لودريان للخروج من ثنائية فرنجية - أزعور إلى مرشح ثالث للرئاسة اللبنانية

يلقى دعماً من الخماسية ويؤيد التلاقي لتفادي «أزمة الثقة» بالحوار

بري مجتمعاً مع لودريان (أ.ف.ب)
بري مجتمعاً مع لودريان (أ.ف.ب)
TT

لودريان للخروج من ثنائية فرنجية - أزعور إلى مرشح ثالث للرئاسة اللبنانية

بري مجتمعاً مع لودريان (أ.ف.ب)
بري مجتمعاً مع لودريان (أ.ف.ب)

الجديد في الجولة الثالثة للموفد الرئاسي الفرنسي وزير الخارجية السابق جان إيف لودريان على القيادات السياسية اللبنانية ورؤساء الكتل النيابية والنواب المستقلين لإخراج الاستحقاق الرئاسي من دوامة المراوحة القاتلة، يكمن في أنه أطلق، للمرة الأولى، إشارة نحو البحث عن مرشح ثالث لرئاسة الجمهورية من خارج ثنائية المرشحَيْن؛ رئيس «تيار المردة» الوزير السابق سليمان فرنجية، والوزير السابق جهاد أزعور، بذريعة أن أحداً منهما لا يحظى بتأييد الغالبية النيابية للوصول إلى سدّة الرئاسة الأولى.

وبرغم أن لودريان أكد، في لقاءاته المتنقلة التي اختتمها بلقاءٍ ثانٍ جمعه برئيس المجلس النيابي نبيه بري، أنه على تنسيق تام مع الدول الأعضاء في اللجنة الخماسية التي تضم، إضافة إلى فرنسا، الولايات المتحدة الأميركية، والمملكة العربية السعودية، ومصر، وقطر، فإن محاولته لإخراج المنافسة الرئاسية من ثنائية فرنجية - أزعور لمصلحة مرشح ثالث يعود للنواب اختياره، قوبلت باعتراض من بري و«محور الممانعة» (حزب الله وحلفائه) كون اقتراحه شكّل مفاجأة لهما، ولم يسبق له أن استمزج رأي رئيس البرلمان به، عندما التقاه في مستهل جولته على الأطراف المعنية بانتخاب الرئيس، في مقابل مبادرة قوى المعارضة، ومعها النواب المنتمون إلى «قوى التغيير» والآخرون من المستقلين الذين هم على مسافة من «محور الممانعة» إلى تأييد اقتراحه بلا أي تحفّظ.

فالموفد الفرنسي، وإن كان لم يتمكن من تسجيل الخرق المطلوب لإخراج الاستحقاق الرئاسي من التأزُّم نظراً لمقاومة اقتراحه من قبل «محور الممانعة»، يبقى من السابق لأوانه التعامل مع اقتراحه على أنه سُحب من التداول وكأنه لم يكن، وبالتالي لا بد من التريُّث ريثما يصدر البيان المرتقب لوزراء خارجية الدول الأعضاء في اللجنة الخماسية الثلاثاء المقبل لتقويم حصيلة اللقاءات التي عقدها لودريان، الذي سيبقى يتابع الملف اللبناني رغم المهمة التي أوكلها إليه الرئيس إيمانويل ماكرون برئاسته وكالة التنمية الفرنسية في مشروع العلا في السعودية.

تريث بري

وكشفت المصادر النيابية أن بري يفضّل التريُّث في حسم موقفه من دعوته للحوار إلى ما بعد صدور البيان عن وزراء خارجية الدول الأعضاء في اللجنة الخماسية، وقالت إنها لم تُفاجأ برد فعله رفض اقتراح لودريان، وهو لا يزال يتمسك بدعم فرنجية، وهذا ما ينسحب على موقف حليفه «حزب الله» الذي أبلغه رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد إلى فرنجية عندما التقاه في بنشعي، شمال لبنان.

وأكدت المصادر نفسها أن اقتراح لودريان لم يكن بمبادرة فردية منه، وإنما جاء بالتنسيق مع اللجنة الخماسية التي أجمعت، في ضوء تواصلها معه، على ضرورة انتخاب رئيس للجمهورية من خارج الاصطفافات السياسية، ولا يشكل تحدّياً لأي فريق، ولا يكرّس الانقسام العمودي في البلد، ويكون على مسافة واحدة من الجميع.

