فريق بايدن يقلل من أهمية «تحقيق العزل» ويعدّه مسيّساً

الجمهوريون لم يقدموا أي مذكرات استدعاء أو مواد مساءلة جديدة

بايدن لدى إلقائه خطاباً حول الاقتصاد الأميركي في ماريلاند (أ.ب)
بايدن لدى إلقائه خطاباً حول الاقتصاد الأميركي في ماريلاند (أ.ب)
TT

فريق بايدن يقلل من أهمية «تحقيق العزل» ويعدّه مسيّساً

بايدن لدى إلقائه خطاباً حول الاقتصاد الأميركي في ماريلاند (أ.ب)
بايدن لدى إلقائه خطاباً حول الاقتصاد الأميركي في ماريلاند (أ.ب)

فاقمت لائحة اتهام جنائية صدرت بحق هانتر بايدن على خلفية حيازته سلاحاً بطريقة غير قانونية، من حجم الاتهامات الموجّهة لوالده الرئيس جو بايدن بشأن استغلاله منصبه لدعم أعمال نجله التجارية في الخارج.

وفي مواجهة التحقيق الذي أطلقه جمهوريون في مجلس النواب تمهيداً لإجراءات عزل بايدن، يتّبع البيت الأبيض استراتيجية «الهجوم السياسي المضاد»، للرد على ما يسميه مسؤولوه «تحقيقاً سياسياً»، أطلقه «يمينيون متطرفون» من الحزب الجمهوري. واختار فريق الدفاع عن بايدن، مواجهة هذا «التهديد اليميني» من خلال إقناع الأميركيين بأن القضية ليست أكثر من مجرد «اتهامات مسيّسة» تقودها «معارضة متطرّفة» فرضت هيمنتها على الحزب الجمهوري.

معركة رأي عام

بعد يوم من إعلان رئيس مجلس النواب، كيفن مكارثي إطلاق التحقيق بهدف عزل بايدن، اتّخذ البيت الأبيض وحلفاؤه موقف الهجوم، حيث رفضوا يوم الأربعاء، الاتهامات الموجهة ضد الرئيس، ووصفوها بأنها «لا أساس لها»، و«مفضوحة»، وهاجموا المحققين «لتشويههم الأدلة». وبحسب أوساط البيت الأبيض، فإن الحملة ليست أكثر من عملية «تحريض سياسي»، بدليل أنه على الرغم من مضي أيام عدة على فتح التحقيق، لم يتقدم الجمهوريون في مجلس النواب بأي طلبات جديدة للحصول على وثائق، ولم يصدروا أي مذكرات استدعاء جديدة، ولم يطالبوا بشهادات جديدة ولم يطرحوا أي مواد محتملة للعزل. ويتابع المقربون من البيت الأبيض، أنه «بدلاً من ذلك، كثّف مسؤولون جمهوريون حضورهم الإعلامي ومقابلاتهم لوصف بايدن بالكذب والاحتيال»، الأمر الذي قرر المدافعون عنه اعتماده أيضاً للرد على تلك الاتهامات.

كيفن مكارثي مخاطباً الصحافيين في الكونغرس الخميس (إ.ب.أ)

وقال إيان سامز، مستشار البيت الأبيض الذي يقود حملة الاتصالات: «نحن نخوض معركة أمام محكمة الرأي العام في هذه المرحلة، لأن كل ما فعله مكارثي، هو التمهيد لمسرح العزل». وفي حدث انتخابي أقامه الرئيس بايدن في ولاية فيرجينيا مساء الأربعاء، قال بايدن إن «الجمهوريين كانوا يضغطون من أجل إجراء تحقيق في قضية العزل منذ بداية إدارته». وأضاف: «لا أعرف السبب بالضبط، لكنهم كانوا يعلمون أنهم يريدون عزلي. والآن، أفضل ما يمكنني قوله هو أنهم يريدون عزلي لأنهم يريدون إغلاق الحكومة». وأضاف: «أنا لا أمزح، أستيقظ كل يوم، ولا أركز على الإقالة. لدي عمل لأقوم به».

