أزمة المياه العذبة تتفاقم في الدول العربية

نصف البشر يعانون من قلَّة الماء

الحصول على المياه النظيفة مهمة صعبة في اليمن... أهالي صنعاء يحصلون على ماء صالح للشرب من أحد الأنابيب الموصولة بخزان (إ.ب.أ)
الحصول على المياه النظيفة مهمة صعبة في اليمن... أهالي صنعاء يحصلون على ماء صالح للشرب من أحد الأنابيب الموصولة بخزان (إ.ب.أ)
TT

أزمة المياه العذبة تتفاقم في الدول العربية

الحصول على المياه النظيفة مهمة صعبة في اليمن... أهالي صنعاء يحصلون على ماء صالح للشرب من أحد الأنابيب الموصولة بخزان (إ.ب.أ)
الحصول على المياه النظيفة مهمة صعبة في اليمن... أهالي صنعاء يحصلون على ماء صالح للشرب من أحد الأنابيب الموصولة بخزان (إ.ب.أ)

يمثِّل توفُّر المياه النظيفة أمراً حيوياً لصحة الإنسان والصناعة والزراعة وتوليد الطاقة. ومع ذلك، تواجه أنظمة المياه العذبة في العالم تهديدات كبيرة بسبب الإدارة غير المستدامة، وتدهور النظام البيئي، وتغيُّر المناخ.  ويتعرَّض ما يصل إلى 4 مليارات شخص لظروف الإجهاد المائي لمدة شهر واحد على الأقل في السنة. كما تعاني النظم الطبيعية التي توفِّر المياه النظيفة وتخفف حدّة الفيضانات، من ضغوط مختلفة تؤدي إلى تقلُّصها بمعدلات مثيرة للقلق.

أزمة مائية غير مسبوقة

في جميع أنحاء العالم، يتجاوز الطلب على المياه ما هو متاح فعلياً. وخلال السنوات الستين الماضية ازداد الطلب على المياه بنسبة 100 في المائة، ومن المتوقع أن يزداد الطلب خلال العقود الثلاثة المقبلة بنسبة تصل إلى 30 في المائة.

ويرتبط ازدياد الطلب على المياه بزيادة أعداد السكان ونمو التصنيع والأنشطة البشرية الأخرى، مثل الزراعة المرويَّة، وتربية الثروة الحيوانية، وإنتاج الطاقة. وفي الوقت نفسه، يؤثِّر نقص الاستثمار في البنية التحتية للمياه، وسياسات استخدام المياه غير المستدامة وغير العادلة، وزيادة التقلُّبات بسبب تغيُّر المناخ على إمدادات المياه المتاحة.

ويقيس الإجهاد المائي (وهو نسبة الطلب على المياه إلى الإمدادات المتجددة) المنافسة على موارد المياه المحلية. وكلَّما ضاقت الفجوة بين العرض والطلب، أصبح المكان أكثر عرضة لنقص المياه. فالبلد الذي يواجه «الإجهاد المائي الشديد» يعني أنه يستخدم ما لا يقل عن 80 في المائة من إمداداته المتاحة، ويشير «الضغط المائي المرتفع» إلى أنه يسحب 40 في المائة من إمداداته.

ومن دون إجراءات فعّالة، مثل الاستثمار في البنية التحتية للمياه وتحسين إدارة المياه، سوف يستمر الإجهاد المائي في التفاقم؛ خصوصاً في البلدان التي تشهد نمواً سكانياً واقتصادياً سريعاً. وحتى الجفاف القصير الأمد سيعرِّض هذه البلدان لخطر نفاد المياه، وسيدفع الحكومات في بعض الأحيان إلى إيقاف إمداد المياه في الشبكة العامة، مثلما جرى سابقاً في بريطانيا والهند وإيران والمكسيك وجنوب أفريقيا.

ويعكس تقرير عن تقييم مخاطر ندرة المياه الذي صدر عن معهد الموارد العالمية (WRI) مؤخراً، الأزمة المائية غير المسبوقة التي تلقي بثقلها على بلدان كثيرة. وتشير البيانات الجديدة إلى أن 25 دولة، تضم ربع سكان العالم، تتعرض حالياً لإجهاد مائي مرتفع للغاية سنوياً. وبينما يعاني نصف سكان العالم من الإجهاد المائي لمدة شهر واحد على الأقل في السنة، ستطول المعاناة نحو 60 في المائة من سكان العالم في عام 2050.

