كارولين هورندول: اضطرابات طرابلس أكّدت افتقار المؤسسات الليبية للشرعية

السفيرة البريطانية لدى ليبيا حددت لـ«الشرق الأوسط» 3 أولويات لدعم المسار السياسي

TT

كارولين هورندول: اضطرابات طرابلس أكّدت افتقار المؤسسات الليبية للشرعية

سفيرة المملكة المتحدة لدى ليبيا
سفيرة المملكة المتحدة لدى ليبيا

قبل أيام من انتهاء مهمّتها سفيرة للمملكة المتحدة لدى ليبيا، خصّت كارولين هورندول «الشرق الأوسط» بحوار، كشفت فيه عن 3 أولويات تمهّد في نظرها لعملية سياسية تفضي إلى تنظيم انتخابات. ورأت هورندول أن الاضطرابات والمواجهات الدامية التي شهدتها طرابلس في الفترة الماضية تؤكّد افتقاد المؤسسات الليبية للشرعية.

وفيما تحفّظت السفيرة المنتهية ولايتها عن تقدير عدد المقاتلين الأجانب المنتشرين في ليبيا، استبعدت توقف المرتزقة التابعين لمجموعة «فاغنر» عن محاولة زعزعة استقرار البلاد. وعدّت هورندول السبيل الفضلى لإنهاء وجود المقاتلين الأجانب في ليبيا هو توحيد صفوف المؤسسات الأمنية في مختلف أرجاء البلاد.

وفي ما يلي نصّ الحوار...

البحث عن الشرعية

أثار تسريب خبر لقاء وزيرة الخارجية الموقوفة نجلاء المنقوش، بنظيرها الإسرائيلي إيلي كوهن، بوساطة إيطالية، الشهر الماضي، موجة استياء ليبية وأياماً من التظاهر ضد حكومة الوحدة التي يرأسها عبد الحميد الدبيبة في طرابلس. وجاءت هذه الاضطرابات غداة مواجهات مسلحة دامية شهدتها المدينة بين قوتين أمنيتين، تتبع إحداهما لحكومة الوحدة الوطنية، والأخرى للمجلس الرئاسي.

جانب من التعزيزات الأمنية المكثفة في طرابلس الشهر الماضي (إ.ب.أ)

واعتبرت هورندول أن «ما رأيناه من احتجاجات وصدامات يكشف أنه رغم أننا نعمنا ببعض الاستقرار النسبي منذ حوالي عام هنا في طرابلس، فإن الوضع في حقيقته هشّ للغاية». وتابعت: «أعتقد أن ما يكشفه هذا الأمر حقاً هو أن جميع المؤسسات الليبية تفتقر إلى الشرعية، وأن أياً منها لا يتمتع بالشرعية الكاملة التي تُمكّنها من اتّخاذ القرارات نيابة عن ليبيا وشعبها، وقيادة البلاد على نحو حقيقي».

متطلبات الحوار السياسي

تشهد ليبيا جموداً سياسياً ترتّب عنه تأجيل تنظيم الانتخابات. وفيما رحّبت السفيرة بـ«العمل الشاق الذي اضطلعت به مجموعة (6+6) (اللجنة المكلفة من المجلس الأعلى للدولة في ليبيا ومجلس النواب بإعداد القوانين الانتخابية)، التي بذلت جهوداً مضنية لمحاولة صياغة قوانين الانتخابات»، تقول إن هذه القوانين «غير كافية».

وأضافت هورندول: «أرى أن ما نحتاجه حقاً هو أن يُقرّ القادة المختلفون بوجود بعض التساؤلات الكبرى حول كيفية تنظيم الانتخابات، وكذلك ما سيأتي بعدها. إننا بحاجة لأن نعاين التزاماً من جميع الأطراف تجاه قبول نتائج الانتخابات». كما شددت على ضرورة توسيع نطاق المشاركة، «ليس فقط من جانب قادة المؤسسات، وإنما كذلك من قبل المجتمعات المختلفة بجميع أنحاء ليبيا التي لديها مصلحة في هذه الانتخابات». وتابعت أنه ينبغي «إقامة حوار أوسع يركز على الخلافات والتحديات الأساسية التي تعيق إجراء الانتخابات في الوقت الراهن».

