«غارة إسرائيلية» في القدس على سيارة تحمل كتباً مدرسية فلسطينية

«الحرب الصامتة» تستهدف الرواية والهوية… وهي جزء من حرب سيادية أوسع

إضراب الكلية الإبراهيمية الفلسطينية الخاصة ضمن إضراب شمل مدارس القدس الشرقية 2022 (أ.ف.ب)
إضراب الكلية الإبراهيمية الفلسطينية الخاصة ضمن إضراب شمل مدارس القدس الشرقية 2022 (أ.ف.ب)
TT

«غارة إسرائيلية» في القدس على سيارة تحمل كتباً مدرسية فلسطينية

إضراب الكلية الإبراهيمية الفلسطينية الخاصة ضمن إضراب شمل مدارس القدس الشرقية 2022 (أ.ف.ب)
إضراب الكلية الإبراهيمية الفلسطينية الخاصة ضمن إضراب شمل مدارس القدس الشرقية 2022 (أ.ف.ب)

بدأت إسرائيل حربا استباقية على المنهاج الفلسطيني في مدارس القدس قبل بداية العام الدراسي المفترض أن ينطلق رسميا يوم الأحد المقبل.

واعترض رجال أمن إسرائيليون سيارة في القدس الخميس، كانت في طريقها إلى إحدى مدارس البلدة القديمة، وصادروا الكتب المدرسية ثم اعتقلوا السائق وأحد موظفي المدرسة، في عملية بدت كأنها مطاردة لسيارة أسلحة أو مخدرات أو أي بضاعة مهربة أخرى.

وقال ناطق إعلامي باسم محافظة القدس إن رجال مخابرات إسرائيليين أوقفوا سيارة كانت تنقل كتبا فلسطينية لإحدى المدارس، وصادروها جميعا ثم اعتقلوا ركاب السيارة.

ووصف الناطق ما جرى بأنه اعتداء على حق الفلسطينيين في التعليم واختيار مناهجهم الخاصة.

وطالبت محافظة القدس، وهي المحافظة التي تمثل السلطة الفلسطينية ولا يسمح لها بالعمل في القدس، في بيان المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان بالتصدي لهذه الجرائم العنصرية بحق التعليم في القدس. ودعت المقدسيين إلى التصدي لهذه الجرائم ورفض تسلم مناهج مزورة ومزيفة ومحرفة تحاول سلطات الاحتلال فرضها على أبنائنا في مدارسنا الوطنية.

وحذرت المحافظة من سعي «القوة القائمة بالاحتلال» إلى تهويد المناهج والمدارس العربية في القدس وقالت إنها لن تسمح بذلك.

وتدعم السلطة الفلسطينية تدريس المنهاج الفلسطيني في القدس وتوفره للطلاب، لكن تدخلها «محدود للغاية».

غارة على الكتب

والغارة الإسرائيلية على سيارة الكتب المدرسية الفلسطينية تعطي انطباعا حول شكل العام الدراسي الذي تنتظره مواجهة ساخنة بالنظر إلى تركيبة الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، والتي أطلقت خطة ضخمة من أجل تعزيز السيادة الإسرائيلية على المدينة المقدسة.

وتدخل المناهج التعليمية الفلسطينية في صلب الصراع الكبير الذي يتخذ أشكالاً مختلفة بين الطرفين في القدس، سياسية واقتصادية وأمنية، وعلى الأرض، وهو صراع قديم على «الرواية».

احتجاج على موضوع عن هيئة الأسرى الفلسطينيين

واستخدمت إسرائيل كل الوسائل الممكنة من أجل السيطرة على نظام التعليم في القدس (الشرقية) التي تعتمد مدارسها (نحو 150 مدرسة) المنهاج الفلسطيني لما يقرب من 110 آلاف طالب يدرسون في مدارس متنوعة تخضع لإدارات متعددة، فلسطينية وخاصة وبلدية ومعارف و«أونروا».

