«بجرّين» قرية لبنانية اختفى كل أهلها وسكنتها الأشباح

ركبوا البحر قبل مائة سنة ولم يعودوا

قرية بجرّين باتت موئلاً للأشباح (صفحة وي لاف جبيل ديستريكت على فيسبوك)
قرية بجرّين باتت موئلاً للأشباح (صفحة وي لاف جبيل ديستريكت على فيسبوك)
TT

«بجرّين» قرية لبنانية اختفى كل أهلها وسكنتها الأشباح

قرية بجرّين باتت موئلاً للأشباح (صفحة وي لاف جبيل ديستريكت على فيسبوك)
قرية بجرّين باتت موئلاً للأشباح (صفحة وي لاف جبيل ديستريكت على فيسبوك)

قصتها تصلح لفيلم سينمائي، قرية بجرّين. تسمع عنها، ولا تصدّق أنها موجودة وأن حكايتها حقيقية، إلا حين تصلها وتعاين أطلالها، ومنازلها المهدّمة، ومخلفات أهلها. ولكن كيف تبلغها، ودروبها وعرة؟ تلك هي المعضلة!

أصبحت تسمى «قرية الأشباح»، كل ما فيها أطلال دارسة، وبيوت مهجورة، وحجارة شاخت وهي تنتظر أصحابها، الذين ذهبوا ولم يعودوا. كلٌ له روايته حول أهل القرية وسبب اختفائهم، لكنها جميعها تتفق على أن أهل الدور كانوا هنا قبل مائة سنة، ونعموا بحياة هانئة، وأرض خصبة، ومحاصيل سخية، زرعوا القمح والتبغ والتين، واشتغلوا بصناعة الحرير. لكن الحرب العالمية الأولى ومآسيها، ضربت المتصرفية في جبل لبنان، وعانى السكان من المجاعة والحصار والجراد، ومات ثلث السكان، وبقي من أسعفته الصحة الحسنة، وحظه الكبير. ويبدو أن أهل بجرّين لسبب نجهله بدقة، قد قرروا كلهم ركوب البحر والهرب من هنا، البعض يقول إنهم ذهبوا إلى البرازيل، وإن سفينتهم غرقت وابتلعهم البحر هم ومفاتيح بيوتهم، التي بقيت مغلقة، لأن أحداً منهم لم ينجُ، ليأتي ويؤكد وفاتهم. وهناك من يرجّح أن بينهم من وصل إلى وجهته واختفى ذكره. في كل الأحوال أهالي بجرّين خرجوا ولم يعودا، قبل ما يقارب القرن من الزمن، ولم يأت أحد يخبر عنهم.

درج الغرفة التي لا تزال كنيسة حيّة (صفحة وي لاف جبيل ديستريكت على الفيسبوك)

حكاية دغدغت الأخيلة الخصبة، وأغرت كثيرين بالذهاب والبحث عن القرية. وهو ما حوّل بجرّين مؤخراً إلى مقصد للسياح، خصوصاً أولئك الذين يهوون المغامرة واكتشاف الغرائب، والمشي في الطبيعة، ويمتلكون قوة القلب وصلابة الإرادة.

أردنا أن نعرف المزيد عن بجرّين التي سمعنا عنها، وخلناها مجرد حكاية وهمية. من مدينة عمشيت الساحلية في شمال لبنان، صعدنا في السيارة صوب الجبل باتجاه بلدة غرفين التي تتبعها بجرّين إدارياً. حين أوقفنا السيارة واتجهنا صوب رجل من أهل القرية، قال لنا من بعيد وقبل أن نتفوه بكلمة: عرفت مقصدكم. وشرح الرجل الذي لا بدّ شاهد أسراباً من السياح يحاولون الوصول إلى بجرّين قبلنا: «عليكم أن تركنوا السيارة بعد أمتار عدّة حيث توجد كنيسة، وتبدأوا بالسير على الأقدام. والطريق وحدها كفيلة بأن تدلّكم على وجهتكم. فما أن يرى السكان غرباء هنا، حتى يدركوا على الفور أنهم آتون لزيارة بجرّين التي تحولت بفضل وسائل التواصل التي تناقلت أخبارها، إلى لغز يستحق الاكتشاف».