3 أولويات

اختصرت هورندول سبل التوصل إلى حل سياسي في ليبيا بـ3 أولويات. تشمل تقديم القيادات مصالحَ الليبيين على مصالحهم الشخصية، ومكافحة معضلة انعدام الثقة بين اللاعبين السياسيين، والمشاركة في حوار ترعاه الأمم المتحدة.

وقالت: «عندما أتحدّث إلى القيادات الليبية، أؤكد أن أول ما يجب عليهم إعطاؤه الأولوية هي مصالح الليبيين. بعض الأحيان، يساورني القلق من أن بعض هؤلاء القادة سيقدّمون مصالحهم على مصالح الأشخاص الذين من المفترض أنهم يتولون قيادتهم وخدمتهم. وعليه، يجب العمل لصالح ما يريده الشعب الليبي، وهو أن ينال فرصة انتخاب قادته».

أما الأولوية الثانية، وفق هورندول، فهي أن «نتحلى بالصدق والانفتاح تجاه بعض القضايا التي تعيق تقدم البلاد نحو الأمام. مثلاً، عبر النظر في مسألة الأهلية ومن ينبغي السماح له بالترشح لمنصب الرئيس، أو لعضوية البرلمان، علاوة على النظر في ما سيحدث بعد الانتخابات، وما السلطات النسبية للمؤسسات». وتابعت أن «انعدام الثقة بشكل أساسي بين اللاعبين الأساسيين يعني أنهم جميعاً عالقون داخل لعبة صفرية».

أخيراً، تتمثل الأولوية الثالثة في المشاركة البناءة في حوار تُيسّره الأمم المتحدة. وتوضح السفيرة: «ينبغي جمع القادة الرئيسيين معاً لمحاولة الوصول للحلول الوسطى التي يحتاجونها للتمكن من تنظيم انتخابات».

تفاؤل حذر

أشادت هورندول بإعادة توحيد البنك المركزي الليبي، داعية في الوقت نفسه إلى تنفيذ ذلك على أرض الواقع، «حيث تصبح القرارات والإجراءات التي يتخذها (المصرف) مفيدة للجميع بشتى أرجاء البلاد».

وعن آفاق توحيد قوات الأمن الليبية، قالت السفيرة البريطانية، التي تشارك في رئاسة مجموعة العمل الأمني ممثلة عن المملكة المتحدة: «خلال اللقاءات التي شاركت بها في بنغازي وطرابلس وغيرهما، عاينت التزاماً حقيقياً من قبل اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)، وقيادات عسكرية أخرى تجاه العمل نحو إعادة التوحيد».

توحيد السلطات الأمنية مرهون بتقدّم العملية السياسية

هورندول

وفي موازاة هذا التفاؤل الحذر، ربطت هورندول تقدّم المسار الأمني بالسياسي، معتبرة أنه لا يزال هناك كثير من العمل يجب إنجازه. وقالت: «بشكل عام، أعتقد أن هناك أمرين ينبغي إنجازهما. أولاً أن تستمر (قيادات القوات الأمنية) في العمل على التفاصيل الفنية لكيفية العمل معاً». أما الأمر الثاني، و«العائق الأكبر» وفق هورندول، فيرتبط بالعودة مرة أخرى إلى العملية السياسية. وأوضحت: «أعتقد أننا بحاجة إلى إنجاز تقدم على كلا المسارين. وأعتقد أن عملية إعادة توحيد القوات المسلحة ستتقدم بشكل أكبر مع إنجازنا مزيداً من الوحدة على الصعيد السياسي».

