عسكريو الغابون يطيحون الرئيس و«يحيلونه إلى التقاعد»

الانقلاب الثامن في أفريقيا خلال 3 سنوات... وباريس المتضرر الأكبر

TT

عسكريو الغابون يطيحون الرئيس و«يحيلونه إلى التقاعد»

متظاهرون يرفعون علم الغابون في شوارع أكاندا (إ.ب.أ)
متظاهرون يرفعون علم الغابون في شوارع أكاندا (إ.ب.أ)

في خطابه إلى السفراء الفرنسيين عبر العالم بمناسبة مؤتمرهم السنوي يوم الاثنين الماضي، نبّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى «عدوى الانقلابات» في أفريقيا، خصوصاً في الفضاء الفرنكوفوني الأفريقي.

وكان يشير بذلك إلى الانقلابات التي حدثت منذ عام 2001 في مالي وبوركينا فاسو وغينيا... وآخرها في النيجر. واليوم، يمكن أن يضاف إليها الغابون؛ المستعمرة الفرنسية السابقة التي تبنت الفرنسية لغة رسمية وحصلت على استقلالها في عام 1960 بعد 54 عاماً من الاستعمار. أما إذا أضفنا إليها السودان، فإن أفريقيا تكون قد شهدت 8 انقلابات في أقل من 3 سنوات. والثابت أنه في 5 من الدول الـ6، تبدو المصالح الفرنسية هي المستهدفة بالدرجة الأولى.

علاقة وثيقة

تلقي المراجعة التاريخية أضواءً كاشفة على العلاقة القائمة بين باريس وليبرفيل. وإذا كان اليوم من المستبعد أن تتدخل القوة الفرنسية المرابطة في الغابون والتي يبلغ عديدها، وفق بيانات وزارة الدفاع، 370 عنصراً، فقد سبق لباريس أن تدخلت، بعد فترة قصيرة على استقلال البلاد، لإجهاض انقلاب عسكري ضد أول رئيس منتخب للغابون.

ولمزيد من الضمانات، فقد أبرمت باريس وليبرفيل اتفاقات منذ عام 1960، أضيفت إليها في عام 2011 اتفاقات أخرى. علماً بأن القاعدة العسكرية الفرنسية، كما نظيرتها في السنغال، ذات صبغة «إقليمية» بمعنى أنها تتناول كل منطقة وسط أفريقيا؛ الأمر الذي يبين أهميتها بالنسبة إلى الحضور الفرنسي في المنطقة، وللدفاع عن المصالح الفرنسية. ثم إن الرئيس عمر بونغو؛ والد الرئيس الحالي المخلوع علي بونغو، والذي حكم الغابون طيلة 41 عاماً، كان وثيق الصلة بفرنسا؛ الأمر الذي سهل للشركات الفرنسية أن تنسج علاقات هيمنة بالاقتصاد الغابوني.

ثم إن علي بونغو المتزوج من مواطنة فرنسية، وأكمل دراسته الجامعية في جامعة السوربون العريقة، كثير الترداد على باريس والمدن الفرنسية الأخرى، حيث تمتلك عائلته كثيراً من المنازل والشقق في أفخر المناطق الباريسية، فضلاً عن مجموعة من السيارات غالية الثمن. ولاكتمال الصورة، تتعين الإشارة إلى أن القضاء الفرنسي يلاحق عدة إخوة للرئيس المعزول لاتهامهم بالثراء غير المشروع.

انتخابات متنازع عليها

بالنظر إلى ما سبق، تتوجه الأنظار إلى باريس للتعرف على رد فعلها على الانقلاب الذي جرى صبيحة يوم الأربعاء بعد دقائق قليلة من إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت يوم 26 أغسطس (آب) الحالي، وأدت إلى فوز بونغو بولاية ثالثة بحصوله على 64.27 في المائة، متفوّقاً على مرشح المعارضة ألبير أندو أوسا الذي حصل على 30.77 في المائة من الأصوات.

