الحرب تنعش تجارة الأسلحة في شرق السودان

خصوصاً في المنطقة الحدودية مع إريتريا وإثيوبيا

مقاتلون يقودون آليات عسكرية في السودان (أ.ف.ب)
مقاتلون يقودون آليات عسكرية في السودان (أ.ف.ب)
TT

الحرب تنعش تجارة الأسلحة في شرق السودان

مقاتلون يقودون آليات عسكرية في السودان (أ.ف.ب)
مقاتلون يقودون آليات عسكرية في السودان (أ.ف.ب)

يشهد شرق السودان حركة ناشطة في الاتجار بالسلاح؛ خصوصاً في المنطقة الحدودية مع إريتريا وإثيوبيا في ظل حرب متواصلة في البلاد منذ أربعة أشهر، إلى حدّ لم يعد في إمكان التجّار تلبية الطلب، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وبدأت المعارك في 15 أبريل (نيسان) بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، وأسفرت حتى الآن عن مقتل نحو خمسة آلاف شخص ونزوح 4.6 مليون سواء داخل البلاد أو خارجها. وفي البلد الذي يبلغ عدد سكانه 48 مليون نسمة وعانى لعقود من نزاعات مسلحة وحروب أهلية، كان السلاح منتشراً أصلاً، ويُسجَّل في ظل العنف الجاري، مزيد من الطلب على السلاح، وارتفاع هائل في الأسعار.

في سوق تجارية صغيرة قرب المثلث الحدودي بين البلدان الثلاثة في شرق السودان، قال مهرّب الأسلحة ود الضو الذي اختار اسماً مستعاراً لوكالة الصحافة الفرنسية: «زاد الطلب على السلاح حتى صرنا لا نستطيع تلبيته».

وتابع المهرب البالغ من العمر 63 عاماً ضاحكاً: «ماذا تريد؟ كلاش (البندقية الآلية أو الكلاشينكوف) أم قناصاً أم مسدساً»، في إشارة إلى أنواع الأسلحة المتاحة لديه.

وتؤكد السلطات الموالية للجيش باستمرار ضبط شحنات من الأسلحة تصفها بـ«المتطورة».

في العاشر من أغسطس (آب)، تبادلت قوة من الجيش في ولاية كسلا في شرق البلاد إطلاق النار مع مهربين كانوا يستقلّون شاحنتين محمّلتين بالأسلحة، وفق ما نقلت وكالة أنباء السودان (سونا) التي أضافت أن الشاحنتين كانتا في طريقهما إلى الخرطوم لصالح قوات الدعم السريع.

«الإقبال الآن أكبر»

وكشف مسؤول أمني طلب عدم ذكر اسمه أن السلطات صادرت أيضاً خلال أشهر الحرب الماضية شحنتين من السلاح: «واحدة جنوب ميناء سواكن على البحر الأحمر، وأخرى قرب كسلا»، لافتاً إلى عدد من «عمليات (المصادرة) الصغيرة» الأخرى.

ويوضح ود الضو أن السبب وراء ضبط هذه الشحنات يعود إلى أنه «في السابق، كانت الشحنات تصل إلينا كل ثلاثة أشهر... الآن تصل إلينا شحنة كل 15 يوماً تقريباً». حتى قبل اندلاع الحرب، كانت كمية الأسلحة الموجودة في البلاد تثير قلق الحكومة.

في نهاية العام الماضي، أعدت لجنة جمع السلاح، وهي جهة حكومية تشكّلت عام 2017، تقريراً أفاد بأن هناك «5 ملايين قطعة سلاح في أيدي المواطنين، غير الأسلحة لدى الحركات المتمردة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق».

ويؤكد صالح (اسم مستعار)، البالغ من العمر 35 عاماً، الذي يعمل في تهريب الأسلحة، أن «الإقبال على تجارة السلاح اليوم أكبر»، لافتاً إلى ظهور وجوه جديدة في المجال، «أشخاص لم يعملوا بها من قبل».

القوات المسلحة السودانية تحتفل بيوم الجيش في ولاية القضارف شرق السودان (أ.ف.ب)

أسلحة روسية وأميركية وإسرائيلية

تداول مستخدمو منصّات التواصل الاجتماعي، مؤخراً، صورة لمئات من رجال قبيلة في شرق السودان يحملون أسلحة رشاشة وبنادق آلية ويعلنون ولاءهم للجيش في الحرب الجارية.

