عسكريو الغابون يطيحون الرئيس و«يحيلونه إلى التقاعد»

الانقلاب الثامن في أفريقيا خلال 3 سنوات... وباريس المتضرر الأكبر

TT

عسكريو الغابون يطيحون الرئيس و«يحيلونه إلى التقاعد»

متظاهرون يرفعون علم الغابون في شوارع أكاندا (إ.ب.أ)
متظاهرون يرفعون علم الغابون في شوارع أكاندا (إ.ب.أ)

في خطابه إلى السفراء الفرنسيين عبر العالم بمناسبة مؤتمرهم السنوي يوم الاثنين الماضي، نبّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى «عدوى الانقلابات» في أفريقيا، خصوصاً في الفضاء الفرنكوفوني الأفريقي.

وكان يشير بذلك إلى الانقلابات التي حدثت منذ عام 2001 في مالي وبوركينا فاسو وغينيا... وآخرها في النيجر. واليوم، يمكن أن يضاف إليها الغابون؛ المستعمرة الفرنسية السابقة التي تبنت الفرنسية لغة رسمية وحصلت على استقلالها في عام 1960 بعد 54 عاماً من الاستعمار. أما إذا أضفنا إليها السودان، فإن أفريقيا تكون قد شهدت 8 انقلابات في أقل من 3 سنوات. والثابت أنه في 5 من الدول الـ6، تبدو المصالح الفرنسية هي المستهدفة بالدرجة الأولى.

علاقة وثيقة

تلقي المراجعة التاريخية أضواءً كاشفة على العلاقة القائمة بين باريس وليبرفيل. وإذا كان اليوم من المستبعد أن تتدخل القوة الفرنسية المرابطة في الغابون والتي يبلغ عديدها، وفق بيانات وزارة الدفاع، 370 عنصراً، فقد سبق لباريس أن تدخلت، بعد فترة قصيرة على استقلال البلاد، لإجهاض انقلاب عسكري ضد أول رئيس منتخب للغابون.

ولمزيد من الضمانات، فقد أبرمت باريس وليبرفيل اتفاقات منذ عام 1960، أضيفت إليها في عام 2011 اتفاقات أخرى. علماً بأن القاعدة العسكرية الفرنسية، كما نظيرتها في السنغال، ذات صبغة «إقليمية» بمعنى أنها تتناول كل منطقة وسط أفريقيا؛ الأمر الذي يبين أهميتها بالنسبة إلى الحضور الفرنسي في المنطقة، وللدفاع عن المصالح الفرنسية. ثم إن الرئيس عمر بونغو؛ والد الرئيس الحالي المخلوع علي بونغو، والذي حكم الغابون طيلة 41 عاماً، كان وثيق الصلة بفرنسا؛ الأمر الذي سهل للشركات الفرنسية أن تنسج علاقات هيمنة بالاقتصاد الغابوني.

ثم إن علي بونغو المتزوج من مواطنة فرنسية، وأكمل دراسته الجامعية في جامعة السوربون العريقة، كثير الترداد على باريس والمدن الفرنسية الأخرى، حيث تمتلك عائلته كثيراً من المنازل والشقق في أفخر المناطق الباريسية، فضلاً عن مجموعة من السيارات غالية الثمن. ولاكتمال الصورة، تتعين الإشارة إلى أن القضاء الفرنسي يلاحق عدة إخوة للرئيس المعزول لاتهامهم بالثراء غير المشروع.

انتخابات متنازع عليها

بالنظر إلى ما سبق، تتوجه الأنظار إلى باريس للتعرف على رد فعلها على الانقلاب الذي جرى صبيحة يوم الأربعاء بعد دقائق قليلة من إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت يوم 26 أغسطس (آب) الحالي، وأدت إلى فوز بونغو بولاية ثالثة بحصوله على 64.27 في المائة، متفوّقاً على مرشح المعارضة ألبير أندو أوسا الذي حصل على 30.77 في المائة من الأصوات.