ويذكر التقرير أن الدول الأكثر تعرضاً للإجهاد المائي في المنطقة حالياً، هي: البحرين، والكويت، ولبنان، وعُمان، وقطر، إلى جانب قبرص. ويُعزى الإجهاد المائي في هذه البلدان غالباً إلى انخفاض ما هو متاح من مياه بالمقارنة مع الطلب المائي لغايات الاستهلاك المنزلي والزراعي والصناعي. وفي حين تشمل القائمة أيضاً: تونس، والإمارات، واليمن، والعراق، ومصر، وليبيا، والأردن، والسعودية، وسوريا، من المتوقع أن يعيش جميع سكان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في ظل إجهاد مائي مرتفع للغاية بحلول عام 2050.

ولا تمثّل قلّة المياه مشكلة بالنسبة للمستهلكين والصناعات التي تعتمد على المياه فحسب، ولكنها تهدد أيضاً الاستقرار السياسي والاجتماعي. ففي إيران -على سبيل المثال- تسببت عقود من سوء إدارة المياه والاستخدام غير المستدام للمياه لأغراض الزراعة في حصول احتجاجات واسعة، وهذا النوع من الاضطرابات سيشتد مع تفاقم الإجهاد المائي.

حلول قائمة على الطبيعة

يؤدي تغيُّر المناخ إلى تفاقم مشكلة ندرة المياه، ويزيد من حدَّة الفيضانات والجفاف، ويغيِّر أنماط هطول الأمطار، ويرفع مستوى سطح البحر. ويتفاقم الضرر في البلدان التي يعتمد اقتصادها بشكل كبير على الزراعة، لا سيما في حوض البحر المتوسط، والشرق الأوسط، وجنوب أفريقيا، وجنوب غربي الولايات المتحدة، وأجزاء من البرازيل وتشيلي وأستراليا.

ويذهب أكثر من 90 في المائة من المياه المستهلكة في العالم للزراعة، وجزء كبير منها يخصص لتربية المواشي. وتساعد الممارسات الشخصية في تقليل استنزاف المياه عن طريق إنقاص استهلاك اللحوم. فإنتاج 100 غرام فقط من اللحم البقري يستلزم أكثر من 1500 لتر من الماء في المتوسط، أي نحو عشرة أضعاف كمية المياه اللازمة لإنتاج كمية معادلة من البروتين النباتي. لذلك، قد يكون تعديل العادات الغذائية اليومية أفضل بكثير من الترشيد المباشر لاستهلاك المياه.

وتساعد الحلول التقنية لزيادة إنتاجية المحاصيل وتحسين كفاءة الري -مثل الزراعة العمودية والري الموضعي- في ترشيد استهلاك المياه العذبة. ومن منظور السياسات، يمكن لخفض الدعم الحكومي المخصص لمياه الري، في البلدان التي تعاني من قلَّة المياه ولا تواجه أزمات غذائية، أن يُحدِث فرقاً كبيراً.

وبعيداً عن الزراعة، تمثّل محطات الطاقة الحرارية أحد أكبر مستهلكي المياه حول العالم. وتعتمد هذه المحطات في توليد الكهرباء على استغلال الفرق في الحرارة بين مراجلها أو توربيناتها ودرجة الحرارة المحيطة. ومن أجل الحفاظ على هذا الفارق الحراري، تستخدم معظم محطات الطاقة كمية كبيرة من الماء للتبريد. ويساعد التحوُّل السريع إلى طاقة الرياح والطاقة الشمسية في جعل إنتاج الطاقة أكثر مرونة في مواجهة تغيُّر المناخ، وتقليل استخدام المياه في الوقت ذاته.

وما لم يحدث هذا التحوُّل، فقد يتسبب نقص المياه في انقطاعات في الطاقة كتلك التي شهدتها الهند بين عامي 2017 و2021. وكان نقص المياه اللازمة لتبريد محطات الطاقة الحرارية الهندية خلال تلك السنوات قد أدَّى إلى فقدان 8.2 تيراواط/ ساعة من الطاقة، أو ما يكفي من الكهرباء لإنتاج طاقة تزوّد 1.5 مليون أسرة هندية بالكهرباء لمدة 5 سنوات.