ورغم أن السلطات الإسرائيلية استسلمت منذ احتلال الشق الشرقي للقدس عام 1967 أمام العصيان المقدسي، آنذاك، ضد إدخال المناهج الإسرائيلية إلى مدارس المدينة، لكنها لم تتوقف لاحقا عن محاولات «أسرلة» النظام التعليمي، مؤمنة بضرورة السيطرة على «الرواية» وهي محاولات أصبحت شرسة أكثر.

والعام الماضي، أجبرت السلطات الإسرائيلية مدارس في القدس على إلغاء تدريس المنهاج الفلسطيني، وفرضت عليها منهاجا معدلا بعد جولات من المواجهة شملت سحب الترخيص الدائم من 6 مدارس في القدس، وهي مدارس «الإيمان»، بحجة «التحريض في الكتب المدرسية» والتهديد بإغلاق أخرى إذا ضبطت وهي تدرس المنهاج الفلسطيني.

وفي رسالة صارمة، أرسلتها وزارة المعارف الإسرائيلية إلى جميع المدارس في القدس، خيرتهم بين تصحيح المناهج الفلسطينية أو الإغلاق، وأرفقت نسخا من كتب تحوي ما اعتبرته «تحريضا»، مثل دروس تتحدث عن الأسرى الفلسطينيين، ومنع الجيش الإسرائيلي سيارات إسعاف فلسطينية من أداء عملها، وحول أزمة المياه التي تسببها السيطرة الإسرائيلية على منابع المياه الفلسطينية، وبعض الدروس التي تعالج نكبة عام 1948 عندما احتلت إسرائيل 77 في المائة من فلسطين ونفذت مجزرة بحق الفلسطينيين ودمرت 531 قرية فلسطينية وتسببت في هجرة مليون فلسطيني ونكسة 1967.

حذف أشعار وآيات

والحرب على المنهاج الفلسطيني قديمة، وبدأت قبل حوالي عقد من الزمن بحذف شعار السلطة الفلسطينية من الكتب، ثم حذف بعض الآيات ونصوص مكتوبة وأخرى شعرية شملت أشعارا للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، وصفتها بلدية القدس بـ«مواد تحريضية»، قبل أن يتم فرض التقويم الأكاديمي «اليهودي».

وفي أحد الأعوام عممت وزارة المعارف وبلدية الاحتلال كتابا رسميا على مديري المدارس طالبت فيه بعدم تدريس كتاب «التنشئة الوطنية والاجتماعية» للصف الثالث الابتدائي، وسحبه من الطلبة، وتبين لاحقا أن الاعتراض على الكتاب كان بسبب وحدة دراسية بعنوان «أحب وطني فلسطين» وتشتمل على تعليم الطلاب النشيد الوطني الفلسطيني، ومعلومات عن مدينة القدس بصفتها عاصمة فلسطين، وتفاصيل عن إعلان الاستقلال.

غلاف كتاب الحرب الصامتة في المدارس تأليف أهالي طلبة مدارس الإيمان

صفحة من كتاب أصدره أهالي الطلبة

والحرب الصامتة عنوان كتاب أطلقه أولياء الأمور يرصد التعديلات الإسرائيلية على المنهاج الفلسطيني في القدس.

وقال طارق العكش المسؤول في لجنة أولياء الأمور في مدارس الإيمان «إن الحرب الصامتة على التعليم هنا تستهدف الهوية، وتستهدف الوعي». مضيفا لـ«الشرق الأوسط»: «إنها حرب على الوعي». ويرى العكش أنهم «يريدون أن يحولوا المقدسيين من أنداد إلى عبيد. من شعب يعتز بهويته إلى شعب مستعبد». والحرب الصامتة عنوان كتاب أطلقه أولياء الأمور في مدارس الإيمان قبل أيام قليلة يرصد التعديلات الإسرائيلية على المنهاج الفلسطيني في القدس والتي تستهدف «كي الوعي» كما قال العكش الذي أكد أن «المعركة مستمرة ولها ما بعدها ولن نقبل أن نستسلم»

وتستند إسرائيل في حربها على المدارس، بالإضافة إلى كونها الجهة المسيطرة على المدينة، إلى حاجة المدارس في المدينة بشتى أنواعها لدعم مالي أو ترميم أو مساعدات أو توظيف معلمين، وتقوم بالمساومة. وتخضع 70 في المائة من المدارس تحت سيطرة المؤسسة الإسرائيلية، 45 في المائة تابعة لها، و25 في المائة يجري تمويلها من المعارف الإسرائيلية.