لقطة من فيديو إعلان قيادات عسكرية الانقلاب في الغابون (أ.ب)

وليس سراً أن التصويت جرى من غير حضور مراقبين أجانب، وفي ظل تعتيم إعلامي تمثل في منع وسائل إعلامية فرنسية رئيسية من العمل، وقطع شبكة الإنترنت، والأهم وجود شكوك في حدوث عمليات تزوير واسعة النطاق. وجاءت النتيجة المنتظرة أصلاً لتمدد حكم عائلة بونغو؛ إذ إن الوالد وابنه حرصا على إفراغ الدستور من أي قيود تحدد عدد الولايات المتاحة لرئيس الجمهورية، فعائلة بونغو تحكم الغابون منذ 55 عاماً؛ منها 14 عاماً لعلي بونغو.

وكما ينص التقليد الانقلابي، فقد أعلن الانقلابيون؛ الذي ظهر منهم 12 عسكرياً ومدني واحد على شاشة القناة التلفزيونية «غابون24»، في بيانهم، نهاية نظام بونغو، وإلغاء الانتخابات ونتائجها، وتنحية الرئيس، ووضعه مع جزء من عائلته وأطبائه في الإقامة الجبرية، وحل كل مؤسسات الدولة، وإغلاق الحدود، والقبض على عدة وزراء وأعيان من النظام؛ من بينهم ابن علي بونغو.

ومن التهم التي وجّهت إلى هؤلاء: الخيانة العظمى، واختلاس الأموال العامة، والتزوير الانتخابي، وتلقي رشى، وتهريب المخدرات. وكما في النيجر، فقد نزل الآلاف من الأشخاص إلى الساحات والشوارع في العاصمة ليبرفيل وفي مدينة بور جونتيل؛ العاصمة الاقتصادية للبلاد، للتعبير عن دعم الانقلابيين.

استغاثة الرئيس

واللافت أن بونغو، شخصياً، بث شريط فيديو قصيراً على وسائل التواصل الاجتماعي يدعو فيه «أصدقاءه» إلى «إحداث ضجيج». وجاء في الشريط؛ حيث يبدو جالساً على أريكة وملامح القلق على وجهه: «أنا علي بونغو أونديمبا، رئيس الغابون، أوجه رسالة إلى كل أصدقائنا عبر العالم لأقول لهم أن يحدثوا ضجيجاً... إزاء الأشخاص الذين عمدوا إلى توقيفي أنا وعائلتي». ولم يفهم ما إذا كان الرئيس المحتجز يدعو إلى التدخل العسكري لإنقاذه أم لممارسة ضغوط سياسية أو شعبية على الانقلابيين لإطلاق سراحه. إلا إن الجنرال بريس أوليغي نغوما، أحد جنرالات الانقلاب ورئيس الحرس الجمهوري، أكد لصحيفة «لوموند» أن الرئيس علي بونغو «أحيل إلى التقاعد، وهو يتمتع بكامل حقوقه كأي غابوني عادي». وأضاف الجنرال أوليغي: «لم يكن له الحق في ممارسة ولاية ثالثة. الدستور انتُهك، والقانون الانتخابي لم يكن جيداً. لذا؛ فإن الجيش قرر التحرك وقلب الصفحة وتحمل المسؤولية».

ورفض رئيس الحرس عدّ نفسه «رئيس الأمر الواقع» للغابون، مؤكداً أن نقاشاً سيحصل مع مجمل الجنرالات في اجتماع لاحق، وذلك «بحثاً عن توافق، وحق كل طرف أن يعرض أفكاره، وبعدها سينتخب الأفضل؛ بمن في ذلك اسم من سيقود المرحلة الانتقالية». وأظهرت صور نقلتها القنوات التلفزيونية أفراداً من الحرس الجمهوري يحيون الجنرال أوليغي، ويسمونه «أوليغي الرئيس».