ويشدد أنصار بايدن على أن التحقيق الجمهوري لم يقدم حتى الآن دليلاً ملموساً على جريمة ارتكبها الرئيس، كما اعترف بذلك، حتى بعض الجمهوريين. وبحسب صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن المهمة الآن بالنسبة لفريق بايدن تتمثل في تشويه سمعة التحقيق بقضية العزل، لدى الناخبين المستقلين والديمقراطيين المتشككين. وهي استراتيجية استخدمها في الماضي رؤساء آخرون استهدفوا بالعزل، مثل بيل كلينتون ودونالد ترمب.

دور ترمب

يتهم فريق الدفاع عن بايدن، الجمهوريين، بأنهم يتحدثون عن التحقيقات بعبارات سياسية واضحة. وأشاروا إلى أن الرئيس السابق ترمب، دفع الجمهوريين بشكل صارخ إلى عزل بايدن، لأنهم «فعلوا بنا ذلك»، كما كتب على وسائل التواصل الاجتماعي. وأشاروا أيضاً إلى تصريحات النائبة اليمينية مارجوري تايلور غرين، وهي من بين الذين دفعوا مكارثي لفتح التحقيق، قالت فيها إن الخطوة جاءت بناء على طلب ترمب، وإن الهدف كان الإضرار ببايدن. وأوضحت غرين أنها أخبرت ترمب خلال حفل عشاء يوم الأحد الماضي، بناديه الخاص في بيدمينستر بولاية نيوجيرسي، أنها تأمل في إجراء تحقيق «طويل ومؤلم للغاية لجو بايدن».

ترمب يخاطب أنصاره في تجمع انتخابي بساوث داكوتا (رويترز)

وتدعو استراتيجية البيت الأبيض الرئيس إلى التركيز على القضايا السياسية، مع ترك المعركة مع الجمهوريين لموظفيه، وكذلك تسليط الضوء على التناقض بين الرئيس وخصومه. وقالت كارين جان بيير، المتحدثة باسم البيت الأبيض، للصحافيين: «نعتقد أنهم يجب أن يعملوا معنا بشأن القضايا المشروعة، الأشياء التي تهم الشعب الأميركي بالفعل».

انقسام على أساس حزبي

وتظهر استطلاعات الرأي انقسام الأميركيين حول مساعي عزل الرئيس. وبحسب استطلاع أجرته «رويترز - إبسوس»، نشر قبل توجيه أول لائحة اتهام جنائية بحق ابن رئيس في منصبه، أيد نحو 41 في المائة شروع الكونغرس في تحقيق قد يفضي لمساءلة بايدن بغرض عزله. في المقابل، عارض فتح التحقيق 35 في المائة، وقال 24 في المائة إنهم لم يحسموا أمرهم. وأظهر الاستطلاع انقساماً حزبياً حاداً، حيث أيد التحقيق 18 في المائة فقط من الديمقراطيين مقابل 71 في المائة من الجمهوريين، فيما عارضه 63 في المائة من الديمقراطيين و14 في المائة من الجمهوريين.

الرئيس جو بايدن مع ابنه هانتر في واشنطن يونيو الماضي (أ.ب)

كما أظهر استطلاع آخر لمؤسسة «يوغوف» أن 28 في المائة فقط من البالغين الأميركيين يعتقدون أن التحقيق محاولة جادة لمعرفة الحقيقة، مقابل 41 في المائة يعتقدون أنه محاولة ذات دوافع سياسية لإحراج بايدن. ويعتقد 16 في المائة أن الدافع وراء كليهما متساوٍ. وإجمالاً، أيد 45 في المائة فتح التحقيق بينما عارضه 40 في المائة، وذلك على أساس حزبي إلى حد كبير.

ويعكس ذلك تغيراً في سياسة المساءلة على مدى نصف قرن منذ استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون في عام 1974، بدلاً من مواجهة عزل شبه مؤكد في مجلس النواب والإدانة المحتملة في مجلس الشيوخ. في ذلك الوقت، كان الديمقراطيون الذين يقودون التحقيق في مجلس النواب يهدفون إلى كسب تأييد الجمهوريين لجعله جهداً مشتركاً بين الحزبين من شأنه أن يحظى بتأييد الرأي العام، وقد نجحوا في استمالة عدد كبير من حزب الرئيس نفسه.

