2023 عام الأرقام القياسية في الكوارث الطبيعية... والضحايا

حرائق وأعاصير وفيضانات وزلازل على مساحة الكرة الأرضية

TT

2023 عام الأرقام القياسية في الكوارث الطبيعية... والضحايا

طفل يتأمل الخراب الذي لحق بمنزل أسرته بعد كارثة إعصار «دانيال» في درنة  (أ.ف.ب)
طفل يتأمل الخراب الذي لحق بمنزل أسرته بعد كارثة إعصار «دانيال» في درنة (أ.ف.ب)

تعرض مجمل سكان الأرض خلال العام الجاري إلى جو حار ضاعف من فرص حصوله الاحتباس الحراري، وفق ما أكثد أكده بحث جديد. ويأتي هذا الخبر وسط موجة من الأحداث المناخية القاسية طالت مناطق كثيرة في جميع أنحاء العالم، بدءاً بالفيضانات المدمّرة في الهند واليابان وليبيا، مروراً بحرائق الغابات الواسعة في أوروبا والولايات المتحدة وكندا، وانتهاءً بالعواصف المدارية غير المسبوقة في شرق أفريقيا ونيوزيلندا والبرازيل.

رغم أن صيف 2023 كان تاريخياً، حيث تعاقبت خلاله ثلاثة أشهر هي الأكثر سخونة في التاريخ المسجّل، إلا أن فإن أحداثه لم تخرج بعيداً عن دائرة التوقعات.

فمنذ أمد طويل، أطلق علماء المناخ تحذيراتهم من فصول صيف قاسية تشهد موجات حرّ قاتلة وعواصف مفاجئة ومحيطات شديدة الحرارة.إن تحطيم هذا الصيف للعديد من الأرقام القياسية هو نتيجة واضحة لارتفاع حرارة النظام المناخي.

أما النتيجة الأخرى فهي الطقس المتطرّف الذي أصاب مناطق كثيرة بالجفاف والفيضانات وحرائق الغابات. وفي أكثر من مكان، كما في الهند واليونان وأغلب بلدان شرق المتوسط، تَبِع ارتفاع درجات الحرارة حصول هطولات مطرية غزيرة أو ومضية.

فمع كل درجة مئوية ترتفع فيها حرارة الغلاف الجوي للأرض تزداد كمية بخار الماء في الجو بنحو 1 إلى 7 في المائة.

أرشيفية لجليد يذوب في المحيط المتجمد الشمالي (رويترز)

شهِد النصف الأول من سنة 2023 مجموعة كبيرة من الكوارث المناخية، التي طالت بلداناً كثيرة في نصفي الكرة الأرضية الشمالي والجنوبي. وفي أكثر من مكان، سجّلت درجات الحرارة والعواصف المطرية أرقاماً قياسية، ونتجت عنها حرائق واسعة وفيضانات عنيفة وذوبانا للجليد. وكأن الصيف يسدل الستار على تسابق في عدد الضحايا بين كارثة الزلزال في المغرب والفيضانات في ليبيا، حيث يستمر العدُّ بالآلاف.

ولا يمكن أن تُعزى جميع أحداث هطول الأمطار الغزيرة إلى تغيُّر المناخ، إذ إن عوامل أخرى، كالتقلُّبات الطبيعية والتغيُّرات في استخدام الأراضي، قد تلعب دوراً كبيراً. لكن تقرير التقييم السادس الصادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ يخلص إلى أن زيادة تواتر وشدّة هطول الأمطار الغزيرة في معظم مناطق اليابسة ترتبط بالنشاط البشري المسبب لتغيُّر المناخ. ويتوقّع التقرير أن يصبح هطول الأمطار الغزيرة أكثر تواتراً وشدّة مع زيادة الاحترار.

الزلزال تسبب في انهيار جزء من جبل على قرية إيمي نتالا في المغرب (رويترز)

ففي المغرب أودى الزلزال، الذي بلغت قوته سبع درجات وضرب منطقة جبال الأطلس الكبير، بحياة ما يقرب من ثلاثة آلاف وأوقع أكثر من 5500 مصاب، وفقا لأحدث الأرقام الرسمية. وأطاح الزلزال، الأقوى من حيث عدد القتلى في المغرب منذ عام 1960، بالبنية التحتية للقرى النائية في المنطقة الجبلية الوعرة، ودمر المنازل وتسبب في انقطاع الكهرباء، تاركاً سكان هذه القرى في معاناة مع اقتراب الأجواء الباردة في الأشهر القليلة القادمة، وتسبب في انهيار جزئي أو كلي لنحو 50 ألف منزل. وكان فبراير (شباط) الماضي شهد زلزالاً من أسوأ الزلازل ضرب تركيا وسوريا وخلف أكثر من 50 ألف ضحية ودماراً واسعاً وأكثر من 25 مليون متضرر.

أما في ليبيا، فكانت كارثة مماثلة إذ وصلت العاصفة «دانيال» بعد ظهر الأحد إلى الساحل الشرقي لليبيا وضربت مدينة بنغازي قبل أن تتجه شرقا نحو مدن في الجبل الأخضر (شمال شرق)، مثل شحات (قورينا) والمرج والبيضاء وسوسة (أبولونيا) ودرنة وهي المدينة الأكثر تضررا. وليل الأحد الاثنين، انهار السدان الرئيسيان على نهر وادي درنة الصغير ما تسبب في انزلاقات طينية ضخمة دمّرت جسورا وجرفت العديد من المباني مع سكانها.

وأعلن مسؤولون من السلطات في شرق البلاد تقديرات مختلفة لعدد الضحايا الذين تجاوز عددهم 3800 شخص قضوا في الفيضانات إضافة إلى آلاف المفقودين. ويرجح أن الحصيلة إلى ارتفاع.