ويقول صالح، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن اهتمامات الزبائن في الوقت الحالي اختلفت عن السابق، وتابع: «كان الطلب على المسدسات سابقاً، أما الآن يرغب الناس في بنادق القنص والرشاشات»، مشيراً إلى أن أنواع بنادق القنص المتاحة «أميركية أو إسرائيلية، وهناك القليل من البنادق الإيرانية».

وعن أسعار الأسلحة، يقول صالح إن الرشاش الآلي الروسي «الكلاشينكوف» بلغ سعره ما يعادل 2000 دولار تقريباً، مقارنة بنحو ألف دولار قبل الحرب.

وبلغ سعر بندقية القنص الأميركية ما يعادل 8300 دولار، بينما بلغ ثمن مثيلتها الإسرائيلية نحو 10 آلاف دولار وهي من بين «الأعلى طلباً»، بحسب صالح، من دون إعطاء مزيد من التفاصيل.

ويقول المسؤول الأمني: «يستخدم مهرّبو السلاح والمخدرات مرافئ في مناطق نائية من جنوب البحر الأحمر، جغرافيتها وعرة»، مضيفاً: «من أشهر المناطق: منطقة خليج سالم جنوب مدينة طوكر وقرب حدود السودان مع إريتريا».

ويتابع أن حركة تجارة الأسلحة في هذه المنطقة لا تقتصر على السودان فقط بل «ينشط فيها مهرّبون من اليمن، وبعض المهربين من الصومال... وهم جزء من مجموعات مرتبطة بشبكات عالمية لتهريب الأسلحة».

سهل البطانة

يوضح المسؤول الأمني أن «مثلث الحدود بين الدول الثلاث يعد -تاريخياً- مركزاً لتجارة السلاح غير الشرعية بسبب نشاط المجموعات المسلحة الإثيوبية الإريترية ضد حكوماتها».

ويشير بالتحديد إلى منطقة «البطانة»، وهي منطقة سهلية منبسطة تمتد من شرق السودان حتى العاصمة وتمر بها ولايات كسلا والقضارف والجزيرة ونهر النيل، و«تمثل ممراً لتهريب السلاح». ويتابع: «البطانة منطقة قليلة السكان والوجود الأمني فيها ضعيف، كما أن طرقها غير ممهدة وتحتاج إلى خبير لمعرفتها».

ويقول ود الضو من جهته: «يشتري ناس البطانة السلاح لأنهم يعملون بالرعي والزراعة، وبعد حرب الخرطوم، بات كل واحد منهم يريده لحماية نفسه».

وفي حين يتهم الجيش قوات الدعم السريع بأنها المشتري الأول لشحنات الأسلحة المضبوطة، نفت قوات الدعم السريع ذلك. وقال ضابط فيها لوكالة الصحافة الفرنسية: «نحن قوة نظامية لديها قانون، ومصدر تسليحها معروف ولا نتعامل مع المهربين، بل نعمل على ضبطهم». ويقول صالح ردّاً على سؤال عن الجهات الشارية: «نحن نسلّم البضائع لأشخاص في البطانة ولا نسأل عن وجهتها».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: «قوات الدعم السريع» ارتكبت فظائع في الفاشر

شمال افريقيا النيران تلتهم سوقاً في الفاشر أكبر مدن إقليم دارفور نتيجة معارك سابقة (أرشيفية - أ.ف.ب)

الأمم المتحدة: «قوات الدعم السريع» ارتكبت فظائع في الفاشر

قالت «​مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان» ‌إن ‌انتهاكات ​«قوات ‌الدعم ⁠السريع» في ​مدينة الفاشر تصل إلى ⁠مستوى ‌جرائم حرب وجرائم محتملة ضد الإنسانية.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم - لندن)
شمال افريقيا عبد العاطي خلال جلسة «مجلس السلم والأمن الوزارية» بشأن الصومال والسودان الخميس (الخارجية المصرية)

مصر تحشد أفريقياً لدعم وحدة السودان والصومال

كثَّفت مصر حشدها الأفريقي لدعم وحدة السودان والصومال، وذلك على هامش اجتماعات المجلس التنفيذي وقمة الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا

وليد عبد الرحمن (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من جلسة «مجلس السلم والأمن الوزارية» حول تطورات الأوضاع في الصومال والسودان يوم 12 فبراير 2026 (الخارجية المصرية)

«مجلس السلم والأمن الأفريقي» يدعو لهدنة إنسانية في السودان

دعا «مجلس السلم والأمن الأفريقي»، يوم الخميس، إلى هدنة إنسانية عاجلة في السودان تقود إلى وقف شامل لإطلاق النار في جميع أنحاء البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
خاص أرشيفية لحقل «هجليج» النفطي في جنوب إقليم كرفان بالسودان (رويترز)