أطلال لمنازل الأهالي الذين ذهبوا ولم يرجعوا (صفحة وي لاف جبيل ديستريكت على الفيسبوك)

لم يكن الأمر بالسهولة التي تصورناها. المواصلات إلى القرية المهجورة معدومة، وليس للزائر سوى أقدامه وحدسه، طالما لم يرافقه أحد من سكان الجوار. فالقرية تقع على تلة بين جبلين، يفصلها عمّا حولها سهول ووديان، وعن قرية حصارات القريبة وادٍ سحيق. سرنا بين الأشجار، في طريق مغطاة بالحجارة والأتربة ما يقارب نصف ساعة، لم نقابل خلالها سوى الكلاب وقطيع من الخراف. أحببنا أن نعرف إذا ما كنا نسير في الاتجاه الصحيح والحرّ يصعّب من وعورة الطريق، لكن الراعي، وهو الإنسي الوحيد الذي التقيناه، لم يبدِ رغبة في أن يرفع رأسه، ويجيبنا، أو يساعدنا. لم يبقَ من معين سوى خرائط غوغل، لتسير بنا إلى بجرّين. من بعيد وبعد أن قطعنا طرقاً ملتوية، بدت لنا الأطلال مرتفعة على تلة، وكأنها في مكان انقطع كلياً عن العالم. هل خشي الأهالي الاقتراب من هنا؟ لماذا لم ينبت منزل واحد في المحيط؟ هل هي الخشية من لعنة الاختفاء والزوال؟ هل اكتفى جيران بجرّين بأن يخيفوا أولاهم بأخبار من غابوا.

عرفنا أن ثمة إحساساً من السكان بأن لعنة تسكن المكان، ولم تعد المنطقة مرغوبة ولا يحب أن يقترب منها أحد. كما أن جهداً بُذل كي تبقى بجرّين، على ما هي عليه، لقيمتها الرمزية والمعنوية. وهذا لم يكن صعباً فالمالكون للأراضي المحيطة قلّة، وهم ربما يفضلون أن تبقى بجرّين على حالها، تزرع سهولها وتظل بيوتها مهجورة.

وصلنا بعد أن أرهقتنا الحيرة، وأخافتنا الوحشة فلا بها إنس ولا أثر لصوت بشري في هذه البّرية الجبلية الخضراء، تسلّحنا بحجارة كبيرة، خشية أن يداهمنا كلب شارد من جديد. حين تلوح لك أطلال القرية من بعيد، تشعر بالارتياح، على الأقل لم يذهب تعبك سدى.

على مدخل القرية لفتتنا غرفة يعلوها صليب وتمثال لمريم العذراء. الباب الحديدي الأحمر مفتوح. هي مجرد غرفة صغيرة، يبدو أن ثمة رجال دين يأتون هنا بين الحين والآخر، يصلّون على راحة نفوس من اختفوا. مقاعد خشبية بنية قليلة لا تتسع لأكثر من عشرة من المصلين. وخلف الغرفة مقابر قديمة ومهملة.

ما تبقى من آبارها (صفحة وي لاف جبيل ديستريكت على الفيسبوك)

نكمل تجوالنا في القرية، كنا نظن أننا سنعثر على بعض حاجيات الأهالي التي شاهدناها في الصور، لكن يبدو أن ثمة من أخذها مؤخراً. أخبرنا فيما بعد، أن أدوات كثيرة كان يستخدمها أهالي بجرّين بقيت مرمية أمام البيوت وداخلها حتى عام 2014، ومن ثَمّ تعرضت للنّهب ولم يتمكن أحد من حمايتها. يمكنك أن ترى بقايا لأوانٍ فخارية مكسرة ومدافن عتيقة لموتى لم يعد هناك من يتذكرهم. البيوت التي تراصت متناثرة، بعضها هُدمت حيطانها، لكنها جميعها تقريباً هبطت أسقفها. مائة سنة كفيلة بأن تُذيب الحجر. لم يعد من نوافذ ولا أبواب للمنازل. تلحظ بوضوح أن هناك بيوتاً متسعة وأخرى مكونة من غرفة أو غرفتين، لا أكثر. لا تخلو القرية من الآبار المحفورة التي جفّت بفعل الزمن، وخزانات مياه استخدمت لتجميع أمطار الشتاء واستخدامها في الصيف. أنت على تلة حين تزور ما تبقى من بجرّين، تنبسط أمامك السهول التي كانت ذات يوم مصدر رزق مزارعي القرية، ومن بعيد باتجاه الساحل يلوح لك البحر بأزرقه.