مأزق المرتزقة الأجانب

تردّدت السفيرة البريطانية في التكهنّ بعدد المقاتلين الأجانب الموجودين في ليبيا، كما التنبؤ بمصير «فاغنر» الروسية بعد مقتل زعيمها. إلا أن ما بدت واثقة منه هو استمرار «مجموعة (فاغنر) وراعيها، روسيا، في محاولة زعزعة استقرار ليبيا، واستخدامها قاعدة انطلاقٍ لمزيد من الأنشطة المزعزعة للاستقرار في جميع أنحاء المنطقة». وعدّت أنه «لا مصلحة لدى هؤلاء في أن تصبح ليبيا بلداً أكثر أمناً واستقراراً ورخاءً».

«فاغنر» سيواصل محاولة زعزعة ليبيا رغم مقتل قائده

هورندول

ورأت هورندول أن رحيل المقاتلين الأجانب مرهون بتوحيد صفوف القوات المسلّحة الليبية. وقالت: «مع معاينتنا مزيداً من جهود إعادة التوحيد، واكتساب القوات المسلحة الليبية قدرة أكبر على توفير الأمن في جميع أنحاء البلاد، لن يبقى هناك أي عذر لوجود المقاتلين الأجانب والمرتزقة، خاصة (فاغنر)، خاصة أنهم يسببون كثيراً من الضرر».

ولفتت هورندول إلى الانتهاكات التي يُتّهم مقاتلو «فاغنر» بارتكابها، والتي وثّقتها بعثة تقصي الحقائق الأخيرة التابعة للأمم المتحدة، وأبرزها تلغيم مناطق مدنية، والاعتداء على مدنيين بالتعذيب والقتل.

عدم الاستقرار في أفريقيا

تخشى جهات دولية من تسبب الاضطرابات الإقليمية التي تشهدها أفريقيا في مفاقمة الأوضاع الأمنية بليبيا. وتقول هورندول: «يخالجنا القلق إزاء مخاطر وقوع مزيد من التداعيات الإقليمية، من السودان، ومن النيجر، وربما من الغابون. إننا نعاين تهريب الأسلحة والأشخاص عبر مناطق في ليبيا لا تخضع لحكم حقيقي».

واعتبرت هورندول أن هذه التطورات تضاعف أهمية إرساء استقرار في ليبيا، ومواصلة الضغط من أجل العملية السياسية، «حتى تتمكن ليبيا من الحصول على مؤسسات أكثر شرعية قادرة على مقاومة وتحصين البلاد في مواجهة تلك التداعيات، وكذلك أولئك الذين يتطلعون إلى استغلال حالة عدم الاستقرار».

إلى ذلك، شددت السفيرة على ضرورة وفاء الدول بمسؤولياتها في ما يتعلّق بتنفيذ قرار حظر السلاح إلى ليبيا.

مسار مزدوج لأزمة الهجرة

دقّت هورندول ناقوس الخطر حيال أزمة الهجرة واللجوء في ليبيا، حيث يواجه المهاجرون «خطراً كبيراً»، فيما يتعرض كثيرون منهم «للاستغلال أو الاتجار بهم». وأكّدت تأييد بريطانيا لدعوة الأمم المتحدة إغلاق مراكز الاحتجاز الليبية، واصفة وضعها بـ«المروع».

وأوضحت هورندول أن بلادها تتبع نهجاً مزدوج المسار في مواجهة هذه الأزمة، وذلك عبر دعم وكالات الأمم المتحدة التي تعمل على تحسين الظروف الإنسانية من جهة، وتقويض جهود عصابات الجريمة المنظمة من جهة أخرى. لكنّ حل هذه الأزمة على المدى الطويل يعتمد، وفق السفيرة، على المؤسسات الليبية.

وأقرّت هورندول أن محاولة العمل مع المؤسسات الليبية لتناول مسائل الهجرة عبر ليبيا «أمر صعب للغاية»، بسبب الانقسامات داخل القطاع الأمني الليبي الذي لا يقع تحت حكومة مدنية شرعية قوية. واعتبرت ذلك «دافعاً آخر لمواصلة التركيز على العملية السياسية، وإعادة توحيد القوات المسلحة، وإصلاح القطاع الأمني».