لائحة اتهام

يتضمن البيان الذي أذاعه الانقلابيون فجر الأربعاء «مضبطة اتهام» بحق الرئيس بونغو وعهده وعهد عائلته والمحيطين به. وتذهب الاتهامات في 3 اتجاهات: التزوير الانتخابي، والفساد، والعائلية. ونظراً إلى تخوفهم من رد الفعل الخارجي على الانقلاب، فقد سارع العسكر إلى الإعلان عن «تمسكهم باحترام كل التزامات الغابون إزاء الأسرة الوطنية {الداخل} والدولية».

ووفق مصادر في العاصمة الفرنسية، فإن ما سبق «يعدّ رسالة مباشرة إلى باريس» التي لها المصالح الرئيسية في هذا البلد الغني بالنفط وبالمعادن وبالغابات. وتكفي الإشارة إلى أن شركة «توتال إنيرجي» تعمل في الغابون منذ ما قبل الاستقلال، ورغم أن إنتاجها من النفط الغابوني قد تراجع في السنوات الأخيرة، فإنها تسيطر على دورة تكرير وتوزيع المشتقات النفطية، وشركة «إيرامت» تستخرج ما نسبته 90 بالمائة من المنغنيز. وكانت مجموعة «بولوريه» الفرنسية تدير مرافئ الغابون، إلا إنها باعت مؤخراً امتيازها لشركة «إم إس سي» السويسرية.

رد فعل فرنسا

حتى عصر الأربعاء، لم يكن قد صدر أي تعليق على مجريات الأحداث في الغابون من رئاسة الجمهورية ولا من وزارة الخارجية. وحده الوزير أوليفيه فيران قال للصحافة، عقب اجتماع مجلس الوزراء في قصر الإليزيه، إن فرنسا «تدين الانقلاب العسكري الجاري في الغابون»، وهي «تتابع من كثب تطورات الوضع». وأضاف فيران لاحقاً أن باريس «تذكر بتعلقها بالمسارات الانتخابية الحرة والشفافة».

أنصار العسكريين يحتفلون في شوارع ليبرفيل (أ.ف.ب)

وقبله، اكتفت رئيسة الحكومة، إليزابيث بورن، بالقول إن فرنسا «تفرد انتباهاً كبيراً» لما يجري في الغابون، وذلك بمناسبة كلمة ألقتها صباحاً بحضور السفراء الفرنسيين عبر العالم.

وتتصف عبارة الوزير الفرنسي الأخيرة بالغموض، خصوصاً أن ما يؤخذ على انتخابات الغابون ليس فقط غياب الشفافية عنها؛ بل أيضاً وقوع عمليات تزوير واسعة ورفض السلطات حضور مراقبين محايدين أجانب.

تحدٍّ جديد

ويطرح الانقلاب الجديد تحدياً واضحاً لفرنسا. والمرجح أن باريس تريد مراقبة تطورات الوضع قبل أن تحدد طريقة تعاملها مع العسكر، خصوصاً أن الوضع يختلف عما هو عليه في النيجر؛ إنْ كان لجهة عديد قواتها أو لغياب العداء لها ولمصالحها كما هي الحال في نيامي. ومشكلتها أنها في النيجر وقفت وراء «المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا (إيكواس)» ودفعت باتجاه المواقف الأكثر تشدداً فيما بقي رد فعلها الأول «معتدلاً» إلى حد بعيد. ويؤخذ على باريس أنها غضت الطرف عما يحصل في الغابون على الصعيد الداخلي، وهي التي تعطي دروساً في الديمقراطية للقارة بأكملها. وكان الرئيس ماكرون قد زار الغابون في شهر مارس (آذار) الماضي، وهي الزيارة التي رأت فيها شخصيات معارضة تزكية للمرشح الرئاسي علي بونغو.

وهاجم جان لوك ميلونشون، المرشح الرئاسي السابق وزعيم اليسار المتشدد، سياسة ماكرون الأفريقية، متهما إياه بـ«الممالأة».

