سوريون يتألمون من «جرح لا يلتئم»

«الشرق الأوسط» تسلط الضوء على ملف المغيبين لدى تنظيم «داعش»

TT

سوريون يتألمون من «جرح لا يلتئم»

مدينة الرقة في شمال سوريا (الشرق الأوسط)
مدينة الرقة في شمال سوريا (الشرق الأوسط)

بدأ أعضاء من «المؤسسة المستقلة لجلاء مصير المفقودين في سوريا» التابعة للأمم المتحدة إجراء اتصالات عبر خدمة «زوم» (zoom) مع أهالي مفقودين يتحدرون من مدينة الرقة في شمال سوريا، إيذاناً ببداية عملها بعد تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً، نهاية شهر يوليو (تموز) الفائت، بإنشاء مؤسسة دولية توضّح مصير المفقودين السوريين الذين تقدّر منظمات غير حكومية عددهم بأكثر من 100 ألف شخص منذ اندلاع الحرب عام 2011، وتتهم هذه المنظمات الحكومة المركزية بالمسؤولية عن تغيب غالبيتهم، لكن الاتهامات تطال أيضاً مجموعات كثيرة من فصائل المعارضة والتنظيمات الإرهابية.

ويصادف 30 من شهر أغسطس من كل عام اليوم الدولي «لضحايا الاختفاء القسري». ويقول المدير التنفيذي لـ«المركز السوري للعدالة والمساءلة»، محمد العبد الله، إن حصر أعداد الذين خطفهم تنظيم «داعش» في سوريا صعب للغاية، مشيراً إلى أن «عدد السوريين المغيّبين على أيدي التنظيم يقدّر بين 8000 شخص إلى 10 آلاف». وحسب تقديرات أهلية ومن مصادر محلية، يوجد أكثر من 800 حالة اختفاء لأشخاص من مدينة الرقة وحدها.

ومن بين الأهالي الذين اتصل بهم أعضاء من «مؤسسة جلاء المفقودين» الناشط المعارض خلف الغازي الذي خطف عناصر «داعش» ابنه الوحيد عيسى قبل 9 سنوات، وتحديداً في 15 أبريل (نيسان) 2014، وهو تاريخٌ بقي محفوراً في ذاكرة الغازي المتحدر من مدينة الرقة. ففي مثل هذا اليوم قبل 9 سنوات طرق عناصر تنظيم «داعش» باب منزله في ساعة متقدمة ليلاً وأخذوا ابنه عيسى، وهو شاب في ربيع عمره (من مواليد 1997) والابن الوحيد لخلف. ورغم صغر سنّه، كان عيسى ينشط في المجال الإغاثي، وفي تلك السنة كان طالباً في مرحلة البكالوريا بفرعها العلمي، وينوي السفر إلى محافظة الحسكة المجاورة لتقديم الامتحانات بعد خروج الرقة عن سيطرة القوات النظامية في شهر مارس (آذار) 2013.

المعارض السوري خلف الغازي الذي غيب تنظيم «داعش» ابنه الوحيد عيسى قبل 9 سنوات (الشرق الأوسط)

يقول الغازي في بداية حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أفقته من النوم وقلت له إن عناصر التنظيم بالباب يسألون عنك. نزل على الدرج مثل النمر دون خوف أو تردد وسألهم: ماذا تريدون...؟ هنا تدخلت وقلت: سآتي معكم لمرافقة ابني وإعادته للمنزل، لكنهم رفضوا وقالوا: إن استجوابه عبارة عن سؤالين وسنعيده لك بعدها». وأشار الغازي إلى أن عناصر التنظيم كانوا مقنعين وتحدثوا بلكنة أهالي الرقة، ولكن مرت ساعات دون عودة عيسى. وتابع الأب: «بقينا على أعصابنا، وبعد شروق الشمس ذهبت إلى قصر المحافظة سألت عن ولدي ليقولون إنه ليس هنا ولا يعلمون شيئاً عنه».

وعلى الرغم من القضاء على السيطرة العسكرية والجغرافية لـ«داعش» في شهر مارس 2019 شرقيّ الفرات، فإن مصير الآلاف ممن اختطفهم التنظيم لا يزال مجهولاً. وتعيش عائلات المفقودين ومن بينها عائلة الغازي في دوامة من القلق والشكوك، دون وجود أي أدلة على موته أو بقائه حيّاً.