في غضون ذلك، قالت هورندول إنه «لا يمكننا تجاهل المشكلة فحسب»، مشددة على ضرورة «دعم مختلف وكالات الأمم المتحدة التي تحاول تقديم المساعدة الإنسانية، والتعاون معها، وضمان حصول المهاجرين على رعاية جيدة، وإعطائهم خيارات، إما العودة إلى ديارهم أو الاعتناء بهم هنا في ليبيا».

وتابعت: «لدينا زملاؤنا من الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة (البريطانية) يعملون هنا (في ليبيا)، بالتعاون مع شركاء ليبيين محددين لمحاولة تفكيك بعض مجموعات الجريمة المنظمة التي تُسهّل تهريب الأشخاص الضعفاء إلى ليبيا وعبرها». ونجح تحقيق أجرته الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة، في يونيو (حزيران) الماضي، في توجيه اتهام لرجل في المملكة المتحدة بتدبير تهريب آلاف الأشخاص من شمال أفريقيا إلى إيطاليا.


مقالات ذات صلة

هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

شمال افريقيا رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)

هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

مع تعثر المبادرات الإقليمية والدولية في إنهاء الانقسام السياسي الليبي يعود النفط لواجهة النقاش بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة لتسوية خلافاتها.

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا عبد النبي متحدثاً خلال اللقاء التشاوري بمجلس النواب حول الأزمة الاقتصادية الأربعاء (من فيديو بثه المجلس)

«النواب» الليبي يدعو لخطة شاملة لـ«الإصلاح الاقتصادي»

دعا رئيس مجلس النواب الليبي الصالحين عبد النبي إلى «إعداد خطة وطنية شاملة للإصلاح الاقتصادي والمالي تتجاوز المعالجات المؤقتة، وتعزيز الإنتاج المحلي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا من لقاء سابق بين بولس والدبيبة (أرشيفية)

واشنطن تهدد معرقلي المسار السياسي في ليبيا بـ«عقوبات»

أجرى كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس الأربعاء اتصالاً هاتفياً مع رئيس حكومة الوحدة «المؤقتة» عبد الحميد الدبيبة 

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا تظاهر المعلمين أمام بلدية مصراتة (نقابة المعلمين)

نقابة المعلمين تُصعّد ضد «الوحدة» الليبية بطلب زيادة الأجور 150 %

صعّدت النقابة العامة للمعلمين في ليبيا مطالبها الموجهة إلى حكومة الوحدة «المؤقتة»، داعيةً إلى زيادة الرواتب بنسبة 150 في المائة.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا من مراسم توقيع مذكرة تفاهم بين حكومة الوحدة الليبية وشركة «بوينغ» الأميركية في مايو الماضي (حكومة الوحدة)

تطوير الطيران المدني عبر «بوينغ» الأميركية يفجّر جدلاً في ليبيا

تسعى حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» في غرب البلاد حسب خطابها المعلن إلى فتح مسار جديد لتطوير القطاع عبر مشروع شركة طيران بالتعاون مع «بوينغ» الأميركية

علاء حموده (القاهرة)

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
TT

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)

تروي السودانية سوسن محمود في العاصمة السودانية، حيث أقفلت معظم المخابز أبوابها بسبب ارتفاع أسعار القمح ونقص الوقود، أنها باتت توفر مجموع راتبها وراتب زوجها الشهري فقط لشراء الخبز. وتقول سوسن (44 عاماً)، وهي أم لثلاثة أطفال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «الوضع أصبح لا يحتمل. لقد خفضنا كمية الخبز التي نتناولها، وأصبحنا نأكله في وجبة واحدة فقط»، مضيفة: «علينا توفير 900 ألف جنيه شهرياً (88 دولاراً) لشرائه. وهذا تقريباً راتبي وراتب زوجي».