وأفاد مسؤول في الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر عن حصيلة قتلى «ضخمة» قد تصل إلى آلاف الأشخاص، بالإضافة إلى 10 آلاف شخص في عداد المفقودين. وتشرّد 30 ألف شخص على الأقل، بالإضافة إلى ثلاثة آلاف شخص في البيضاء وأكثر من ألفين في بنغازي، وهي مدن تقع إلى الغرب، وفقا للمنظمة الدولية للهجرة. وتضرر 884 ألف شخص بشكل مباشر من الكارثة، بحسب المنظمة.

وفي سبتمبر (أيلول)، شهِدت بلدان شمال أفريقيا هطولات مطرية مبكرة، كان أخطرها في ليبيا، حيث يُخشى وفاة ما يصل إلى عشرين ألف شخص نتيجة الفيضانات والسيول التي خلّفها إعصار «دانيال» في شرق البلاد. وكانت العاصفة المتوسطية العنيفة التي طالت مدناً ساحلية عدّة أدّت إلى انهيار سدود وجرف أحياء بأكملها، لا سيما في مدينة درنة التي أُعلنت منطقةً منكوبةً.

فيضانات واسعة في القارة الآسيوية

في 7 أغسطس (آب)، شهِدت العاصمة الصينية هطولات مطرية غزيرة قاربت 745 ملم، وهي الأعلى في يوم واحد منذ بدء رصد أحوال الطقس في 1883. ونتج عن هذه الهطولات فيضانات تسببت في مقتل 33 شخصاً و18 مفقوداً، وانهيار وتضرر أكثر من 200 ألف منزل. وفي الأسبوع التالي، وصلت الحرارة في مقاطعة شينجيانغ إلى 52.2 درجة مئوية، وهو رقم قياسي جديد في الصين.

مياه أمطار تغمر شارعاً في هونغ كونغ (رويترز)

وخلال النصف الأول من 2023، شهِدت القارة الآسيوية مجموعة من الأحوال المناخية التي أودت بحياة الكثيرين، أبرزها موجة البرد التي أصابت أفغانستان في 10 يناير (كانون الثاني) حيث وصلت الحرارة إلى 33 درجة تحت الصفر وأودت بحياة أكثر من 160 شخصاً، وكذلك إعصار موكا الذي اجتاح ميانمار في مايو (أيار) وتسبب في وفاة نحو 500 شخص وأضرار تقارب 1.5 مليار دولار.

كما أسفر إعصار «بيبارجوي» عن مقتل أكثر من 12 شخصاً في الهند خلال شهر يونيو (حزيران). وفي الشهر ذاته، عانت البلاد من موجة حرّ شديدة أدّت إلى انقطاع التيار الكهربائي عدة مرات ووفاة ما يقرب من 170 شخصاً. ومنذ يوليو (تموز)، تستمر الفيضانات غير المسبوقة في الهند في حصد الأرواح، حيث تسببت حتى الآن في وفاة أكثر من 100 شخص.

أعاصير مدمّرة في نصف الكرة الجنوبي

لم يكن النصف الشمالي من الكرة الأرضية هو الوحيد الذي عانى من ارتفاع الحرارة. ففي أغسطس، شهِدت البرازيل ارتفاعاً قياسياً في الحرارة بلغ 41.8 درجة مئوية في مدينة كويابا في منتصف الشتاء. وطالت موجة الحرّ جزءاً كبيراً من البلاد، مما دفع الآلاف من سكان ريو إلى الشواطئ.

وفي جنوب البلاد، شهِدت ولاية ريو غراندي في 6 سبتمبر أسوأ كوارثها المناخية، حيث تسبب إعصار في أمطار ورياح غزيرة أودت بحياة 27 شخصاً على الأقل. وكان ما لا يقل عن 40 شخصاً فقدوا حياتهم نتيجة فيضانات وانهيارات أرضية في ولاية ساو باولو خلال فبراير (شباط) الماضي. كما أدّت حرائق الغابات في جنوب وسط تشيلي خلال الشهر ذاته إلى مقتل 24 شخصاً وإصابة نحو ألفي شخص، وإحراق أكثر من 800 ألف فدان من الأراضي.

وخلال الفترة بين 4 فبراير و15 مارس (آذار)، اجتاح الإعصار فريدي جنوب المحيط الهندي بفاعلية هي الأعلى واستمرارية هي الأطول لإعصار مداري. وأحدث فيضانات وأضراراً مادية وبشرية كبيرة في شرق أفريقيا، بحيث صُنِّف كثالث أخطر إعصار مداري في نصف الكرة الأرضية الجنوبي، وتسبب في وفاة ما لا يقل عن 1434 شخصاً، معظمهم في مالاوي وبنسبة أقل في موزمبيق ومدغشقر وزيمبابوي وموريشيوس.

وفي فبراير أيضاً، تسبب الإعصار المداري «غابرييل» في تدمير أجزاء من جزيرة نورث آيلاند في نيوزيلاندا، وقُدّرت أضرار هذا الإعصار بنحو 8.4 مليار دولار على الأقل، مما يجعله الإعصار الأعلى كلفة في نصف الكرة الجنوبي.

موجات الحرّ

وشهِدت بلدان الشرق الأوسط خلال صيف 2023 موجات حرّ شديدة وصلت إلى مستويات قياسية في بعض الدول، كما تسببت في اندلاع حرائق غابات واسعة النطاق في لبنان وسوريا والمغرب. وفي الجزائر وتونس، سجّلت درجات الحرارة 48.7 درجة مئوية و49 درجة مئوية على التوالي في 23 يوليو. وخلافاً لما حصل على الضفة الأخرى من المتوسط، ما زالت حرائق الغابات في الجزائر حتى هذا الوقت من السنة أقلَّ حِدةً، وغطّت مساحات أصغر، مقارنة بالسنوات الماضية. وحصل هذا رغم موجات الحرّ التي ضربت المناطق الساحلية، حيث يوجد الغطاء الغابي بكثافة، متجاوزةً في بعض المناطق 49 درجة مئوية، مع رياح جافة بلغت سرعتها 65 كيلومترا في الساعة.