وفي الإمكان تعزيز البنية التحتية للمياه من خلال الحلول القائمة على الطبيعة والبنية التحتية الخضراء. فحماية الأراضي الرطبة واستعادتها مع شجيرات المانغروف والغابات لا تساعد في تحسين نوعية المياه، وبناء القدرة على الصمود في مواجهة الجفاف والفيضانات فحسب؛ بل يمكنها أيضاً توفير الأموال التي تُنفق على تكاليف معالجة المياه. ويمكن لهذه الحلول القائمة على الطبيعة أن تحقق نتائج إيجابية في مجال المناخ والمياه في البلدان غير القادرة على تحمل تكاليف إدارة المياه بشكل أفضل بمفردها.

ولا يؤدي الإجهاد المائي بالضرورة إلى أزمة مياه. فعلى سبيل المثال، تثبت أماكن مثل سنغافورة ومدينة لاس فيغاس الأميركية أن المجتمعات قادرة على الازدهار، حتى في ظل أكثر ظروف ندرة المياه، من خلال استخدام تقنيات مثل إزالة العشب المتعطش للمياه، وتحلية المياه، ومعالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها.

خفض البصمة المائية للشركات

ورغم أن الاتجاهات العالمية تشير إلى مزيد من الإجهاد المائي، فإن هناك أسباباً قد تدعو إلى التفاؤل. فأزمة المياه تتداخل بشكل كبير مع أزمات الكوكب الكبرى؛ لا سيما اضطرابات الأمن الغذائي ومشكلة تغيُّر المناخ وتدهور النظم الطبيعية. وهذه الأزمات موضع اهتمام عالمي متزايد، مما يعني أن أي تقدم منجز فيها سينعكس إيجاباً على أزمة المياه.

وفي إطار مسؤوليتها الاجتماعية، تعمل شركات كثيرة عابرة للدول على خفض بصمتها المائية، مثلما تفعل في بصمتها الكربونية. وكانت «شبكة الأهداف المستندة إلى العلوم»، وهي تحالف يضم منظمات غير ربحية ومؤسسات علمية، قد أصدرت في وقت سابق من هذا العام، إرشادات حول أين وكيف ينبغي للشركات أن تقلل من بصمتها المائية.

وتركِّز أهداف المياه العذبة المستندة إلى العلوم على قضيتين رئيسيتين، هما: استخدام المياه، وتحديداً السحب من المسطحات المائية والمياه الجوفية، وتلوُّث المياه العذبة الناتج عن النيتروجين والفوسفور. وهذه الضغوط ذات أولوية بسبب أهميتها لغالبية الشركات، وضرورتها في قطاعات وقضايا بيئية محددة.

وابتداءً من العام المقبل، سيفرض تشريع إعداد «تقارير استدامة الشركات» (CSRD) في الاتحاد الأوروبي على جميع الشركات الإبلاغ عن آثارها البيئية، بما في ذلك المياه. وستضمن القواعد الجديدة حصول المستثمرين وأصحاب المصلحة الآخرين على المعلومات التي يحتاجون إليها لتقييم تأثير الشركات على الناس والبيئة، كما ستضمن للمستثمرين تقييم المخاطر والفرص المالية الناشئة عن تغيُّر المناخ وقضايا الاستدامة الأخرى.

إن المياه عنصر أساسي في تحقيق الأهداف المناخية العالمية، وإطعام عدد متزايد من السكان، وتلبية احتياجات الناس الأساسية للبقاء على قيد الحياة. ويستلزم ذلك إعطاء الأولوية لقضايا المياه، ومعالجة أزماتها على نحو عاجل، كما هي الحال في التحوُّل المتسارع نحو مصادر الطاقة النظيفة. ورغم أن الحلول موجودة، فإنها تتطلب الإرادة السياسية والدعم المالي وتكثيف جهود الحكومات والمجتمعات والشركات، لبناء مستقبل مائي آمن للجميع.


