 101» المتخصص، وشوهد عمّال في ورش البناء ظهر الجمعة تحت الشمس الحارقة. ورغم الحرّ، يُتوقَّع أن يشارك آلاف الأشخاص في بلغراد السبت في تجمّع ينظمه الحزب التقدمي الصربي الحاكم، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

ومع تجاوز درجات الحرارة 35 درجة، قصد كثير من السكان، الجمعة، الأماكن المظَلَّلة وتلك التي يتوافر فيها الماء. وقال ألكسندر (60 عاماً) وقد غمر قدميه في نافورة بوسط المدينة، لوكالة الصحافة الفرنسية: «أعاني كثيراً من الحر الشديد، وهذا المكان هو الأنسب لي».

وفي بريشتينا، عاصمة كوسوفو، كان الشارع الرئيسي الذي يكون عادة مزدحماً بالمارة شبه خالٍ ظهر الجمعة، فيما كان القلائل الذين يمرّون فيه يسرعون الخطى كي لا يمكثوا طويلاً في الحرّ.

وقالت الموظفة الحكومية (41 عاماً) مايليندا التي كانت تشتري أدويتها سريعاً قبل عطلة نهاية الأسبوع لوكالة الصحافة الفرنسية: «من المتوقع أن تشتدّ موجة الحر خلال عطلة نهاية الأسبوع، وأريد أن أؤمّن كل ما أحتاج إليه حتى لا أضطر للخروج غداً وبعد غد».

وعلى الساحل الأدرياتيكي، امتد الحرّ إلى مياه البحر أيضاً؛ إذ تجاوزت حرارة المياه في بولا بكرواتيا صباح الجمعة 27 درجة عند الساعة الثامنة.

رجل يضع قطعة قماش مبللة على رقبته للتخفيف من أثر الحرارة في وردريكت بهولندا (إ.ب.أ)

وسبق أن شهد صيف 2025 موجات حرّ عدة في البلقان، وسُجِّل في كوسوفو في يوليو (تموز) 2025 أشد يوم حرّ على الإطلاق مع تسجيل 42.4 درجة مئوية. وتعرضت ألبانيا لحرائق عدة التهمت عشرات آلاف الهكتارات واضطر آلاف السكان إلى إخلاء منازلهم.

التغير المناخي مسؤول

وخلصت شبكة علمية دولية في دراسة نشرت نتائجها الجمعة، إلى أن التغير المناخي مسؤول «في شكل لا لبس فيه» عن موجة الحرّ الشديدة التي تضرب أوروبا الغربية راهناً، والتي كانت ستكون شبه مستحيلة الحدوث قبل نحو 50 عاماً.

وأكّد علماء شبكة «وورلد ويذر أتريبيوشن» (دبليو دبليو إيه) الذين يدرسون مسؤولية الاختلالات المناخية الناجمة عن الأنشطة البشرية في الظواهر المناخية القصوى، أن درجات الحرارة المرتفعة جدّاً خلال النهار والليل أيضاً كانت ستكون «شبه مستحيلة» في هذه الفترة من عام 1976 الذي شهد بدوره قيظاً استثنائياً.

ولو وقعت موجة حرّ من هذا القبيل، لكانت ألطف بـ3.5 درجات مئوية نهاراً و2.4 درجة ليلاً، حسب حسابات العلماء.

وقال تيودور كيبينغ من جامعة «إمبيريال كولدج» في لندن الذي شارك في هذه الأبحاث: «خلصنا إلى أنه خلال السنوات الخمسين الأخيرة التي زادت فيها حرارة الكوكب 1.1 درجة مئوية، تغيّرت أرجحية وقوع موجة قيظ كهذه بدرجة فائقة».

وصرّح خلال عرض الدراسة على وسائل الإعلام بأن «موجة كهذه ما كانت ممكنة في يونيو من دون التغيّر المناخي».

وأشارت فريديريكه أوتو من جامعة «إمبيريال كولدج» في لندن إلى أن «هذه الظاهرة المناخية ليست غير الاعتيادية لكن درجات الحرارة كذلك» بسبب التغيّر المناخي البشري المصدر.

«مزعج وخطير»

يتأتّى هذا التغيّر المناخي البشري المصدر من الاستخدام الكثيف لمصادر الطاقة الأحفورية، من فحم ونفط وغاز أحفوري، فضلاً عن قطع الغابات.

واستند العلماء المقيمون في عدّة بلدان أوروبية في أبحاثهم إلى بيانات أرصاد جوية حالية وتوقّعات الأيام المقبلة؛ إذ إن موجة الحرّ ما زالت متواصلة، وقارنوها بالمعطيات المسجّلة في 2003 و1976.

طفل يحاول التخفيف من أثر الحرارة بالوقوف داخل نافورة ماء في تورين بإيطاليا (إ.ب.أ)

ولم تلق هذه الأبحاث التي أجريت بوتيرة متسارعة مراجعة من باحثين خارجيين، وفق الإجراءات المعمول بها في إطار المنشورات العلمية. غير أن المنهجية المعتمدة سبق أن صادقت عليها الأسرة العلمية، حسبما ذكّر القيّمون على هذه الأبحاث.

وباتت الليالي الحارة أكثر ترجيحاً بمائة مرّة اليوم مما كانت عليه الحال خلال موجة الحرّ القياسي في 2003. وباتت الحرارة القصوى خلال النهار أكثر ترجيحاً بعشر مرّات، حسب الباحثين.

واستبعد العلماء مسؤولية ظاهرة «إل نينيو» الطبيعية التي ترفع الحرارة على سطح الأرض في وسط المحيط الهادئ الاستوائي وشرقه، متسبّبة بموجات جفاف وفيضانات وحرارة قياسية في العالم. ولاحظوا أن هذه الظاهرة لم تؤد «أيّ دور» في موجة الحرّ الحالية.

ويجعل «الإجهاد الحراري» الناجم عن درجات حرارة ومستويات رطوبة عالية هذا القيظ «مزعجاً وخطيراً بشكل خاص»، حسب فريديريكه أوتو.

وكشفت الدراسة أن نحو 45 في المائة من المدن الـ854 المشمولة بالتحليل في 30 دولة أوروبية حطّمت المستويات القياسية للإجهاد الحراري أو أنها على وشك تحطيمها.

وتستند هذه الخلاصات إلى مؤشّر حرارة يعرف بـ«مقياس حرارة ذي بُصيلة مخضّلة» يقوم على الحرارة والرطوبة ونسبة الإشماس والغطاء السحابي. ويستخدم هذا المؤشّر خصوصاً في عالم الرياضة.

و​ذكر مكتب الأرصاد الجوية البريطاني أن ‌درجة ‌الحرارة ​في ‌سوفوك بشرق ​إنجلترا بلغت 36.9 درجة مئوية، اليوم الجمعة، ‌لتحطم الرقم ‌القياسي ​لأشد ‌أيام ‌يونيو حرارة لليوم ‌الثالث على التوالي، وذلك مع اقتراب موجة الحر من نهايتها.