وبلغت المساحة المتضررة حتى بداية سبتمبر نحو 33 ألف هكتار، مع خسائر بشرية وصلت إلى 34 ضحية، بينهم جنود من الجيش الشعبي الوطني يشاركون إلى جانب عناصر الحماية المدنية في عملية الإطفاء وإجلاء السكان، الذين تجاوز عددهم هذه السنة 1500 شخص. ومنذ 2021، فاقت الاعتمادات المالية لتعويض أضرار الحرائق 23.51 مليار دينار (نحو 172 مليون دولار) حسب وزير المالية لعزيز فايد. وفي المغرب، بلغت الحرارة 50.4 درجة مئوية في 11 أغسطس، وهو رقم قياسي جديد. كما شهِدت البلاد حرائق طالت غابات وواحات بمساحة 5400 هكتار.

وشهِد المغرب خلال الشهرين الأوّلين من هذا الصيف ما بين 5 و6 حرائق يومياً، حيث تغطي الغابات 12 في المائة من مساحة البلاد، بينما شهِدت سنة 2022 نحو 500 حريق، حوَّلت أكثر من 22 ألف هكتار إلى رماد. وفي اليمن، تسببت الفيضانات في نزوح 200 ألف شخص ووفاة العشرات.

حرائق أميركا وكندا

تسببت الحرائق النشطة في كندا منذ أبريل (نيسان) في ارتفاع معدلات التلوُّث الجوّي إلى أعلى مستوياتها، وأظلمت السماء فوق مونتريال ونيويورك في بداية يونيو. وفي منتصف أغسطس، كان نحو 5738 حريقاً قد أتى على 13.7 مليون هكتار منذ بداية السنة، وهي منطقة تقارب مساحة اليونان. وفي أرخبيل هاواي، تسببت حرائق 10 أغسطس في وفاة 110 أشخاص، وكادت تمحو بلدة لاهاينا التي يبلغ عدد سكانها 13 ألف نسمة في جزيرة ماوي. وكانت الظروف المناخية هي المسؤولة عن هذه الكارثة، حيث أدّى الجفاف إلى اندلاع النيران التي نشرتها رياح الإعصار «دورا».

وكانت مدينة فينيكس، عاصمة ولاية أريزونا، شهِدت موجة حرّ قياسية استمرت طيلة شهر يوليو وتجاوزت فيها الحرارة 43.3 درجة مئوية. وتسببت هذه المحنة غير المسبوقة في دخول العديد من الأشخاص إلى المستشفيات. وخلال الفترة من مطلع 2023 إلى يوليو، رصدت الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي 15 حدثاً مناخياً كارثياً في البلاد تسببت في وقوع 113 وفاة، وقاربت خسائرها 40 مليار دولار.

حرائق غير مسبوقة في القارة الأوروبية

تسببت موجة الحرّ الاستثنائية التي سيطرت على اليونان في الأسبوعين الأخيرين من يوليو إلى مضاعفة أعداد حرائق الغابات، وتسجيل البلاد أكبر عملية إجلاء بسبب المناخ شملت 30 ألف شخص في جزيرة رودس وفي جزيرتي إيفيا وكورفو. واعتبرت المفوضية الأوروبية أن حرائق الغابات في شمال شرقي اليونان أكبر ما تم تسجيله على الإطلاق في الاتحاد الأوروبي. وما أن خمدت الحرائق، حتى اجتاحت الفيضانات مناطق واسعة في وسط وجنوب أوروبا خلال شهر أغسطس. وعمل التيّار النفّاث في طبقات الجو العليا على تثبيت نظامين عاصفين في مكانهما، مما أدّى إلى هطول أمطار مستمرة فوق إسبانيا والبرتغال وسلوفينيا واليونان وتركيا. وفي الوقت ذاته، فرض ضغطاً مرتفعاً على فرنسا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ والمملكة المتحدة، مما تسبب في موجة حارّة في أواخر الصيف.

أرقام قياسية في المحيطات والقطب الجنوبي

سجّلت المحيطات في يوم 4 أغسطس درجة حرارة سطحية قاربت 21 درجة مئوية، وهو رقم قياسي عالمي يتم رصده لأول مرة. وكانت خدمة كوبرنيكوس لمراقبة المناخ التابعة للاتحاد الأوروبي أعلنت في يونيو أن شمال المحيط الأطلسي كان دافئاً على نحو غير عادي. وفي سواحل فلوريدا، وصلت حرارة المياه إلى 38 درجة مئوية. كما سجّلت الحرارة السطحية في البحر المتوسط رقماً قياسياً بوصولها إلى 28.7 درجة مئوية في يوليو. وفي مايو، أدّت حرائق الغابات في جبال الأورال الروسية وسيبيريا إلى مقتل 21 شخصاً على الأقل، والتهمت 280 ألف فدان من الأراضي، ودمّرت مئات المنازل. ونتجت الحرائق عن موجة الحرّ التي يُرجّح ارتباطها بتغيُّر المناخ. وتُعزى درجة الدمار إلى نقص الموارد والعزلة التامة في مواقع هذه الحرائق.

وطيلة يوليو 2023، بلغ متوسط مساحة الجليد البحري في القطب الجنوبي 13.5 مليون كيلومتر مربع، وهي أدنى مساحة تم رصدها في هذا الوقت من السنة منذ بدء التسجيل المستمر عبر الأقمار الاصطناعية في أواخر عام 1978. وقد وصف أحد خبراء وكالة «ناسا» الأميركية هذه المغطيات بأن «ما نشهده هذا العام هو منطقة مجهولة في سِجل الأقمار الاصطناعية».