مشهد منازل بجرّين الخاوية، تقشعر له الأبدان. أشجار الخروب لا تزال شاهدة على الأيدي التي زرعتها. ماذا دار في رؤوس الساكنين وهم يحزمون أغراضهم للرحيل. هل كانوا ينوون العودة كما يقال، أم أنهم كانوا يعرفون أنه الخروج الأخير. وكيف يمكن لعشرات أو مئات الناس، من قرية واحدة، أن يختفوا دفعة واحدة ولا يجدوا من يخبر عنهم.

هي قرية لبنانية بكامل ملامحها رغم مرور قرن على هجرانها. بعض منازلها تحولت إلى أكوام من حجارة، حفرها الأهالي من الصخر بسواعدهم ليشيّدوا مساكنهم، فيما لا يزال أهالي القرى المجاورة حين يمرون قربها يسمعون أصواتاً يظنون أنها استغاثات أرواح أهلها الغائبين.

يقدر عدد سكان بـجرّين عام الرحيل بـ200 شخص، كانوا يزرعون التوت ويربون دود القزّ، وينسجون الحرير، ويكدّون للعيش بسلام. لكن الحرب كانت أقوى منهم، اقتلعتهم من أرضهم التي عاشوا فيها مئات السنين، وصاروا درساً يحتاجه كل من تسول له نفسه تغليب العنف والشر، على المحبة بين الأخوة في الوطن الواحد.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تفتتح مرحلة جديدة من التصعيد في جنوب لبنان

المشرق العربي لبنانيون يفرون بعد غارة إسرائيلية على بلدة قناريت في الجنوب الأربعاء (أ.ب)

إسرائيل تفتتح مرحلة جديدة من التصعيد في جنوب لبنان

كثفت إسرائيل في الأسبوعين الأخيرين وتيرة استهدافاتها لمناطق شمال الليطاني في جنوب لبنان، حيث باتت تنفذ غارات بمعدل مرتين على الأقل في الأسبوع.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي قائد الجيش اللبناني يتوسط سفراء الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا خلال الاجتماع (مديرية التوجيه)

الجيش اللبناني يؤكد التزامه حماية الحدود مع سوريا

أكد الجيش اللبناني التزامه حماية الحدود مع سوريا، مشدداً على أن تحقيق هذا الهدف بفاعلية «يستلزم دعماً عسكرياً نوعياً».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون خلال استقباله الأربعاء رئيس وأعضاء السلك القنصلي (الرئاسة اللبنانية)

تصعيد «حزب الله» يتقدم مع انتقال لبنان إلى حصرية السلاح شمال الليطاني

يبدو واضحاً أن «حزب الله» اتخذ قراره بالتصعيد السياسي، مع انتقال الدولة والجيش اللبناني من مرحلة تثبيت حصرية السلاح جنوب الليطاني إلى شماله.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي البخاري يؤكد حرص السعودية على استقرار لبنان والوقوف إلى جانب الدولة

البخاري يؤكد حرص السعودية على استقرار لبنان والوقوف إلى جانب الدولة

جدّد سفير المملكة العربية السعودية في لبنان وليد البخاري التأكيد على «حرص المملكة على أمن واستقرار لبنان والوقوف إلى جانب الدولة ومؤسساتها»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس جوزيف عون ملتقياً السفير سيمون كرم بعد مشاركته في اجتماع «الميكانيزم» (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