خاص وزير الطاقة السوداني لـ«الشرق الأوسط»: خسائر القطاع جراء الحرب بالمليارات

قال وزير الطاقة السوداني، المعتصم إبراهيم، إن التكلفة التقديرية للخسائر والأضرار الجسيمة التي لحقت بقطاع النفط والطاقة جراء الحرب، تقدر بمليارات الدولارات.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا مشهد لأفق العاصمة السودانية الخرطوم على ضفاف نهر النيل الأزرق وجسر توتي الذي يربط المدينة بجزيرة توتي القريبة (أرشيفية - أ.ف.ب)

«أطباء السودان»: انتشال 15 جثة بعد غرق عبارة في نهر النيل بشمال السودان

قالت شبكة أطباء السودان، اليوم (الأربعاء)، إنه تم انتشال 15 جثة بعد غرق عبارة تحمل أكثر من 27 شخصا، بينهم نساء وأطفال، في نهر النيل بشمال السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

هل تنجح المقاربات الأمنية في ضبط سوق العملة الليبية؟

اجتماع المصرف المركزي مع أصحاب شركات ومكاتب المصارف في طرابلس يناير الماضي (المصرف المركزي)
اجتماع المصرف المركزي مع أصحاب شركات ومكاتب المصارف في طرابلس يناير الماضي (المصرف المركزي)
TT

هل تنجح المقاربات الأمنية في ضبط سوق العملة الليبية؟

اجتماع المصرف المركزي مع أصحاب شركات ومكاتب المصارف في طرابلس يناير الماضي (المصرف المركزي)
اجتماع المصرف المركزي مع أصحاب شركات ومكاتب المصارف في طرابلس يناير الماضي (المصرف المركزي)

تصاعدت شكاوى الليبيين من المضاربات على الدينار الليبي والعملات الأجنبية في السوق السوداء خلال الأسبوع الماضي، وهو ما دفع مصرف ليبيا المركزي إلى أن يطالب وزارة الداخلية في غرب البلاد باتخاذ إجراءات قانونية حازمة، بعدما أقر بخطورة هذا الوضع.

وأجمع خبراء اقتصاديون ومصرفيون على أن هذا الإجراء «شكلي ومؤقت»، ولا يعالج جذور مشكلة الضغوط المتزايدة على العملة المحلية، في ظل موجة مضاربات تعبر عن اختلالات هيكلية في النظام النقدي الليبي، أدت إلى تراجع الدينار أمام الدولار في السوق السوداء بنسبة 5.5 في المائة على مدى أسبوع.

محافظ المصرف المركزي في ليبيا ناجي عيسى (صفحة المصرف)

وقفز سعر صرف الدولار من 9.08 دينار مطلع الأسبوع الماضي إلى 9.58 دينار في نهايته، في حين بقي السعر الرسمي عند 6.30 دينار فقط. عزز هذا الارتفاع من انتقادات النخب الاقتصادية إلى سياسات محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، الذي سارع بدوره لتوجيه وزارة الداخلية باتخاذ إجراءات حازمة لإيقاف نشاط السوق السوداء، والتحذير من عمليات تحويل الأموال داخل البلاد وخارجها بمنأى عن الأطر الرقابية.

وطالب عيسى، بحسب الرسالة التي نشرتها وسائل إعلام محلية، السلطات الأمنية بمعاقبة المتعاملين بالعملات الأجنبية خارج الإطار الرسمي، ومتابعة حركة نقل الأموال بالدينار، وحصر التداول خارج المصارف على مكاتب الصرافة المرخصة، وإقفال الجهات غير المرخصة.

ومع ذلك لم يحظ طلب محافظ المصرف المركزي بـ«حل أمني» في مواجهة المضاربات بارتياح اقتصاديين، ومن بينهم عضو إدارة المصرف سابقاً، مراجع غيث، الذي عدّ أن اللجوء إلى الإجراءات الأمنية لمواجهة المضاربات وشركات الصرافة غير القانونية «سيكون بمثابة حرب مع السراب».

عميل بأحد البنوك يتسلم أوراقاً نقدية من موظف بالبنك بمصراتة الليبية في أبريل (نيسان) 2024 (رويترز)

وأوضح غيث لـ«الشرق الأوسط» أن التعامل يجري عبر «غرف مظلمة بـ(واتساب)»، لا مع حالات يمكن ضبطها ميدانياً، مبرزاً أن السوق السوداء تُدار – بحسب تعبيره – من أطراف خارج ليبيا، وعادّاً أن ما يظهر في سوق المشير بطرابلس «ليس سوى جزء من الصورة».