أحداث مناخية مترابطة

وتبدو الأحداث المناخية مترابطة إلى حدٍ بعيد. فتأثير البحار الساخنة مثلاً لا يقتصر فقط على دوران التيارات في المحيطات والنظم البيئية البحرية ومصايد الأسماك العالمية، بل يمتد ليلقي بثقله على اليابسة أيضاً. ويشير باحثو المناخ إلى أن شمال الأطلسي الدافئ بشكل غير طبيعي يشكّل موضع اهتمام خاص، وذلك بسبب دوره الكبير في تأجيج العواصف والأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة والجفاف في غرب أفريقيا.

محاكاة حاسوبية

ويستخدم العلماء عمليات المحاكاة الحاسوبية لتقييم زيادة احتمالية الأحداث المناخية المتطرّفة بسبب الاحتباس الحراري الناجم عن النشاط البشري. ومن الاستنتاجات الدقيقة التي وفّرتها هذه العمليات أن الموجات الشديدة من الحرّ التي ضربت جنوب أوروبا وجنوب الولايات المتحدة والمكسيك في يونيو 2023 كانت «مستحيلة تقريباً» لولا تغيُّر المناخ الناتج عن النشاط البشري. وقد يكون من الصعب ربط تغيُّر المناخ بحالات جفاف فردية معيّنة، إذ إن توفُّر المياه لا يتوقف فقط على درجات الحرارة وهطول الأمطار. ولكن موجات الحرّ الأطول والأكثر شدّة يمكن أن تفاقم حالات الجفاف عن طريق تجفيف التربة، كما يؤدي الطلب المتزايد على المياه في الطقس الحار إلى زيادة الضغط على الإمدادات.

وفي أجزاء من شرق أفريقيا، ساهمت قلّة الهطولات المطرية خلال الفترة بين 2020 و2022 في معاناة المنطقة من أسوأ موجة جفاف في 40 عاماً. ويزيد تغيُّر المناخ فرص انتشار حرائق الغابات، إلى جانب عوامل مختلفة مثل التغييرات في استخدام الأراضي، حيث تعمل الحرارة الشديدة والطويلة الأمد على سحب المزيد من رطوبة الأرض والنباتات.

وتوفّر ظروف الجفاف الشديدة وقوداً للحرائق التي قد تنتشر بسرعة كبيرة، خاصةً إذا كانت الرياح قوية. ويخلص باحثون من جامعة كاليفورنيا في دراسة نشرتها دورية «علوم الأرض والغلاف الجوي والكواكب» إلى أن مساحات الغابات المحترقة في كاليفورنيا زادت بمقدار خمسة أضعاف خلال الفترة من 1996 إلى 2021 مقارنةً بالفترة بين 1971 إلى 1995، وأن الزيادة الملحوظة في المناطق المحترقة خلال نصف القرن الماضي ترجع إلى تغيُّر المناخ الذي يسببه الإنسان، ومن غير المرجح أن تكون ناجمة عن التقلّبات الطبيعية وحدها. ومن المتوقع أن تصبح حرائق الغابات أكثر تواتراً وشدةً في المستقبل على مستوى العالم، بسبب التأثيرات المشتركة لاستخدام الأراضي وتغيُّر المناخ، وفقاً لتقرير حديث صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة.

ويشير التقرير إلى أن عدد الحرائق الأكثر خطورة قد يرتفع بنسبة تصل إلى 50 في المائة بحلول 2100. التخفيف من تأثيرات الكوارث المناخية لا تزال المعلومات عن حجم الأضرار والوفيات التي نتجت عن أحوال الطقس هذه السنة محدودة حتى الآن، وإن كانت قلّتها مقلقة. ولا بد من ملاحظة أن المعطيات في هذا الشأن متحفظة بشكل كبير، حيث تعمد بعض الحكومات، في البلدان النامية والمتقدمة على حدٍ سواء، إلى تقليل تقديرها للتأثيرات الصحية والاقتصادية المترتبة على تغيُّر المناخ لأسباب مختلفة، من بينها غياب الشفافية وعدم تصميم أنظمة الرصد الصحي لعالم متغيّر المناخ.

ففي مجال الحرائق، تساعد النمذجة ورصد مؤشرات الحرارة والرطوبة والرياح في توقُّع مخاطر اندلاع الحرائق وانتشارها. وعلى سبيل المثال، يحدد مكتب الأرصاد الجوية في بريطانيا التهديد اليومي في مؤشر لشدّة الحرائق، يصنِّف الخطورة على مقياس من واحد إلى خمسة. وقد ثبتت فاعلية هذا المؤشر في 19 يوليو الماضي عندما ارتفع مستوى التهديد إلى الشدّة الخامسة مع احتمال حدوث «مخاطر حرائق استثنائية» في معظم أنحاء بريطانيا.

 

وف

ي سوريا، نجحت منصة الغابات ومراقبة الحرائق في التنبؤ بنحو 93 في المائة من الحرائق التي اندلعت خلال الفترة بين انطلاقها في عام 2022 ومنتصف السنة الحالية، وكانت شدّة الحرائق ومواقعها متوافقة بنسبة 87 في المائة مع مواقع وشدّة الحرائق المندلعة.

وتعتمد المنصة مجموعة من المحددات لإعلان بداية موسم حرائق الغابات في البلاد، من بينها بدء تسجيل درجات حرارة ربيعية مرتفعة تترافق مع انخفاض مستويات الرطوبة الجوية النسبية. ويساهم تثقيف المجتمع حول الأسباب الرئيسية لحرائق الغابات في اتخاذ الخطوات المناسبة لمنع اندلاع الحرائق، لا سيما أن معظم حرائق الغابات يتسبب فيها البشر عن قصد أو غير قصد. ويمكن للأفراد تقليل مخاطر انتشار الحرائق بمبادرات بسيطة، مثل إبقاء مصادر النار الشائعة كالسجائر والشواء والألعاب النارية بعيدةً عن المناطق الخطرة، مثل الأراضي العشبية الجافة التي تعصف بها الرياح.