تمسك لبناني بالـ«ميكانيزم» وتفعيلها بغياب البديل

يخشى لبنان أن يكون البديل عن الـ«ميكانيزم» الذهاب نحو المجهول، ما دام أنه لم يتبلغ من الجانب الأميركي بالأسباب التي كانت وراء إرجاء اجتماعها بلا تحديد موعد جديد

محمد شقير (بيروت)

إردوغان باع الكعك وترمب جمع الزجاجات الفارغة... أعمال البدايات

TT

إردوغان باع الكعك وترمب جمع الزجاجات الفارغة... أعمال البدايات

في سنوات المراهقة والشباب قام قادة العالم بأعمال بسيطة وخارجة عن المألوف (وكالات)
في سنوات المراهقة والشباب قام قادة العالم بأعمال بسيطة وخارجة عن المألوف (وكالات)

هؤلاء الذين حكموا وما زالوا يحكمون كبرى البلاد، بدأوا رحلتهم من أسفل السلّم. خذوا مثلاً ناريندرا مودي، رئيس حكومة الهند منذ 2014، والذي انطلق كبائع شاي في محطة قطار. ولد مودي عام 1950 وسط عائلة فقيرة وهو الثالث بين إخوانه الستة. بينما كانت والدته تغسل الصحون في المطاعم للمساعدة في مصاريف المنزل، كان مودي يبيع الشاي في الكشك الخاص بأبيه داخل محطة قطار فادناغار شمالي الهند.

شكّلت هذه البداية المتواضعة جزءاً أساسياً من شعبيته، لا سيما في نظر الشباب الهندي، ودعامةً لوصوله إلى سدّة الحكم لاحقاً؛ إذ تحوّل مودي إلى رمزٍ للشاب الهندي الآتي من عائلة فقيرة، والذي استطاع الوصول إلى أعلى المراتب. وفي تحيةٍ لبداياته المتواضعة، غالباً ما نظّم مودي تجمّعاته الانتخابية ولقاءاته بالناخبين في أكشاك ومقاهي الشاي.

طفلاً عمل ناريندرا مودي في كشك لبيع الشاي في محطة القطار (رويترز)

إردوغان... بائع الليموناضة والكعك

في الآونة ذاتها أي في مطلع الستينات من القرن الماضي، إنما على المقلب الآخر من قارة آسيا، كان مراهقٌ يُدعى رجب طيب إردوغان يبيع الليموناضة، والبطّيخ، والكعك في شوارع إسطنبول. في الـ13 من عمره، حمل مَن سيصبح لاحقاً رئيس تركيا وأحد أبرز القادة العالميين، حقيبة المدرسة على ظهره، وأكواب الليموناضة في يديه.

هكذا أمضى إردوغان سنوات الطفولة والمراهقة، ما بين مقاعد «مدرسة الإمام الخطيب» وتأمين مصروفه اليوميّ، بما أنّ وضع العائلة المادي لم يكن يسمح بدعمه. أما خلال دراسته الجامعية، فهو استبدل بالفواكه والعصير والكعك، الطابة، محاولاً احتراف كرة القدَم، إلى أن حطّت به الرحال لاحقاً على كرسيّ الرئاسة التركية.

ترمب باع العبوات الفارغة

لم يأتِ دونالد ترمب من عائلة فقيرة، فوالدُه كان اسماً معروفاً في قطاع العقارات والبناء في نيويورك. إلا أنّ الرجل، ورغم وضعه المادي الميسور، أراد أن يعلّم أبناءه العصاميّة منذ الصغر.

في حوار أجراه مع مجلة «فوربس» عام 2006، تحدّث دونالد ترمب عن مدخوله الأول قائلاً إنه كان يرافق وأخوه والدَيهما إلى مواقع البناء، حيث كانا يجمعان زجاجات المشروبات الغازية الفارغة ويُعيدانها إلى المحال التجارية مقابل بعض النقود. كانت تلك الإشارة الأولى إلى حسّه التجاريّ. أما الوظيفة الثانية التي أوكلها والده إليه، فكانت التجوال على المستأجرين في مبانيه وجمع الإيجارات منهم.