ودعت السفارة الفرنسية، الأربعاء، الرعايا الفرنسيين إلى البقاء في بيوتهم والامتناع عن الخروج.

إدانات دولية

وفي سياق مواز، أكّد جون كيربي، الناطق باسم مجلس الأمن القومي الأميركي، أن الدبلوماسيين الأميركيين والعسكريين الموجودين في الغابون هم «في أمان»؛ وإذ اكتفى بالقول إن واشنطن «تتابع الوضع من قرب»، فقد عدّ أن تعاقب الانقلابات العسكرية في أفريقيا «مثير لقلق كبير»، رافضاً التعقيب على نتيجة الانتخابات الغابونية التي ربحها الرئيس بونغو.

من جانبه، أدان موسى فكي محمد، رئيس لجنة الاتحاد الأفريقي، في بيان الأربعاء، «بشدة المحاولة الانقلابية»، وندد بـ«الانتهاك الفاضح» للمبادئ المعمول به في الاتحاد، ودعا الجيش الغابوني والقوى الأمنية إلى «الالتزام بالقيام بمهمتهم وضمان السلامة الجسدية لرئيس الجمهورية وأفراد عائلته وأعضاء الحكومة». وجاء في بيان للاتحاد الأفريقي أن الانقلاب يشكل «انتهاكاً صارخاً للأدوات القانونية والسياسية للاتحاد، ومنها شرعية الانتخابات والديمقراطية والحوكمة (الرشيدة)».

وكانت الصين من أوائل من علق على الانقلاب، حيث دعت بكين إلى «ضمان سلامة علي بونغو». وجاء في بيان الخارجية الصينية أن بكين «تتابع من قرب تطور الوضع في الغابون، وتدعو الأطراف المعنية إلى التصرف وفق مصلحة الشعب الغابوني، وإلى العودة الفورية إلى النظام الطبيعي».

أما منظمة الكومنولث؛ التي تقودها بريطانيا، والتي انضمت إليها الغابون العام الماضي رغم أن لغتها الرسمية هي الفرنسية، فقد عدّت في بيان أن «المعلومات الواردة حول استيلاء غير شرعي على السلطة في الغابون تشكل لنا مصدر قلق كبير». واستبق جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي، اجتماعاً لوزراء الدفاع والخارجية في الاتحاد بمدينة طليطلة الإسبانية، بالإعراب عن مخاوفه من أنه إذا تأكد الانقلاب العسكري، فإن ذلك «سيزيد من الاضطرابات في المنطقة كلها»، رافضاً الذهاب أبعد من ذلك؛ في انتظار معلومات إضافية. وسبق أن شهدت الغابون انقلاباً فاشلاً في عام 2019 استهدف الرئيس علي بونغو.

لعل رد الفعل الأوضح جاء من وزير خارجية إيطاليا، أنطونيو تاياني، الذي دعا إلى حل دبلوماسي في النيجر، وأيضاً في الغابون. وأكد تاياني، في بيان، أن بلاده «ما زالت تدعو لحل دبلوماسي (في البلدين) بالتنسيق مع شركائها»، عادّاً أن هذه المقاربة من شأنها وحدها «المحافظة على السلم والاستقرار» في أفريقيا. وسبق له أن أكد أن أوروبا «لا تستطيع السماح بقيام نزاع مسلح ولا أن نظهر نحن الأوروبيين بوصفنا مستعمرين جدداً».


مقالات ذات صلة

تبون: أرسلنا طائرات إلى النيجر لمواجهة انقلاب

شمال افريقيا الرئيس تبون خلال مقابلة بثها التلفزيون الرسمي (الرئاسة الجزائرية)

تبون: أرسلنا طائرات إلى النيجر لمواجهة انقلاب

قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، إن بلاده تحركت عسكرياً لمنع الإطاحة برئيس النيجر عبد الرحمن تشياني في أغسطس الماضي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
تحليل إخباري لقطة عامة لقاعدة «نيامي 101» العسكرية بعاصمة النيجر (أ.ف.ب)

تحليل إخباري هكذا أحبطت القوات الروسية تمرد النيجر

التمرد العسكري في النيجر انتهى باعتقال ومقتل أغلب المشاركين فيه، بعد أن تدخلت قوات روسية مرابطة في النيجر منذ ثلاث سنوات.