وتساعد الخبرات التقليدية والنهج القائم على الطبيعة في تقديم حلول مجدية من ناحية الكلفة لمواجهة مخاطر تغيُّر المناخ. ففي أستراليا، كان السكان الأصليون يحمون مناطقهم بإشعال حرائق صغيرة ومتكررة تخلق فسيفساء موائل متنوّعة بيولوجية وتخفض مخاطر الحرائق. وتعمل السلطات الأسترالية حالياً على الاستفادة من هذه المعارف لإعادة بناء أنظمة الحرائق المسيطر عليها وبيئات المناظر الطبيعية.

وفي إسبانيا والبرتغال، وهما من الدول الأكثر تضرراً بحرائق الغابات، يُسمح للماعز بالتجوُّل بحرية لأكل العشب الجاف والشجيرات التي تغذي الحرائق، وذلك في إطار برنامج للحدّ من حرائق الغابات يموّله الاتحاد الأوروبي. وقد أتاحت هذه الممارسة تخفيض أعداد الحرائق في البرتغال إلى النصف بين عامي 2017 و2018. وفي مواجهة الفيضانات وتقليل مخاطر الجفاف، يجري تأهيل المدن لتصبح «إسفنجية» تمتص فائض الهطولات المطرية لتستفيد منها في أشدّ أوقات الحاجة لها. ومن أجل ذلك، يجري إحياء المجاري المائية القديمة داخل المدن وإعادة تشكيل الأراضي الرطبة التي دمّرها التوسّع الحضري السريع. وتستطيع المدن الإسفنجية في مرحلة متقدمة الاستفادة من شبكتها المائية في معالجة المنصرفات وتخليصها بيولوجياً من الملوّثات التي تحملها.

وفيما تضع العديد من الدول خططاً لنقل مدنها بعيداً عن السواحل لتفادي الفيضانات الناتجة عن العواصف وارتفاع منسوب مياه البحر، يُتيح بناء الحواجز الطبيعية كالشعاب المرجانية وغابات المانغروف زيادة فرص هذه المدن في النجاة من الكوارث المناخية، وتوفير الظروف المناسبة لزيادة التنوُّع البيولوجي وتعزيز عوائد الصيد والسياحة.

تحت وطأة تغيُّر المناخ وظاهرة «النينيو»، تجاوزت الحرارة في هذا الصيف عتبة 1.5 درجة مئوية فوق متوسط ما قبل الثورة الصناعية، فكانت هذه الفترة بمثابة لمحة عما سيصادفه البشر في حال استمرار احترار الكوكب. وفيما لم ينج أحد تقريباً على وجه الأرض من تأثير ظاهرة الاحتباس الحراري خلال الأشهر الثلاثة الماضية، لا يزال الأمل معقوداً على الجهد الدولي المشترك لاتخاذ خطوات سريعة ومؤثرة من أجل ضمان مستقبل الأجيال القادمة.

ما الذي يعزز الكوارث المناخية؟

اهتمت المجلات الصادرة في مطلع سبتمبر (أيلول) بأحوال الطقس القاسية التي طالت العالم، وربطتها بتغيُّر المناخ. مجلة «ساينس» خصصت سلسلة مقالات لحرائق الغابات، لا سيما في هاواي حيث يساهم تغيير النظم البيئية في زيادة مخاطرها. وسلّطت مجلة «بيجينغ ريفيو» الضوء على ضعف التخطيط الحضري في الصين، والذي فاقم ضرر الفيضانات الأخيرة في العاصمة. فيما دعت مجلة «نيو ساينتست» إلى تجنب المبالغة في اعتبار أحوال الطقس القاسية في السنة الحالية نهاية العالم.

تغيير النظم البيئية في هاواي يضاعف مخاطر الحرائق

في سلسلة من المقالات، تناولت مجلة «ساينس» (Science) ظاهرة الحرائق الواسعة التي اجتاحت مدينة لاهاينا التاريخية والغابات الجافة على جزيرة ماوي في ولاية هاواي الأميركية.

واعتبر مقال افتتاحي أن الحريق الذي التهم لاهاينا هو تذكير محزن وصارخ بالضغوط البيئية التي تتعرض لها جزر هاواي بسبب الإفراط في التنمية والسياحة. ومع خروج ماوي من تحت الرماد، ترى المجلة وجود فرصة لتحسين إدارة الموائل عبر عمليات مستدامة وعادلة تحافظ على الجمال الطبيعي لهاواي، وتضمن اقتصاداً أخضر أقل تدميراً، يركّز على السياحة البيئية وعدم تهميش السكان الأصليين. وكانت حرائق ماوي في صيف هذه السنة أدّت إلى وفاة أكثر من 100 شخص، وخسائر اقتصادية تقدر بمليارات الدولارات. وألحقت الحرائق أضراراً بالغة بالبنية التحتية والمرافق السياحية في لاهاينا، مما أدى إلى فقدان الكثير من الوظائف والإيرادات.

ويرى باحثون في اجتماع عدة عوامل الوصفة المثالية التي أدّت إلى حصول الكارثة، من بينها حالة الجفاف التي تعاني منها ماوي منذ عدة سنوات، والرياح العاصفة التي هبّت على الجزيرة وعزّزها إعصار «دورا» الذي اجتاح جنوب غربي أرخبيل هاواي. كما يربط باحثون بين تغيير النظم البيئية وزيادة مخاطر حرائق الغابات في ماوي، لا سيما تحت وطأة الجفاف الناتج عن تغيُّر المناخ. ويشير دان روبينوف، عالِم الأحياء في جامعة هاواي، إلى دور الاستعمار الأوروبي لهاواي منذ قرنين في تسريع وتيرة إدخال الأنواع الغازية التي لم تتراجع أعدادها منذ ذلك الحين. وتشمل هذه الأنواع أعشاباً قادرة على التكيُّف مع الحرائق، فهي تنمو بسرعة، وتلعب دور الوقود في انتشار النار، وتعاوِد النمو سريعاً في أعقاب حرائق الغابات، مما يجعلها مزاحمةً للأنواع المحلية.