دونالد ترمب مع والده في حفل تخرّجه عام 1968 (فيسبوك)

أوباما عبّأ البوظة

إذا كان على دونالد ترمب أن يغمس يدَيه في التراب للحصول على نقوده الأولى، فإنّ الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، قد غمس يدَيه في البوظة خلال وظيفته الأولى. في سن الـ16 وعندما كان يقضي عطلة الصيف في منزل جدّيه لأمّه في هونولولو – هاواي، عمل أوباما في متجر لبيع المثلّجات.

في منشور على منصة «لينكد إن» عام 2016، كتب أوباما: إنّ غَرفَ الآيس كريم أصعب مما يبدو عليه. فالكميات المتكدسة من المثلجات الصلبة كالصخر قد تكون قاسية على الرسغَين». وأضاف أنه بوظيفته الأولى تلك، كان يمرّن يدَيه لرياضة كرة السلة. أما على المستوى الشخصي، فقد اكتسب حسّ المسؤولية والجدّيّة والموازنة بين العمل والدراسة والعائلة والأصدقاء.

مراهقاً عمل باراك أوباما في تعبئة المثلّجات في هاواي (رويترز)

مادورو سائق حافلة ركّاب

قبل أن يطيح به ترمب، كان يعدّد نيكولاس مادورو أسباباً كثيرة للاعتداد بالنفس، من بينها بداياته المتواضعة. فالرئيس الفنزويلي المخلوع خرج من الشارع، حيث كان سائق حافلة لنقل الركّاب خلال سنوات عدّة في شركة «مترو كاراكاس». مادورو المولود في عائلة تنتمي إلى الطبقة العاملة، ترك المدرسة قبل التخرّج وبدأ بقيادة الباصات. كما عمل في تلك الفترة مرافقاً شخصياً لأحد المرشّحين إلى رئاسة فنزويلا عام 1983.

بدأ نيكولاس مادورو مسيرته كسائق حافلة في شوارع كاراكاس (رويترز)

ميدفيديف نظّف الشوارع

يذكره العالم في منصب رئيس حكومة روسيا السابق، لكن لا يعرف كثيرون أن ديمتري ميدفيديف أمضى سنوات دراسته الجامعية متنقّلاً بين الورش والشوارع. في الأولى كان يعمل في البناء، أما في الثانية فكان عامل تنظيفات.

في حوار مع مجلة «إيتوجي» الروسية، استعاد ميدفيديف تلك الحقبة، موضحاً أنه كان يسدّد مصاريف الدراسة الجامعية بالعمل في البناء وفي تنظيف الشوارع. في تلك الآونة كان يقيم في شقة والدَيه الصغيرة في إحدى ضواحي سان بطرسبرغ، وهو كان يحلم حينذاك بشراء أسطوانات فرقة «ديب بربل» وسروال جينز «ليفايس»، وهي سِلَعٌ كانت تُباع وقتَها في السوق السوداء حصراً.

عمل ديمتري ميدفيديف في البناء والتنظيف خلال شبابه (موقع الكرملين)

ترودو المتعدّد المهن

تنقّل جاستن ترودو بين وظائف كثيرة قبل أن يستقرّ في السياسة ويتولّى رئاسة حكومة كندا ما بين 2015 و2025. عمل لفترة وجيزة حارساً لملهى ليليّ، ثم تفرّغ للتدريب على القفز في الهواء (bungee jumping)، ولتعليم التزلّج بالألواح (snowboarding)، لينتقل لاحقاً إلى مهنة التدريس، حيث علّم اللغتين الإنجليزية والفرنسية، والعلوم الاجتماعية، والرياضيات، والمسرح. وقبل أن يسير على خطى والده ويتفرّغ للسياسة، جرّب ترودو حظّه في التمثيل فقدّم دوراً رئيسياً في مسلسل تلفزيوني عن تاريخ كندا.