وبعد مرور أيام من تغييب عيسى ساورت الشكوك قلب الأب ليبدأ مهمة البحث. قصدَ بدايةً النقطة 11، وكانت آنذاك من بين أكبر المحتجزات السرية التابعة للتنظيم، إبان سيطرته على مدينة الرقة، دون وجود أي أثر لابنه هناك. فذهب بعدها إلى مكتب شؤون العشائر وكان يرأسه توبات البريش، وهو شخص معروف لدى أهالي الرقة يعمل لدى التنظيم، فوعد بأن يُجري كل اتصالاته ومحاولاته لتحديد مكان عيسى ومعرفة مصيره.

وتابع الأب المكلوم حديثه ليقول: «بالفعل، تمكنّا أخيراً من معرفة مصيره وقد أودع بالسجن دون معرفة التهم الموجه له». وبعد أسبوع من تاريخ احتجازه، أرسل عيسى أول رسالة بخط يده لوالده من داخل سجنه يقول فيها إن وضعه جيد والشيخ المسؤول عنه مصري الجنسية. وفي الأسبوع الثاني، أرسل رسالة ثانية يطلب بعض الألبسة التي يسمح بإدخالها للسجن، منوهاً: «كرر فيها كيف يفكّر كثيراً بالفحوصات لاقتراب موعدها وطلب مني لقاء شخصيات في التنظيم للإفراج عنه».

آلاف الأشخاص فُقدوا خلال فترة حكم التنظيم

وبعد مرور عام كامل من اختفاء عيسى تعرّف والده على طبيب أردني الجنسية كان يعمل في أحد مشافي التنظيم. كشف هذا الطبيب للغازي كيف خُدع على يد شبكات التنظيم بترك أهله ومنصبه الأكاديمي بوهم العيش في كنف «الخلافة» المزعومة. وبعد معرفة قصة عيسى من والده قرر المساعدة. يقول الغازي: «بالفعل، في اليوم التالي جاء لمنزلي وقال إن ابني يلبس نظارة طبية وذكر مواصفاته التي كانت مطابقة تماماً وأيقنت من (صحة) كلامه»، مشيراً إلى أنه تبلغ أنه محتجز مع الأب باولو دالوليو و50 ناشطاً سورياً في سجن سري للغاية ويطلق عليهم «مجموعة الأب باولو». والأب باولو كاهن يسوعي إيطالي معروف قضى نصف عمره في سوريا يخدم كنائسها الأثرية القديمة بريف العاصمة دمشق، وبعد اندلاع حركة الاحتجاجات المناهضة لنظام الحكم وظهور تنظيم «داعش» واختطافه عشرات النشطاء السوريين الذين كانوا يقودون التظاهرات السلمية، وصل هذا الكاهن إلى مدينة الرقة في أواخر شهر يوليو 2013، وفي 29 من الشهر نفسه، دخل قصر المحافظة ظناً منه أنه سيتفاوض مع قادة التنظيم لإطلاق سراح النشطاء المحتجزين. ومنذ ذلك التاريخ وهو في عداد المختفين دون معرفة شيء عنه.

مدينة الرقة شمال سوريا... معقل سابق لتنظيم «داعش»... (الشرق الأوسط)

بقي الغازي يبحث عن ولده عيسى حتى انتهاء معركة الباغوز عام 2019، مشيراً إلى أنه ما زال يتمسك بالأمل. قال: «بعد كلام الطبيب الأردني تجدد عندي الأمل، وبعد انتهاء معركة الباغوز عاد الأمل من جديد». وأضاف أنه بعد تشكيل «لجنة لاستجلاء المفقودين بسوريا» تابعة ولايتها للأمم المتحدة، «تجدد الأمل. إذا فقدت الأمل سأفقد ابني». وارتسمت علامات الحزن على وجهه ليقول: «ننتظر أنا ووالدته أن يطرق عيسى باب منزلنا ويقول ها أنا عدت يا أبي، نشعر دوماً بأن روحه تحوم حولنا ولم تفارقنا ولا لحظة».