ورأت أن اللجنة الخماسية على تناغم في تعاطيها في الملف الرئاسي، على خلاف ما تردّد بأنها على تباين، وهذا ما خلص إليه النائب في «اللقاء الديمقراطي»، وائل أبو فاعور، لدى انتقاله إلى باريس واجتماعه بالمستشار في رئاسة مجلس الوزراء السعودي نزار العلولا، في حضور السفير السعودي لدى لبنان وليد البخاري. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن المملكة العربية السعودية تبدي كل تعاون لمساعدة اللبنانيين لإخراج انتخاب الرئيس من التأزُّم، وإن كانت تنأى بنفسها عن التدخل في مسألة الدعوة للحوار وأسماء المرشحين.

السفير السعودي

أما على صعيد اللقاء الذي استضافه السفير السعودي، البخاري، وجمع فيه نواب السُّنّة على اختلاف انتماءاتهم السياسية مع لودريان في حضور مفتي الجمهورية اللبنانية، الشيخ عبد اللطيف دريان، فأكدت مصادر مقرّبة من المجتمعين لـ«الشرق الأوسط» أن أهمية اللقاء يكمن في أن البخاري أتاح للموفد الفرنسي الاطلاع على موقفهم، لأن السعودية هي الأقدر على جمعهم، كونها تقف على مسافة واحدة من المدعوين.

وقالت المصادر إن البخاري افتتح اللقاء، الذي سبقته خلوة جمعته ولودريان والمفتي دريان، بتأكيده أن السعودية، ومعها الدول الأعضاء في اللجنة الخماسية، تُجمع على أن للبنان مصلحة في انتخاب الرئيس، لأنه من غير الجائز أن يستمر تدحرجه من سيئ إلى أسوأ، وهناك ضرورة لإعادة انتظام مؤسساته الدستورية كخطوة لا بد منها للتلاقي مع المجتمع الدولي الذي يُبدي كل استعداد لمساعدته، شرط أن يبادر إلى تحقيق ما تعهّد به من إصلاحات.

وكشفت أن البخاري قال للودريان إن النواب يسألون عن مدى صحة ما نُقل على لسانه أن هناك ضرورة للبحث عن خيار ثالث، لأن المرشحَيْن فرنجية وأزعور يواجهان صعوبة في حصولهما على تأييد الأكثرية النيابية المطلوبة لانتخاب أحدهما رئيساً للجمهورية.

ومع أن لودريان أجاب بدبلوماسية على سؤال البخاري بتأكيده أنه لا يتدخل في الأسماء ولا يسمح لنفسه بترجيح كفة مرشح على آخر لأن القرار يعود أولاً وأخيراً إلى النواب الذين من واجبهم إنهاء الشغور الرئاسي، فإنه سرعان ما بادر إلى مصارحتهم بأن جلسة الانتخاب الأخيرة التي عُقدت في 14 يونيو (حزيران) الماضي دلّت على أن هناك صعوبة أمام فرنجية وأزعور في تأمين الأكثرية لانتخاب أحدهما.

السفير السعودي وليد بخاري مستقبلاً النواب السنة والمفتي دريان ولودريان في منزله (الشرق الأوسط)

ونقل النواب عن لودريان قوله إنه ينصح النواب بالتلاقي للانتقال من ثنائية فرنجية - أزعور إلى الخطة «ب» التي تفتح الباب أمام البحث عن خيار ثالث، ويعود للنواب القرار النهائي، وهذا يتطلب منهم التواصل، سواء من خلال عقد جلسات عمل أو نقاشات أو مشاورات، لأن مجرد لفظ كلمة حوار يقابل باستياء من اللبنانيين الذي يسألون؛ ما الجدوى من الحوار طالما أن الحوارات السابقة اتخذت مجموعة من التوصيات والقرارات التي لم تُنفّذ وبقيت حبراً على ورق؟!

وعليه، فإن الموقف من الحوار جدد الانقسام بين النواب المنتمين إلى محور الممانعة كونهم من مؤيديه كشرط لانتخاب الرئيس، وبين معارضيه ممن خبروا عن كثب ما آلت إليه الحوارات السابقة بامتناع «حزب الله» عن الالتزام بما تعهّد به.