في الاتجاه نفسه، عدّ أستاذ الاقتصاد بالأكاديمية الليبية، الدكتور عمر زرموح، أن الحلول الأمنية «قد تحد من المشكلة على نحو مؤقت»، لكنها «لن تنجح في تقديم حل حاسم»، وهي وجهة نظر الخبير المصرفي نعمان البوري نفسها.

ويعتقد زرموح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن خطوة محافظ مصرف ليبيا المركزي «قد تُتخذ كأداة لإلقاء إخفاقات إدارة النقد الأجنبي بالمصرف المركزي على جهات أخرى»، عادّاً أن القوانين الاقتصادية «أقوى من الحلول الأمنية». وذهب إلى القول إن غياب الاقتصاديين الفاعلين عن مجلس الإدارة «حجب الرؤية وخلق ضبابية في القرار».

وينظر اقتصاديون إلى أزمة السوق السوداء في ليبيا وموجات المضاربات على أنها أحد أعراض الانقسام السياسي والأمني، الذي تعيشه البلاد منذ عام 2014، وما رافقه من انقسام مصرفي بين إدارتين في طرابلس والبيضاء، قبل أن يتم توحيد المصرف منذ خمس سنوات. وعلى مدى هذه السنوات، نشطت أسواق غير رسمية للعملات في مختلف المدن الليبية، أبرزها سوق المشير في طرابلس، إضافة إلى مصراتة وزليتن وبنغازي، مع نشاط ملحوظ في سبها ومدن الجنوب، حيث شكلت هذه التجمعات مراكز تداول غير رسمي، تتأثر بالسيولة والطلب على الدولار والمضاربات.

ويشير غيث إلى أن البلاد قبل 2014، وخلال فترة توليه عمله بالمصرف، لم تشهد أزمة مشابهة للسوق السوداء، مؤكداً أن موجات المضاربة تفاقمت بعد الانقسام السياسي، وانتقد ما وصفه بـ«العلاج بأدوات خاطئة» على مر السنوات، مثل ضخ الدولار في السوق، لما لذلك من أثر في تعميق الاختلالات.

وفي محاولة للحد من نشاط السوق السوداء، شرع مصرف ليبيا المركزي منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 في تقنين أوضاع شركات ومكاتب الصرافة، ليصل عدد المرخص منها حتى ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي إلى 278 شركة ومكتباً، تغطي مختلف مناطق البلاد. وانطلق العمل الشهر الماضي بضوابط تشغيلية جديدة، تسمح لهذه الشركات ببيع النقد الأجنبي للمواطنين والأجانب، وفق سقوف محددة تصل إلى 8 آلاف دولار.

صورة أرشيفية لعناصر شرطة في سوق المشير للعملات بالعاصمة طرابلس (صفحة السوق)

ويؤيد زرموح تنظيم قطاع شركات الصرافة، داعياً المصرف إلى «تسريع منح الموافقات ومنح فترة انتقالية كافية للتكيف مع منظومة بيع النقد الأجنبي، قبل تشديد الرقابة»، مبرزاً أن «بعض الشركات لا تزال طلباتها مستوفية للشروط قيد الانتظار».

غير أن الخبير الاقتصادي، الدكتور يوسف يخلف مسعود، يعارض هذا التقنين والإجراءات الأمنية المصاحبة، ويرى أن «منح دور أوسع لشركات الصرافة، في ظل رقابة هشة وسياسات نقدية مشوهة، عمّق الأزمة»، مشيراً إلى أن ذلك «خلق بيئة احتكارية وزاد من المضاربات»، وفق تصريحاته لـ«الشرق الأوسط».

ووسط أزمة طال أمدها في سوق الصرف الليبية، اقترح خبراء ومصرفيون مجموعة من الحلول لمواجهة المضاربات والسوق السوداء، شملت الإصلاحات النقدية والمالية، وتعزيز الرقابة، وإصلاح المؤسسات واستبعاد غير المتخصصين من صناعة القرار الاقتصادي.

من جهته، يرى الخبير المصرفي، نعمان البوري، أن «ضبط سوق الصرف يتطلب إعادة هيكلة سياسات بيع النقد الأجنبي، وربطها بالاستخدامات الفعلية»، مبرزاً ضرورة «تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر التوازن، عبر أدوات نقدية ومالية منسقة، بالإضافة إلى إصلاح سوق السيولة، وأدوات الدين المحلية للحد من المضاربات غير المباشرة».