وتكرر الأمر جزئياً مع بيل كلينتون، عندما فتح الجمهوريون تحقيقاً لعزله، حيث تمكنوا من استمالة 31 نائباً ديمقراطياً، على الرغم من أن 5 فقط صوتوا في نهاية المطاف لصالح عزله الذي فشل. غير أن محاولة الديمقراطيين عزل ترمب في المرة الأولى، على خلفية ضغوطه على أوكرانيا لفتح تحقيق ضد بايدن، فشلت في الحصول على تأييد أي جمهوري. لكن محاولة عزله على خلفية الهجوم على الكابيتول في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، استقطبت 10 أصوات جمهورية لأنها عدت هجوماً على مقر الديمقراطية الأميركية.

واليوم لا يعتقد أن أي ديمقراطي قد يكون مستعداً للتصويت لصالح عزل الرئيس في قضية «ليس هناك ما يبررها»، حتى بحسب كثير من الجمهوريين في مجلسي الشيوخ والنواب. وهو ما يفسر على الأقل لجوء رئيس مجلس النواب مكارثي إلى الإعلان عن إطلاق التحقيق، بسبب سلطته الخاصة، وليس من قبل لجنة الرقابة في مجلس النواب، ما يشير إلى أن مكارثي فشل في حشد دعم الأغلبية بمجلس النواب.


مقالات ذات صلة

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

الولايات المتحدة​ باراك أوباما مع ترمب خلال جنازة الرئيس جيمي كارتر (أ.ف.ب)

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

نقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات اتخذها سلفه باراك أوباما عام 2009 كأساس لجهود الولايات المتحدة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

علي بردى (واشنطن)
يوميات الشرق بيل ستيفنسون طليق السيدة الأميركية السابقة جيل بايدن (شرطة مقاطعة نيو كاسل- فيسبوك)

في قضية وفاة زوجته... توجيه تهمة القتل إلى طليق جيل بايدن

أعلنت السلطات الأميركية توجيه تهمة القتل العمد إلى طليق السيدة الأولى الأميركية السابقة جيل بايدن، على خلفية وفاة زوجته عقب شجار عائلي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي منازل فلسطينية متضررة بشدة خلال العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة في بيت لاهيا شمال القطاع 18 ديسمبر 2024 (رويترز) p-circle

سفارة أميركا لدى إسرائيل عرقلت رسائل حذّرت من «أرض خراب كارثية» في غزة

حذّر موظفو الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في أوائل 2024 المسؤولين الكبار في إدارة الرئيس السابق جو بايدن من أن شمال غزة مهدد بالتحول إلى أرض خراب كارثية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بايدن ونتنياهو خلال زيارة الرئيس الأميركي لتل أبيب في 18 أكتوبر 2023 (أ.ب) p-circle

«نكران الجميل» عند نتنياهو يصدم بايدن ورجاله

أراد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإطراء لنفسه والنفاق للرئيس الأميركي دونالد ترمب، فوجد نفسه يدخل في صدام مع مستشاري الرئيس السابق جو بايدن.

نظير مجلي (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات الجوية الأميركية الجنرال دان كين يشرح نتائج الضربات على المنشآت الإيرانية خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 26 يونيو الماضي (أ.ف.ب)

ترمب نفّذ ضربات في عامه الأول تعادل ما نفذه بايدن في كامل ولايته

مجموع الضربات التي نفّذت منذ تولي ترمب ولايته الثانية في 20 يناير (كانون الثاني) 2025، إلى 672 ضربة جوية أو بطائرات مسيرة مقارنة بـ694 خلال كامل ولاية جو بايدن.