من بين المهن التي احترفها جاستن ترودو التدريب على التزلّج (إكس)

بوريس جونسون... صحافي مثير للجدل

من الصحافة أتى بوريس جونسون وإليها عاد. فبعد استقالته من رئاسة الحكومة البريطانية عام 2023، استرجع قبّعته الصحافية وانضمّ إلى فريق صحيفة «ديلي ميل».

بدأ جونسون مسيرته الصحافية عام 1987 كمراسل متدرّج في صحيفة «ذا تايمز» البريطانية، لكنه سرعان ما طُرد بسبب اختراعه اقتباساً لا يمتّ للحقيقة بصِلة. انتقل لاحقاً إلى «ديلي تلغراف»، حيث تولّى متابعة الشؤون الأوروبية مندوباً للصحيفة في بروكسل. أسهم كذلك في «ذا سبكتايتور» و«جي كيو ماغازين» من خلال مقالات سياسية. وقد ارتبط أسلوبه الصحافي المثير للجدل بكثيرٍ من الفضائح المهنية.

جونسون صحافي قبل رئاسة الحكومة البريطانية وبعدها (أ.ف.ب)

زيلينسكي... الخشبة قبل الجبهة

قبل سنوات على بداية العداء بين بلده وروسيا، كان فولوديمير زيلينسكي الشخصية الأوكرانية الأحبّ إلى قلوب الروس، فهو كان نجماً كوميدياً على التلفزيون الروسي.

خلف مواهبه الفنية، لطالما خبّأ الرئيس الأوكراني طموحاً للسلطة. لكن في حساب السنوات، فإنّ الجزء الأكبر من عمره أمضاه بين خشبة المسرح واستوديوهات التلفزيون. انطلقت رحلة زيلينسكي مع التمثيل في سن الـ17، وهو احترف الكتابة والإخراج والرقص كذلك. أسّس فرقة جالت على دول الاتحاد السوفياتي في التسعينات، واستقرت لسنوات في العاصمة الروسية موسكو. ومع اعتزاله الفن عام 2018 من أجل الترشّح للرئاسة، أشار استطلاع أُجري آنذاك إلى أن أكثر من 85 في المائة من الأوكرانيين يعرفونه من خلال الشاشة والمسرح.

احترف زيلينسكي التمثيل وامتهنه قبل تولي رئاسة أوكرانيا (رويترز)

العميل السرّي بوتين

أما غريمه في السياسة فلاديمير بوتين، فكانت مهنته الأولى أشدّ خطورةً من التمثيل. فور حصوله على شهادة الحقوق، انضمّ بوتين إلى صفوف «كي جي بي» (جهاز الاستخبارات الروسية) في سن الـ23. عام 1985، وبعد سنوات أمضاها في تنفيذ المهام المحلية، أوكلت إليه مهمة خارجية دقيقة انتقل بموجبها إلى درسدن في ألمانيا، حيث تولّى جمع المعلومات بالتنسيق مع الشرطة السرية في ألمانيا الشرقية.

عام 1990 وعشيّة انهيار الاتحاد السوفياتي، تقاعد بوتين من «كي جي بي» برتبة عقيد وعاد إلى سان بطرسبرغ لدخول معترك السياسة.


«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
TT

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)

أطلق برنامج «الرياض آرت» بالشراكة مع المعهد الفرنسي في السعودية، مساء الأربعاء، «لا فابريك - المصنع»، وهي مساحة جديدة مخصّصة للإبداع الفني والتبادل الثقافي، وذلك في حي جاكس، ضمن إطار الشراكة الثقافية الممتدة بين البلدين، وتستمر حتى 14 فبراير (شباط) المقبل.

ويأتي إطلاق «لا فابريك - المصنع» بوصفها منصة إبداعية مفتوحة صُممت لتكون مختبراً حياً يتيح للفنانين تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية تجمع ممارسات فنية معاصرة متعددة، تشمل فنون الأداء، والفنون الرقمية والتفاعلية، والتصوير الفوتوغرافي، والموسيقى، والسينما، وأخرى تفاعلية.