لقطة من فيديو إعلان قيادات عسكرية الانقلاب في الغابون (أ.ب)

وليس سراً أن التصويت جرى من غير حضور مراقبين أجانب، وفي ظل تعتيم إعلامي تمثل في منع وسائل إعلامية فرنسية رئيسية من العمل، وقطع شبكة الإنترنت، والأهم وجود شكوك في حدوث عمليات تزوير واسعة النطاق. وجاءت النتيجة المنتظرة أصلاً لتمدد حكم عائلة بونغو؛ إذ إن الوالد وابنه حرصا على إفراغ الدستور من أي قيود تحدد عدد الولايات المتاحة لرئيس الجمهورية، فعائلة بونغو تحكم الغابون منذ 55 عاماً؛ منها 14 عاماً لعلي بونغو.

وكما ينص التقليد الانقلابي، فقد أعلن الانقلابيون؛ الذي ظهر منهم 12 عسكرياً ومدني واحد على شاشة القناة التلفزيونية «غابون24»، في بيانهم، نهاية نظام بونغو، وإلغاء الانتخابات ونتائجها، وتنحية الرئيس، ووضعه مع جزء من عائلته وأطبائه في الإقامة الجبرية، وحل كل مؤسسات الدولة، وإغلاق الحدود، والقبض على عدة وزراء وأعيان من النظام؛ من بينهم ابن علي بونغو.

ومن التهم التي وجّهت إلى هؤلاء: الخيانة العظمى، واختلاس الأموال العامة، والتزوير الانتخابي، وتلقي رشى، وتهريب المخدرات. وكما في النيجر، فقد نزل الآلاف من الأشخاص إلى الساحات والشوارع في العاصمة ليبرفيل وفي مدينة بور جونتيل؛ العاصمة الاقتصادية للبلاد، للتعبير عن دعم الانقلابيين.

استغاثة الرئيس

واللافت أن بونغو، شخصياً، بث شريط فيديو قصيراً على وسائل التواصل الاجتماعي يدعو فيه «أصدقاءه» إلى «إحداث ضجيج». وجاء في الشريط؛ حيث يبدو جالساً على أريكة وملامح القلق على وجهه: «أنا علي بونغو أونديمبا، رئيس الغابون، أوجه رسالة إلى كل أصدقائنا عبر العالم لأقول لهم أن يحدثوا ضجيجاً... إزاء الأشخاص الذين عمدوا إلى توقيفي أنا وعائلتي». ولم يفهم ما إذا كان الرئيس المحتجز يدعو إلى التدخل العسكري لإنقاذه أم لممارسة ضغوط سياسية أو شعبية على الانقلابيين لإطلاق سراحه. إلا إن الجنرال بريس أوليغي نغوما، أحد جنرالات الانقلاب ورئيس الحرس الجمهوري، أكد لصحيفة «لوموند» أن الرئيس علي بونغو «أحيل إلى التقاعد، وهو يتمتع بكامل حقوقه كأي غابوني عادي». وأضاف الجنرال أوليغي: «لم يكن له الحق في ممارسة ولاية ثالثة. الدستور انتُهك، والقانون الانتخابي لم يكن جيداً. لذا؛ فإن الجيش قرر التحرك وقلب الصفحة وتحمل المسؤولية».

ورفض رئيس الحرس عدّ نفسه «رئيس الأمر الواقع» للغابون، مؤكداً أن نقاشاً سيحصل مع مجمل الجنرالات في اجتماع لاحق، وذلك «بحثاً عن توافق، وحق كل طرف أن يعرض أفكاره، وبعدها سينتخب الأفضل؛ بمن في ذلك اسم من سيقود المرحلة الانتقالية». وأظهرت صور نقلتها القنوات التلفزيونية أفراداً من الحرس الجمهوري يحيون الجنرال أوليغي، ويسمونه «أوليغي الرئيس».

لائحة اتهام

يتضمن البيان الذي أذاعه الانقلابيون فجر الأربعاء «مضبطة اتهام» بحق الرئيس بونغو وعهده وعهد عائلته والمحيطين به. وتذهب الاتهامات في 3 اتجاهات: التزوير الانتخابي، والفساد، والعائلية. ونظراً إلى تخوفهم من رد الفعل الخارجي على الانقلاب، فقد سارع العسكر إلى الإعلان عن «تمسكهم باحترام كل التزامات الغابون إزاء الأسرة الوطنية {الداخل} والدولية».