هنا توقف خلف الغازي عن الكلام واغرورقت عيناه بالدموع وهو ينظر إلى والدة عيسى التي أجهشت بالبكاء وهما يراقبان فناء المنزل وطرقة الباب التي طال انتظارها.

التنظيم متهم بتغييب أكثر من 8 آلاف سوري

يقول المحامي والمدير التنفيذي لـ«المركز السوري للعدالة والمساءلة» محمد العبد الله إن عملية حصر الأعداد التي خطفها عناصر «داعش» صعبة للغاية. ويضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «خلال سنوات حكم (داعش) في سوريا، يتراوح عدد السوريين المغيبين بين 8000 شخص و10 آلاف، في شمال شرقي سوريا وحدها».

و«المركز» مؤسسة سورية مستقلة بدأت عملها في ملف مغيّبي «داعش» سنة 2019، عملت بدايةً مع «فريق الاستجابة الأولية» التابع لـ«مجلس الرقة المدني»، ثم لاحقاً عملت على دعم تشكيل «فريق شؤون المفقودين والطب الشرعي السوري في الرقة»، حسب العبد الله الذي يقول: «أجرينا أكثر من 400 مقابلة موثقة مع ناجين أو ذويهم كانوا أو لا يزالون مفقودين لدى التنظيم».

وعن قرار الأمم المتحدة إنشاء مؤسسة مستقلة خاصة باستجلاء مصير المفقودين في سوريا، والعمل على الكشف عن أماكن وجودهم وتقديم الدعم للضحايا وعائلاتهم، رحب الحقوقي السوري بهذا القرار ووصفه بالتاريخي، وعلّق قائلاً: «القرار بحد ذاته نقلة نوعية لحل هذا الملف المعقد والشائك، لكن السؤال الأهم: هل ستدخل هذه اللجنة إلى الداخل السوري عن طريق الحكومة السورية وبموافقتها؟»، لافتاً إلى أن عمل أعضاء اللجنة لن يُجدي نفعاً إذا بقيت تعمل من الخارج وتكتفي بسماع شهادات الأهالي ورفع تقارير دورية، «المطلوب إجراء زيارات ميدانية إلى هذه المناطق والكشف عن الحقائق على أرض الواقع».

أم سورية من الرقة تبحث عن ابنها الذي خطفه عناصر التنظيم قبل سنوات... ولم يتبق سوى مجموعة صور على هاتفها الجوال (الشرق الأوسط)

تروي محاسن، وهذا اسم مستعار لفتاة متحدرة من الرقة (30 سنة)، لـ«الشرق الأوسط» قصة أختها عبير (مواليد الرقة عام 1994) التي كانت تعمل في مقهى إنترنت تدير فيه القسم الخاص بالنساء، وهي كانت تعمل في محل مجاور يبعد عنها نحو 500 متر فقط. ومن بين الشروط التي فرضها التنظيم آنذاك على مالكي مقاهي الإنترنت أن تكون مديرة القسم النسائي إما زوجة صاحب القسم الرجالي وإما أخته وإما والدته منعاً للاختلاط بين الرجال والنساء. وذكرت محاسن أن أختها ادّعت أنها زوجة صاحب المقهى، دون وجود هذه الصلة.

وفي 16 من شهر ديسمبر (كانون الأول) 2017 وعند تمام الساعة 3 عصراً، جاءت دورية لجهاز الحسبة (جهاز أمني تابع للتنظيم) إلى المقهى وألقت القبض على صاحب الإنترنت وعبير، أمام ناظري محاسن التي أوضحت: «سألوا من يدير القسم النسائي؟ أجابهم صاحب المقهى إنها شقيقته، أما عبير فقالت إنها زوجته. تضاربتْ الروايتان، وشكّت الدورية في الأمر واعتقلتهم وأغلقوا المقهى».

وقتذاك ذهبت محاسن مسرعةً إلى أهلها لإخبارهم بالأمر، وراجع إخوتها قسم التحقيق في «جهاز الحسبة» لمعرفة أسباب توقيف عبير، وكان جوابهم أنها كذبت عليهم وستعاقَب على فعلتها. بعدها داهمت «الحسبة» منزل شقيق صاحب مقهى الإنترنت وألقت القبض عليه وعلى زوجته بتهمة تسلم مبالغ مالية كبيرة والتعامل مع قوات التحالف الدولي و«قوات سوريا الديمقراطية».