نواب المعارضة

وفي هذا السياق، شدد نواب المعارضة على ضرورة انتخاب الرئيس، على خلفية أنه من غير الجائز ربطه بالحوار لئلا يتحول إلى عُرف يستقوي به البعض على الدستور، وقد يطالب هؤلاء لاحقاً بالحوار كشرط لتسمية الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة أو بتعيين قائد للجيش أو حاكم لمصرف لبنان، ما يشكّل مخالفة للدستور وانقلاباً عليه، فيما ركّز المفتي دريان على احترام الدستور والالتزام باتفاق الطائف وعدم مقاطعة النواب لجلسة انتخاب الرئيس.

لذلك، فإن لودريان، كما يقول النواب، جدد دعوته للبحث في الخيار الثالث لانتخاب الرئيس، وهذا ما دعا إليه في مستهل لقاءاته، إضافة إلى أنه حثّ النواب على التلاقي لمناقشة هذا الخيار ولا مانع لديه من الاستعاضة عنه بلقاءات واجتماعات عمل ونقاشات، لأنه من غير الجائز عدم إيجاد صيغة للتواصل كأساس للبحث في إخراج الرئاسة من ثنائية فرنجية - أزعور، وصولاً للتوافق على اسم الرئيس، و«نحن من جانبنا لن نتدخل في أسماء المرشحين، ونتفهم وجهة نظر المعارضة برفضها الحوار، لأن التجارب السابقة في هذا الخصوص لم تكن مشجعة، وكانت وراء أزمة ثقة تولّدت لدى اللبنانيين من الحوار».


مقالات ذات صلة

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

المشرق العربي أهالي جنوب لبنان يلبسون رئيس الحكومة نواف سلام العباءة خلال جولة له نهاية الأسبوع الماضي في المناطق التي تعرضت للقصف الإسرائيلي (الشرق الأوسط)

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

تعكس المؤشرات السياسية والمواقف المعلنة في الأيام الأخيرة أن «حزب الله» بدأ  الانتقال من مرحلة المواجهة إلى مرحلة «تنظيم الخلاف» والعودة إلى الدولة

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

بحث وفد من «صندوق النقد الدولي»، الثلاثاء، مع المسؤولين اللبنانيين في بيروت، في الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

رفع القرار الصادر عن السلطات السورية، المتعلّق بتنظيم دخول الشاحنات اللبنانية إلى الأراضي السورية، مستوى التحذيرات من تداعيات مباشرة تطول تكلفة التبادل التجاري.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي ناخبة تدلي بصوتها بمنطقة الشوف في الانتخابات المحلية الأخيرة مايو 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)

القوى السياسية اللبنانية مطالبة بخطوات عملية لإجراء الانتخابات في موعدها

التعميم الذي أصدره وزير الداخلية العميد أحمد الحجار بفتح الباب للترشح للانتخابات النيابية لا يعني أن الطريق معبّدة سياسياً وقانونياً أمام إنجاز الاستحقاق.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي وزير الداخلية يواكب انطلاق تقديم الترشيحات للانتخابات النيابية (وزارة الداخلية)

لبنان: مرشحو الانتخابات النيابية يقدمون طلباتهم... ومصير اقتراع المغتربين مجهول

مع إعلان رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، أنه لن يدعو إلى جلسة لتعديل قانون الانتخاب، وأن الانتخابات ستُجرى في موعدها وفق القانون الحالي، يحتدم السجال السياسي...

بولا أسطيح (بيروت)

الجيش السوري يعلن بدء الانسحاب من محيط مدينة الحسكة تطبيقاً للاتفاق مع «قسد»

مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)
مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)
TT

الجيش السوري يعلن بدء الانسحاب من محيط مدينة الحسكة تطبيقاً للاتفاق مع «قسد»

مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)
مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)

أفادت هيئة العمليات في الجيش السوري، اليوم الثلاثاء، بأن قوات الجيش بدأت الانسحاب من محيط مدينة الحسكة في شمال شرق البلاد، تطبيقاً للاتفاق المبرم بين الحكومة و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد.

وأضافت هيئة عمليات الجيش في بيان نشرته قناة «الإخبارية السورية» التلفزيونية أن قوى الأمن الداخلي انتشرت في المناطق التي انسحبت منها قوات الجيش.

وذكر الجيش أن «قسد» تلتزم بتطبيق الاتفاق «وتقوم بخطوات إيجابية»، مضيفاً: «نقوم بالمراقبة والتقييم لتحديد الخطوة التالية».