مقالات ذات صلة

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بيئة بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

قال ‌باحثون إن الحرارة المفرطة الناجمة عن ظاهرة النينيو «الخارقة» قد تؤدي إلى ما يصل لـ451 ألف حالة وفاة خلال ستة أشهر.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
يوميات الشرق تحت عنوان «الأرض وأهلها» ينطلق «ريف السينمائي» من بلدة القبيات (الجهة المنظّمة)

«ريف السينمائي» في دورته التاسعة يحتفي بـ«الأرض وأهلها»

يقيم المهرجان، بالتوازي مع عروضه السينمائية، ندوة حول حماية أنهر عكّار...

فيفيان حداد (بيروت)
تكنولوجيا المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض

الذكاء الاصطناعي يستهلك الطاقة… فهل يستطيع أن يوفرها؟

علاقة مزدوجة بين الخوارزميات والطاقة تضع الاستدامة أمام اختبار جديد

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
يوميات الشرق مخطط يوضح حدود المحمية (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)

محمية «الإمام عبد الرحمن بن فيصل»... تنوّع طبيعي يجمع جبال طويق والكثبان والأودية

لا يؤثر تأسيس المحمية في الملكيات القائمة ولا يتضمن الإعلان نزع ملكية أراضٍ أو عقارات.

غازي الحارثي (الرياض)
علوم قرية طلابية دنماركية بيئية بتصميم مستقبلي

قرية طلابية دنماركية بيئية بتصميم مستقبلي

ألواح الفلين والزجاج تضفي لمسة جمالية وملمساً مميزاً يكمل مظهر الجدران المطبوعة في قرية طلابية بالدنمارك.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
TT

البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)

يُسوَّق البلاستيك على أنه مادة رخيصة الثمن، وهو كذلك بالفعل عند البيع؛ غير أن السعر المدوّن على زجاجة المياه أو وعاء الوجبة الجاهزة لا يعكس سوى جزء ضئيل جداً من التكلفة الحقيقية التي تتكبدها الدول بسببه. إذ تظهر الفاتورة الحقيقية لاحقاً، متمثلةً في الأعباء التي تقع على عاتق الميزانية العامة والمناطق الساحلية والمنظومة الصحية. فالبلاستيك يكلّف العالم تريليونات الدولارات سنوياً، ومع تزايد النهم العالمي لاستخدامه، ستتفاقم هذه التكلفة أيضاً.

ويكشف تقرير جديد صادر عن منظمة «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» تحت عنوان «الثمن الخفي للبلاستيك»، أن التلوث البلاستيكي يكلّف مصر والمغرب وتونس مجتمعين ما بين 1.7 و5.5 مليار دولار أميركي سنوياً نتيجة الأضرار التي يلحقها بالنظم البيئية البحرية في البحر الأبيض المتوسط، محذّراً من أن استمرار التقاعس عن مواجهة الأزمة قد يرفع من مقدار هذه الفاتورة لتصل إلى ما بين 30 و98 مليار دولار بحلول عام 2040.

وبيّن التقرير أن التلوث بالبلاستيك في كل من مصر والمغرب وتونس أصبح أحد أبرز الضغوط البيئية والاقتصادية في الوقت الحالي، إذ تتجاوز تداعياته الشواطئ المليئة بالنفايات لتطول ميزانيات الدول، وسبل العيش في المناطق الساحلية، والصحة العامة. وتشترك هذه الدول الثلاث في بحر يستقبل ما يقدر بـ229 ألف طن من البلاستيك سنوياً، ويحتوي بالفعل على أكثر من مليون طن في قاعه. كما أنها تقع في منطقة تولد أكثر من 155 مليون طن من النفايات سنوياً - ثلثاها لا تتم إدارته بشكل سليم - ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الحجم تقريباً بحلول عام 2050.

وبما أنّ خفض هذه التكلفة يتطلب تحركاً على المستويين الدولي والوطني، طرح التقرير مجموعة من الإجراءات العملية على المستوى الوطني في كل من الدول الثلاث.

قالت فرح الحطّاب، المسؤولة الأولى عن حملات البلاستيك في «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»: «إن التلوّث البلاستيكي لم يعد مجرد مشكلة مرتبطة بإدارة النفايات، بل أصبحت له تكلفة تمتد إلى الاقتصاد والصحة والبيئة. وتتحمل الحكومات والبلديات والمجتمعات الساحلية والمواطنون جزءاً من هذه التكلفة، فيما تزداد الأعباء كلما استمر إنتاج البلاستيك واستخدامه وتسربه إلى البيئة».