ووفق مصادر في العاصمة الفرنسية، فإن ما سبق «يعدّ رسالة مباشرة إلى باريس» التي لها المصالح الرئيسية في هذا البلد الغني بالنفط وبالمعادن وبالغابات. وتكفي الإشارة إلى أن شركة «توتال إنيرجي» تعمل في الغابون منذ ما قبل الاستقلال، ورغم أن إنتاجها من النفط الغابوني قد تراجع في السنوات الأخيرة، فإنها تسيطر على دورة تكرير وتوزيع المشتقات النفطية، وشركة «إيرامت» تستخرج ما نسبته 90 بالمائة من المنغنيز. وكانت مجموعة «بولوريه» الفرنسية تدير مرافئ الغابون، إلا إنها باعت مؤخراً امتيازها لشركة «إم إس سي» السويسرية.

رد فعل فرنسا

حتى عصر الأربعاء، لم يكن قد صدر أي تعليق على مجريات الأحداث في الغابون من رئاسة الجمهورية ولا من وزارة الخارجية. وحده الوزير أوليفيه فيران قال للصحافة، عقب اجتماع مجلس الوزراء في قصر الإليزيه، إن فرنسا «تدين الانقلاب العسكري الجاري في الغابون»، وهي «تتابع من كثب تطورات الوضع». وأضاف فيران لاحقاً أن باريس «تذكر بتعلقها بالمسارات الانتخابية الحرة والشفافة».

أنصار العسكريين يحتفلون في شوارع ليبرفيل (أ.ف.ب)

وقبله، اكتفت رئيسة الحكومة، إليزابيث بورن، بالقول إن فرنسا «تفرد انتباهاً كبيراً» لما يجري في الغابون، وذلك بمناسبة كلمة ألقتها صباحاً بحضور السفراء الفرنسيين عبر العالم.

وتتصف عبارة الوزير الفرنسي الأخيرة بالغموض، خصوصاً أن ما يؤخذ على انتخابات الغابون ليس فقط غياب الشفافية عنها؛ بل أيضاً وقوع عمليات تزوير واسعة ورفض السلطات حضور مراقبين محايدين أجانب.

تحدٍّ جديد

ويطرح الانقلاب الجديد تحدياً واضحاً لفرنسا. والمرجح أن باريس تريد مراقبة تطورات الوضع قبل أن تحدد طريقة تعاملها مع العسكر، خصوصاً أن الوضع يختلف عما هو عليه في النيجر؛ إنْ كان لجهة عديد قواتها أو لغياب العداء لها ولمصالحها كما هي الحال في نيامي. ومشكلتها أنها في النيجر وقفت وراء «المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا (إيكواس)» ودفعت باتجاه المواقف الأكثر تشدداً فيما بقي رد فعلها الأول «معتدلاً» إلى حد بعيد. ويؤخذ على باريس أنها غضت الطرف عما يحصل في الغابون على الصعيد الداخلي، وهي التي تعطي دروساً في الديمقراطية للقارة بأكملها. وكان الرئيس ماكرون قد زار الغابون في شهر مارس (آذار) الماضي، وهي الزيارة التي رأت فيها شخصيات معارضة تزكية للمرشح الرئاسي علي بونغو.

وهاجم جان لوك ميلونشون، المرشح الرئاسي السابق وزعيم اليسار المتشدد، سياسة ماكرون الأفريقية، متهما إياه بـ«الممالأة».

ودعت السفارة الفرنسية، الأربعاء، الرعايا الفرنسيين إلى البقاء في بيوتهم والامتناع عن الخروج.

إدانات دولية

وفي سياق مواز، أكّد جون كيربي، الناطق باسم مجلس الأمن القومي الأميركي، أن الدبلوماسيين الأميركيين والعسكريين الموجودين في الغابون هم «في أمان»؛ وإذ اكتفى بالقول إن واشنطن «تتابع الوضع من قرب»، فقد عدّ أن تعاقب الانقلابات العسكرية في أفريقيا «مثير لقلق كبير»، رافضاً التعقيب على نتيجة الانتخابات الغابونية التي ربحها الرئيس بونغو.