واجهة البنك المركزي بطرابلس (رويترز)

أما مراجع غيث فيرى أن المخرج يكمن في «حصر الاستيراد والمعاملات المالية عبر القنوات المصرفية الرسمية، بما يعزز الشفافية، ويحد من التدفقات غير النظامية للنقد الأجنبي»، بينما ذهب يوسف يخلف مسعود إلى «ضرورة إعادة هيكلة المصرف المركزي، واستبعاد المسؤولين غير المتخصصين»، عادّاً أن «ضعف الخبرة جعل بعض القائمين على السياسات جزءاً من المشكلة».


اشتباكات جنزور تُفاقم الانتقادات لرئاسة أركان «الوحدة» الليبية

رئيس الأركان في غرب ليبيا صلاح النمروش خلال زيارة تفقدية إلى رئاسة أركان القوات الجوية في طرابلس الجمعة (رئاسة الأركان)
رئيس الأركان في غرب ليبيا صلاح النمروش خلال زيارة تفقدية إلى رئاسة أركان القوات الجوية في طرابلس الجمعة (رئاسة الأركان)
TT

اشتباكات جنزور تُفاقم الانتقادات لرئاسة أركان «الوحدة» الليبية

رئيس الأركان في غرب ليبيا صلاح النمروش خلال زيارة تفقدية إلى رئاسة أركان القوات الجوية في طرابلس الجمعة (رئاسة الأركان)
رئيس الأركان في غرب ليبيا صلاح النمروش خلال زيارة تفقدية إلى رئاسة أركان القوات الجوية في طرابلس الجمعة (رئاسة الأركان)

لم ينجح الهدوء الحذر، الذي خيّم على مدينة جنزور الليبية، عقب اشتباكات مسلحة بين تشكيلين تابعين لسلطات غرب ليبيا، ليلة الخميس - الجمعة، في احتواء موجة الانتقادات المتصاعدة تجاه الأجهزة الرسمية، على رأسها رئاسة الأركان التابعة لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة التي يرأسها عبد الحميد الدبيبة، رغم تبرؤ وإدانة الأخيرة لهذه الاشتباكات، وتعهدها بمحاسبة المتورطين.

وبدت الانتقادات المتصاعدة من حقوقيين وإعلاميين ونشطاء تجاه الاشتباكات، ورد الفعل الرسمي عليها، منطقيّة وفق رؤية وزير الدفاع الليبي الأسبق، محمد البرغثي، الذي عد أن ما جرى في جنزور (12 كيلومتراً غرب طرابلس) أصبح «أمراً شبه معتاد» في ظل ما وصفه بـ«تسرطن نفوذ ميليشيات غرب ليبيا». وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن الحديث عن انضباط عسكري داخل هذه التشكيلات يظل «أمراً مستحيلاً»، نظراً لتركيبتها البعيدة عن قيم المؤسسات العسكرية الاحترافية.

أحد عناصر «اللواء 52 مشاة» خلال عملية تأمين في مدينة جنزور (الصفحة الرسمية للواء)

وتزايدت الانتقادات لبيان أصدرته رئاسة الأركان في غرب ليبيا، بقيادة الفريق صلاح النمروش، مساء الجمعة، أعربت فيه عن رفضها «الأعمال العدائية التي نفذتها عناصر خارجة عن القانون»، في معرض الحديث عن اشتباكات جنزور، مؤكدةً أن ما جرى «لا يعكس قيم وانضباط الجيش الليبي». كما تعهّدت بمحاسبة المتورطين وفق «أقصى درجات المساءلة»، ووصفت الأحداث بأنها «خروج صارخ عن القانون والنظام العسكري».

غير أن بيان رئاسة الأركان لم يكن كافياً، وعدت «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان» في ليبيا، على لسان رئيسها أحمد حمزة، أن الموقف «غير مسؤول وينطوي على تنصل من المسؤولية القانونية»، مشيراً إلى خلو البيان من إعلان صريح عن فتح تحقيق في «الأحداث المؤسفة»، وحذّر من أن غياب المساءلة «يكرّس الإفلات من العقاب».

أما منظمة «رصد الجرائم في ليبيا»، التي يوجد مقرها في لندن، فقد حملت حكومة الدبيبة «المسؤولية القانونية»، وطالبت النائب العام بفتح «تحقيق عاجل وشفاف»، واتخاذ تدابير فورية لحماية المدنيين، ومنع تحويل الأحياء السكنية إلى ساحات قتال.