مواطن من أم درمان في رحلته اليومية مع طفليه للحصول على الماء (رويترز)

* مخاوف من انتشار المجاعة

تضاعف سعر رغيف الخبز في العاصمة السودانية من 250 إلى 500 جنيه (من 0,25 سنت من الدولار إلى 0,50 سنت)، خلال الأسبوع الماضي، في ارتفاع غير مسبوق. وباتت عائلات سودانية كثيرة لا تتحمّل تكلفته، فيما تتصاعد التحذيرات الدولية من احتمال انتشار المجاعة في أنحاء البلد، الذي يعاني 20 مليوناً من سكانه من انعدام حاد في الأمن الغذائي. من جهتها، تقول عبير محمد بعد أن اشترت خبزاً من أحد المخابز القليلة، التي لا تزال تعمل في الخرطوم: «في السابق كنّا نأكل الخبز في جميع وجبات اليوم، الآن لا يمكننا ذلك». ويستورد السودان معظم احتياجاته من القمح، الذي يتأثر سعره سريعاً بتدهور العملة المحلية. وخلال الشهر الماضي، سجّلت العملة السودانية تراجعاً بنسبة 25 في المائة أمام الدولار، في انخفاض قياسي ليصل سعر العملة الخضراء إلى أكثر من 10500 جنيه سوداني في ذروة ارتفاعه، قبل أن يستقرّ عند 10200 جنيه الأربعاء. علماً بأن الدولار كان يساوي 500 جنيه قبل الحرب.

يعاني أكثر من 200 ألف شخص في جنوب كردفان وشمال دارفور من المجاعة حسب تقارير مدعومة من الأمم المتحدة (رويترز)

* غياب الطحين

داخل مخبز يملكه محمد الفاتح في الخرطوم، يخلط العمال الطحين مع الماء والخميرة لتشكيل عجينة سميكة، يقسمونها إلى أقراص مستديرة، ثم يدخلونها الفرن باستخدام ألواح خشبية طويلة، وتتحوّل العجينة في دقائق إلى خبز تقليدي يشكّل جزءاً أساسياً من وجبات السودانيين. يقول الفاتح: «أغلقت مخابز كثيرة لأنه لا يوجد طحين في السوق». ويضيف: «يمكن أن تنتظر ليوم أو يومين كاملين في مركز توزيع (الطحين)، ثم تعود بخفي حُنين». في حي الأزهري بجنوب العاصمة، يجد متوكل أحمد بابكر صعوبة في تشغيل مخبزه، بعد أن تضاعف سعر الطحين، «بالإضافة إلى قطع الكهرباء، ولذلك أصبحنا مضطرين لشراء الوقود للمولد». يقول بابكر: «أغلب الظن سأغلق المخبز. نبيع رغيف الخبز بـ500 جنيه، وهذا أقلّ من تكلفته، لكن لا يمكنني رفع السعر بسبب أوضاع الناس». وتعاني العاصمة الخرطوم ومناطق شرق السودان من انقطاع واسع للتيار، بعد هجمات بمسيّرات استهدفت محطات الكهرباء نهاية الشهر الماضي، وأخرجتها عن العمل.

طفل سوداني يعاني من سوء تغذية حادة داخل أحد المخيمات المخصصة للاجئين السودانيين (رويترز)

وفي أنحاء الخرطوم، عاد السودانيون للاصطفاف خارج المطابخ العامة (التكايا) انتظاراً للوجبات المجانية، بعد أن توقف الكثير منها عن العمل، بعد سيطرة الجيش على العاصمة وإخراج «قوات الدعم السريع» منها في مارس(آذار) 2025. وحذّرت غرفة طوارئ أمبدة في أم درمان بالخرطوم، التي تنسّق عمل التكايا في المنطقة، من اتساع «دائرة الاحتياج لتطول آلاف الأسر والنازحين»، كما حذّرت من «شحّ في المواد الغذائية وغلاء الأسعار، ما يجعل الحصول على وجبة يومية واحدة حُلماً». وبلغت معدّلات الفقر في السودان 80 في المائة، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء، فيما أعلنت الحكومة أنها تستهدف خفض التضخم إلى ما دون 60 في المائة مع نهاية 2026، بعد أن بلغ 99 في المائة العام الماضي.

