«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا: بولانسكي الجديد صانع كوميديا بلا ضحكات

3 أعمال تختلف في المضمون وتتفاوت في القيمة

أدام ساندلر (اليسار) في لقطة من «فيراري» (الملحق الإعلامي)
أدام ساندلر (اليسار) في لقطة من «فيراري» (الملحق الإعلامي)
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا: بولانسكي الجديد صانع كوميديا بلا ضحكات

أدام ساندلر (اليسار) في لقطة من «فيراري» (الملحق الإعلامي)
أدام ساندلر (اليسار) في لقطة من «فيراري» (الملحق الإعلامي)

أتاحت جائحة «كورونا» في عام 2020، إمكان القدوم إلى الصالات في مهرجانات العالم من دون تذكرة. تكفي بطاقتك الصحافية التي منحها المهرجان، فتدخل الصالة وتجلس حيث تشاء. إذا وجدت أنّ أحداً سبقك إلى مقعدك المفضّل، تختار سواه. صورة جميلة وبسيطة وسهلة.

بعد «كورونا»، أراد البعض الاستفادة من الحاجة للتفرقة بين مقاعد المشاهدين بتخصيص مقعد خالٍ بين كل اثنين، كما لو أنّ هذا كافٍ. لكن عملية الدخول والجلوس باتت اليوم معقّدة: عليك أولاً زيارة «السيستم» الذي يُعْلِمك بالمقاعد المُتاحة. تختار مقعداً لا ترغب فيه عادة، فالرسم البياني للصالة يشير إلى أنّ غالبية المقاعد محجوزة. كيف، وأنت من أوائل الداخلين؟ لا تعرف، ولا فائدة من السعي إلى المعرفة. تختار المُتاح فقط.

عليك فعل ذلك كل يوم أو يومين، وفي الصباح الباكر إذا أصررتَ على اختيار مقعد مناسب، وليس في آخر الصالة أو في مقدّمتها أو على الجانب البعيد يميناً أو يساراً.

هذه هي الشكوى الوحيدة التي سمعتها حتى الآن، إذ ما تبقّى من عروض أفلام وحفلات ونظام عام في حالة جيدة.

الأفلام مثيرة للاهتمام، متنوّعة ونسبة منها جيدة، لكن معظمها فوق خط الوسط. لا يخلو الأمر من مفاجآت.

لقطة من «إل كوندي» (فابولا)

بينوشيه مصاص دماء

بعد فيلم الافتتاح، «قائد»، الذي لم ينل إعجاباً استثنائياً، دخل المهرجان في أجوائه الفعلية عبر الفيلم التالي، وهو «إل كوندي» للمخرج التشيلي بابلو لاران الذي حامت أفلام عدّة له فوق شخصيات سياسية كما في «بوست مورتم» (2010) و«نيرودا» (2016)؛ أو اجتماعية مثل «جاكي» حول زوجة جون ف. كندي (2016)، و«سبنسر» عن الأميرة ديانا (2021).

من خلال فيلمه الجديد بالأبيض والأسود؛ يعود أدراجه للتطرّق إلى الفترة السياسية التي عصفت ببلاده ما بين 1973 و1990، وهي التي حكم فيها أوغستو بينوشيه تشيلي بيد من حديد. الفترة المذكورة وردت على أكثر من نحو في أفلام سابقة للاران مثل «توني مانيرو» و«نو». في تلك السِيَر، لم يحاول المخرج نقل وقائع الحياة، بل بنى عليها. لم يهتم لسرد «بيوغرافي»، بل تناول الشخصية من وجهة نظر تاريخية عامة، لتصبح محوراً لما حدث من خارجها، إنما بسببها.