ويقول باحثون إن أحد الأسباب التي تزيد من انتشار هذه الأعشاب الأجنبية في ماوي هو استهلاك النباتات المحلية بشراهة من الماعز الوحشي والحيوانات البرية الأخرى. وتُشكّل الأنواع الغازية عائقاً أمام إعادة إنشاء الغابات المحلّية التي يعتقد العلماء أنها ضرورية لصحة البيئة وقدرتها على مقاومة الحرائق في ماوي.

فيضانات الصين تكشف ضعف التخطيط الحضري

حذّرت مجلة «بيجينغ ريفيو» (Beijing Review) من أن الصين تواجه «عصراً جديداً من التغيُّر المناخي»، حيث أصبحت الأحداث المناخية الكارثية أكثر تواتراً وشدّة. وأشار مقالها الافتتاحي إلى أن الفيضانات الأخيرة التي غمرت بكين ومدنا أخرى في شمال الصين، والتي تسببت في أضرار واسعة النطاق ووفاة العشرات، هي مِثال على هذا الاتجاه. ورغم الجهود التي تبذلها الصين لتعزيز بناء القدرات في مجال مراقبة الكوارث والإنذار المبكر والاستجابة لحالات الطوارئ، دعت المجلة إلى المضي قدماً في تعزيز القدرات على الاستجابة للصدمات المناخية. واقترحت، على سبيل المثال، بناء «مدن إسفنجية» مصممة لامتصاص مياه الأمطار والتعامل على نحو أفضل مع إدارة الفيضانات.

وخلصت المجلة إلى ضرورة أن تكون المجتمعات البشرية مستعدة لمواجهة الظواهر الجوية القاسية، علماً بأن التكيُّف لا يمكن تحقيقه بواسطة دولة واحدة أو عدة بلدان بل يتطلب جهداً دولياً مشتركاً. وإذا فشلت الجهود في التعامل كجبهة واحدة مع تغيُّر المناخ والتكيُّف معه، فقد تتسبب الطبيعة في مزيد من الكوارث.

وفي مقال منفصل، نقلت المجلة عن رئيس المركز الوطني الصيني للمناخ، تشاو تشينغ تشن، قوله إن هطولات الأمطار الغزيرة للغاية أصبحت أكثر تواتراً منذ بداية القرن. ورغم أن الكمية الإجمالية للهطولات المطرية في الصين لم تتغيّر بشكل ملحوظ، فإن حالات الهطول الغزيرة ارتفعت في مقابل تناقص حالات الهطول الخفيفة. ويشير تشاو إلى أن شمال الصين هو جاف تاريخياً حيث لا تستطيع البنية التحتية التعامل مع هطولات الأمطار الغزيرة.

وفي السنوات الأخيرة، حدثت زيادة في ميل الأعاصير إلى التحرك شمالاً، وارتفعت بالتالي فرص هطول أمطار غزيرة في الشمال. ولم يواكب التوسع الحضري السريع عملية تجديد وبناء أنظمة صرف فعّالة في التعامل مع الهطولات الغزيرة. ويشير لي شياو جيانغ، الرئيس السابق للأكاديمية الصينية للتخطيط والتصميم الحضري، إلى أن العديد من المدن أهملت الاستثمار في الوقاية من الكوارث والحدّ منها لصالح الشوارع الواسعة والساحات الكبيرة والمباني الشاهقة.

وفي هذا السياق، قامت بعض المدن ببناء أحياء جديدة في المناطق المنخفضة، أو غيرها من المناطق المعرضة للكوارث الطبيعية، دون إيلاء اهتمام يذكر لمخاطر الكوارث في تخطيط التوسع.

أحوال الطقس الحالية ليست نهاية العالم

في عدد خصصته للأحوال الجوية المتطرِّفة، ناقشت «نيو ساينتست» (New Scientist) القلق المتزايد بين الناس حول قدرة العالم على مواجهة تغيُّر المناخ، وفيما إذا كان الكوكب قد تجاوز بالفعل نقطة اللاعودة. ويتوقع باحثون أن يكون عام 2024 أكثر دفئاً من السنة الحالية مع وصول ظاهرة «النينيو» إلى ذروتها، وهذا يعني أن مزيداً من الناس سيختبرون آثار تغيُّر المناخ بشكل مباشر، مما سيرفعه إلى أعلى قائمة اهتماماتهم. وتجاوزت سنة 2023 مسألة إدراك معظم الناس لحقيقة تغيُّر المناخ إلى تفكيك الحاجز النفسي حول تأثيره المباشر عليهم. ففي هذه السنة، عانى أغلب البشر حول العالم من حرائق الغابات المدمّرة، أو درجات الحرارة القياسية، أو الفيضانات العنيفة.

ويساعد تركيز انتباه الجمهور على هذه الظواهر الجوية القاسية في تحفيز المشاركة على نطاق واسع في مواجهة أزمة المناخ، وإقناع من هم في السلطة باتخاذ إجراءات صارمة لخفض الانبعاثات، ولكن هذا النهج ينطوي أيضاً على بعض المخاطر. فمع تقلُّص ظاهرة «النينيو» ستعود أنماط الطقس إلى ما يُشبه الوضع «الطبيعي»، وقد يؤدي ذلك إلى تراجع الاهتمام العام بالمسائل المناخية خلال منتصف عشرينات القرن الحالي، في الوقت الذي يؤكد فيه العِلم على ضرورة مضاعفة جهود خفض الانبعاثات في هذه الفترة بالذات. إن المبالغة في تفسير دور ظاهرة «النينيو» باعتبارها الوضع الطبيعي الجديد يقوّض سلامة علوم المناخ، ويمنح الذرائع لأولئك الذين يزعمون بعدم جدوى فعل شيء لمواجهة تغيُّر المناخ. والفكرة الخاطئة التي تعتبر أنه لا يوجد شيء يمكننا القيام به تمثّل تهديداً كبيراً يماثل إنكار تغيُّر المناخ.