جانب من التعزيزات الأمنية لمنع عودة الاشتباكات (إ.ب.أ)

وعاشت جنزور ليلة مضطربة، ليل الخميس الجمعة، إثر اندلاع اشتباكات داخل «سوق الخضار» بين «القوة المشتركة - جنزور» ومسلحين موالين لمنير السويح، على خلفية حادثة اختطاف متبادلة. وأثار إطلاق النار الكثيف حالةً من الذعر بين السكان، قبل تدخل الكتيبتين 52 و55 وعودة هدوء نسبي.

وعكست تعليقات كتاب وناشطين عبر وسائل التواصل الاجتماعي حالة الإحباط الشعبي. وبينما تساءل الكاتب محمد المبروك عن «جدوى المسميات العسكرية» إذا لم توفر الحماية للمواطنين، رأى الإعلامي عيسى عبد القيوم أن «معيار الجيش الحقيقي يكمن في قدرته على القضاء على أي تمرد». فيما أشار الناشط أسامة البوعيشي إلى أن هذا المشهد دليل على «دولة ميليشيات».

في السياق نفسه، رصد مدونون مفارقة تمويل هذه التشكيلات، التي تنشر الرعب في الأحياء وبين المدنيين من المال العام، علماً بأن نفقات وزارة الدفاع بلغت 4.8 مليار دينار ليبي، العام الماضي، وفق بيانات مصرف ليبيا المركزي (الدولار يساوي 6.30 دينار في السوق الرسمية، و9.58 دينار في السوق الموازية).

من جهته، رأى وزير الدفاع الليبي الأسبق أن «غياب إرادة الحكومات المتعاقبة، ووجود بيئة محلية منقسمة ومشبعة بالفوضى منذ 2011، فضلاً عن تعامل المجتمع الدولي مع تلك المجموعات كأمر واقع، كلها عوامل رسخت نفوذها، وجعلت تفكيكها مرهوناً بتفاعلات معقدة (غير متوفرة حالياً)».

وتأتي هذه التطورات ضمن نمط متكرر من التوترات الأمنية في مدن غرب ليبيا، حيث تندلع مواجهات خاطفة بين مجموعات مسلحة متنافسة في طرابلس والزاوية، غالباً ما تنتهي سريعاً، لكنها تترك آثاراً مباشرة على حياة المدنيين، من تعطيل الخدمات وإغلاق الطرق، إلى تعميق الشعور بعدم الأمان.

وكان لافتاً أن هذه التطورات في غرب ليبيا تزامنت مع تشديد المبعوث الأميركي مسعد بولس على أن استقرار ليبيا «يتطلب مؤسسات قوية ومهنية»، مؤكداً التزام بلاده بدعم الجهود الرامية إلى «تعزيز الاستقرار الدائم»، في معرض تعليقه على لقاء النمروش مع نائب قائد «أفريكوم»، الأربعاء الماضي.

المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي (الجيش الوطني)

وتشهد ليبيا وضعاً عسكرياً وأمنياً معقداً، يغلب عليه الانقسام المزمن منذ سنوات، حيث تفرض قوات الجيش الوطني الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، نفوذها في الشرق وأجزاء من الجنوب، بينما تنتشر في الغرب تشكيلات مسلحة متعددة، تعمل رسمياً ضمن هياكل أمنية تابعة لـ«حكومة الوحدة».


الجزائر تستعجل فرنسا تطهير مواقع تفجيراتها النووية وسط توتر دبلوماسي

صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)
صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)
TT

الجزائر تستعجل فرنسا تطهير مواقع تفجيراتها النووية وسط توتر دبلوماسي

صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)
صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)

بينما أطلق الجيش الجزائري حملةً لتطهير مواقع التجارب النووية، التي أجرتها فرنسا في صحراء البلاد من الإشعاعات الملوثة، انتقد وزير المجاهدين، عبد المالك تشريفت، ما وصفه بـ«تنكر باريس لمسؤولياتها التاريخية والأخلاقية عن جريمة قائمة بذاتها، ألحقت أضراراً جسيمة بالبيئة والإنسان، ولا تزال جرحاً غائراً في نفوسنا».

وأكد وزير المجاهدين وذوي الحقوق في تصريحات، بمناسبة مرور 66 سنة على أول تجربة ذرية فرنسية، أن التفجيرات النووية الفرنسية، التي نفذت في الجنوب الجزائري قبل عدة عقود، تمثل «جريمة مكتملة الأركان مست الطبيعة وحق الإنسان في الوجود».