هذا ما يحدث، إذ لا نشاهد قصة بينوشيه، ولا عرضاً لمراحل مختارة من حياته، بل نتعرّف إليه وهو يعيش في مزرعة نائية مع زوجته (غلوريا منشماير) ومساعده فيودور (ألفريدو كاسترو) وأولاده الخمسة. هو الآن مصاص دماء، يفكر في فعل ما يتيح موته، مقرراً عدم شرب الدم في البداية، ما يلقى تجاوباً من أولاده كونهم يتوقون إلى وراثته. لكن بينوشيه يعدُل عن قراره ويبدأ باصطياد ضحاياه. طريقته ليست العضّ كما «دراكولا»، بل اقتلاع القلب من مكانه بعد حزّ الرقبة. يُعْلِمنا الفيلم بأنّ بينوشيه يضع القلوب في الثلاجة ليعصرها مع مُساعده ويشربا الدماء.

الرمز مفهوم وواضح. بينوشيه هدر دماء شعبه وتحكم في حياته. استخدمت أفلام رعب سابقة هذا الرمز اجتماعياً، لكن الفيلم يتجاوزها لجهة وضوح القصد، والوجهة المرعبة المختلفة عن الرعب الذي نراه عادة في أفلام مصاصي الدماء. قَدْر من العنف والفجاجة يؤرجح الفيلم على الحافة بين قبوله كإدانة ورفضه كأسلوب إدانه.

رومان بولانسكي خلال تصوير «القصر» (إليسيو بيكتشرز)

حياة على عجلات

فيلم آخر عن حياة أخرى، هو «فيراري»، عن مصمم سيارات السباق إنزو فيراري في حقبة محدّدة من حياته، تلك التي راهن فيها على تحقيق النجاح في ميادين السباق بسيارة تحمل اسمه ومن صنعه. هذه الحبكة تُدمَج بالوضع العائلي للشخصية، مع تأجيج مشاعر تكمن في صدر فيراري وتحول بينه وبين شعوره بالسعادة، إلى أن يتحقق الفوز المُشتهى.

هذا الفيلم الأول للمخرج مايكل مان منذ «بلاكهات» قبل 8 سنوات. كان أكثر نشاطاً في التسعينات، من ثَم في العشرين سنة الأولى من هذا القرن، وبنجاح مبهر، قدّم أفلاماً من بينها «حرارة» (1995) و«ذا إنسايدر» (1999) و«علي» (2001) و«ميامي فايس» (2006)...

عودته إلى العمل ليست ضرباً في المجهول، فهو صرف على الفيلم نحو 3 سنوات، يدرس ويكتب ويعيد الكتابة، قبل أن ينطلق لتصويره في العام الماضي. النتيجة فيلم جيد عن كفاح صانع سيارات فيراري، الذي انتهى بنجاح، رغم عقبات بعضها يكمن في الحياة الزوجية (بينيلوبي كروز) التي تعلم خيانته لها مع امرأة (شايلين وودلي) كانت أنجبت منه ولداً قبل 10 سنوات.

يؤدّي أدام ساندلر دور فيراري ويصمد حيال شخصية ليس لديها كثير من التموّجات. بعض مَشاهد الفيلم لا تصل ناصعة وجيدة التنفيذ أسوة بأخرى. تلك التي تدور في ميدان السباق ناجحة، لاعتمادها على توليف وقنوات تقنية وتصوير، استُخدمت فيه كاميرات مختلفة الأحجام والأنواع والبؤر.

أشواك بولانسكي

خارج المسابقة، ثمة أفلام أنجزها مخرجون تجاوزوا الثمانين: ليليانا كافاني، أغنيشكا هولاند، ودي ألن ورومان بولانسكي... هل هي الوقفة الأخيرة لهؤلاء؟ لجيل؟ لسينما؟

قد يكون فيلم رومان بولانسكي الجديد «القصر»، المعروض هنا، الوقفة الأخيرة أو لا يكون (صرّح أنه سيتقاعد وقد بلغ التسعين). إنه سبب وجيه لتقديم فيلم رائع وقيِّم... لكن «القصر» لا يحمل أياً من هذه الأوصاف.