الشيخ محمد ( نواكشوط)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …


مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الجيش المالي نيته التحرك نحو معاقل المتمردين الطوارق، في أقصى شمالي البلاد، وذلك بعد أسبوع من السيطرة على مدينة كيدال، بدعم من القوات الروسية، وهي أهم مدينة في شمال مالي والعاصمة التاريخية للمتمردين الطوارق.

جاء ذلك على لسان قائد أركان الجيوش العامة في مالي، الفريق جان إليزي داو، خلال زيارة لمدينة كيدال، انتهت، الاثنين، حيث قال إن الجيش «لن يتوقف عند كيدال»، واصفاً استعادة السيطرة عليها من يد المتمردين بأنها «مجرد مرحلة»، مؤكداً أن العمليات ستستمر في القطاعات الأخرى التي لا تزال فيها جماعات مسلحة.

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» خلال سيطرتهم على كيدال (أ.ف.ب)

وتفقد داو الوحدات العسكرية التي شاركت في استعادة السيطرة على مدينة كيدال، ضمن عملية «دوغوكولوكو» العسكرية، ناقلاً إليها تهنئات سلطات المرحلة الانتقالية، وشاكراً شركاء بلاده، ولا سيما «الفيلق الأفريقي» الروسي.

وبحسب مصادر عسكرية تحدثت لصحف محلية، فإن المرحلة التالية من العملية العسكرية قد تستهدف مدن تسليت وتينزواتين قرب الحدود الجزائرية، وهما منطقتان تعرضتا لضربات جوية، وأي تحرك بري نحوها يعني مواجهة حاسمة تعيد إلى الأذهان ما حدث عام 2024، حين تلقى الجيش المالي ومجموعة «فاغنر» الروسية خسارة فادحة بالقرب من تينزواتين.

وكان الجيش المالي، قد أعلن يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي إطلاق عمليات جوية وبرية في تلهنداك شمال كيدال ومنطقة تسليت، وأسفرت عن السيطرة على مدينة كيدال، وذلك بعد انسحاب المتمردين منها دون قتال.

مدرسة متضررة في كيدال (أ.ف.ب)

وشرح الفريق داو أن التحضير للهجوم بدأ قبل إطلاقه بوقت طويل، مذكّراً بانسحاب الجيش من كيدال في 26 أبريل (نيسان) 2026، إثر هجوم عنيف شنه المتمردون آنذاك، وأكد قائد أركان الجيش أن الجيش منذ انسحابه من كيدال قبل 6 أشهر لم يتخلَّ عن فكرة العودة.

وقال إن القوات سعت أولاً إلى إضعاف الجماعات بضرب قدراتها اللوجستية وأسلحتها، ثم تقدمت نحو أنيفيس ثم كيدال، مشيراً إلى أن الجماعات «فضلت الانسحاب بدل المواجهة»، بينما لاحقت الوسائل الجوية بعض عناصرها. واتهم الجماعات التي احتلت المدينة بالعنف الجنسي والنهب والقتل، ونسب إليها وجود «مقاتلين أجانب» شاركوا في انتهاكات، ووصفها بجرائم حرب.

من جهته، ردّ المتحدث باسم «جبهة تحرير أزواد» محمد مولود رمضان على تصريحات قائد الجيش المالي بالقول: «إنَّ هذا المجرم يؤكد صراحة ما نقوله منذ البداية: لقد دُمّرت البنى التحتية دون تمييز، ويُستهدف المدنيون عمداً»، وذلك في إشارة إلى تصريحات قائد الجيش بأنهم عملوا على أن تكون «كيدال مدينة غير صالحة لأن يستقر فيها العدو».