يُمكِّن المختبر الفنانين من تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية (واس)

وتتيح المساحة للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية أثناء تشكّلها، والاطلاع على مسارات إنتاج الأعمال الفنية وتطوّرها عبر الزمن، بما يُعزّز حضور الفن في الفضاء العام، ويقرّبه من المجتمع.

من جهته، أكد باتريك ميزوناف، السفير الفرنسي لدى السعودية، أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي بين البلدين، مشيراً إلى أن جمع الفنانين في فضاء إبداعي مشترك يفتح المجال لتبادل الخبرات وتلاقي الأفكار، وصناعة تعبيرات فنية معاصرة تعكس عمق الشراكة الثقافية، وتؤكد دور الفن بوصفه جسراً للتواصل وبناء الفهم المتبادل بين المجتمعات.

أكد السفير الفرنسي أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي (واس)

بدوره، أوضح عمر البريك، مدير أول إدارة الفن العام في البرنامج التابع لـ«الهيئة الملكية لمدينة الرياض»، أن إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزامهم بدعم الممارسات الفنية المعاصرة، وتوسيع نطاق الوصول إلى مسارات التطوير الإبداعي، مبيناً أنه يوفّر منصة تعزّز العمل التشاركي، وتسهم في دعم المنظومة الثقافية بالعاصمة السعودية ومشهدها الإبداعي المتنامي.

إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزام البرنامج بدعم الممارسات الفنية المعاصرة (واس)

وتعد «لا فابريك - المصنع» منصة طويلة المدى تجمع الفنانين والمؤسسات والاستوديوهات الإبداعية من السعودية وفرنسا، عبر مشاريع فنية مشتركة وحوارات إبداعية تشمل الفنون البصرية، والصورة المتحركة، والإبداع الرقمي، بما يسهم في دعم تحوّل مدينة الرياض إلى وجهة ثقافية دولية، ويتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، ويعزّز الروابط الثقافية بين البلدين.


«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
TT

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين شهدت بلاد الشرق توافداً من الفنانين الغربيين الذي تجولوا في المشرق العربي حاملين معهم أدواتهم لتسجيل تفاصيل ذلك العالم الجديد والمختلف بالنسبة إليهم، أخذوا من تلك التفاصيل وملامح الحياة في المدن وفي الصحراء مواد غنية للوحاتهم التي سمحت للشخص في الغرب برؤية ذلك العالم الغامض بالنسبة إليه. غير أن كثيراً من تلك اللوحات لجأت إلى الخيال في تفاصيل كثيرة، خصوصًا فيما يتعلق بعالم النساء، أو الحريم، كما ظهر في لوحات الفنانين العالميين وقتها.

تنتمي أعمال الفنان التركي عثمان حمدي بك إلى اللون الاستشراقي ولكن كانت لديه ميزة عن غيره من الفنانين الاستشراقيين وهي أنه كان يرسم تفاصيل عالمه الشرقي ولكن بالأسلوب الغربي الذي درسه في فرنسا واستلهمه من أهم الفنانين الاستشراقيين في بدايات القرن العشرين. تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله. وحمَّل لوحاته بالكثير من التفاصيل الجمالية للقصور والمساجد وأيضاً النساء، ولكن بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين. وكان حمدي بك من أوائل الفنانين العثمانيين الذين ربطوا بين عالمي الفن في تركيا وفرنسا، وقد عكست أعماله، في جوانب عديدة، المواضيع الاستشراقية التي لاقت رواجاً كبيراً في أوروبا آنذاك.

لوحة «عند باب المسجد» للفنان عثمان حمدي بك (بونامز)

عُرضت لوحات حمدي بك في أهم المتاحف، وحققت أرقاماً عالية في المزادات العالمية مثل لوحة «فتاة تقرأ القرآن» التي باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني، واليوم تطرح الدار لوحة أخرى لحمدي بك تقدِّر لها سعراً مبدئياً يتراوح ما بين 2 و3 ملايين جنيه، معتمدةً على جاذبية لوحات الفنان التركي الشهير لهواة الاقتناء.