* «لا وقود»

خارج الخرطوم، يصل جزء كبير من إمدادات القمح على شكل مساعدات إغاثية، غير أن نقص الوقود وارتفاع أسعاره، إضافة إلى قطع الطرق جراء المعارك، يحول دون وصول المساعدات. وقسّمت الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023 البلاد إلى مناطق نفوذ، إذ يسيطر الجيش على الخرطوم ومدن وسط السودان وشرقه، بينما تسيطر «قوات الدعم السريع» على كامل إقليم دارفور في الغرب وأجزاء من الجنوب. ويعاني أكثر من 200 ألف شخص في جنوب كردفان وشمال دارفور من المجاعة، حسب تقارير مدعومة من الأمم المتحدة، حذّرت أيضاً من إمكانية توسّعها إلى ثمانية مدن بحلول عام 2027. وأسهم انخفاض قيمة العملة في تراجع قدرة الخرطوم على شراء الوقود، التي تستورد معظم احتياجاتها منه. يقول الموظف الحكومي ياسر محمد إنه أمضى يومه واقفاً في طابور في الخرطوم من أجل شراء الوقود من دون طائل. مضيفاً: «أقف منذ السادسة صباحاً خارج المحطة، وقد حانت الرابعة ولم أحصل على بنزين، وقد تغيبت عن العمل اليوم».

بلغت معدّلات الفقر في السودان 80 % وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء (رويترز)

وحذّر بيان وزاري وقّع عليه وزراء خارجية أوروبيون وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، الأسبوع الماضي من أن أكثر من 19 مليون شخص (أي 41 في المائة من السكان) في السودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي، بما في ذلك خمسة ملايين يواجهون مستويات طارئة».

في إحدى أسواق أم درمان، حيث بدت حركة البيع والشراء متباطئة، يقول الموردي عوض لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بينما يشتري احتياجاته: «انخفضت القيمة الغذائية للوجبة». ويضيف: «سعر الكيلوغرام من اللحم بات يتراوح بين 50 و70 ألف جنيه (5 إلى 7 دولارات)، وإن كان في استطاعتك في السابق شراء كيلوغرامين من اللحم، فسوف تشتري اليوم 125 غراماً فقط».


إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
TT

إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)

قال ‌مسؤول إثيوبي كبير، الأربعاء، إن إثيوبيا أمرت 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مزيداً من ​التدهور في علاقات البلدين، بسبب اتهام كل طرف للآخر بدعم خصومه.

ويتهم السودان إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية، في حين تتهم أديس أبابا الخرطوم بدعم المتمردين في منطقة تيغراي بشمال إثيوبيا.

وأثارت الاتهامات المتبادلة، التي ينفيها الطرفان، مخاوف من تداخل الحرب في البلدين، ما ‌قد يؤدي إلى ‌اتساع رقعة الصراع في القرن ​الأفريقي.

وقالت ‌الحكومة ⁠السودانية، ​يوم الأحد، ⁠إنها قدمت شكوى ضد إثيوبيا إلى مجلس الأمن الدولي، التابع للأمم المتحدة ومجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، متهمةً إياها بالسماح لـ«قوات الدعم السريع» باستخدام أراضيها في إطلاق طائرات مسيّرة ملغومة لاستهداف البنية التحتية المدنية في السودان.

ولم يرد ⁠المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي ‌على طلب من «رويترز» ‌للتعليق.