وقال المتحدث باسم المتمردين إن قوات الجبهة «لم تقضِ يوماً ليلة واحدة في كيدال»، وإن الدفاع عن مدينة «لا يعني إبقاء القوات فيها بشكل دائم»، مشدداً على أن كيدال «أصبحت مدينة لا تُطاق بالنسبة لسكانها المدنيين».

وكانت الجبهة قد أعلنت في السادس من أكتوبر «انسحاباً استراتيجياً ومضبوطاً»، وقالت إنه تم دون قتال بري، بسبب الضربات الجوية التي نفذها الجيش وقوات «الفيلق الأفريقي»، واتهمت قبل ذلك الجيش بقصف «أسر نازحة عند الحدود الجزائرية ومخيمات للرحل».

شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

كانت الجبهة وتنظيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابع لـ«القاعدة» قد سيطرا على كيدال في هجمات أبريل الماضي، وهي الهجمات التي قُتل فيها وزير الدفاع المالي السابق الجنرال ساديو كامرا، لتبقى مدينة كيدال بيد الجبهة نحو 5 أشهر.

ودخل الجيش و«الفيلق الأفريقي» كيدال في السابع من أكتوبر بعد عمليات جوية وبرية بدأت قبل 3 أيام، وذلك في محطة جديدة من الحرب ظلت مدينة كيدال هي محورها، حيث كانت دوماً تتأرجح ما بين المتمردين والسلطة، بينما يرغم سكانها كل مرة على الفرار.

وقالت بيفرلي أوتشينغ من «كونترول ريسكس» لـ«رويترز» إن استعادة كيدال رمزية وليست «حاسمة» في الحملة ضد الجماعات الإرهابية والانفصالية، رغم أنها ترفع معنويات الجيش، وتمنح «الفيلق الأفريقي» الروسي فرصة لاستعادة دوره بعد خسارته مواقع منذ أبريل الماضي. أما تينزواتين، المرشحة لتكون الهدف اللاحق، فكانت ساحة لمعركة في 2024 انتصرت فيها جبهة تحرير أزواد (المتمردين) وجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» (القاعدة) على الجيش المدعوم آنذاك من طرف «فاغنر» التي خسرت العشرات من مقاتليها.


مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
TT

مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)

أفاد مسؤولون، الاثنين، بأن اشتباكات وقعت، الأسبوع الماضي، بين جماعات مسلحة من مجتمعات متنافسة في وسط جنوب السودان أسفرت عن مقتل العشرات، وتسببت في اكتظاظ مستشفى بالجرحى.

وأضاف المسؤولون أن القتال اجتاح منطقة رومبيك في ولاية البحيرات، يوم الجمعة الماضي، بينما كان جنود الحكومة وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يحاولون الحفاظ على النظام.

وقالت وزارة الإعلام في جنوب السودان إن نحو 70 شخصاً قُتلوا، بينهم 4 جنود، لكن الحصيلة الدقيقة لم يتم التحقق منها بعد.

وقال تيران ماديت، وهو مسؤول في مستشفى رومبيك الحكومي، لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء عبر الهاتف، الاثنين: «لقد تدفق مصابون بطلقات نارية على المستشفى». وأضاف أن المستشفى استقبل أكثر من 50 جريحاً، معظمهم بإصابات في الصدر.


تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
TT

تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)

استدعت تشاد، الأحد، سفير جمهورية أفريقيا الوسطى لديها لتقديم احتجاج رسمي على ما وصفته بتوغل عسكري قام به جيش أفريقيا الوسطى (السبت) في بلدة أبناباك بمنطقة تيسي، قرب الحدود الثلاثية مع السودان.