بعدها راجع أهل محاسن أحد المقرات السرية الخاصة بسجون التنظيم لتوثيق حالة الاعتقال ومعرفة مصيرها، ليجيبها المكتب بأن عبير أُعدمت مع 7 فتيات قادمات من مدينة الحسكة بتهمة تزويد قوات التحالف بإحداثيات مقرات التنظيم. وتضيف محاسن: «عادةً إذا نفَّذ التنظيم الإعدام الميداني بمتهم يقومون بتسليم حاجياته الشخصية، وأختي كان لديها هاتف وأساور ذهب. عندما طلبنا أغراضها الشخصية قالوا إنها مصادَرة كونها مرتدّة وكانت تتعامل مع التحالف».

وسط مدينة الرقة التي كانت شاهدة على كثير من الفظاعات التي ارتكبها «داعش»... (الشرق الأوسط)

غير أن محاسن وأهلها شكّوا برواية التنظيم وبعد مرور 20 يوماً اتصلت فتاة على الرقم الأرضي لمنزلهم وقالت إن عبير على قيد الحياة، وقد أُودعت السجن وتريد ملابس صيفية وحاجات شخصية. قالت محاسن: «قصدنا نفس المكتب السري الخاص بالسجون وسلّمنا هذه الأغراض لهم». وبعد مرور شهر، اتصلت عبير عبر الهاتف الأرضي وطلبت مكالمة والدتها وكانت مدة المكالمة قصيرة جداً. وحسب محاسن: «قالت (عبير) إنها بخير. سألتها والدتي عن مكانها وهل ستعود قريباً، فقالت: يمكن أن تعود ويمكن ألا تعود نهائياً... وطلبت بعض الحاجات الشخصية».

وبعد مرور عامين، وفي شهر سبتمبر (أيلول) 2019، اتصل شخص كان مقيماً في تركيا بعائلة محاسن وتربطه بها علاقة قرابة، قائلاً إنه تعرّف عن طريق الصدفة على مسؤول أمني بارز كان يعمل في صفوف التنظيم قبل انشقاقه، وكان يشغل مدير سجن في التنظيم بريف دير الزور. قال لهم، حسب محاسن، «إنه شاهد سجينة مواصفاتها كمواصفات (عبير) واعتُقلت من محل كافيه إنترنت لأنها كذبت. والمواصفات التي ذكرها هي نفسها لأختي. طلب قريبي معرفة المزيد، لكنه (المنشق عن داعش) رفض وسافر إلى ألمانيا». ومنذ ذلك التاريخ تنتظر محاسن وبقية أهلها معرفة مصير أختهم عبير التي مضى على اختفائها 6 سنوات، دون معرفة ما إذا كانت على قيد الحياة أو ماتت.


مقالات ذات صلة

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

أكدت الحكومة السورية، الخميس، أنها تسلّمت كل القواعد العسكرية التي كانت تشغلها قوات أميركية انتشرت في البلاد منذ أعوام في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي صورة وزعتها وزارة الداخلية لعنصرَي «داعش» (سانا)

ضبط خلية لـ«داعش» شمال سوريا «متورطة في شنّ هجمات إرهابية»

أعلنت وزارة الداخلية السورية، الخميس، القبض على خلية تابعة لتنظيم «داعش» الإرهابي متورطة في تنفيذ عدة هجمات شرق حلب بشمال البلاد. وأوضحت أن ذلك جاء خلال عملية…

«الشرق الأوسط» (دمشق)
أفريقيا رجال شرطة وسط الأضرار التي لحقت بسوق مدينة مايدوغوري جراء التفجيرات الانتحارية (أ.ب)

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية والجيش قال الضربة دقيقة وليست عشوائية والسوق مركز لوجيستي لـ«داعش» و«بوكو حرام»

الشيخ محمد (نواكشوط)
المشرق العربي الولايات المتحدة أنجزت عملية نقل أكثر من 5700 سجين من المشتبه بانتمائهم إلى «داعش» من سوريا إلى العراق (أرشيفية - رويترز)

العراق يسلم فنلندا والولايات المتحدة متهمَين لم يثبت انتماؤهما إلى «داعش»