الدبلوماسيون الدوليون خلال زيارتهم مدرسة «الأونروا» في جنين

وتوجد في القدس 5 أنواع من المدارس: مدارس تابعة للبلدية ومدارس خاصة ومدارس تابعة للسلطة معروفة بمدارس الأوقاف ومدارس المقاولات التي تمولها المعارف كليا، ومدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا). وتريد إسرائيل من جميع هذه المدارس الخضوع لشروطها.

والعام الماضي قاومت مدارس الضغوط ونفذ معلمون وطلاب وأهاليهم في القدس عدة وقفات تحت عنوان «لن ندرس أبناءنا إلا المنهاج الفلسطيني» وقاموا بتوزيعه على الطلاب متحدين إسرائيل. لكن إسرائيل لجأت إلى التهديد المباشر بإغلاق المدارس وشنت غارات عليها وقامت بتفتيش حقائب الطلبة كذلك.

والحرب على المناهج الفلسطينية ليست مقتصرة على القدس، بل أيضا في الضفة الغربية وقطاع غزة، باعتبار أنها «تحريضية».

إضراب شهدته مدارس القدس في سبتمبر 2022 رفضا لأسرلة المناهج (وفا)

ويرى الدكتور غسان الخطيب، أستاذ الدراسات الدولية في «جامعة بيرزيت» أن المسألة متعلقة بالأساس بالرواية. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «إنه صراع على الرواية... إنهم ينكرون علينا روايتنا، ويريدون منا أن نتبنى روايتهم للصراع».

وخلال سنوات ماضية، أرسلت إسرائيل للدول والأمم المتحدة صورا من المنهاج لجرافة إسرائيلية تقتلع شجرة زيتون، ورصدت أسئلة في الرياضيات حول أعداد «الشهداء» وخرائط لم يُذكر فيها اسم إسرائيل. وقدم باحثون إسرائيليون ومنظمات دولية خلال سنوات طويلة دراسات مختلفة لدعم هذه الرواية الرسمية الإسرائيلية.

وفي أوقات متفرقة، قدمت مراكز إسرائيلية شكاوى للاتحاد الأوروبي بوقف تمويل بناء مدارس تحمل أسماء «شهداء» فلسطينيين. وليس سرا أن إسرائيل نجحت أكثر من مرة في دفع الأميركيين والأوروبيين إلى مراجعة المناهج الفلسطينية، والضغط على السلطة الفلسطينية بشأنها، كما ضغطت من خلالهم على وكالة «أونروا» لاستبدال هذه المناهج في مدارسها في المخيمات في الضفة وغزة.

صحيح أن الفلسطينيين غيروا مناهجهم أكثر من مرة، وعانوا من قطع مساعدات بسببها، لكنهم قالوا إن المناهج الفلسطينية حتى الجديدة منها كانت وستبقى شأناً سيادياً بامتياز؛ لارتباطها الوثيق بالهُوية الفلسطينية والرواية الوطنية.

وقال معلمون لـ«الشرق الأوسط»: «المناهج في النهاية ليست كل شيء. في الطابور الصباحي، في الحصص المدرسية نعلمهم كل شيء عن فلسطين. نقول لهم ما لا تستطيع المناهج قوله».