وزير المجاهدين في موقع لتجارب الذرة الفرنسية (الوزارة)

وكان تشريفت يتحدث في أدرار، حيث وقع هذا التفجير في 13 من فبراير (شباط) 1960، مؤكداً أن الدراسات العلمية والبحوث الميدانية أثبتت أن «آثار هذه التفجيرات النووية وإشعاعاتها لم تستثن الإنسان، ولا الطبيعة ولا الحيوان». وأوضح أنها «تسببت في تسميم البيئة وتلوث الغلاف الجوي، وأدت إلى وفيات وتشوهات خلقية وأمراض مزمنة، مورثةً معاناة دامت لأجيال بأكملها».

وأشار الوزير إلى أن «إحياء هذه الذكرى، رغم ما تحمله من ألم، يحفز الخبراء والأكاديميين على تعميق بحوثهم العلمية والتاريخية في هذا المجال لمواصلة تحليل أبعاد هذه الجريمة، تاريخياً وطبياً وقانونياً وإنسانياً»، مؤكداً أن «الحق لا يسترد إلا بالبراهين العلمية الدامغة والبحوث الموثقة».

وتأتي هذه الانتقادات بينما تستمر الأزمة الدبلوماسية بين البلدين، التي اندلعت إثر إعلان «الإليزيه» اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء في نهاية يوليو (تموز) 2024.

التفجيرات النووية في قلب «الذاكرة»

جرت التجربة الذرية الفرنسية الأولى تحديداً في منطقة رقان (1400 كلم جنوب العاصمة)، وحينها كانت الجزائر لا تزال تحت الاحتلال. وقد نفّذت السلطات الاستعمارية خلال هذه المرحلة أربع تجارب نووية جوية في المنطقة نفسها، ضمن سلسلة حملت الاسم الرمزي «اليربوع».

وبعد استقلال الجزائر في 5 يوليو (تموز) 1962، واصلت فرنسا اختباراتها الذرية، بموجب اتفاقيات سرّية مع السلطات الجزائرية آنذاك، حيث أجرت بين عامي 1962 و1966 ما مجموعه 13 تجربة نووية تحت الأرض في منطقة إن إكر بجبال الهقار (1900 كلم جنوب). وبذلك بلغ إجمالي عدد التجارب النووية الفرنسية في الجزائر 17 تجربة، خلفت آثاراً بيئية وصحية جسيمة، لا تزال تداعياتها مستمرة حتى اليوم، بحسب تصريحات السلطات الجزائرية.

أحد مواقع التجارب النووية الفرنسية بالصحراء الجزائرية (أرشيفية)

وتشكل «قضية التفجيرات النووية» إحدى أبرز المشكلات بين الجزائر وفرنسا، ضمن ما يعرف بـ«ملف الذاكرة»، حيث تتمحور المطالب الجزائرية الحالية في تطهير المواقع الثلاثة، التي شهدت التفجيرات، وهي رقان، إن إكر، وواد الناموس، من بقايا النفايات الإشعاعية والكيميائية، بالإضافة إلى تسليم الخرائط والوثائق الطوبوغرافية، التي تُحدد بدقة أماكن الدفن ومستويات التلوث. كما تدعو الجزائر إلى مراجعة قانون «موران» الفرنسي الصادر عام 2010، المخصص لتعويض ضحايا التجارب النووية الفرنسية خارج التراب الفرنسي، إما عبر تعديله ليشمل جميع المتضررين بشكل عادل، أو من خلال إبرام اتفاقية جديدة أكثر إنصافاً وشمولاً.

التخلص من الإشعاعات

في سياق هذه المناسبة، أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية عبر موقعها الإلكتروني، عن إطلاق أول خطوة ميدانية لإزالة جزء من التلوث الإشعاعي، الناجم عن التجارب النووية الفرنسية، وذلك انطلاقاً من موقع إن إكر بولاية تمنراست، اعتماداً على كفاءات وطنية ومعدات محلية الصنع.

وجاء هذا الإعلان بعد سنوات طويلة من الدراسات والتحضيرات، والتنسيق بين عدة قطاعات وزارية، حيث تم إطلاق عملية تطهير جزئي لموقع تجربة «بيريل» في منطقة تاوريرت تان أفلا بإن إكر. وقد وثّق فيلم بعنوان «جزائريون في قلب التحديات»، أعدته القوات المسلحة، تفاصيل هذه المبادرة، التي تُعد سابقة في مسار معالجة مخلفات التجارب النووية.