أعلن القضاء العراقي، اليوم (الثلاثاء)، تسليم متهمَين اثنين لفنلندا والولايات المتحدة بعد ثبوت عدم انتمائهما إلى تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية انتشار لقوات الأمن التركية في موقع الهجوم على نقطة شرطة بالقرب من مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول في 7 أبريل (أ.ب)

تركيا: إحالة 3 متهمين بهجوم قنصلية إسرائيل على القضاء

أحالت سلطات التحقيق التركية 3 من المتهمين بالهجوم على القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول على القضاء.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

ضغط قوي على «حماس» للموافقة على نزع سلاح غزة

مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

ضغط قوي على «حماس» للموافقة على نزع سلاح غزة

مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

تواجه حركة «حماس» أكبر حالة ضغط من الوسطاء وأطراف أخرى للموافقة على وثيقة «مجلس السلام» حتى ولو بشكل مبدئي، قبل التفاوض عليها بشأن خطة نزع سلاح الفصائل التي تنشط داخل قطاع غزة، وخاصةً جناحها المسلح «كتائب القسام».

وقال مصدران من «حماس» في خارج قطاع غزة، لـ«الشرق الأوسط»، إن هناك محاولات من بعض الدول الوسيطة لإقناع الحركة بإبداء موافقة خطية مبدئية على الخطة، التي قدمها المندوب السامي لـ«مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف، لقيادة الحركة منذ نحو أسبوعين، على أن يتم التفاوض بشأن بنودها لاحقاً في مرحلة أخرى.

وأوضح المصدران أن هناك محاولات لانتزاع هذه الموافقة قبل الحصول على ضمانات واضحة تلزم إسرائيل بتنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، مبينةً أن الفريق المفاوض مُصر على الاستمرار في التمسك بموقفه الذي يهدف لضمان تنفيذ المرحلة الأولى بكامل بنودها، قبل الانتقال للتفاوض على المرحلة الثانية.

الدمار في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقال المصدران: «إن هناك محاولات من الوسطاء وجهات عدة ليكون هناك تنفيذ للمرحلة الأولى بجميع بنودها بلا استثناء، مقابل أن يتم العمل فوراً على بدء تطبيق الثانية بشكل متزامن، وقد يفضي هذا الحراك إلى اتفاق».

ولفت مصدر إلى أن هناك مخاوف حقيقية لدى قيادة «حماس» من استغلال إسرائيل والولايات المتحدة، لموافقة الحركة المبدئية للتوقيع على الوثيقة المتعلقة بالمرحلة الثانية، لإجبار الحركة على خطوات ما زالت ترفضها ضمن الخطة الأصلية وطلبت تعديلات واضحة عليها.

وأشار المصدر إلى أن بعض الدول الوسيطة تتفهم موقف «حماس» ومخاوفها وتحاول نقل رسائل طمأنة بهذا الشأن، فيما لا تزال الاتصالات والنقاشات الداخلية في أوساط الحركة ومع الفصائل الفلسطينية مستمرة.

واقترحت بعض الفصائل، بدعم من وسطاء، أن يتم تقصير مدة المرحلة الثانية من 8 أشهر إلى 3 أو 4، لاستغلال أي تقدم إيجابي في تحسين الوضع الإنساني والحياتي للسكان بقطاع غزة، وخاصةً إطلاق مرحلة إعادة الإعمار في ظل الحاجة الماسة للتقدم في هذا الملف، مع استمرار تفاقم حياة النازحين المدمرة منازلهم والذين يعيشون في ظروف قاسية وصعبة جداً، حسب مصدر فصائلي لـ«الشرق الأوسط».

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

ورأى المصدر الفصائلي أن الهدف من تقصير مدة تطبيق المرحلة الثانية، هو الانتقال لمراحل أكثر تقدماً تخدم جميع الأطراف، وخاصةً الفلسطيني الذي يسعى إلى لملمة أوراقه على الصعيد الداخلي والالتفات لاحتياجات السكان، والعمل على بناء نظام وطني فلسطيني متكامل، مشيراً إلى أن هناك جهوداً تُبذل أيضاً بدعم عربي وكذلك من دول إسلامية، منها تركية، للعودة إلى الحوار الوطني الفلسطيني ولكن حتى هذه اللحظة لا يوجد تقدم ممكن أن يشير إلى عقد اجتماع قريب، ولكن الجهود مستمرة من أجل ذلك.