«الشرق الأوسط» (باريس)

إدانة حارس سجن سابق في نيويورك بالقتل غير العمد بعد ضرب نزيل حتى الموت

تعرض نانتوي للضرب عشرات المرات على يد الحراس الذين استخدموا قبضات أيديهم وأحذيتهم وهراواتهم (أرشيفية - رويترز)
تعرض نانتوي للضرب عشرات المرات على يد الحراس الذين استخدموا قبضات أيديهم وأحذيتهم وهراواتهم (أرشيفية - رويترز)
TT

إدانة حارس سجن سابق في نيويورك بالقتل غير العمد بعد ضرب نزيل حتى الموت

تعرض نانتوي للضرب عشرات المرات على يد الحراس الذين استخدموا قبضات أيديهم وأحذيتهم وهراواتهم (أرشيفية - رويترز)
تعرض نانتوي للضرب عشرات المرات على يد الحراس الذين استخدموا قبضات أيديهم وأحذيتهم وهراواتهم (أرشيفية - رويترز)

أدين ضابط سجون، اليوم الأربعاء، بتهمة القتل غير العمد في واقعة ضرب أفضى إلى الموت لنزيل بمركز ميد ستيت الإصلاحي شمال ولاية نيويورك.

كما أدانت هيئة المحلفين في مدينة يوتيكا المتهم جونا ليفي بالاعتداء الجماعي والتآمر في قضية وفاة النزيل مسيح نانتوي في الأول من مارس (آذار) 2025، وما تبع ذلك من محاولات للتستر على الجريمة، بينما برأته الهيئة من تهمة القتل العمد من الدرجة الثانية.

ويعد ليفي أول حارس يمثل للمحاكمة في قضية وفاة نانتوي.

وكان نانتوي (22 عاماً) قد تعرض للضرب عشرات المرات على يد الحراس الذين استخدموا قبضات أيديهم وأحذيتهم وهراواتهم.

ووفقاً للادعاء العام، فارق نانتوي الحياة نتيجة صدمة شديدة في الرأس وإصابات أخرى متفرقة في جسده جراء الاعتداء.


المحكمة العليا الأميركية أمام اختبار دستوري تاريخي

تجمّع متظاهرون دعماً لحق المواطنة بالولادة خارج المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن اليوم (أ.ف.ب)
تجمّع متظاهرون دعماً لحق المواطنة بالولادة خارج المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن اليوم (أ.ف.ب)
TT

المحكمة العليا الأميركية أمام اختبار دستوري تاريخي

تجمّع متظاهرون دعماً لحق المواطنة بالولادة خارج المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن اليوم (أ.ف.ب)
تجمّع متظاهرون دعماً لحق المواطنة بالولادة خارج المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن اليوم (أ.ف.ب)

في سابقة تاريخية نادرة، حضر الرئيس دونالد ترمب شخصياً جلسة المرافعات الشفوية أمام المحكمة العليا الأميركية صباح الأربعاء في القضية المعروفة بـ«ترمب ضد باربارا»، في سياق حرصه على الأمر التنفيذي الذي أصدره في 20 يناير (كانون الثاني) 2025؛ يوم توليه السلطة رسمياً، حيث يسعى إلى إعادة تفسير البند الأول من التعديل الرابع عشر للدستور، الذي يمنح «حق الجنسية بالولادة» لكل من يولد على الأراضي الأميركية.

مديرة اتحاد الحقوق المدنية سيسيليا وانغ مع المدير التنفيذي أنتونيو روميريو (أ.ف.ب)

وتمثل المرافعات لحظة فارقة في تاريخ أميركا الدستوري؛ فهل ستظل «الجنسية بالولادة» ركيزة للهوية الأميركية، أم أن التفسير الأصلي سيفتح الباب لإعادة رسم مفهوم «من هو أميركي»، مما يعني أن قرار المحكمة العليا قد يعيد تشكيل سياسات الهجرة لعقود قادمة، ويختبر قدرة المحكمة على الحفاظ على مصداقيتها وسط انقسام سياسي حاد.

وقد تجاوزت المرافعات مجرد مناقشة قانونية فنية، لتصبح مواجهة فلسفية عميقة بين التفسير الأصلي للدستور الذي تتبناه إدارة ترمب، وبين التمسك بالسوابق القضائية الراسخة التي تحمي النص الصريح للتعديل.