من جانبه، أدان موسى فكي محمد، رئيس لجنة الاتحاد الأفريقي، في بيان الأربعاء، «بشدة المحاولة الانقلابية»، وندد بـ«الانتهاك الفاضح» للمبادئ المعمول به في الاتحاد، ودعا الجيش الغابوني والقوى الأمنية إلى «الالتزام بالقيام بمهمتهم وضمان السلامة الجسدية لرئيس الجمهورية وأفراد عائلته وأعضاء الحكومة». وجاء في بيان للاتحاد الأفريقي أن الانقلاب يشكل «انتهاكاً صارخاً للأدوات القانونية والسياسية للاتحاد، ومنها شرعية الانتخابات والديمقراطية والحوكمة (الرشيدة)».

وكانت الصين من أوائل من علق على الانقلاب، حيث دعت بكين إلى «ضمان سلامة علي بونغو». وجاء في بيان الخارجية الصينية أن بكين «تتابع من قرب تطور الوضع في الغابون، وتدعو الأطراف المعنية إلى التصرف وفق مصلحة الشعب الغابوني، وإلى العودة الفورية إلى النظام الطبيعي».

أما منظمة الكومنولث؛ التي تقودها بريطانيا، والتي انضمت إليها الغابون العام الماضي رغم أن لغتها الرسمية هي الفرنسية، فقد عدّت في بيان أن «المعلومات الواردة حول استيلاء غير شرعي على السلطة في الغابون تشكل لنا مصدر قلق كبير». واستبق جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي، اجتماعاً لوزراء الدفاع والخارجية في الاتحاد بمدينة طليطلة الإسبانية، بالإعراب عن مخاوفه من أنه إذا تأكد الانقلاب العسكري، فإن ذلك «سيزيد من الاضطرابات في المنطقة كلها»، رافضاً الذهاب أبعد من ذلك؛ في انتظار معلومات إضافية. وسبق أن شهدت الغابون انقلاباً فاشلاً في عام 2019 استهدف الرئيس علي بونغو.

لعل رد الفعل الأوضح جاء من وزير خارجية إيطاليا، أنطونيو تاياني، الذي دعا إلى حل دبلوماسي في النيجر، وأيضاً في الغابون. وأكد تاياني، في بيان، أن بلاده «ما زالت تدعو لحل دبلوماسي (في البلدين) بالتنسيق مع شركائها»، عادّاً أن هذه المقاربة من شأنها وحدها «المحافظة على السلم والاستقرار» في أفريقيا. وسبق له أن أكد أن أوروبا «لا تستطيع السماح بقيام نزاع مسلح ولا أن نظهر نحن الأوروبيين بوصفنا مستعمرين جدداً».


مقالات ذات صلة

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …

أفريقيا رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

النيجر نحو تنظيم «مؤتمر وطني» بشأن ميثاق انتقالي

أعلنت وزارة الداخلية في النيجر أن النظام العسكري الحاكم سينظّم «مؤتمراً وطنياً» من 15 حتى 19 فبراير (شباط)، يهدف خصوصاً لتحديد مدة للفترة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
الولايات المتحدة​ قاعدة أغاديز (أرشيفية - أ.ب)

الجيش الأميركي أنهى سحب قواته من آخر قاعدة في النيجر

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، إنهاء سحب كل قواته من قاعدته الأخيرة في النيجر؛ تلبية لمطلب قادة الانقلاب العسكري في الدولة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

نيجيريا: «بوكو حرام» تتكبد خسائر فادحة في عملية للجيش

جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين في معسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)
جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين في معسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)
TT

نيجيريا: «بوكو حرام» تتكبد خسائر فادحة في عملية للجيش

جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين في معسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)
جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين في معسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

نجح الجيش النيجيري في القضاء على أحد الفصائل التابعة لجماعة «بوكو حرام»، وكبّده خسائر فادحة خلال عملية عسكرية، الثلاثاء، وذلك بالتزامن مع تصاعد وتيرة العنف في البلد الواقع في غرب أفريقيا، ووصول قوات أميركية لمساندته في مواجهة الإرهاب.