مقالات ذات صلة

تطبيق يسبق الخطر ويُنقذ أغنام منغوليا من الهلاك

يوميات الشرق في اتساع السهول... عين لا تغفل عن القطيع (أ.ف.ب)

تطبيق يسبق الخطر ويُنقذ أغنام منغوليا من الهلاك

تتأثّر منغوليا، بمساحتها الشاسعة وكثافتها السكانية المنخفضة، على نحو غير متناسب بالتغيّرات المناخية...

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا طفل يعاني من سوء التغذية يتلقى العلاج في مستشفى بنادر في العاصمة الصومالية مقديشو يوم 14 مايو 2025 (أ.ب)

مرصد عالمي: آلاف نازحي الصومال قد يواجهون الجوع بنهاية العام

يواجه ملايين الصوماليين انعداماً حاداً للأمن الغذائي، وسط مخاوف من مجاعة بين نازحي بيدوة، مع تفاقم الجفاف والصراع ونقص المساعدات.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
بيئة شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 % من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030

«الشرق الأوسط» (باريس)
علوم هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟

هل تفوّق الذكاء الاصطناعي على التغير المناخي في تهديد البشرية بالفناء؟

التهديد الوجودي الذي يمثله التغير المناخي ليس افتراضياً... إنه يقتل الناس بالفعل في الوقت الراهن.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقرها بنيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)

غوتيريش يدعو أميركا والصين لبدء حوار بشأن الذكاء الاصطناعي

دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الثلاثاء، الولايات المتحدة والصين إلى بدء حوار بشأن مستقبل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
TT

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 في المائة من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030.

وتأتي نتائج هذه الدراسة قُبيل عقد قمة في أرمينيا حول التقدم المحرز في أهداف حماية التنوع البيولوجي، لتُضاف إلى تقييم مماثل أجرته الأمم المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحددت 200 دولة هدف «30 في 30»، أي حماية 30 في المائة من الأراضي بحلول عام 2030، في اتفاق أُبرم عام 2022، وأطلق بشكل غير رسمي «اتفاق باريس للطبيعة».

لكنّ تقريراً أعدته منظمتا «حملة من أجل الطبيعة» (Campaign for Nature)، و«معاً من أجل المحيط» (Together for the Ocean) أظهر أن الإجراءات لم تكن على قدر الالتزامات.

وقال مدير منظمة «حملة من أجل الطبيعة» براين أودونيل للصحافيين: «أظهرت الحكومات بالفعل أن تحقيق تقدّم سريع أمر ممكن، لكن العالم بعيد عن المسار الذي يضمن بلوغ نسبة 30 في المائة».

وأضاف التقرير أن وفاء الحكومات بجميع تعهداتها يمكن أن يرفع نسبة الأراضي والمياه المصنفة كمناطق محمية إلى 27 في المائة بحلول عام 2030.

غير أن نسبة المساحات البحرية المحمية قد لا تتجاوز 12 في المائة بحلول نهاية العقد.

وكانت اتفاقية التنوع البيولوجي، وهي المعاهدة الأممية المشرفة على الأهداف العالمية الخاصة بالطبيعة، حذرت أيضا الشهر الماضي من أن الدول لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

منظر جوي لغابات في الغابون (رويترز)

ويُعد نقص التمويل من أكبر العقبات أمام تحقيق الهدف.

وفيما تقدّر الحاجة بما بين 100 مليار دولار و180 ملياراً سنويا حتى عام 2030، لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً 24 مليار دولار.

وقال التقرير إن «الفجوة تبدو أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالمحيطات، إذ تقتضي الحاجة إنفاق نحو 16 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي حالياً ملياراً و800 مليون دولار».

ويتعيّن توجيه جزء كبير من هذا التمويل إلى البلدان النامية التي تضم بعضاً من أغنى النظم البيئية في العالم، لكنها تفتقر إلى الوسائل الكافية لحمايتها.

وقال أودونيل إن على الحكومات تخصيص موارد أكبر من موازناتها، كما يمكنها سن تشريعات تُلزم الصناعات الملوثة، مثل شركات الوقود الأحفوري والتعدين، بالمساهمة في تمويل جهود الحفظ.

وأضاف: «هذه الشركات لن تقوم بذلك طوعاً».

ورأى أن هدف «30 في 30»، ما زال ممكن التحقيق، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة على قدر «التحديات الكبيرة».

وستكون قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، التي تنطلق في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، أول مناسبة تناقش فيها الدول فجوة التقدم المحرز وسبل إعادة أهداف الاتفاق إلى مسارها الصحيح.


ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
TT

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

قال باحثون في مختبر تأثيرات المناخ، التابع لجامعة شيكاغو، اليوم الأربعاء، إن الحرارة المفرطة الناجمة عن ظاهرة النينيو «الخارقة»، هذا العام، قد تؤدي إلى ما يصل إلى 451 ألف حالة وفاة إضافية حول العالم، خلال ستة أشهر حتى فبراير (شباط) 2027.

وذكر المختبر، في تقرير، أنه من المرجح ارتفاع عدد الأيام شديدة الحرارة بنسبة 44 في المائة، مقارنة بالسنوات العادية، وقال إن الدول التي مِن المرجح أن تعاني أكبر عدد من الوفيات الإضافية المرتبطة بالحرارة، في الفترة من سبتمبر (أيلول) 2026 إلى فبراير 2027 هي نيجيريا بواقع 31400 وفاة، تليها إندونيسيا بنحو 19300وفاة، ثم السودان بواقع 17600 وفاة.

تؤدي «النينيو» إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار (أ.ف.ب)

ومن المرجح أن تتسبب موجة الحر في منطقة الساحل الأفريقي، التي تضم النيجر وتشاد بالإضافة إلى نيجيريا والسودان، في 66800 وفاة إضافية، خلال فترة الأشهر الستة.