ومع أن المحكمة لم تصدر قرارها النهائي بعد، فإن الجلسة كشفت عن انقسامات عميقة بين القضاة التسعة، وأثارت شكوكاً جدية حول قوة الحجج التي قدمتها الإدارة، خاصة بعد هزيمة ترمب القضائية السابقة في قضية الرسوم الجمركية.

محتجون يرفعون يافطة «مولودون في أميركا - مواطنون» (رويترز)

جوهر الجدل

يعتمد الأمر التنفيذي الذي أصدره ترمب على تفسير التعديل الرابع عشر في الدستور، حيث يعتبر ترمب الأطفال المولودين لمهاجرين غير شرعيين أو زائرين مؤقتين لا يخضعون لـ«الاختصاص الكامل» للولايات المتحدة. ويدافع محامو الإدارة عن أن هذا التفسير يعيد «المعنى الأصلي» للتعديل الصادر بعد الحرب الأهلية لمنح الجنسية لأبناء فترة العبودية، وليس لأبناء «الأجانب غير الخاضعين للسيادة الأميركية»؛ مستعيناً بحكم قضائي عمره أكثر من 150 عاماً.

أما المدعون بقيادة الاتحاد الأميركي للحريات المدنية فيؤكدون أن هذا الأمر التنفيذي ينتهك سابقة حكم قضائي له 128 عاماً، وهو «الولايات المتحدة ضد وونغ كيم أرك» لعام 1898، الذي أكد الجنسية التلقائية بالولادة بغض النظر عن وضع الوالدين (باستثناء أبناء الدبلوماسيين).

اتجاهات القضاة التسعة

رغم أن المرافعات لم تنتهِ بعد، فإن أسئلة القضاة ومواقفهم السابقة تسمح برسم خريطة واضحة للاتجاهات المحتملة للحكم المتوقع صدوره في يوليو (تموز) المقبل؛ فالجناح المحافظ (6 قضاة) برئاسة جون روبرتس رئيس المحكمة يُعرف بتوازنه المؤسساتي، وغالباً ما يميل إلى الحفاظ على استقرار المحكمة وتجنب القرارات الراديكالية، وقد يكون «الصوت المتأرجح» الذي يخشى من تداعيات إلغاء سابقة عمرها قرن على ملايين المواطنين.

أما القاضي كلارنس توماس فيعد أبرز الداعين للتفسير الأصلي، حيث يرى في حجج الإدارة فرصة لتصحيح «خطأ تاريخي» ويُتوقع أن يدعمها بقوة. ويعرف عن القاضي صامويل أليتو أنه شخص محافظ صلب، أبدى في قضايا سابقة شكوكاً في التوسع في حقوق المهاجرين. ومن المرجح أن يصوت لصالح ترمب.

الفريق القانوني لاتحاد الحقوق المدنية أمام المحكمة العليا في واشنطن دي سي (رويترز)

أما القاضي نيل غورسوش فهو نصير التفسير النصي والأصلي، وسيكون من أقوى الداعمين لإعادة تفسير «الاختصاص». القاضي بريت كافانو يعد شخصاً محافظاً معتدلاً نسبياً، لكنه يولي أهمية كبيرة للاستقرار القانوني، وقد يتردد إذا شعر أن القرار سيؤدي إلى فوضى إدارية. أما القاضية إيمي كوني باريت فهي أستاذة قانون سابقة وصارمة، ومن المتوقع أن تدعم الرؤية الأصلية للتعديل الرابع عشر.

الجناح الليبرالي (3 قضاة): تتزعمه القاضية سونيا سوتومايور، وهي أكثر القضاة دفاعاً عن الحقوق المدنية. وصفت محاولات تقييد الجنسية سابقاً بأنها «انتهاك صارخ» للدستور. كما ركزت القاضية إيلينا كاغان على السياق التاريخي الواسع للتعديل. ومن المتوقع أن تقدم حججاً قانونية قوية ضد الأمر التنفيذي.

أما أحدث القضاة كيتانجي براون جاكسون التي عينها الرئيس السابق جو بايدن فهي ترى في النص الدستوري ضمانة للشمول، وستكون صوتاً معارضاً حاداً، ويُتوقع أن ينتهي الأمر بانقسام 6 - 3 أو 5 - 4 لصالح المحافظين، لكن صوت روبرتس قد يحدد ما إذا كان القرار سيكون واسع النطاق أم محدوداً.