وأفادت تقارير بأن عناصر يُشتبه في انتمائهم إلى جماعة «بوكو حرام»، من فصيل «صديقي»، نسبة إلى أحد أشهر زعماء الجماعة الإرهابية الموالية لتنظيم «القاعدة»، تكبّدوا «خسائر فادحة» عقب اشتباك عنيف مع وحدة من الجيش النيجيري.

وبحسب هذه التقارير، فإن وحدة من الجيش النيجيري نفّذت كميناً للمُسلّحين على محور لوما - بانانا في منطقة بورغو بولاية النيجر، شمال غربي نيجيريا، وأضافت المصادر نفسها أن الكمين انتهى بمصرع عدد من المقاتلين.

كمين مفاجئ

وأوضحت المصادر أن الكمين بدأ في الساعات الأولى من الصباح، حين داهمت قوات الجيش، استناداً إلى معلومات استخباراتية، مخبأ المسلحين في إحدى الغابات النائية، وبحسب المصادر الأمنية: «فوجئ الإرهابيون بعدما طوقت القوات الأمنية المنطقة وفتحت النار».

واندلع اشتباك عنيف وتبادل لإطلاق النار استمر لعدة ساعات، حيث جرى تحييد عدد كبير من عناصر «بوكو حرام»، فيما فرّ آخرون إلى الأحراش المجاورة وهم مصابون. كما تمّ ضبط أسلحة وذخائر في موقع الاشتباك.

ووصف مسؤولون أمنيون العملية بأنها اختراق كبير في مسار مكافحة الإرهاب، مشيدين بما أبدته القوات من «شجاعة ومهنية خلال المواجهة»، وسط تصعيد الجيش لعملياته العسكرية ضد الإرهاب، ومحاولة خنق الجماعات الإرهابية في مخابئها.

الفصيل الدموي

وبحسب المعلومات المتوفرة عن الفصيل التابع لجماعة «بوكو حرام»، فإنه هو المسؤول عن تنفيذ هجوم مسلح دموي في يناير (كانون الثاني) الماضي، استهدف قرية «كاسووان داجي» في ولاية النيجر، حيث قُتل ما لا يقل عن 35 شخصاً، واختُطف العشرات من المدنيين، أغلبهم نساء وأطفال.

وقالت مصادر أمنية آنذاك إن المهاجمين أضرموا النار في عدد كبير من المنازل، بما في ذلك سوق القرية، قبل مغادرتهم. وأضاف أحد السكان القاطنين على بعد أربعة كيلومترات من الموقع: «لا يمكننا حصر عدد المنازل التي أُحرقت الآن، لكنني شخصياً أحصيت 35 جثة».

وأظهر مقطع فيديو أعقب الهجوم أن العديد من الضحايا قُتلوا ذبحاً وأيديهم مقيدة خلف ظهورهم، فيما أُعدم آخرون بإطلاق النار في الرأس، بحسب مصادر محلية. وذكرت المعلومات أن جميع القتلى من الذكور، وتتراوح أعمارهم بين 12 و70 عاماً.

ويحمل هذا النمط من العمليات توقيع «بوكو حرام» التي تعتمد على إثارة الرعب في أوساط السكان المحليين، واعتماد سياسة الأرض المحروقة، وهو ما تبناه فصيل «صديقي» الذي ينشط بالغالب في ولاية النيجر. وسبق أن نفّذ الفصيل الإرهابي عدة عمليات خلال الأشهر الأخيرة في مناطق بورغو وشيرورو وأغوارا.

ومن أشهر عمليات الفصيل، اختطاف أكثر من 200 تلميذ ومعلم في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 من مدرستي «سانت ماري» الابتدائية والثانوية الكاثوليكيتين في بابيري.