التلوث البيئي يحاصر كثيراً من الدول (رويترز)

وأضافت، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تشمل الفاتورة تكلفة جمع النفايات ومعالجتها وتنظيف الشواطئ، إضافة إلى الخسائر التي تتكبدها قطاعات تعتمد على البيئة البحرية، مثل السياحة والصيد».

وتابعت: «لا تقتصر المخاطر على النفايات البلاستيكية نفسها. فبعض المواد الكيميائية المستخدمة في صناعة البلاستيك أو التي قد تتسرب منه ترتبط، وفق دراسات علمية، باضطرابات هرمونية وتأثيرات على الجهاز التناسلي والمناعي والتنفسّي. كما يمكن أن يدخل الميكروبلاستيك إلى الجسم عبر الغذاء والماء والهواء، ولا تزال آثاره الصحية على المدى الطويل قيد الدراسة. وهذا يعني أن التكلفة قد تمتد أيضاً إلى تكاليف الرعاية الصحية».

واستطردت أن البحر والكائنات البحرية يدفع ثمناً كبيراً أيضاً. فقد يؤدي ابتلاع البلاستيك أو التشابك به إلى إصابة الكائنات البحرية أو نفوقها، بينما يمكن للميكروبلاستيك أن يؤثر في التغذية والنمو والتكاثر لدى بعض الكائنات، وأن ينتقل عبر السلاسل الغذائية.

ووفق التقرير، تتفاوت التكلفة بين البلدان: ففي مصر، تتراوح بين 740 مليون دولار و3.1 مليار دولار سنوياً، بينما تُقدّر في المغرب بنحو 1.2 مليار دولار، وفي تونس بنحو 400 مليون دولار. وهذه التقديرات تركز على الأضرار الاقتصادية التي تلحق بالنظم البيئية البحرية، ولا تشمل كامل التكاليف المرتبطة بالتلوّث البلاستيكي.

ويكشف التقرير أيضاً عن تفاوت مهم في واقع البلدان الثلاثة. ففي مصر، يأتي ارتفاع التكلفة في سياق مستويات مرتفعة من التلوّث البلاستيكي في البحر المتوسط، فيما تُظهر حالة المغرب أن السياسات العامة يمكن أن تحدّ من بعض أشكال استخدام البلاستيك، كما حدث مع الأكياس البلاستيكية. أما في تونس، فيشير التقرير إلى أن خفض استخدام البلاستيك يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية وبيئية.

وتأتي أهمية التقرير في توقيت حاسم لمسار المعاهدة العالمية للبلاستيك. فقد صدر قبيل اجتماع رؤساء الوفود الذي عُقد في بانكوك بين 27 و30 سبتمبر (أيلول)، بمشاركة ممثلين عن مصر والمغرب وتونس، وقبل الجولة الرسمية المقبلة من المفاوضات في مارس (آذار) 2027. وبالتالي، يقدّم التقرير دليلاً على أن تكلفة أزمة البلاستيك ليست بيئية وصحية فقط، بل اقتصادية أيضاً، وأن استمرار الاتجاه الحالي سيجعل تكلفة عدم التحرّك أعلى.

الشواطئ المصرية مليئة بالألعاب البلاستيكية (EPA)

قال الدكتور محمد عطية، أول باحث مصري ينضم للوكالة الأميركية لحماية البيئة، ويشغل حالياً منصب مستشار الخدمات البيئية والهندسية بشركة أيكوم: «إن البلاستيك رخيص الثمن عند الشراء، لكن تكلفته الحقيقية تظهر في المراحل التالية للشراء، في عمليات جمع وإدارة المخلفات، وعمليات التنظيف المطلوبة للتخلص منه، والتأثير على البيئة والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها»، موضحاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الأرقام الواردة بالتقرير تمثل تقديراً اقتصادياً لجزء من الضرر، وتحديداً ذلك الجزء المرتبط بتسرب البلاستيك إلى البيئة البحرية، وهو بالطبع لا يمثل التكلفة كاملة».