مديرة اتحاد الحقوق المدنية سيسيليا وانغ مع المدير التنفيذي أنتونيو روميريو (رويترز)

ويخشى المحللون أن يؤدي أي قرار يؤيد ترمب إلى إلقاء ظلال على جنسية ملايين الأميركيين المولودين بعد 1898م، مما يفتح الباب أمام دعاوى قضائية جماعية وفوضى إدارية.

ومن المتوقع صدور القرار النهائي في أواخر يونيو (حزيران) أو أوائل يوليو 2026، مع نهاية الدورة القضائية الحالية. ويُعبّر مسؤولو الإدارة عن قلق حقيقي من أن يتحول هذا الملف إلى «هزيمة قضائية ثانية» بعد الحكم الذي أبطل سياسات ترمب الجمركية الواسعة في فبراير (شباط) الماضي. وكان ترمب قد هاجم المحكمة على منصة «تروث سوشيال» معتبراً الحكم السابق «يفتقر للولاء»، ويخشى أن تكرر المحكمة السيناريو ذاته في ملف الهجرة؛ الركيزة الأساسية لشعبيته.


بعد تهديده بالانسحاب من «الناتو»… هل يدعم القانون ترمب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

بعد تهديده بالانسحاب من «الناتو»… هل يدعم القانون ترمب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

أثار الرئيس الأميركي دونالد ترمب موجة من الجدل في واشنطن والعواصم الأوروبية بعد تصريحاته الأخيرة التي تشير إلى أنه يدرس بجدية سحب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، واصفاً إياه بـ«نمر من ورق» بعد فشله في دعم جهود واشنطن العسكرية في حربها ضد إيران، في خطوة قد تقلب موازين الحلف.

وقال ترمب، خلال المقابلة، إن الولايات المتحدة لم تحصل على الدعم الكافي من الحلفاء و«الناتو لم يكن هناك من أجلنا» في الأزمة الأخيرة، معتبراً أن خطوة الانسحاب لم تعد مجرد فرضية وإنما هي خيار جاد يدرس تنفيذه.

وتأسس حلف شمال الأطلسي عام 1949، ويضم حالياً 32 دولة. ويستند إلى ثلاثة مبادئ رئيسية: ردع التوسع السوفياتي سابقاً، ومنع عودة النزعات العسكرية القومية في أوروبا، وتعزيز التكامل السياسي الأوروبي.

وقد وقّعت الولايات المتحدة، إلى جانب عدد من الدول الأوروبية، معاهدة واشنطن في أبريل (نيسان) 1949، والتي لا تزال تشكّل أساس الحلف حتى اليوم.

كيف تفجر الخلاف بين ترمب و«الناتو»؟

الخلاف تفجّر أساساً بسبب الحرب على إيران، إذ عبّر ترمب عن غضبه من رفض دول أوروبية الانخراط في العمليات العسكرية أو دعمها لوجيستياً، بما في ذلك رفض استخدام القواعد العسكرية أو المجال الجوي. واعتبر أن الحلفاء «لم يكونوا إلى جانب الولايات المتحدة» عندما احتاجت إليهم، رغم ما وصفه بسجل طويل من الدعم الأميركي لأمن أوروبا.

ووفق تقرير لصحيفة «نيويورك بوست»، فإن إدارة ترمب ترى أن «الناتو» أصبح عبئاً غير متوازن، حيث تتحمل واشنطن الجزء الأكبر من الدفاع عن أوروبا من دون مقابل كافٍ.

وبرز هذا الخلاف بشكل حاد بعد رفض الحلفاء المشاركة في تأمين مضيق هرمز خلال الحرب، وهو ما اعتبره ترمب «اختبار ولاء» فشل فيه الحلف.