وأعلنت الحكومة السورية و«قسد» أواخر الشهر الماضي توصلهما لاتفاق شامل لوقف إطلاق النار والدمج التدريجي للقوات والهياكل الإدارية الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية.

ويتضمن الاتفاق، الذي تم التوصل إليه بعد أن انتزعت قوات الحكومة السورية السيطرة على مساحات كبيرة من شمال وشرق سوريا من «قسد»، دخول قوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية إلى مدينتي الحسكة والقامشلي اللتين كانتا خاضعتين لسيطرة «قسد».


فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على السجون

مصافحة تجمع الوزير جان نويل بارو ونظيره السوري أسعد الشرع في دمشق يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)
مصافحة تجمع الوزير جان نويل بارو ونظيره السوري أسعد الشرع في دمشق يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)
TT

فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على السجون

مصافحة تجمع الوزير جان نويل بارو ونظيره السوري أسعد الشرع في دمشق يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)
مصافحة تجمع الوزير جان نويل بارو ونظيره السوري أسعد الشرع في دمشق يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)

ثلاث رسائل رئيسية نقلها جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي، إلى السلطات السورية خلال جولته التي قادته إلى دمشق وبغداد وأربيل وبيروت والتي كان منطلقها الرئيسي، في المحطتين الأوليين، التحديات التي تطرحها مواصلة الحرب على «داعش» وإدارة التحولات التي شهدها الشمال الشرقي في سوريا بالنظر للمخاوف الفرنسية بشأن مصير الأكراد ومستقبل «قوات سوريا الديمقراطية».

وقالت مصادر دبلوماسية في باريس، إن فرنسا تعتبر أن «أولوية الأولويات» تتمثل في منع بروز «داعش» مجدداً وأن ثمة حاجة لقيام تنسيق ضروري وجدي بين «قسد» التي كانت تتولى سابقاً مسؤولية حراسة السجون ومراكز الاعتقال وبين القوات السورية التي انتقلت إليها مسؤولية الإشراف على عدد من هذه السجون. كذلك ترى باريس أن المهم الاستفادة من الخبرات التي تراكمت لدى «قسد» التي حظيت برعاية واهتمام فرنسيين كبيرين فيما يخص محاربة الإرهاب. ولذا، فإن من الأهمية بمكان ألا تذهب هذه الجهود سُدى.

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً إلى الصحافة في مقر إقامة سفير بلاده في بيروت (أ.ف.ب)

ووفق القراءة الفرنسية، فإنه من المجدي أن تتم الاستفادة من هذه القدرات في إطار اندماج «قسد» في الجيش السوري. وتنظر فرنسا بإيجابية لما تراه من انخراط السلطات الجديدة في محاربة «داعش» ورغبتها بالتنسيق مع الأسرة الدولية، خصوصاً بعد أن انضمت دمشق رسمياً إلى التحالف الدولي لمحاربة «داعش».

وفي اللقاءات التي عقدها بارو مع المسؤولين في دمشق وبغداد، كان همه الأول التركيز على أهمية منع «داعش» من «التشتت» أو «التبعثر»، خصوصاً بصدد عملية نقل إرهابييها من مناطق «قسد» سابقاً إلى السجون العراقية. وحصل الوزير الفرنسي على تعهدات سورية وعراقية بخصوص أن أمراً كهذا لن يحصل.

رغم أهمية ما سبق، فإن باريس حريصة على أن يتم الوفاء بالتعهدات التي قدمت للوزير الفرنسي وأن توفر لذلك القدرات اللازمة لتنفيذها. وقلق باريس ليس مرتبطاً برغبة السلطات السورية وإرادتها السياسية، بل بخصوص القدرات المتوافرة لديها؛ انطلاقاً من مبدأ أن تأمين هذه المواقع التي آل الإشراف إليها إلى القوات السورية الرسمية ليس بالأمر السهل. ولذا، فإن باريس تبدو مستعدة اليوم للعمل مع هذه القوات كما عملت سابقاً مع «قسد» لرفع جاهزيتها وقدراتها بما يضمن مواصلة محاربة «داعش» من جهة وضمان أن تكون الرقابة على السجون ومواقع الاحتجاز مضمونة تماماً.