الرئيسان الجزائري ناشد نظيره الفرنسي تنظيف المواقع التي شهدت التفجيرات النووية (الرئاسة الجزائرية)

ويستحضر الوثائقي حادثة التفجير الباطني، الذي عدّ من أخطر الإخفاقات النووية، إذ بلغت قوته ما يعادل 150 ألف طن من مادة «تي. إن. تي»، ما أدى إلى تشققات داخل نفق الاختبار وتسرب غازات مشعة، وتكوّن سحابة ملوثة، وانتشار حمم تسببت في تدمير واسع للبيئة المحلية. ولا تزال المنطقة إلى اليوم تعاني آثار تلوث بعناصر مشعة، مثل «السيزيوم-137» و«البلوتونيوم».

وبعد تقييم شامل لمستويات التلوث والمخاطر الصحية، من قبل خبراء وفنيين جزائريين من مختلف القطاعات، أُنشئ «مخيم» مخصص لعمليات التطهير الجزئي، يعد نموذجاً أولياً لمشروعات إعادة تأهيل شاملة، ويرتقب تعميم ذلك على بقية المواقع المتضررة، بحسب وزارة الدفاع.

وكان الرئيس عبد المجيد تبون قد دعا فرنسا، في عدة مناسبات، إلى «تحمل مسؤولياتها الكاملة» إزاء مواقع التجارب النووية التي أجرتها، مؤكداً أن «تطهير هذه المواقع يمثل خطوة جوهرية في مسار تصحيح العلاقات بين البلدين، ومعالجة إرث خطير ما تزال آثاره الصحية والبيئية قائمة». وفي نهاية 2022، شدد خلال مقابلة مع صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، على «ضرورة» تنظيف مواقع التجارب في رقان وتمنراست، داعياً إلى التكفل بعلاج السكان المتضررين من تداعيات الإشعاعات النووية.

كما جدد تبون في أواخر عام 2024 وأوائل 2025، مطالبه عبر تصريحات صحافية ومناسبات رسمية، حاثّاً على التوصل إلى اتفاق شامل، يضمن تطهير المواقع المتضررة، وكشف جميع تفاصيلها الدقيقة، وعدّ تحقيق ذلك «شرطاً أساسياً» لأي تعاون جاد ومستدام بين الجزائر وفرنسا.

كما أكد تبون أن قضية تطهير مواقع التجارب النووية «ليست مسألة سياسية فحسب، بل واجب إنساني وأخلاقي»، داعياً فرنسا إلى تحديد الحدود الدقيقة لمواقع التجارب والأماكن، التي دفنت فيها المواد المشعة، وتحمل مسؤولياتها تجاه الصحة العامة والبيئة، وضمان علاج المتضررين من الإشعاعات. كما طالبها بـ«الكفّ عن تجاهل تداعيات هذه التجارب»، التي ما تزال تلقي بظلالها على مناطق الجنوب الجزائري.

ولفت الرئيس تبون أيضاً إلى أن فرنسا «خلّفت تلوثاً وأمراضاً مست الشعب الجزائري في سبيل تحولها لقوة نووية»، مؤكداً أن الغاية من مطلب التطهير «هي إحقاق العدالة، وصون كرامة الضحايا، بعيداً عن أي حسابات تتعلق بالتعويضات المادية».

الاستعانة بالخبرة الروسية

خلال زيارة رسمية إلى موسكو في يونيو (حزيران) 2023، أعرب تبون عن رغبة بلاده في التعاون مع روسيا بشأن هذا الملف الحساس، مقترحاً توقيع اتفاقيات ثنائية لمعالجة آثار التجارب النووية، ومؤكداً أن الجزائر تطمح للاستفادة من خبرة موسكو في هذا المجال.

الرئيسان الجزائري والروسي في موسكو في يونيو 2023 (الرئاسة الجزائرية)

أُدرجت قضية التجارب النووية تاريخياً ضمن اتفاقيات الاستقلال، الموقعة بين الحكومة الجزائرية المؤقتة والسلطات الفرنسية في مارس (آذار) 1962، حيث نص الفصل الثالث على بند سري منح فرنسا الحق في الاستمرار باستخدام القواعد الجوية والمنشآت العسكرية، بما في ذلك مواقع التجارب النووية، لمدة خمس سنوات بعد الاستقلال.

غير أن تسليم هذه المنشآت للسلطات الجزائرية في عام 1967 لم يرافقه أي التزام فرنسي رسمي بتطهير المواقع، أو مراقبتها إشعاعياً، كما لم تحدد بدقة مواقع دفن النفايات النووية، ولا تزال فرنسا ترفض رفع السرية عن الوثائق المرتبطة بهذا الملف.