وقال المسؤول الإثيوبي الكبير إن ​بلاده أمرت 6 ‌من موظفي القنصلية السودانية في بلدة أصوصا الحدودية ‌بمغادرة البلاد في غضون 48 ساعة، دون أن يذكر سبب هذا القرار. وطلب المسؤول عدم نشر اسمه نظراً لحساسية الأمر.

وتنفي أديس أبابا مساعدة «قوات الدعم ‌السريع» في السودان.

وكشفت بيانات الأمم المتحدة أن الحرب الأهلية في السودان ⁠أدّت إلى ⁠نزوح أكثر من 14 مليون شخص، وتسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم منذ اندلاعها في أبريل (نيسان) 2023.

واتهمت إثيوبيا كلاً من السودان ومصر وإريتريا بدعم متمردي تيغراي، الذين شنّوا هجوماً على القوات الحكومية في سبتمبر (أيلول). ونفت الدول الثلاث هذه الاتهامات.

وقال أمجد فريد، مستشار «مجلس السيادة الانتقالي» السوداني للشؤون السياسية والخارجية، إن الحكومة السودانية ملتزمة بحقها ​في الدفاع عن أراضيها، ​لكنها تبذل كل جهد ممكن لتجنب اندلاع حرب مفتوحة مع إثيوبيا.


هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
TT

هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)

مع تعثر المبادرات الإقليمية والدولية في إنهاء الانقسام السياسي الليبي، يعود النفط إلى واجهة النقاش، بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة إلى تسوية خلافاتها، في ظل مقترح فرنسي بـ«حظر تصديره» أثار اعتراضات مسؤولين وخبراء ليبيين.

وتعتمد ليبيا على النفط كمورد رئيسي في الإنفاق، عبر تغطية نحو 82 في المائة من الإنفاق العام، بينما يبلغ الإنتاج نحو 1.4 مليون برميل يومياً، وفق الأرقام المتداولة، في بلد دأب على الاعتماد على هذا المورد الحيوي، منذ تصدير أول شحنة من ميناء البريقة قبل 65 عاماً.

يعود النفط إلى واجهة النقاش بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة إلى تسوية خلافاتها (المؤسسة الوطنية للنفط)

وطرح «معهد البحوث من أجل التنمية الفرنسي» أخيراً فكرة الرهان على «ورقة النفط» في تمويل الدولة. ويفترض هذا الطرح أن «تعطيل المورد الرئيسي لمدة شهر سيدفع القوى الليبية المتنافسة إلى مراجعة حساباتها، وسيجبر الأفرقاء الليبيين على الجلوس معاً لحل خلافاتهم، بما يعني أن الضغط الاقتصادي قد يدفع الأطراف إلى التفاوض، بعدما تتقلص الموارد المتاحة».

لكن مقترح حظر تصدير النفط أثار تساؤلات حول الجهة التي ستتحمل تكلفة الحظر، ومدى القدرة على توظيفه كورقة ضغط لدفع القوى المتنافسة إلى تسوية سياسية.

ورفض وزير النفط الليبي السابق محمد عون استخدام الصادرات النفطية كأداة للضغط السياسي، معتبراً أن الحظر «لن يحقق الغاية المعلنة منه، بل سيفاقم معاناة المواطنين، الذين يواجهون ارتفاع الأسعار وصعوبة الأوضاع المعيشية». ورأى أن «معالجة الأزمة تتطلب النظر إلى أسبابها السياسية والاقتصادية، بدلاً من تعطيل المورد الرئيسي للدولة».

وزير النفط الليبي السابق محمد عون (الوزارة)

وأوضح عون لـ«الشرق الأوسط» أن «الأزمة الليبية تتجاوز الخلافات المحلية إلى تدخل قوى إقليمية ودولية في شؤون البلاد»، مستشهداً بما كشفته تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن الفساد الاقتصادي. وانتقد صمت دول كبرى عن التجاوزات، عازياً ذلك إلى تشابك مصالحها مع أطراف ليبية نافذة.