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

العالم الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

«الشرق الأوسط» (يريفان)
علوم العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)

التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

يشيع الاعتقاد بأن النجاح في الحياة يرتبط بالذكاء الفائق أو الموهبة الفطرية. غير أن كثيراً من الدراسات الحديثة تشير إلى أن التفوق لا يقوم على هذه العوامل وحدها.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
علوم اختبرتُ 200 أداة تعليمية... إليكم أفضلها وأكثرها فائدة

اختبرتُ 200 أداة تعليمية... إليكم أفضلها وأكثرها فائدة

تساعد في جمع وتنظيم ومشاركة وعرض المواد بطريقة إبداعية

جيريمي كابلان (واشنطن)
علوم الأدوات الذكية تدخل المدارس

في التعليم: تدرّب على قيادة الذكاء الاصطناعي... بدلا من «ركوبه» كمسافر

الطلاب بحاجة إلى تعلّم كيفية استخدامه، وتحليل وظائفه، ووضع إرشادات للاستخدام الشخصي له، وتصميم سياسات سلامة مثالية.

ناتاشا سينغر (نيويورك)
علوم استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

أظهرت دراسة جديدة أجراها «مركز بيو للأبحاث» أن أكثر من نصف المراهقين في الولايات المتحدة يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في واجباتهم المدرسية. تضاعف…

ناتاشا سينغر (نيويورك)

الجيش الإسرائيلي: مقتل قائد جبهة الجنوب في «حزب الله» بضربة على بيروت

TT

الجيش الإسرائيلي: مقتل قائد جبهة الجنوب في «حزب الله» بضربة على بيروت

عمال إنقاذ يتفقدون موقع الضربة الإسرائيلية وسط احتراق عدد من السيارات ببيروت (أ.ب)
عمال إنقاذ يتفقدون موقع الضربة الإسرائيلية وسط احتراق عدد من السيارات ببيروت (أ.ب)

أعلن الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، مقتل قائد جبهة الجنوب في «حزب الله» اللبناني بقصف على بيروت.

وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في بيان عبر «إكس»: «هاجم سلاح البحرية أمس في بيروت وقضى على المدعو الحاج يوسف إسماعيل هاشم قائد جبهة الجنوب في (حزب الله)».

وأضاف المتحدث: «تعد جبهة الجنوب الوحدة المسؤولة في (حزب الله) عن تنفيذ مخططات إرهابية ضد مواطني إسرائيل والقتال ضد قوات جيش الدفاع في جنوب لبنان، حيث أشرف هاشم خلال قيادته للوحدة على إطلاق القذائف الصاروخية والمسيّرات المعادية نحو الأراضي الإسرائيلية وقاد جهود إعادة إعمار (حزب الله)».

وبحسب الجيش الإسرائيلي، يعدّ هاشم «قائداً يتمتع بخبرة تزيد على 40 عاماً ويُعد أحد الأعمدة الأساسية في (حزب الله) حيث تولّى منصب قائد جبهة الجنوب بعد القضاء على المدعو علي كركي الذي قضي عليه إلى جانب حسن نصر الله خلال عملية سهام الشمال». واختتم المتحدث: «تشكل عملية القضاء على المدعو هاشم ضربة كبيرة لقدرات (حزب الله) على تنفيذ مخططات هجومية ضد مواطني دولة إسرائيل وإدارة استمرار القتال ضد قوات جيش الدفاع في جنوب لبنان».

وأكد مصدر أمني ومصدر من «حزب الله» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» مقتل هاشم، بوصفه مسؤول الملف العسكري والأمني للعراق لدى «حزب الله».

وقال المصدر الأمني إنّ «قيادياً كبيراً في (حزب الله) وهو المسؤول العسكري والأمني عن ملف العراق يدعى يوسف هاشم الملقب بالسيد الصادق، قتل في الضربة على منطقة الجناح في بيروت».

عمال إنقاذ يتفقدون موقع الضربة الإسرائيلية وسط احتراق عدد من السيارات ببيروت (أ.ب)

وقُتل سبعة أشخاص على الأقلّ بغارات إسرائيلية استهدفت بيروت وسيارة على طريق رئيسي إلى جنوبها ليل الثلاثاء، وفق حصيلة لوزارة الصحة.