ووفق تقرير «غرينبيس» لا تشمل هذه الأرقام التكاليف المباشرة التي تتكبدها قطاعات السياحة، ومصايد الأسماك، والشحن البحري، أو التكاليف المتعلقة بصحة الإنسان؛ إذ لا يتضمن الرقم حالات دخول المستشفيات، أو أيام الصيد الضائعة، أو فواتير البلديات غير المسددة، كما أن جميع الافتراضات المستخدمة في إعداده وُضعت بحيث تُبقي التقديرات عند حدّها الأدنى، لا الأعلى. والجدير بالذكر أن القطاعات المستبعدة ليست ضئيلة؛ وتُضاف أي خسائر تلحق بهذه القطاعات بسبب التلوث بالبلاستيك إلى الأرقام المذكورة في التقرير.

وعلّق عطية بأن الحل هو مزيج من تقليل الاستخدامات غير الضرورية، مع زيادة معدلات إعادة الاستخدام، وتصميم منتجات أسهل في التدوير، وتحسين منظومة الجمع والاسترداد. محذراً من أن أي بديل مقترح لا بد أن يجري تقييمه على دورة حياته كاملة، فليس كل بديل «أخضر» يكون بالضرورة أفضل في كل الاستخدامات.

وأوصى عطية بتحليل لدورة حياة البلاستيك بشكل كامل، بما يضمن الاطلاع على كافة التفاصيل، وليس التركيز على المنتج النهائي فقط، مثل أنواع الكيماويات الداخلة في التصنيع ومعرفة حجم التأثير البيئي للمنتج.

ويعلق عطية على النتائج التقرير بقوله إن حجم التسرب هو أكبر نقطة ضغط في مصر، حيث يصل جزء كبير من المنتجات البلاستيكية إلى البحر المتوسط عبر نهر النيل، موصياً بتحسين عمليات جمع المخلفات البلاستيكية.

وأضاف أنه على الرغم من أن لدى المغرب بنية تحتية جيدة وخطط قائمة بالفعل، لكن التقرير يوضح وجود فجوة بين التخطيط والتنفيذ الفعلي على الأرض، مع وجود ضغوط مالية كبيرة على البلديات. وفي تونس هناك قطاع للجمع والتدوير، ولكن جزءاً كبيراً من قدرة التدوير غير مستغل، مع وجود مشكلة واضحة في نموذج التمويل، وليس مجرد نقص التكنولوجيا.

وأوضح أن التقرير يبرز بشكل واضح أن مشكلة مخلفات البلاستيك في هذه الدول الثلاث ليست في الاستخدام فقط، لكنها أيضاً في نظم الإدارة والتمويل.

من جانبها، شدّدت الحطّاب على أن المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على الصعيد الدولي، هو معاهدة عالمية قوية تغيّر هذه المعادلة، من خلال الحد من البلاستيك غير الضروري من المصدر، وإلزام المنتجين بتحمّل مسؤولية ما يطرحونه في الأسواق، وتوفير آليات مالية قوية، بما يضمن ألّا تُترك دول منطقتنا وحدها في مواجهة تدفق متزايد من النفايات.


دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
TT

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 في المائة من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030.

وتأتي نتائج هذه الدراسة قُبيل عقد قمة في أرمينيا حول التقدم المحرز في أهداف حماية التنوع البيولوجي، لتُضاف إلى تقييم مماثل أجرته الأمم المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحددت 200 دولة هدف «30 في 30»، أي حماية 30 في المائة من الأراضي بحلول عام 2030، في اتفاق أُبرم عام 2022، وأطلق بشكل غير رسمي «اتفاق باريس للطبيعة».

لكنّ تقريراً أعدته منظمتا «حملة من أجل الطبيعة» (Campaign for Nature)، و«معاً من أجل المحيط» (Together for the Ocean) أظهر أن الإجراءات لم تكن على قدر الالتزامات.

وقال مدير منظمة «حملة من أجل الطبيعة» براين أودونيل للصحافيين: «أظهرت الحكومات بالفعل أن تحقيق تقدّم سريع أمر ممكن، لكن العالم بعيد عن المسار الذي يضمن بلوغ نسبة 30 في المائة».

وأضاف التقرير أن وفاء الحكومات بجميع تعهداتها يمكن أن يرفع نسبة الأراضي والمياه المصنفة كمناطق محمية إلى 27 في المائة بحلول عام 2030.

غير أن نسبة المساحات البحرية المحمية قد لا تتجاوز 12 في المائة بحلول نهاية العقد.