وبعد عملية الاختطاف، قرّرت السلطات في نيجيريا إغلاق المدارس مؤقتاً كإجراء احترازي، قبل أن يتمّ تحرير المختطفين لاحقاً على مراحل، فيما عادت المدارس تدريجياً إلى العمل رغم المخاوف الكبيرة من الهجمات الإرهابية.

وفي السياق ذاته، أعلنت السلطات النيجيرية حالة «طوارئ وطنية» في البلاد، من أجل مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة، والحد من عمليات الخطف الجماعي.


الغابون تحجب وسائل التواصل الاجتماعي «حتى إشعار آخر»

لم تحدد سلطة الاتصالات في الغابون أي منصات تواصل اجتماعي سيشملها الحظر (رويترز)
لم تحدد سلطة الاتصالات في الغابون أي منصات تواصل اجتماعي سيشملها الحظر (رويترز)
TT

الغابون تحجب وسائل التواصل الاجتماعي «حتى إشعار آخر»

لم تحدد سلطة الاتصالات في الغابون أي منصات تواصل اجتماعي سيشملها الحظر (رويترز)
لم تحدد سلطة الاتصالات في الغابون أي منصات تواصل اجتماعي سيشملها الحظر (رويترز)

أعلنت هيئة تنظيم الإعلام في الغابون، الثلاثاء، حجب منصات وسائل التواصل الاجتماعي «حتى إشعار آخر»، ملقية باللوم على المحتوى الذي تنشره الشبكات الاجتماعية في تأجيج الانقسامات داخل المجتمع.

وقال المتحدث باسم السلطة العليا للاتصالات، جان كلود ميندوم، في بيان متلفز، إن السلطة قررت فرض «تعليق فوري لمنصات التواصل الاجتماعي في الغابون».

أضاف أن «المحتوى غير اللائق والتشهيري والكريه والمهين يقوض الكرامة الإنسانية والأخلاق العامة وشرف المواطنين والتماسك الاجتماعي واستقرار مؤسسات الجمهورية والأمن القومي».

كما أشار المتحدث إلى «انتشار المعلومات المضللة والتنمر الإلكتروني والكشف غير المصرح به عن البيانات الشخصية» بكونها من الاسباب وراء اتخاذ هذا القرار.

وتابع «من المرجح أن تؤدي هذه الأفعال، في حالة الغابون، إلى إثارة نزاعات اجتماعية وزعزعة استقرار مؤسسات الجمهورية وتعريض الوحدة الوطنية والتقدم الديموقراطي والمكتسبات للخطر الشديد».

ولم تحدد سلطة الاتصالات أي منصات تواصل اجتماعي سيشملها الحظر.

ومع ذلك، أكدت الهيئة التنظيمية أن «حرية التعبير، بما فيها حرية التعليق والنقد»، لا تزال «حقا أساسيا مكفولا في الغابون».

وبعد أقل من عام على انتخابه، يواجه الرئيس الغابوني بريس أوليغي نغويما أول موجة من الاضطرابات الاجتماعية، مع اضراب معلمي المدارس وتهديد قطاعات أخرى بالتوقف عن العمل.

وبدأ المعلمون إضرابهم في ديسمبر (كانون الأول) للمطالبة بتحسين الأجور، قبل أن تمتد الاحتجاجات إلى قطاعات أخرى كالصحة والتعليم العالي والإعلام.


نيجيريا: وصول قوات أميركية لتعزيز القدرة على مواجهة الإرهاب

رئيس أركان الجيش النيجيري الفريق وايدي شايبو يتفقد قواته في بورنو الأسبوع الماضي (رويترز)
رئيس أركان الجيش النيجيري الفريق وايدي شايبو يتفقد قواته في بورنو الأسبوع الماضي (رويترز)
TT

نيجيريا: وصول قوات أميركية لتعزيز القدرة على مواجهة الإرهاب

رئيس أركان الجيش النيجيري الفريق وايدي شايبو يتفقد قواته في بورنو الأسبوع الماضي (رويترز)
رئيس أركان الجيش النيجيري الفريق وايدي شايبو يتفقد قواته في بورنو الأسبوع الماضي (رويترز)

أعلن الجيش النيجيري أن نحو مائة عسكري أميركي مع معداتهم وصلوا إلى نيجيريا؛ بهدف دعم وتدريب وتعزيز قدرات القوات المسلحة في البلد الواقع في غرب أفريقيا، ويواجه تحديات أمنية متزايدة، تتصدرها مخاطر تنظيمَي «داعش» و«بوكو حرام».