مركبات عسكرية أميركية ترافق حافلات تنقل معتقلي تنظيم «داعش» من سوريا إلى العراق في مدينة القامشلي السورية - 8 فبراير 2026 (رويترز)

ثمة تساؤل طُرح بمناسبة زيارة بارو ويتناول عدم لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع. وثمة من اعتبر أن ذلك مرده إلى الانتقادات الفرنسية لكيفية التعامل مع «قسد» التي كانت باريس وما زالت أحد الداعمين الرئيسيين لها. لكن الجهات الفرنسية تنفي هذه المزاعم وتربط عدم حصول الاجتماع لتضارب في الأجندات بين الشرع وبين الرئيس الفرنسي، وتذكر أن زيارة بارو إلى دمشق لم تدم سوى ثلاث ساعات.

تنظر باريس بـ«إيجابية» إلى ما تحقق حتى اليوم من العمل بالاتفاق الأخير المبرم بين دمشق و«قسد» رغم أنها، في الأساس، كانت مستاءة من لجوء السلطات السورية إلى القوة العسكرية للتوصل إلى هذه النتيجة.

قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ولاحقاً، أكدت فرنسا أنها لعبت دوراً فاعلاً في الدفع باتجاه الاتفاق المذكور. لكن النظرة الإيجابية لا تلغي تماماً بعض «المخاوف» الفرنسية لجهة تطبيق مضمون الاتفاق، باعتبار أن «الشيطان يكمن في التفاصيل» أكان في كيفية دمج مقاتلي «قسد» في صفوف الجيش السوري أم بشأن تسمية شخصيات كردية في مناصب مدنية وعسكرية.

والأهم من ذلك أن هناك تخوفاً لدى الأكراد من تراجع الاهتمام الدولي بقضيتهم ما قد يدفع النظام إلى التشدد في التعامل معهم. لذا، فإن باريس ترى أن زيارة بارو كانت بالغة الأهمية لأنها تعكس جانباً من الاهتمام الدولي لمتابعة مصير الاتفاق المبرم ووضعه موضع التنفيذ.

وبكلام آخر، فإن زيارة بارو تعد، بشكل ما، رسالة «طمأنة» للأكراد. وأثار بارو في لقاءاته حاجة الأكراد إلى مواصلة جهودهم على المستوى السياسي ليكونوا قادرين على إثبات حضورهم والمشاركة الكاملة في بناء سوريا الجديدة.

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يعقد مؤتمراً صحافياً مشتركاً مع رئيس إقليم كردستان العراق في أربيل 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أما في الملف العراقي، فإن قلق باريس مرده المخاوف من انعكاس حرب جديدة بين الولايات المتحدة وإيران على العراق في حال لم تنجح المفاوضات بين الطرفين الإيراني والأميركي. ولذا، فإن الرسالة الرئيسية التي حملها بارو إلى بغداد تحث القادة العراقيين على العمل لمنع انجرار العراق إلى هذه الحرب الممكنة بسبب ما قد تقوم به بعض الميليشيات المرتبطة إلى حد بعيد بإيران.

ونقل عن مسؤولين عراقيين إشارتهم إلى هذه المخاوف التصعيدية التي يسعون لمنع حصولها، فيما أفضت التدخلات الأميركية في موضوع تسمية رئيس للوزراء في العراق إلى تشنج سياسي واضح. وإذ تشدد باريس على عدم رغبتها في التدخل في الشؤون الداخلية للعراق، فإن الامتناع لا يردعها عن الإشادة برئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، الذي تؤكد أنها عملت معه بشكل جيد وأنه نجح في تثبيت استقرار العراق وإطلاق عجلته الاقتصادية.


نشر المسودة الأولى لدستور مؤقت لدولة فلسطينية

خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)
خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)
TT

نشر المسودة الأولى لدستور مؤقت لدولة فلسطينية

خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)
خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)

نشرت اللجنة المكلفة بصياغة دستور لدولة فلسطينية، الثلاثاء، المسودة الأولى لدستور مؤقت ليتسنى للجمهور الاطلاع عليها، وإبداء الملاحظات قبل الصياغة النهائية، وذلك في إطار إصلاحات قانونية ودستورية تجريها السلطة الفلسطينية، عقب اعتراف دول غربية كبرى، العام الماضي، بدولة فلسطينية، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وكلّف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لجنة من الخبراء والسياسيين في أغسطس (آب) الماضي، لصياغة دستور مؤقت. وتقول اللجنة في منصتها الإلكترونية إنها مكلفة بصياغة دستور مؤقت «للانتقال من السلطة إلى الدولة».