وقالت الحكومة التشادية إن الحادثة أوقعت عدة جرحى بحالة خطيرة، بينهم عسكريون ومدنيون، من دون أن تعلن حصيلة بالأرقام. وأبلغ وزير خارجية تشاد أحمد كوغري السفير بأن الأفعال «خطيرة» ولا يمكن عدّها حوادث معزولة، مذكّراً بأن البلاد سجلت منذ 2021 عدة توغلات في المنطقة الحدودية، وأن تكرارها «غير مقبول» و«لن يمر دون عواقب».

وطلب الوزير من بانغي تقديم تفسيرات دقيقة وتوضيحات عاجلة، كما طلب من السفير نقل الاحتجاج الرسمي و«التحذير الشديد» إلى حكومته، مؤكداً تمسك بلاده بسيادتها ووحدة أراضيها وأمن مواطنيها.

وفي رواية أخرى، نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر عسكري تشادي أن قوات روسية قصفت موقعاً لمتمردين من جمهورية أفريقيا الوسطى بعد دخولهم الأراضي التشادية، ما أوقع عدة جرحى. ولم يرد هذا الاتهام في بيان الحكومة.

رواية بانغي

على صعيد آخر، أعلن جيش أفريقيا الوسطى (السبت) أنه نفذ، بدعم من حلفائه الروس، «أعمالاً وقائية» ضد «مرتزقة أجانب» لم يحدد هويتهم. وقالت وزارة الدفاع إن ضربات جوية وعمليات برية استهدفت جماعات مسلحة في منطقة الحدود الثلاثية بمحافظة فاكاغا لإحباط هجوم وشيك على مواقع الجيش. وأكدت الوزارة أن جميع المهاجمين «حُيّدوا»، دون تقديم حصيلة بشرية ولا إشارة إلى دخول الأراضي التشادية. كما لم يصدر أي رد من حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى على الاحتجاج التشادي، حتى زوال يوم الاثنين.

وذهبت «سبوتنيك» الروسية، نقلاً عن «مجتمع الضباط للأمن الدولي»، إلى أن العملية نُفذت بالتعاون مع «متخصصين عسكريين روس»؛ إذ يوجد في جمهورية أفريقيا الوسطى عناصر من «الفيلق الأفريقي» الذي يتبع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية، وحل محلَّ مجموعة «فاغنر» الخاصة.

وبحسب «سبوتنيك»، فإن العملية جرت في منطقة نابغاي–تيسي، واستهدفت نحو 200 مقاتل، وأسفرت عن أكثر من 60 قتيلاً وجريحاً، وأن الجماعات كانت تخطط لهجوم في النصف الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) بإشراف «غربيين»، وأن بانغي أبلغت أنجامينا بوجود مقاتلين على أراضيها.

سوابق وسياق

لا تبدو أنها كانت الحادثة الأولى في هذه الحدود؛ ففي مايو (أيار) 2021 اتهمت أنجامينا جيش أفريقيا الوسطى بمهاجمة مخفر سورو داخل أراضيها، وقتل جندي وخطف خمسة وإعدامهم، في حين اقترحت بانغي لجنة تحقيق مشتركة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 اتهمت بانغي دولة مجاورة بقصف قواتها وحلفائها الروس.

وتنشط في الشمال الشرقي لأفريقيا الوسطى جماعات مسلحة، وتتأثر المنطقة بحرب السودان، وشهدت بلدة أم دافوك في أفريقيا الوسطى هجوماً في 30 يونيو (حزيران) قال الجيش إنه أوقع نحو عشرين قتيلاً، في حين تحدثت مصادر محلية عن 28 قتيلاً.

وتُعتبر هذه المنطقة الحدودية ما بين جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والسودان، خاصة حول تيسي، وأم دافوك، وبيراو، من أكثر المناطق هشاشة أمنياً في وسط أفريقيا، وتتميز بحدود مسامية، وبضعف السيطرة الحكومية، بالإضافة إلى نشاط مجموعات مسلحة متعددة، وتأثيرات مباشرة من الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023.