وكانت اتفاقية التنوع البيولوجي، وهي المعاهدة الأممية المشرفة على الأهداف العالمية الخاصة بالطبيعة، حذرت أيضا الشهر الماضي من أن الدول لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

منظر جوي لغابات في الغابون (رويترز)

ويُعد نقص التمويل من أكبر العقبات أمام تحقيق الهدف.

وفيما تقدّر الحاجة بما بين 100 مليار دولار و180 ملياراً سنويا حتى عام 2030، لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً 24 مليار دولار.

وقال التقرير إن «الفجوة تبدو أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالمحيطات، إذ تقتضي الحاجة إنفاق نحو 16 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي حالياً ملياراً و800 مليون دولار».

ويتعيّن توجيه جزء كبير من هذا التمويل إلى البلدان النامية التي تضم بعضاً من أغنى النظم البيئية في العالم، لكنها تفتقر إلى الوسائل الكافية لحمايتها.

وقال أودونيل إن على الحكومات تخصيص موارد أكبر من موازناتها، كما يمكنها سن تشريعات تُلزم الصناعات الملوثة، مثل شركات الوقود الأحفوري والتعدين، بالمساهمة في تمويل جهود الحفظ.

وأضاف: «هذه الشركات لن تقوم بذلك طوعاً».

ورأى أن هدف «30 في 30»، ما زال ممكن التحقيق، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة على قدر «التحديات الكبيرة».

وستكون قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، التي تنطلق في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، أول مناسبة تناقش فيها الدول فجوة التقدم المحرز وسبل إعادة أهداف الاتفاق إلى مسارها الصحيح.


ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
TT

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

قال باحثون في مختبر تأثيرات المناخ، التابع لجامعة شيكاغو، اليوم الأربعاء، إن الحرارة المفرطة الناجمة عن ظاهرة النينيو «الخارقة»، هذا العام، قد تؤدي إلى ما يصل إلى 451 ألف حالة وفاة إضافية حول العالم، خلال ستة أشهر حتى فبراير (شباط) 2027.

وذكر المختبر، في تقرير، أنه من المرجح ارتفاع عدد الأيام شديدة الحرارة بنسبة 44 في المائة، مقارنة بالسنوات العادية، وقال إن الدول التي مِن المرجح أن تعاني أكبر عدد من الوفيات الإضافية المرتبطة بالحرارة، في الفترة من سبتمبر (أيلول) 2026 إلى فبراير 2027 هي نيجيريا بواقع 31400 وفاة، تليها إندونيسيا بنحو 19300وفاة، ثم السودان بواقع 17600 وفاة.

تؤدي «النينيو» إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار (أ.ف.ب)

ومن المرجح أن تتسبب موجة الحر في منطقة الساحل الأفريقي، التي تضم النيجر وتشاد بالإضافة إلى نيجيريا والسودان، في 66800 وفاة إضافية، خلال فترة الأشهر الستة.

ويتوقع الباحثون أن تشهد الفلبين وفيتنام وتايلاند وكمبوديا مجتمعةً 19400 وفاة إضافية.

وقد يرتفع عدد الوفيات الزائدة أكثر من ذلك إذا امتدت ظاهرة «النينيو» إلى عام 2027، حيث ستكون المناطق الرئيسية في نصف الكرة الشمالي، ومِن بينها الهند وباكستان، معرَّضة جداً للخطر خلال شهور الصيف.

ووصف المختبر ظاهرة النينيو، هذا العام، بأنها «رسالة من المستقبل» تُبلّغنا بدرجات الحرارة التي ستصبح طبيعية في غضون بضعة عقود فقط.

وأشار المختبر إلى أن جهود الاستجابة للطوارئ يجب أن تُوجَّه إلى المناطق ذات الأولوية القصوى؛ للحد من الوفيات المرتبطة بالحرارة خلال الشهور المقبلة.

وقال مايكل جرينستون، الخبير الاقتصادي بجامعة شيكاغو والمؤسس المشارك للمختبر: «يتيح هذا التقرير لصانعي القرار تحديد الأماكن التي يمكن اتخاذ إجراءات طارئة، الآن، فيها لإنقاذ عشرات الآلاف من الأرواح في الشهور المقبلة».