القصر الموصوف هو فندق سويسري كبير في منطقة جبلية بعيدة، يستقبل منذ الصباح الزبائن الآتين لتوديع عام 1999 واستقبال عام جديد. ربما يتذكر البعض كثرة الحديث عن نهاية العالم مع اقتراب عام 2000. «إنها ليست نهاية العالم»، العبارة الأولى في الفيلم، يقولها مدير الفندق هانسولي (أوليفر ماسوتشي) لموظفيه قبيل بدء وصول النزلاء. إنه الشخصية الوحيدة من بين كل مَن سنراهم، الذي لن ينتقده المخرج. النزلاء جميعاً شخصيات غبية، وإن لم تبدُ كذلك. وآثمة ومنفعلة أيضاً. تستخدم ثراءها ببلاهة وتشرب حتى الثمالة، مما يدفع المُشاهد للتساؤل حول جدوى الجمع الحاشد الذي ليس من بينهم مَن يصلح ليكون سوياً.

الجواب هو أنّ المخرج أراد ذلك لوصم هذا المجتمع. رغب في صنع كوميديا ساخرة تتناول تصرّفات هؤلاء، وإن بدت مفتَعلة وأدّى ذلك إلى فيلم منتفخ بما يحويه.

الكوميديا في البداية، تتحوّل تدريجياً إلى سوداء. والنوعان يفتقران إلى ما يمكن مدحه. ليس لكون الضحكات قليلة فقط، بل لأنّ كل ما يدور يمرّ تحت ثقل من التكلّف والرغبة في تكثيف أخطاء هؤلاء لصنع ما يمكن عدُّه ترفيهاً. بولانسكي المهمّ، أولى مهمّة هذا الفيلم لبولانسكي الذي يريد أن يكون خفيفاً، لكنه لا يزال ثقيلاً. رغم أعماله المهمّة السابقة، مثل «ماكبث» و«عازف البيانو» و«الكاتب الشبح»، يُبعثر موهبته في فيلم لا يشكل نقطة بلوغ ولا نقطة انعطاف. النقطة الأولى تنحسر والثانية تأتي في غير مكانها وزمانها لكونه بلغ التسعين من العمر.

هذه الشخصيات المجتمعة من غير موعد تريد الاحتفاء بالعام الجديد، لتحدث قبل ساعات من منتصف الليل مفارقات، مثل وفاة زوج بالغ الثراء ومحاولة زوجته إخفاء ذلك، ومثل إفراغ كلب ما في معدته فوق الأسرّة بعدما أطعمته امرأة متصابية (فاني أردان) الكافيار. هناك رجل يشتم كثيراً ويُحقّر الآخرين طوال الوقت، وآخر يلجأ إلى أحواض الزارعة ليلبّي حاجته... هل هذا فعلاً ما يودّ مُشاهد ينتظر عملاً لبولانسكي مشاهدته؟

هناك فيلم بعنوان «فندق» للمجهول ريتشارد كواين أنجزه عام 1967، عادي الصفات، لكنه أكثر ترفيهاً إذا ما كان الترفيه هو بيت القصيد.


مقالات ذات صلة

«شباب البومب 3»... كوميديا الرحلة تصمد أمام الأفلام العالمية

سينما فيصل العيسى البطل الرئيسي للفيلم في دور «عامر» في مشهد من الجزء الثاني (نتفليكس)

«شباب البومب 3»... كوميديا الرحلة تصمد أمام الأفلام العالمية

لطالما شكّلت «كوميديا الرحلة» ثيمة راسخة في السينما العالمية، حين تتحول الرحلات العائلية إلى مساحات للمغامرة والمواقف الطريفة.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق مايان السيد حصدت جائزة أفضل ممثلة (مهرجان مالمو)

مايان السيد لـ«الشرق الأوسط»: «كولونيا» منحني دفعة معنوية كبيرة

كانت تجربة «كولونيا» محطة مهمة في مسيرة الفنانة المصرية مايان السيد، إذ شكلت تحدياً جديداً عزَّز تطورها الفني بفضل ثقة المخرج واجتهادها في تعميق تفاصيل الشخصية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق محمد رمضان ورزان جمال في لقطة من فيلم «أسد» (حساب محمد رمضان على «فيسبوك»)

«ثنائيات سينمائية» جديدة في أفلام «موسم عيد الأضحى» بمصر

يشهد موسم «عيد الأضحى» السينمائي في مصر طرح عدد من الأفلام التي تضم «ثنائيات فنية» لأول مرة، من بينها أفلام «صقر وكناريا»، و«أسد».