واعترفت دول غربية كبرى، بما فيها فرنسا، رسمياً بدولة فلسطينية في سبتمبر (أيلول)، في إطار ضغوط على إسرائيل لوقف حرب غزة، والرغبة في دعم حل الدولتين للصراع في الشرق الأوسط. وترفض إسرائيل فكرة إقامة دولة مستقلة للفلسطينيين.

وأصبح قطاع غزة تحت إدارة مؤقتة بموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب التي استمرت عامين وألحقت دماراً هائلاً بالقطاع، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 71 ألف فلسطيني.

وهدأ القتال إلى حد كبير في غزة بعد سريان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول)، في إطار خطة ترمب. واندلعت الحرب في السابع من أكتوبر 2023 بعد هجوم قادته حركة «حماس» على جنوب إسرائيل في الساعات الأولى لهذا اليوم، في هجوم أسفر عن مقتل 1200 شخص.

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في نوفمبر (تشرين الثاني) إن بلاده ستساعد السلطة الفلسطينية في صياغة دستور لدولة فلسطينية مستقبلية.

وعندما تأسست السلطة الفلسطينية في عام 1994، كان الفلسطينيون يأملون أن تكون نقطة انطلاق نحو إقامة دولة في الضفة الغربية وقطاع غزة عاصمتها القدس الشرقية.

لكن هذا الهدف صار فيما يبدو بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى، رغم الاعتراف الدولي المتزايد بدولة فلسطينية. فقد تسارعت وتيرة بناء المستوطنات الإسرائيلية، ويرفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إقامة دولة فلسطينية بوصفها تهديداً لإسرائيل.

ودائماً ما تحث الدول المانحة السلطة الفلسطينية على إجراء إصلاحات والتصدي للفساد.

وقالت لجنة الصياغة على موقعها إن نشر المسودة جاء بناء على قرار من عباس، مشيرة إلى فتح الباب لتلقي الملاحظات خلال 60 يوماً.

وجاء في ديباجة المسودة: «انطلاقاً من الحقوق الثابتة، غير القابلة للتصرف، للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وعدالة قضيته، نكتب هذا الدستور المؤقت لدولة ما زالت تحت الاحتلال، دولة تصر على أن تكتب وجودها بحبر من الصمود والأمل».

ومن أهم المواد التي تضمنتها مسودة الدستور المؤقت المادة 79 المتعلقة بتنظيم تولي منصب الرئيس في حال شغوره بسبب الوفاة أو المرض. وجاء فيها أنه «لرئيس الدولة أن يعين نائباً له، وأن يكلفه بما يراه مناسباً من مهام، وأن يعفيه من منصبه، وأن يقبل استقالته».

ونصت أيضاً على أنه «حال خلو منصب رئيس الدولة بالوفاة أو الاستقالة يحل محله رئيس مجلس النواب، وحال خلو منصب رئيس الدولة لفقدان الأهلية أو عدم قدرته على ممارسة مهامه الدستورية، يُعلن خلو المنصب بقرار من المحكمة الدستورية بناء على طلب الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب، ويباشر رئيس مجلس النواب مؤقتاً سلطات رئيس الدولة».

وتوضح المادة ذاتها أنه «إذا كان مجلس النواب غير قائم، يحل رئيس المحكمة الدستورية محل رئيس مجلس النواب».

وتؤكد المادة وجوب انتخاب رئيس جديد في مدة لا تتجاوز 90 يوماً من تاريخ شغور المنصب، وأن تبدأ مدة الرئاسة من تاريخ إعلان نتائج الانتخابات.

وليس واضحاً هل في حال إقرار هذه المسودة سيُلغي المرسوم الذي أصدره عباس في وقت سابق وينص على أن يتولى نائب الرئيس منصب الرئيس المؤقت لحين إجراء انتخابات. واستُحدث منصب نائب الرئيس، العام الماضي، وأُجريت آخر انتخابات لاختيار رئيس السلطة الفلسطينية في عام 2005.

وتتضمن المسودة الجديدة تعديلاً على الفترة الرئاسية ومجلس النواب لتكون خمس سنوات بدلاً من أربع.