وأكد الجيش في بيان أن «المدربين» الأميركيين وصلوا إلى مطار باوتشي، وهي مدينة تقع على بعد 400 كيلومتر إلى الشمال الشرقي من العاصمة أبوجا، وتعدّ ضمن الشمال الأوسط، ولكنها أيضاً تبعد قرابة 430 كيلومتراً من مدينة مايدوغوري، في أقصى الشمال الشرقي، وهي عاصمة ولاية بورنو، معقل تنظيم «داعش».

جندي يقف حارساً في قرية وورو بولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي (أ.ب)

وأوضح الجيش أن وصول القوات الأميركية يأتي في إطار «اتفاق تعاون دفاعي ثنائي بين نيجيريا والولايات المتحدة، عقب طلب رسمي من الحكومة الفيدرالية النيجيرية»، مشيراً إلى أن نشر هذه القوات تم بالاتفاق خلال مجموعة عمل مشتركة بين البلدين؛ وذلك من أجل «تلبية احتياجات محددة تتعلق بالتدريب والدعم التقني وتبادل المعلومات الاستخباراتية».

لن تُقاتل... مهام استشارية وتدريبية

وحول طبيعة القوات الأميركية التي وصلت إلى نيجيريا، قال الجيش إنهم «من المتخصصين التقنيين الذين يضطلعون حصرياً بمهام استشارية وتدريبية، ولن يشاركوا في عمليات قتالية»، وأكد الجيش في السياق ذاته أن «جميع أنشطة التدريب ستُنفذ تحت سلطة وإشراف وسيطرة الحكومة النيجيرية».

بيوت مدمّرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)

من جهة أخرى، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز»، تقريراً قالت فيه إن طائرة عسكرية أميركية حطت في مطار مايدوغوري، مساء الخميس الماضي، على أن تصل طائرات وأفراد إضافيون ضمن ترتيبات نشر تدريجي.

وأشارت الصحيفة إلى أن الموجة الأولى من العسكريين الأميركيين وصلت بالفعل إلى نيجيريا، لافتة إلى رصد مزيد من الطائرات في قاعدة مايدوغوري بحلول مساء الجمعة، مع تفريغ معدات وأفراد.

الطاقم الأميركي في مجموعة العمل المشتركة بين نيجيريا والولايات المتحدة (رويترز)

ونقل التقرير عن مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية أن هذه القوة تشكل جزءاً من انتشار يُقدَّر بنحو 200 محلل استخباراتي ومستشار ومدرب، مكلّفين دعم القوات المسلحة النيجيرية في مجالات التخطيط، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وأدوار مكافحة الإرهاب غير القتالية.

ونُقل عن مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية وصفه للرحلات بأنها «طليعة سلسلة من رحلات طائرات النقل من طراز (C-17) إلى ثلاثة مواقع رئيسية في أنحاء نيجيريا»؛ ما يشير إلى احتمال استمرار التحركات خلال الأسابيع المقبلة.

قوات نيجيرية في ولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي على القرية المسلمة (أ.ف.ب)

تصاعد الإرهاب

تزامن وصول القوات الأميركية مع تصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية في مناطق مختلفة من نيجيريا، حيث شنت عناصر من تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» هجوماً عنيفاً على معسكر تابع للجيش في بلدة بولكا، بولاية بورنو، مساء السبت الماضي، استمر نحو ساعة ونصف الساعة، وتخلله إطلاق نار كثيف تردد صداه في أنحاء البلدة، وفق ما أكدت مصادر محلية.