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

قال المخرج السويسري، مارسيل فايس، إن فيلمه الوثائقي «أفتح عقلي» كان محاولة لرصد تجارب العلاج النفسي من الخارج.

أحمد عدلي (القاهرة)

رحيل حياة الفهد... سيدة الشاشة الخليجية

الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
TT

رحيل حياة الفهد... سيدة الشاشة الخليجية

الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)

رحلت الفنانة الكويتية حياة الفهد، الثلاثاء، بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لأكثر من خمسة عقود، تركت خلالها بصمة بارزة في تاريخ الدراما الخليجية والعربية، لتفقد الساحة الفنية واحدة من أبرز رموزها وأكثرها تأثيراً.

وتُعدّ حياة الفهد من رواد الدراما الخليجية، حيث بدأت مشوارها الفني في ستينات القرن الماضي، ونجحت في تقديم أعمال تلفزيونية ومسرحية شكلت علامات فارقة، وأسهمت في ترسيخ الهوية الدرامية الخليجية، بفضل أدوارها المتنوعة التي عكست قضايا المجتمع الخليجي والإنساني.

وأُعلن خبر الوفاة عبر حساباتها الرسمية، وسط حالة من الحزن في الأوساط الفنية الخليجية والعربية، حيث وُصفت الراحلة بأنها «أيقونة الدراما الخليجية» التي تركت إرثاً فنياً سيبقى حاضراً في ذاكرة الأجيال.

وشهدت الحالة الصحية للفنانة الراحلة تدهوراً خلال الأيام الماضية، حيث نُقلت إلى العناية المركزة قبل أن تُعلن وفاتها، بعد رحلة طويلة مع المرض، لتسدل الستار على مسيرة فنية ثرية امتدت لأكثر من خمسة عقود.

قدّمت حياة الفهد خلال مسيرتها الفنية عشرات الأعمال الناجحة التي حظيت بمتابعة واسعة في الخليج والعالم العربي، وتميزت بقدرتها على أداء الأدوار المركبة، مما جعلها تحظى بلقب «سيدة الشاشة الخليجية»، وتكسب محبة الجمهور عبر أجيال متعاقبة.

وفي رصيد الراحلة عشرات الأعمال التي تنوعت بين المسرحيات، والأفلام السينمائية، والمسلسلات التلفزيونية؛ قدمت خلالها أدوراً، مع فنّانين كويتيين روّاد.

كما عُرفت الراحلة بإسهاماتها في الكتابة والإنتاج، إلى جانب التمثيل، حيث شاركت في تقديم أعمال درامية ناقشت قضايا اجتماعية مهمة، وأسهمت في دعم المواهب الشابة وتطوير الدراما الخليجية.


«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
TT

«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)

عندما تنفصل المرأة عن حبيبها أو زوجها غالباً ما يكون أول رجلٍ تلجأ إليه مصفّف الشعر. تضع كامل ثقتها في مقصّه، متناسيةً كل مرةٍ قالت له فيها هِيَ هِيَ:«إيّاك أن تقصّر شَعري». وهذا تصرُّفٌ تحدّثَ عنه علم النفس رابطاً إياه برغبة المرأة في ولادة جديدة، وفي دعمٍ معنويّ يساعدُها على ترميم قلبها المكسور.

في حوارٍ سابق مع «الشرق الأوسط»، كانت قد لفتت المعالجة النفسية د. ريف رومانوس إلى أن هذه الظاهرة منتشرة فعلاً، واصفةً إياها بأنها «ردّ فعل تلقائي، ومتسرّع». أما الدوافع الأساسية خلفها فهي «أوّلاً إثبات الأنثى لنفسها أنها ما زالت قادرة على إثارة الإعجاب، وثانياً جرعة الثقة بالنفس التي تمنحها جرأةُ التغيير خلال المحنة العاطفية، والنفسية».