وطالت الحرب في الشرق الأوسط لبنان في الثاني من مارس (آذار) بعدما أطلق الحزب المدعوم من طهران صواريخ على الدولة العبرية رداً على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في أول أيام الهجوم الأميركي الإسرائيلي. وتردّ إسرائيل بشنّ غارات واسعة النطاق على لبنان وتوغل قواتها في جنوب البلاد.

وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن ضربات إسرائيلية على منطقة الجناح في بيروت أسفرت عن مقتل خمسة أشخاص وإصابة 21 بجروح.

وأفاد مصدر أمني «وكالة الصحافة الفرنسية» بأن الضربات في منطقة الجناح «استهدفت أربع سيارات» كانت مركونة في أحد الشوارع.

الغارة على بيروت أحدثت دماراً واسعاً (أ.ف.ب)

وشاهد مراسل للوكالة في موقع الضربات حطام سيارة متناثراً صباح الأربعاء، بينما قام رجال الإطفاء بالعمل على إخماد حريق اندلع منذ الليل.

وخلّفت الضربات التي سُمع دويّها في أنحاء العاصمة اللبنانية، ثلاث حفر كبيرة ودمّرت عشرات السيارات التي كانت موجودة في المحيط.

وقال حسن جلوان أحد سكان المنطقة إنه سمع «ثلاثة انفجارات عنيفة». وأضاف: «تبين بعد ذلك أن هناك ضربة هنا... لم يفهم أحد ماذا حصل»، مشيراً إلى أن نازحين ينامون كذلك في شارع في هذا الحيّ.

وأوردت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية أن القصف على بيروت كان من بوارج إسرائيلية.

وسبقت الغارة على بيروت، غارة إسرائيلية أخرى استهدفت سيارة على طريق سريع رئيسي في منطقة خلدة جنوب بيروت، وفق الوكالة الوطنية. وأدّت هذه الغارة إلى مقتل شخصين وإصابة ثلاثة آخرين وفق السلطات. وشاهد مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» سيارة محترقة بالكامل في موقع الحادث، وأشار إلى أن عناصر الإنقاذ كانوا ينقلون شخصاً مصاباً على نقالة.

وأعلن الجيش الإسرائيلي من جهته خلال الليل في بيان أنه استهدف «في غارتين منفصلتين في منطقة بيروت... قيادياً رفيع المستوى في (حزب الله) بالإضافة إلى إرهابي بارز».

ونعى «حزب الله» أحد عناصره ويدعى محمد باقر النابلسي، قتل في الغارة على الجناح.

وجاءت الغارات على بيروت بعد ساعات من مقتل 8 أشخاص في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان بينهم مسعف وفق وزارة الصحة.

اشتباكات في الجنوب

وأعلن «حزب الله» في وقت مبكر الأربعاء عن «اشتباكات عنيفة» مع القوات الإسرائيلية في بلدة شمع القريبة من الحدود في جنوب لبنان.

وجدّدت إسرائيل الأربعاء غاراتها على عدة قرى في جنوب لبنان وشرقه وفق الوكالة الوطنية.

وتتزامن الغارات الإسرائيلية الكثيفة مع إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أنه «مع انتهاء العملية، سيُقيم الجيش الإسرائيلي منطقة أمنية داخل لبنان، على خط دفاعي ضد الصواريخ المضادة للدبابات، وسيُحكم سيطرته الأمنية على المنطقة بأكملها حتى نهر الليطاني»، في عمق يمتد لمسافة تناهز 30 كيلومتراً من الحدود.

وأضاف كاتس أن مئات الآلاف من النازحين اللبنانيين «سيُمنعون منعاً باتاً» من العودة إلى بيوتهم إلى حين ضمان أمن شمال إسرائيل، قائلاً: «سيتم هدم كل المنازل في القرى المتاخمة للحدود في لبنان، على غرار نموذج رفح وبيت حانون في غزة».