إلى جانب ذلك، فإن التوتر ليس جديداً، إذ تؤكد تقارير أميركية أن ترمب ينتقد الحلف منذ سنوات بسبب مسألة الإنفاق الدفاعي، معتبراً أن الدول الأوروبية لا تدفع ما يكفي مقابل الحماية الأميركية. ومع تصاعد الخلافات الحالية، تحوّل هذا الانتقاد إلى تشكيك أوسع في جدوى التحالف نفسه وإمكانية استمرار التزام الولايات المتحدة به، بحسب «واشنطن بوست».

هل يمكن لواشنطن الانسحاب من «الناتو»؟

لكن رغم تلويح ترمب بالانسحاب من الحلف، فإن ذلك يواجه قيوداً قانونية. إذ ينص «قانون تفويض الدفاع الوطني» لعام 2024 على منع أي رئيس من الانسحاب من «الناتو» من دون موافقة ثلثي مجلس الشيوخ أو إصدار قانون من الكونغرس، وفق تقرير نشرته مجلة «التايم».

إلا أن خبراء قانونيين أشاروا بحسب المجلة إلى أن هذه القيود ليست محكمة تماماً، إذ قد يحاول الرئيس الالتفاف عليها بالاستناد إلى صلاحياته في السياسة الخارجية.

ورأى خبراء أن ترمب قد يعتبر الانسحاب ضرورياً للأمن القومي، مستنداً إلى صلاحيات القائد الأعلى للقوات المسلحة. لكن ذلك قد يؤدي إلى مواجهة دستورية بين السلطة التنفيذية والكونغرس، وربما إلى نزاع قضائي.

كما أشار الخبراء إلى سوابق تاريخية، مثل انسحاب الرئيس جيمي كارتر من معاهدة دفاع مشترك مع تايوان، لكنهم أكدوا أن الوضع الحالي أكثر تعقيداً.

تداعيات محتملة على الحلف

بالمقابل، حذر محللون من أن مجرد طرح فكرة انسحاب الولايات المتحدة من «الناتو» يضر بالحلف، إذ يقوّض الثقة بين أعضائه ويضعف مبدأ الدفاع المشترك، كما قد يشجع خصوم الغرب ويؤثر على خطط الأمن الأوروبية، حتى لو لم يتم الانسحاب فعلياً، بحسب «التايم».

ويحذر خبراء من أن مجرد التلويح بالانسحاب يسبب بالفعل أضراراً ملموسة، إذ يضعف الثقة داخل التحالف ويخلق حالة من عدم اليقين في التخطيط العسكري الأوروبي، حتى من دون تنفيذ الخطوة فعلياً. ويرجّح كثير من المحللين أن النتيجة الأقرب على المدى القريب هي «ناتو أكثر أوروبية» مع استمرار التوتر مع واشنطن، بدلاً من انهيار كامل للحلف.

كذلك، تشير تقارير من وسائل إعلام أميركية ودولية مثل «رويترز» و«أسوشييتد برس» إلى أن أي انسحاب أميركي من «الناتو» سيُحدث صدمة استراتيجية عميقة للحلف، إذ تعتمد بنية التحالف بشكل كبير على القدرات العسكرية والقيادية للولايات المتحدة.

فواشنطن تمثّل العمود الفقري لقوة الردع داخل الحلف، خصوصاً في مواجهة روسيا، وأي انسحاب سيؤدي إلى إضعاف مبدأ «الدفاع المشترك» وتقويض الثقة بين الدول الأعضاء، وهو ما قد يحدّ من قدرة «الناتو» على الردع ويشجع خصوم الغرب على اختبار تماسكه.

التأثير لن يقتصر على «الناتو»

في المقابل، ترى تقارير أميركية أن التأثير لن يقتصر على «الناتو» فقط، بل سيطول الولايات المتحدة نفسها، إذ قد تفقد شبكة النفوذ العسكري الواسعة التي يوفرها الحلف، بما في ذلك القواعد العسكرية الأوروبية التي تتيح لها «إسقاط القوة» عالمياً بسرعة وتكلفة أقل. كما أن تراجع الالتزام الأميركي قد يدفع أوروبا إلى بناء منظومة دفاعية مستقلة، ما يعني تراجع الدور القيادي لواشنطن داخل النظام الأمني الغربي.