من جهته، لا يرى الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي أن المبادرات الدولية «كافية وحدها لحل الأزمة؛ فالبعثة الأممية واجتماعات برلين وفرت آليات متعددة لإدارة الصراع، لكنها لم تنجح في إنهاء الانقسام». ويعتقد أن «أي تحرك جديد لن يحقق اختراقاً دون تغيير أسلوب التعامل مع جذور الأزمة، وفي مقدمتها الفساد وضعف الرقابة».

وسبق أن خلص فريق الخبراء، التابع للأمم المتحدة، في تقريره النهائي الصادر في مارس (آذار) 2026، إلى أن «جهات مرتبطة بجماعات مسلحة وسّعت نفوذها داخل مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسة الوطنية للنفط، عبر العنف والتدخل في صنع القرار والضغط الاقتصادي».

وهنا تحذر مديرة إدارة التعاقدات السابقة بالمؤسسة الوطنية للنفط، نجوى البشتي، من أن وقف الصادرات قد يدفع إلى مزيد من تهريب النفط، وبيعه خارج المنظومة الرسمية، بما يفاقم الخسائر ويضعف قدرة الدولة على إدارة مواردها. ويحمل هذا الاحتمال خطراً إضافياً يتمثل في تعميق انتقال جزء من النشاط النفطي إلى مسارات يصعب إخضاعها للرقابة الرسمية، بحسب البشتي.

رفض وزير النفط الليبي السابق استخدام صادرات النفط أداةً للضغط السياسي بحجة أن القرار سيفاقم معاناة المواطنين الذين يواجهون ارتفاع الأسعار (أ.ف.ب)

وسبق أن رصد تقرير خبراء الأممي تهريب الوقود داخلياً عبر تحويل شحنات مخصصة للاستهلاك المحلي والكهرباء إلى مسارات غير مشروعة، وخارجياً عبر تصدير نحو مليون طن من المشتقات النفطية من موانئ ليبية، بينها 578 ألف طن من الديزل.

وبحسب البشتي، فإن «فرض الحظر سيضر بالمواطنين أكثر من الأطراف المتصارعة»، وتؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن تداعياته «قد تكون أشد وطأة مما شهدته دول، مثل روسيا وإيران وفنزويلا، بالنظر إلى الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تعانيه ليبيا».

ويكتسب النقاش حول المقترح الفرنسي أهمية بالنظر إلى أن الاتحاد الأوروبي يمثل السوق الرئيسية للنفط الخام الليبي بين الجهات المستوردة، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، التي أوردتها وكالة «إيكوفين».

وبالتوازي مع رفض فرض حظر على صادرات النفط، تبرز بدائل أخرى لمعالجة الاختلالات القائمة، إذ يرى عون «ضرورة مكافحة الفساد، وإبعاد المتورطين فيه عن مواقع النفوذ»، وحذر من أن «استمرار الصراع على الثروة يفتح المجال أمام مزيد من النهب، وسوء إدارة الموارد العامة».

ومن وجهة نظره، لا يمكن تحويل النفط إلى مدخل لتسوية سياسية، من دون معالجة آليات استغلال عائداته.

أما البشتي فإنها ترى «ضرورة إصلاح القطاع النفطي الليبي، وإعادة هيكلته على أسس مهنية، بدلاً من حظر تصديره، بل وإبعاده عن التجاذبات السياسية وتدخل أصحاب النفوذ، مع إسناد المسؤوليات إلى أصحاب الكفاءة والخبرة والنزاهة، وضمان استقلال القرارات الفنية والإدارية عن المحاصصة وموازين القوى المتنافسة»، مبرزة أن هذه الحلول «لن تأتي بها السلطات القائمة في شرق البلاد وغربها، بل تحتاج ربما إلى إرادة وتحرك من شخصيات وطنية حقيقية للحل، بعيداً عن الوجوه المتصدرة للمشهد الليبي».