ولفت إلى أن هناك توافقاً لدى الفصائل بشأن قضية حصر السلاح، لكن ليس بالطريقة المطروحة نفسها، وهناك تعديلات تريد الفصائل إدخالها على المقترح الأساسي، وستنتظر ما ستؤول إليه الاتصالات الجارية حالياً لتقديم تعديلاتها في حال بدأت مناقشات جدية بشأن المرحلة الثانية.

ويأتي ذلك في ظل استمرار التصعيد الإسرائيلي الميداني داخل قطاع غزة، ما أدى لارتفاع عدد الضحايا الفلسطينيين.

وأصيب 4 فلسطينيين، صباح السبت، أحدهم وُصفت جروحه بالخطيرة، إثر إطلاق النار باتجاههم شرقي مدينة غزة، وشرق بلدة جباليا شمالي القطاع.

وقتل الجمعة، 3 فلسطينيين في سلسلة اعتداءات إسرائيلية طالت مجموعات من المواطنين وخيام النازحين في خان يونس جنوب القطاع، ومناطق شماله. ومن بين الضحايا فلسطينيان شقيقان كانا يقودان مركبة مياه محلاة تقدم خدمات للنازحين بدعم من منظمة «اليونيسف» التي أعلنت تعليق نشاطاتها شمال القطاع بعد الحادثة.

وارتفع عدد الضحايا الفلسطينيين في قطاع غزة منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى أكثر من 773، وأكثر من 2015 مصاباً، والعدد التراكمي منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى أكثر من 72500.


ماكرون يعلن قتل جندي فرنسي في هجوم بجنوب لبنان ويتهم «حزب الله»

لبنانيون يعودون لقرى الجنوب (رويترز)
لبنانيون يعودون لقرى الجنوب (رويترز)
TT

ماكرون يعلن قتل جندي فرنسي في هجوم بجنوب لبنان ويتهم «حزب الله»

لبنانيون يعودون لقرى الجنوب (رويترز)
لبنانيون يعودون لقرى الجنوب (رويترز)

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مقتل جندي فرنسي في هجوم بجنوب لبنان، متهماً «حزب الله» بالمسؤولية عن قتله.

وكتب ماكرون في ‌منشور ‌على ​موقع ‌«إكس» أن ‌ثلاثة جنود آخرين أصيبوا بجروح، وتم إجلاؤهم، وحث ‌الحكومة اللبنانية على اتخاذ ⁠إجراءات ضد المسؤولين ⁠عن الهجوم.

من جانبه، تعهد الرئيس اللبناني جوزيف عون بملاحقة المسؤولين عن استهداف القوة الفرنسية.


إسرائيل تستنسخ نموذج غزة في لبنان... «خط أصفر» جنوباً يعزل عشرات القرى

جندي إسرائيلي بجوار العلم الإسرائيلي قرب الحاجز الأمني ​​بين إسرائيل ولبنان بالقرب من أفيفيم شمال إسرائيل (إ.ب.أ)
جندي إسرائيلي بجوار العلم الإسرائيلي قرب الحاجز الأمني ​​بين إسرائيل ولبنان بالقرب من أفيفيم شمال إسرائيل (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تستنسخ نموذج غزة في لبنان... «خط أصفر» جنوباً يعزل عشرات القرى

جندي إسرائيلي بجوار العلم الإسرائيلي قرب الحاجز الأمني ​​بين إسرائيل ولبنان بالقرب من أفيفيم شمال إسرائيل (إ.ب.أ)
جندي إسرائيلي بجوار العلم الإسرائيلي قرب الحاجز الأمني ​​بين إسرائيل ولبنان بالقرب من أفيفيم شمال إسرائيل (إ.ب.أ)

في تطور قد يعكس توجهاً إسرائيلياً لتكريس واقع ميداني جديد على الحدود اللبنانية الإسرائيلية رغم إعلان هدنة العشرة أيام، أعلنت تل أبيب عزمها فرض ما تسميه «الخط الأصفر» في جنوب لبنان، بما يمنع عودة السكان إلى عشرات القرى الواقعة ضمن مناطق تسيطر عليها قواتها.