ويتوقع الباحثون أن تشهد الفلبين وفيتنام وتايلاند وكمبوديا مجتمعةً 19400 وفاة إضافية.

وقد يرتفع عدد الوفيات الزائدة أكثر من ذلك إذا امتدت ظاهرة «النينيو» إلى عام 2027، حيث ستكون المناطق الرئيسية في نصف الكرة الشمالي، ومِن بينها الهند وباكستان، معرَّضة جداً للخطر خلال شهور الصيف.

ووصف المختبر ظاهرة النينيو، هذا العام، بأنها «رسالة من المستقبل» تُبلّغنا بدرجات الحرارة التي ستصبح طبيعية في غضون بضعة عقود فقط.

وأشار المختبر إلى أن جهود الاستجابة للطوارئ يجب أن تُوجَّه إلى المناطق ذات الأولوية القصوى؛ للحد من الوفيات المرتبطة بالحرارة خلال الشهور المقبلة.

وقال مايكل جرينستون، الخبير الاقتصادي بجامعة شيكاغو والمؤسس المشارك للمختبر: «يتيح هذا التقرير لصانعي القرار تحديد الأماكن التي يمكن اتخاذ إجراءات طارئة، الآن، فيها لإنقاذ عشرات الآلاف من الأرواح في الشهور المقبلة».


الأمم المتحدة تَصِف ظاهرة «إل نينيو» بأنها «تهديد كبير» للصحة

لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة تَصِف ظاهرة «إل نينيو» بأنها «تهديد كبير» للصحة

لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)

نبّهت الأمم المتحدة، الثلاثاء، إلى عواقب ظاهرة «إل نينيو» الكثيرة على الصحة، مشددة على أن هذا الحدث المناخي الطبيعي يشكّل «تهديداً كبيراً»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضحت منظمة الصحة العالمية أن من بين المخاطر الصحية التي قد تنجم عن هذه الظاهرة، موجات حرّ شديدة قد تُفاقم بعض الأمراض، ورداءة في نوعية الهواء بسبب الحرائق خصوصاً، فضلاً عن تأزُّم سوء التغذية والكوليرا بفعل الجفاف والفيضانات.

وقد تؤدي «إل نينيو» أيضاً إلى زيادة انتشار الأمراض المنقولة عبر البعوض، كالملاريا وحمى الضنك والشيكونغونيا، نظراً إلى أن هذه الظاهرة المناخية تهيئ الظروف لأمطار غزيرة وفيضانات.

وقالت مديرة وحدة الحد من المخاطر والعمليات الإنسانية، وتغيّر المناخ في منظمة الصحة العالمية تيريزا زكريا خلال مؤتمر صحافي في جنيف، إن «من الممكن توقُّع العواقب الصحية لظاهرة إل نينيو، وثمة فرصة تالياً لكي نتحرّك الآن، قبل أن تتحوّل هذه المخاطر إلى أزمة».

وأضافت: «ندعو الحكومات والشركاء والمجتمعات إلى الاستثمار من دون إبطاء، والاستعداد واتخاذ تدابير استباقية، من أجل إنقاذ الأرواح، والحفاظ على خدمات الرعاية الصحية».

وتدعو منظمة الصحة العالمية الدول إلى تحسين جهوزية أنظمتها الصحية، وتعزيز قدرتها على رصد الأمراض، وضمان استمرارية الرعاية، وتوفير مخزونات من المعدات الطبية في المناطق الأكثر عرضة للمخاطر.

وسبق أن أدّت موجة «إل نينيو» الحالية التي قد تصبح الأشد عنفاً على الإطلاق، إلى ظروف مناخية حادة في مختلف أنحاء العالم.

ورأت زكريا أن هذه الظاهرة تشكّل «تهديداً كبيراً للصحة العامة».

وتوقعت «رَصْدَ عواقب صحية في مختلف أنحاء العالم»، ورأت أن أشد هذه العواقب ستُسجَّل حيث «تتقاطع الصدمات المناخية مع هشاشة الأنظمة الصحية، وضعف فرص الحصول إلى الرعاية، وانعدام الأمن الغذائي، ونزوح السكان والأزمات الإنسانية».

وكانت منظمة الأرصاد الجوية العالمية التابعة للأمم المتحدة نبّهت في مطلع سبتمبر (أيلول) من أن موجة «إل نينيو» الحالية قد تكون «الأقوى» تُسجّل منذ بدء قياس هذه الظاهرة المناخية قبل 4 عقود، ومن المقرر أن تصدر نشرتها المقبلة في شأنها في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأوضح المستشار في المكتب المشترك بين المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ومنظمة الصحة العالمية أرمل كاستيلان للصحافيين، أن تأثيراتها يُتوقع أن تزداد حدّة، وأن تستمر تداعياتها إلى ما بعد ذروتها المتوقعة في نهاية السنة.

ومن شأن اجتماع «إل نينيو» مع عواقب تغيّر المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية تعزيز وتيرة الظواهر الجوية القصوى وحدتها.

ولاحظ كاستيلان أن «تأثيرها يتزامن مع درجات حرارة مرجعية مرتفعة جداً أصلاً على مستوى العالم، وهي تالياً ضربة مزدوجة، والواقع مختلف وغير مسبوق بالمقارنة مع ما حدث عام 2015، آخر مرة بلغت فيها الانحرافات في درجات حرارة سطح البحر المرتبطة بـ(إل نينيو) مستويات مرتفعة إلى هذا الحد».

وتسعى المنظمة العالمية للأرصاد الجوية مع شركائها تحسباً لظاهرة «إل نينيو» إلى تحسين التنسيق بين خبراء الأرصاد الجوية والسلطات الصحية، بحيث تحصل هذه السلطات على توقعات الطقس في الوقت المناسب وبصيغة قابلة للاستخدام مباشرة.