وعلى وقع الغارات والإنذارات الإسرائيلية، نزح أكثر من مليون شخص من منازلهم، وفق السلطات، خصوصاً من معاقل «حزب الله» في جنوب البلاد وضاحية بيروت الجنوبية.

وندّد وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى في بيان بتصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس «التي لم تعد مجرد تهديدات، بل تعكس نية واضحة لفرض احتلال جديد لأراضٍ لبنانية، وتهجير قسري لمئات آلاف المواطنين، وتدمير ممنهج للقرى والبلدات الجنوبية».

وحذّر منسق الأمم المتحدة للمساعدات الإنسانية توم فليتشر، الثلاثاء، أمام مجلس الأمن الدولي، من أن جنوب لبنان قد يصبح أرضاً محتلة أخرى في الشرق الأوسط.

وقال: «في ضوء حدة النزوح القسري الذي نشهده، كيف ينبغي لنا بوصفنا مجتمعاً دولياً، أن نستعد لإضافة جديدة إلى قائمة الأراضي المحتلة؟».

وبعد مقتل ثلاثة جنود إندونيسيين من قوة الأمم المتحدة الموقتة العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل)، الأحد والاثنين، دعت عشر دول أوروبية والاتحاد الأوروبي في بيان مشترك، الثلاثاء «كل الأطراف، في كل الظروف، إلى ضمان سلامة وأمن عناصر ومقار يونيفيل».


الشرع: سوريا تستعيد علاقاتها الدولية... ومسار سياسي تدريجي نحو انتخابات حرة

الرئيس السوري أحمد الشرع لدى مغادرته مقر رئيس الوزراء البريطاني بعد اجتماع أمس (رويترز)
الرئيس السوري أحمد الشرع لدى مغادرته مقر رئيس الوزراء البريطاني بعد اجتماع أمس (رويترز)
TT

الشرع: سوريا تستعيد علاقاتها الدولية... ومسار سياسي تدريجي نحو انتخابات حرة

الرئيس السوري أحمد الشرع لدى مغادرته مقر رئيس الوزراء البريطاني بعد اجتماع أمس (رويترز)
الرئيس السوري أحمد الشرع لدى مغادرته مقر رئيس الوزراء البريطاني بعد اجتماع أمس (رويترز)

أكد الرئيس السوري أحمد الشرع أن سوريا تمضي في مرحلة إعادة بناء شاملة تقوم على استعادة العلاقات الدولية وتعزيز الثقة مع الدول، بالتوازي مع إطلاق مسار سياسي تدريجي يستند إلى الحوار الوطني والإعلان الدستوري، وصولاً إلى انتخابات حرة.

وشدد الشرع خلال جلسة حوارية في المعهد الملكي للشؤون الدولية «تشاتام هاوس» في العاصمة البريطانية لندن أمس (الثلاثاء)، على أن الدولة السورية ماضية في حصر السلاح بيدها وفرض سيادة القانون، مع الالتزام بضمان الحريات عبر إطار قانوني ودستوري واضح.

رئيس الوزراء ستارمر مستقبلاً الرئيس الشرع (رويترز)

وأوضح الشرع أن سوريا تتبنى سياسة خارجية متوازنة تقوم على تجنب الصراعات والدعوة إلى الحلول التفاوضية، مع التركيز على إعادة الإعمار وتهيئة الظروف لعودة اللاجئين، مؤكداً أن مسار العدالة الانتقالية سيُبنى على أسس قانونية تضمن المحاسبة وتحفظ السلم الأهلي، وفق ما ذكرته الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا).

العلاقات مع بريطانيا والانفتاح الدبلوماسي

وقال الرئيس السوري: «إن سوريا قطعت خطوات متقدمة في مسار علاقاتها مع المملكة المتحدة»، لافتاً إلى إسهام بريطانيا في دعم الشعب السوري عبر رفع العقوبات، مؤكداً أن اللقاءات التي جرت اليوم في لندن من شأنها تعزيز مستوى الثقة، في وقت تتجه فيه العلاقات الدبلوماسية نحو الجاهزية الكاملة، بما يشمل إعادة تفعيل السفارات.