يؤكّد مصفّف الشعر اللبناني المخضرم سلام مرقص تلك النظريّة، بدليل أنّ كثيراتٍ من السيدات مكسورات القلوب لجأن إلى مقصّه. ويلفت مرقص لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «غالبيّة مَن خرجن للتوّ من علاقة عاطفية، أو واجهن تجربة طلاق، يطلبن تحديداً قصّ الغرّة». ولعلّ في ذلك تشبُّهاً بنجمات هوليوود اللواتي ما إن أُعلن خبرُ انفصالهنّ، حتى لحقَته صورُهنّ بتسريحة الغُرّة.

الممثلة نيكول كيدمان في تسريحتَي ما قبل الطلاق من المغنّي كيث أوربان وما بعده عام 2025 (أ.ف.ب - أ.ب)

«غرّة الصدمة»؟

فور ظهور المرأة بالغُرّة على الطريقة الفرنسية (French bangs)، والتي تغطّي الجبين، حتى يتساءل معارفها وأصدقاؤها ما إذا كانت تمرّ بمحنةٍ عاطفية مع الشريك. فما يمكن أن يكون مجرّد قرارٍ للتغيير في الشكل ومواكبة للموضة، غالباً ما يُمنَح تأويلاتٍ نفسية.

وعلى غرار مُجريات مسلسل «إميلي في باريس» المحبوب، يذهب البعض أحياناً إلى تسميتها «غرّة الصدمة» (trauma bangs). ففي الموسم الثالث، تقصّ البطلة «إميلي» شعرَها بنفسها بعد تَراكُم الضغوط العاطفية والمهنية عليها، ما يدفع بصديقتها «ميندي» إلى تسمية التسريحة «غرّة الصدمة».

في مسلسل «إميلي في باريس» تقصّ البطلة شعرها بنفسها في الموسم 3 (نتفليكس)

كم تبلغ نسبة الواقع في هذه التسمية؟

وفق علم النفس، ثمة حقيقة علميّة وموثّقة حول قرار قصّ الشَعر، أو إجراء تعديل جذريّ على التسريحة، أو اللون. إذ يولّدُ الانفصال العاطفي رغبةً لدى الأنثى ببَتر الروابط القديمة، وإهداء نفسها بداية جديدة؛ والشَعرُ كواجهةٍ أمامية للوجه يمكن أن يقدّم أوضَح تعبيرٍ عن التغيير.

إلى جانب الرغبة في التجديد، وهي إحدى ردود الفعل على الصدمة، يؤشّر تغيير مظهر الشعر إلى فقدان السيطرة على المشاعر، أو تجنّب مواجهة الواقع، أو حاجة ماسّة لتعزيز الثقة بالنفس، وإثبات القدرة على امتلاك القرار. فبعد الانفصال أو الطلاق، تُصاب غالبية النساء بهشاشةٍ معنويّة تجعلها تظنّ أنها ضعيفة، وغير مرئيّة، وغير محبوبة، وعاجزة عن إثارة الإعجاب. فتأتي التسريحة أو الغُرّة الجريئة لتلفتَ الأنظار إليها من جديد.

تسريحة الغرّة هي إحدى ردود الفعل على الصدمة العاطفية (بكسلز)

الغُرّة... حلّ جذريّ ومؤقّت

في صالونات تصفيف الشَعر، يُنظَر إلى الغُرّة أحياناً على أنها علاجٌ نفسيّ. صحيحٌ أنه مؤقّت، لكنه فعّال في معظم الحالات. يقول سلام مرقص في هذا السياق إنّ «الغرّة تمنح الراحة النفسية للمرأة». ويتابع مصفّف الشعر موضحاً أنّ «النساء بعد الانفصال يشعرن بالضعف، وبالحاجة إلى الظهور أجمل، وأصغر سناً في عيون أنفسهنّ، والآخرين، فيلجأن إلى قصّ الغرّة التي تجعل المرأة تبدو أصغر بالفعل».