اللوحة التي تعرضها الدار في 25 من مارس (آذار) المقبل ضمن مزادها للوحات القرن التاسع عشر والفن الانطباعي البريطاني، تحمل عنوان «عند باب المسجد»، وتصور مشهداً لباب أحد المساجد بمدينة بورصة بتركيا. تعرض اللوحة تفاصيل المشهد أمامنا بدقة وبألوان دافئة، مما يمنح اللوحة عموماً إحساساً بالهدوء يزيده وجود الحَمَام في أكثر من مكان في اللوحة؛ فهناك حمامات تلتقط بعض البذور من الأرض، وهناك عدد آخر منها يجلس على عارضة معدنية أعلى باب المسجد. ولكن المشهد أمامنا يبدو غنياً بالحياة والتفاعل بين الشخصيات أمامنا. في المشهد وعلى عتبات مدخل المسجد نرى عدداً من الأشخاص، كل منهم له شخصية مميزة؛ فهناك رجل يشمِّر عن ذراعيه استعداداً للوضوء، وخلفه شخص آخر يبيع بعض الكتب، وشخص إلى جانبه يجلس في تأمل... لا يغيب عن نظرنا شخصان إلى يسار اللوحة أحدهما يرتدي جلباباً أصفر اللون وعمامة جلس إلى جانبه متسول يمد يده وعلى وجهه تعبيرات التوسل. إضاءة لطيفة: يبدو أن الفنان قد رسم نفسه في ثلاث شخصيات هنا؛ فهو الرجل ذو الجلباب الأصفر، والرجل في يمين اللوحة الذي يتهيأ للوضوء، وهو أيضاً المتسول.

النساء في اللوحة أيضاً ظاهرات؛ نرى سيدة ترتدي رداءً ورديَّ اللون وهي تحمل مظلة بيضاء، لا نرى وجهها ولكنها فيما يبدو تنظر إلى كلب وقف يستجدي بعض الطعام من شخص جالس. تتلون أزياء النساء بألوان رائقة ومريحة للعين، فنرى سيدة ترتدي زياً باللون السماويّ، وأخرى باللون البرتقاليّ، وسيدة ترتدي زياً أبيض اللون بينما تحمل مظلة حريرية باللون الأخضر الفاتح. ما يميز المشهد هنا هو الحركة، تقع العين على سيدة تنظر إلى أخرى وهي مبتسمة كأنها تستكمل حديثاً بدأته منذ قليل، تقابلها سيدتان واقفتان أعلى الدرج؛ إحداهما تنظر أمامها بينما الأخرى تنظر إلى طفلة وطفل جالسين على الدَّرَج وعلى وجهها ابتسامة. تبدو الفتاة الصغيرة كأنها تنظر إلى المشاهد وتضع يداها على خصرها فيما يضحك الطفل إلى جانبها. التفاصيل كثيرة جداً هنا، ويتميز فيها أيضاً الاهتمام بتفاصيل البناء والزخارف على أعلى المدخل والستارة المطوية لتسمح للناس بدخول المسجد. تأخذ اللوحة عين الناظر لملاحظة نافذة مزخرفة أعلى البناء وقد تدلَّت منها سجادة مزخرفة بألوان جميلة.

حسب الدار؛ فاللوحة تُعرض في المزاد للمرة الأولى وتتمتع بسجل ملكية موثق ومتميز، إذ اقتُنيت مباشرةً من الفنان بعد أربع سنوات من إنجازها، حسب تصريح تشارلز أوبراين، مدير قسم لوحات القرن التاسع عشر في «بونامز» الذي يضيف أن اللوحة تُعد «مثالاً رائعاً على أعمال عثمان حمدي بك، أحد أبرز الشخصيات في المشهد الثقافي العثماني في مطلع القرن العشرين. إنها لوحة رائعة بكل المقاييس، من حيث الحجم والتفاصيل، وبوصفها من أوائل لوحاته ذات الأبعاد الضخمة، فهي تُعدّ مثالاً مثالياً على دمج مشهد شارع معاصر مع بعض السمات المعمارية لمسجد عثماني من القرن الخامس عشر."