وأعلن الجيش أن قواته تصدت للهجوم وأوقعت خسائر فادحة في صفوف المهاجمين وتمكنت من القضاء على عدد منهم، وأكد الجيش مقتل أحد قيادات التنظيم البارزة ويدعى «أبو عائشة»، وقال المتحدث باسم الجيش: «لم نخسر أي جندي خلال المواجهات، في حين تكبد الإرهابيون خسائر فادحة».

أوبا ساني حاكم ولاية كادونا يصافح رعايا كنيسة اختُطفوا سابقاً من قِبل مجموعات مسلحة بعد عودتهم (أ.ب)

وعلى صعيد آخر، تعرض خمسة مدنيين للاختطاف على يد عناصر من «داعش» هاجموا سوقاً للسمك في دورو باغا، القريبة من المنطقة نفسها، وقالت مصادر محلية إن «المختطفين اقتيدوا إلى جهة مجهولة؛ ما أثار حالة من الذعر في مجتمع الصيد الذي شهد هجمات متكررة في محيط بحيرة تشاد».

وتشير التقارير إلى مقتل ما لا يقل عن 46 شخصاً واختطاف آخرين في هجمات نفذها مسلحون على دراجات نارية استهدفت ثلاث قرى في مجلس بورغو المحلي بولاية النيجر، المتاخمة لولايتي كوارا وكاتسينا.

وأفاد مصدر إنساني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأن أعنف الهجمات وقعت في قرية كونكوسو، حيث قُتل 38 شخصاً على الأقل وأُحرقت منازل. في حين أكد المتحدث باسم شرطة ولاية النيجر، واسو أبيودون، مقتل ستة أشخاص في قرية تونغا-ماكيري وإحراق منازل واختطاف عدد لم يُحدد بعد.

عنصر من قوات الأمن النيجيرية في ولاية كيبي (رويترز)

ردود الفعل

وفي ظل الوضع الأمني الصعب، وتصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية، ومع وصول القوات الأميركية إلى البلاد، ثار جدل واسع، وتباينت ردود الفعل، حيث أشار محلل أمني إلى أنه منذ الضربات الجوية الأميركية قبل قرابة ثلاثة أشهر قُتل أكثر من ألفي شخص في هجمات إرهابية في نيجيريا.

ورأى محللون أن الجماعات الإرهابية تسعى من وراء التصعيد إلى تأكيد حضورها، بل وربما الرغبة في التوسع نحو مناطق وسط البلاد، أشار السيناتور عن كوجي الغربية، صنداي كاريمي، إلى أن تصاعد أعمال العنف قد يكون مرتبطاً بمحاولات لعرقلة الانتخابات الرئاسية عام 2027، عادَّاً أن «جهات معينة» تسعى لجعل البلاد غير قابلة للحكم؛ بهدف تعطيل الاستحقاق الانتخابي.

انتقدت المعارضة الرئيس بولا أحمد تينوبو لدى حضوره مهرجاناً للصيد تزامناً مع تدهور الوضع الأمني (إ.ب.أ)

من جانبه، انتقد حزب «المؤتمر الديمقراطي الأفريقي» المعارض سياسات الرئيس بولا أحمد تينوبو لمواجهة تدهور الوضع الأمني، وقال الحزب إن الرئيس فضَّل المشاركة في مهرجان محلي للصيد «في وقت تشهد فيه البلاد موجة قتل متصاعدة»، أسفرت عن مقتل نحو 1300 نيجيري خلال 41 يوماً.

وطالب الحزب الحكومة الفيدرالية بإطلاق عملية إنقاذ منسقة، وتقديم إحاطة شفافة بشأن أعداد الضحايا، وتعزيز التنسيق الأمني بين الولايات المتضررة، محذراً من أن تنامي جرأة الجماعات المسلحة قد يعكس تآكل الردع وفقدان السيطرة على ممرات استراتيجية تربط شمال البلاد بجنوبها.

وأكد الحزب رفضه دفع الفدى في حالات الخطف الجماعية، عادَّاً أن ذلك يرسخ اقتصاداً إجرامياً قائماً على الاختطاف، داعياً إلى مقاربة أمنية أكثر حزماً وشفافية لاستعادة ثقة المواطنين.