الاستحقاقات الداخلية والمرحلة الانتقالية

وفي الشأن الداخلي، أوضح الشرع أن سوريا ماضية في تنفيذ التزاماتها السياسية، مبيناً أنه جرى عقد مؤتمر الحوار الوطني وإصدار إعلان دستوري نصَّ على مرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات تمهيداً لإجراء انتخابات حرة، لافتاً إلى إجراء انتخابات مجلس الشعب الذي ستبدأ أولى جلساته الشهر القادم، على أن يعاد النظر في القوانين بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.

وبيّن الشرع أن تشكيل الأحزاب السياسية مرتبط بإقرار الدستور الجديد، حيث ستتولى لجان منبثقة عن مجلس الشعب إعادة صياغته، بما يتضمن قوانين تنظم الحياة الحزبية وتتيح مشاركة الأحزاب في السلطة والحكومة.

وفيما يتعلق بالحريات العامة، شدد الرئيس السوري على أن دور رئيس الدولة يقتصر على تطبيق القوانين التي يقرها الدستور، وليس فرض قيود جديدة على المجتمع، مؤكداً أن الإطار القانوني هو الضامن للحريات الشخصية.

العلاقة مع إسرائيل

من جهة أخرى، أكد الشرع أن إسرائيل تعاملت مع سوريا منذ البداية بشكل سلبي، حيث قصفت الكثير من المواقع السورية وتوغلت في بعض المناطق وخرقت اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 الذي صمد لأكثر من 50 عاماً، كما كانت هناك مفاوضات غير مباشرة ثم مباشرة جرت خلال الفترة الماضية، وتم تحقيق تقدم في بعض المراحل، إلا أن المواقف الإسرائيلية شهدت تغيراً في اللحظات الأخيرة.

وفيما يتعلق بغزة، أكد الشرع أن الشعب السوري يتعاطف مع معاناة الفلسطينيين، مشيراً إلى أن سوريا تمر بظروف إنسانية صعبة نتيجة الحرب، مما يجعلها تركز على إعادة البناء الداخلي.

الرئيس السوري أحمد الشرع يرافقه وزير الخارجية أسعد الشيباني لدى مغادرتهما مقر رئيس الوزراء البريطاني بعد اجتماع أمس (إ.ب.أ)

الدبلوماسية الدولية والعلاقات المتوازنة

وفي الشأن الدولي، لفت الشرع إلى أن سوريا تسعى إلى بناء علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، بما في ذلك الولايات المتحدة وروسيا، مبيناً أنه من دلائل نشاط الدبلوماسية السورية أن تكون في البيت الأبيض، وبعد بضعة أيام في الكرملين، ولا سيما في هذا الوقت الحرج الذي يصعب فيه على أي دولة في العالم إقامة علاقات متوازنة بين أطراف متصارعة.

وأشار إلى أن روسيا كانت منخرطة في الحرب ضد الشعب السوري إلى جانب النظام السابق، غير أن هناك في المقابل علاقات تاريخية وروابط قديمة تجمع بين سوريا وروسيا، وقد سعت سوريا إلى التخفيف من الأضرار دون الوصول إلى حالة من التصعيد مع الجانب الروسي، موضحاً أنه من بين عشرات القواعد لم يبقَ في سوريا سوى قاعدتين، ويجري العمل على الترتيب لتحويلهما إلى مراكز لتدريب الجيش السوري.

اجتماع الشرع ورئيس الوزراء البريطاني في مقر الحكومة بـ«داوننغ ستريت» بحضور مسؤولين من الطرفين (حساب الرئاسة السورية)

ملف اللاجئين والاستثمار وإعادة الإعمار

وفي ملف اللاجئين، أكد الرئيس السوري أن عودة السوريين من الخارج ترتبط بتحسن الأوضاع الاقتصادية وإعادة الإعمار، مشيراً إلى عودة أعداد كبيرة طوعاً خلال الفترة الماضية، معتبراً أن الاستثمار وتوفير فرص العمل يشكلان ركيزتين أساسيتين لتشجيع العودة، وتحويل التحديات إلى فرص اقتصادية تدعم مستقبل البلاد.