وفق ما أفاد مسؤولون كبار في الجيش الإسرائيلي، شبكة «سي إن إن»، ستفرض إسرائيل ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» في لبنان، ما يمنع السكان من العودة إلى المناطق التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي.

وكان هذا التكتيك قد استُخدم سابقاً في غزة، حيث يُحدد «الخط الأصفر» منطقة واقعة تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي ضمن اتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب المستمرة لعامين، وتُمنع عودة السكان إليها.

ما «الخط الأصفر» في جنوب لبنان؟

وحسب ما أوردته إذاعة الجيش الإسرائيلي، فإن «الخط الأصفر» وهو بحسبها «خط عسكري جديد» تسيطر عليه إسرائيل في جنوب لبنان، وحُدد على أساس خط الصواريخ المضادة للدروع، الذي احتُل خلال العمليات البرية.

وهو يبعد عن الحدود مسافات تراوح بين بضعة كيلومترات وحتى نحو 10 كيلومترات.

ما الذي يحدث داخل منطقة «الخط الأصفر»؟

حتّى في ظل وقف إطلاق النار، تمنع إسرائيل السكان من العودة إلى ما تعتبره منطقة «الخط الأصفر»، التي تضم 55 قرية لبنانية.

ووفقاً لإذاعة الجيش الإسرائيلي ستستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية داخلها حتى خلال وقف إطلاق النار.

كما قال مسؤولون عسكريون إسرائيليون خلال إحاطة صحافية بحسب شبكة «سي إن إن»، إن إسرائيل ستفرض «الخط الأصفر» المستخدم في غزة على لبنان أيضاً، مشددين على أنه يمنع عودة اللبنانيين إلى 55 قرية محتلة.

وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد قال الجمعة إن الجيش الإسرائيلي «سيواصل الاحتفاظ بجميع المواقع التي قام بتطهيرها والسيطرة عليها».

والخميس، قالت صحيفة «جيروزاليم بوست» العبرية إن الجيش الإسرائيلي ينفذ عمليات هدم منازل في قرى لبنانية قريبة من الحدود، بناء على أوامر من كاتس الأسبوع الماضي طلب فيها «تسريع وتيرة هدم المنازل اللبنانية» قرب الحدود.

وقال كاتس حينها: «أمرنا بتسريع وتيرة هدم المنازل اللبنانية في قرى خط التماس لتحييد التهديدات التي تواجه البلدات الإسرائيلية، على غرار ما حدث في بيت حانون ورفح في غزة».

اتفاق وقف إطلاق النار

وينص اتفاق وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام بين إسرائيل ولبنان على دخول وقف الأعمال القتالية حيز التنفيذ اعتباراً من 16 أبريل (نيسان)، وذلك لفترة أولية تمتد عشرة أيام، بهدف إتاحة المجال أمام مفاوضات جدية للتوصل إلى اتفاق دائم، مع إمكانية تمديد الهدنة في حال تحقيق تقدم ملموس في هذه المباحثات.

ويؤكد الاتفاق احتفاظ إسرائيل بحق «الدفاع عن النفس في أي وقت» ضد أي هجمات وشيكة أو جارية، من دون أن يقيدها وقف إطلاق النار، مع التزامها في المقابل بالامتناع عن تنفيذ عمليات عسكرية هجومية ضد أهداف داخل لبنان.

كما يلزم الاتفاق الحكومة اللبنانية باتخاذ «خطوات ملموسة» لمنع «حزب الله» وأي جماعات مسلحة غير نظامية أخرى من تنفيذ هجمات ضد إسرائيل، في حين تُقر جميع الأطراف بأن قوات الأمن اللبنانية تتحمل المسؤولية الحصرية عن حماية سيادة لبنان والدفاع عنه.

وينص الاتفاق كذلك على أن الولايات المتحدة ستتولى تسهيل إجراء مفاوضات مباشرة إضافية بين الجانبين، بناءً على طلبهما، بهدف معالجة القضايا العالقة، بما في ذلك ترسيم الحدود البرية الدولية، وصولاً إلى اتفاق شامل ودائم يضمن الأمن والاستقرار والسلام بين البلدين.