من إيجابيات الغرّة كذلك أنها تمنح الشعور المطلوب بالتغيير، وبامتلاك القرار، من دون أن تتسبّب بالندم، لأنّ الشعر قابلٌ للنموّ من جديد. هي ليست كما الجراحات التجميليّة، ولا كالوشم مثلاً الذي تصعب إزالتُه بعد أن تنقضي الخيبة العاطفية.

تمنح الغرة الشعور بالتجديد من دون أن تتسبب بالندم (بكسلز)

تأكيداً لنظريّة العلاقة الوثيقة بين قَصّ النساء شعرهنّ خلال الأزمات النفسية وفترات التوتّر، لاحظت صالونات التجميل خلال جائحة كورونا ازدياداً كبيراً لطلبات قصّ الغرّة.

النجمات وغرّة الانفصال

من قال إنّ قلوب نجمات هوليوود ليست معرّضة للانكسار، وإنّ ثقتهنّ بأنفسهنّ لا تتزعزع بسبب رجل؟

حتى نيكول كيدمان، الممثلة ذات الشخصية الصلبة أمام الكاميرا، وبعيداً عنها، لجأت إلى الغرّة بعد طلاقها من زوجها المغنّي كيث أوربان. ففي عام 2025، انتهت العلاقة بين الفنانَين بعد زواج استمرّ أكثر من 20 سنة. ذكرا حينها خلافاتٍ غير قابلة للحلّ، فيما تحدّثت معلومات أخرى عن أنّ كيدمان تعرضت للخيانة من أوربان.

في أكتوبر من العام نفسه، وبعد شهرٍ تحديداً على إعلان الانفصال، أطلّت النجمة الأسترالية في «أسبوع باريس للموضة» مفاجئةً الصحافة والجمهور بتسريحةٍ جديدة. شهرَت كيدمان غرّتها في وجه الحزن والانكسار، وهي المعتادة على التسريحات الكلاسيكية البسيطة.

نيكول كيدمان والمخرج باز لورمان في «أسبوع باريس للموضة» 2025 (إنستغرام)

بعد انفصالها عن المغنّي زين مالك عام 2021، لجأت العارضة جيجي حديد هي الأخرى إلى غرّة ما بعد الصدمة. وقد أرفقتها حينذاك بتعديلٍ جذريّ وجريء في لون الشعر.

غرّة جيجي حديد بعد انفصالها عن زين مالك عام 2021 (إنستغرام)

في تأكيدٍ على أنّ الغرّة علاجٌ فعّال لحزن ما بعد الانفصال العاطفيّ، أعادت الممثلة ريس ويثرسبون الكرّة مرتَين؛ بعد الطلاق الأول من الممثل راين فيليبي عام 2008، وبعد انتهاء زواجها الثاني من جيم روث في 2023.

الممثلة ريس ويثرسبون وغرّة ما بعد الطلاق (إنستغرام)

يُنقَل عن أسطورة تصميم الأزياء كوكو شانيل قولها: «إنّ المرأة التي تقصّ شعرها هي على وشك تغيير حياتها». لكن إن وجدت المرأة المَخرج في الغرّة، فعليها أن تعلم أنها تتطلّب التزاماً وعنايةً، تماماً كالاهتمام الذي تستلزمه العلاقات العاطفية.


43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
TT

43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)

أفاد تقرير حكومي مصري بأن 43.4 في المائة من المصريين لديهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وجاء موقع «فيسبوك» في صدارة المنصات الأكثر استخداماً بإجمالي 51.6 مليون مستخدم، وذلك في إطار إحصاءات عدة عن «أبرز مؤشرات التحول من الإعلام التقليدي إلى الرقمي».

وحسب «مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار» الصادر عنه التقرير (الاثنين)، فإن الأرقام التي رصدتها شركة «كيبوس» (Kepios) حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تشير إلى وجود 49.3 مليون مستخدم على «يوتيوب»، و48.8 مليون مستخدم على «تيك توك» ضمن الفئة العمرية من 18 سنة فأكثر، مشيراً إلى أن الإعلام الرقمي في مصر يشهد تطوراً متسارعاً في ظل التحول الرقمي، مدفوعاً بالتقدم في تقنيات الذكاء الاصطناعي التي أسهمت في تحسين إنتاج المحتوى وتطوير آليات التفاعل مع الجمهور.

استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً (الشرق الأوسط)

وأشار التقرير إلى أن استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً، حيث بلغ عدد مستخدمي الإنترنت عبر الجوال نحو 92.6 مليون مستخدم بنهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025، بنسبة 75.3 في المائة من إجمالي مشتركي المحمول، في حين وصلت اشتراكات الإنترنت الثابت إلى نحو 12.7 مليون مشترك، وهو ما يعكس اتساع قاعدة المستخدمين واعتمادهم الكبير على الخدمات الرقمية.

وبدأ مجلس النواب (البرلمان) مناقشة قانون لحماية الأطفال رقمياً، من خلال إعداد مشروع قانون لتنظيم استخدام التكنولوجيا للأطفال، ومن المفترض إعداد النسخة النهائية منه خلال الفترة المقبلة للتصويت، بمشاركة جهات حكومية عدة، منها وزارتا «الثقافة»، و«التربية والتعليم»، مع العمل على إلزام المنصات الرقمية بالتحقق من أعمار المستخدمين.

ورأى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الأرقام تعكس بوضوح تنامي حضور مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها «فيسبوك»، الذي بات أحد أبرز مصادر تشكيل الرأي العام في الوقت الراهن، لشعور المستخدمين عبره بقدر أكبر من الحرية في التعبير عن آرائهم مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية.

نحو نصف عدد سكان مصر يستخدمون «فيسبوك» (أ.ف.ب)

وأضاف أن «غالبية البرامج التلفزيونية في الإعلام المصري لم تعد تعتمد على المداخلات الهاتفية من الجمهور كما كان يحدث في السابق، ما جعل الإعلام في صورته الحالية أقرب إلى وسيلة تلقٍّ أحادية الاتجاه، في حين انتقلت مساحة التفاعل الحقيقي وإبداء الرأي إلى منصات التواصل الاجتماعي التي توفر هامشاً أوسع للمشاركة».

وأوضح فتحي أن «هذه المنصات تُعد بالنسبة لكثير من المستخدمين وسيلة تواصل آمنة نسبياً، خصوصاً في ظل تنامي سطوة الإنترنت في مصر وارتفاع معدلات المشاهدة عبره مقارنة بوسائل المشاهدة التقليدية»، لافتاً إلى أن استخدام الإنترنت لم يعد مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبح مجالاً أساسياً للمتابعة والرقابة والمشاركة في النقاشات العامة، وهو أمر يمكن رصده عبر تفاعل الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية والجهات الحكومية مع الشكاوى التي يُبلَّغ عنها.

ملايين المصريين يعتمدون على الإنترنت يومياً (الشرق الأوسط)

ويؤكد ذلك تقرير «مركز المعلومات»، إذ يفيد بأن «التحول نحو المنصات الرقمية قد أفضى إلى فتح آفاق غير مسبوقة لإنتاج المحتوى وتداوله، ما أسهم في بروز أشكال إعلامية جديدة، من شبكات التواصل الاجتماعي والمدونات إلى البودكاست وخدمات البث المباشر والمنصات الإخبارية الرقمية. ومع تعمق حضور الإعلام الرقمي في تفاصيل الحياة اليومية، لم يقتصر تأثيره على إعادة تشكيل علاقة المواطنين بالمعلومات، بل امتد ليُحدث تحولات جوهرية في أنماط عمل الشركات وآليات تفاعل الحكومات مع المواطنين».

وبسبب هذا التفاعل الواسع، دعا أستاذ الطب النفسي جمال فرويز إلى أهمية توفير محتوى هادف للأجيال الجديدة، لأن المحتوى العنيف المتاح عبر بعض المنصات بات يجذب شرائح أكبر من المستخدمين، وينعكس على سلوكياتهم في الحياة اليومية، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «التركيز المفرط على مواقع التواصل ترك آثاراً سلبية على سلوكيات المصريين وحالتهم النفسية».