وأكد الشرع أن الدول الأوروبية مشكورة على استقبال اللاجئين السوريين خلال سنوات الثورة، غير أن إعادة أي شخص إلى بلده لا تتم بمجرد وضعه في طائرة وإعادته، لأن ذلك قد يسبب له صدمة ويدفعه إلى الهجرة مجدداً، ولذلك لا بد من إدارة هذا الملف بطريقة سليمة تحفظ كرامة اللاجئ وحقه في العودة الطوعية.

وأوضح أن إسقاط النظام السابق فتح الباب أمام عودة واسعة، إذ عاد خلال العام الماضي أكثر من مليون و300 ألف سوري طوعاً من دول اللجوء، كما عاد نصف من كانوا يعيشون في المخيمات إلى قراهم المدمرة أو المهدمة، وأشار إلى أن روح الانتماء عادت إلى الشعب السوري، وهو ما يولّد رغبة طبيعية في العودة.

وبيّن الشرع أن الحكومة السورية اعتمدت الاستثمار مساراً لإعادة الإعمار وتحويل النكبة السورية إلى فرصة اقتصادية، وأن كل زيارة خارجية تتضمن لقاءات مع شركات كبرى لعرض الفرص الاستثمارية في سوريا، مبيناً أن شركات ألمانية كبرى أبدت اهتماماً واضحاً بالاستثمار، وأن الحكومة طرحت عليها فكرة اعتبار اللاجئين السوريين في ألمانيا فرصة اقتصادية، لما اكتسبوه من لغة وخبرات في المصانع والشركات الأوروبية، بما يؤهلهم ليكونوا قوة عاملة مهمة في فروع تلك الشركات داخل سوريا.


إسرائيل ترسم معالم «المنطقة العازلة» جنوب لبنان

الرئيس عون مستقبلاً الوزيرة المفوضة لدى وزارة الجيوش الفرنسية أليس روفو والوفد المرافق (رئاسة الجمهورية)
الرئيس عون مستقبلاً الوزيرة المفوضة لدى وزارة الجيوش الفرنسية أليس روفو والوفد المرافق (رئاسة الجمهورية)
TT

إسرائيل ترسم معالم «المنطقة العازلة» جنوب لبنان

الرئيس عون مستقبلاً الوزيرة المفوضة لدى وزارة الجيوش الفرنسية أليس روفو والوفد المرافق (رئاسة الجمهورية)
الرئيس عون مستقبلاً الوزيرة المفوضة لدى وزارة الجيوش الفرنسية أليس روفو والوفد المرافق (رئاسة الجمهورية)

ترسم إسرائيل معالم «المنطقة العازلة» في جنوب لبنان، في ظل تصعيد ميداني متدرّج وتوسّع نحو البقاع الغربي، بما يعكس تحوّلاً في مسار العمليات. وفي هذا السياق، شدد رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، على أن «وقف إطلاق النار لن يكون إلا بقرار مستقل من إسرائيل»، فيما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، نية إقامة «منطقة عازلة» حتى نهر الليطاني.

وأشار مصدر مطّلع إلى تركيز العمليات على بلدات جنوب البقاع الغربي؛ «نظراً إلى أهميتها الاستراتيجية».

في المقابل، كشف مصدر أمني عن أن الجيش اللبناني دخل في «مطلع عام 2025 منشأة عسكرية كبيرة بين بلدتي جويا وعيتيت»، حيث تبيّن وجود «مخارط كبيرة للفّ الصواريخ تبلغ تكلفتها ملايين الدولارات»، مشيراً إلى أن «حزب الله» يعمل على تصنيع مسيّرات وعبوات وتعديل ذخيرة، إلى جانب تجهيز منصات إطلاق واستخدام أنفاق ميدانية.