الرئيس الفرنسي يدافع عن سياسة بلاده في منطقة الساحل

التزم خطاً متشدداً حيال النيجر وأكد أن لا تجاوب مع «سلطة انقلابية غير شرعية»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث أمام سفراء بلاده في قصر الإليزيه اليوم الاثنين (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث أمام سفراء بلاده في قصر الإليزيه اليوم الاثنين (رويترز)
TT

الرئيس الفرنسي يدافع عن سياسة بلاده في منطقة الساحل

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث أمام سفراء بلاده في قصر الإليزيه اليوم الاثنين (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث أمام سفراء بلاده في قصر الإليزيه اليوم الاثنين (رويترز)

خلال خطابه الذي استغرق قرابة ساعتين، بمناسبة افتتاح المؤتمر السنوي لسفراء فرنسا عبر العالم، لم تظهر معالم الغضب على الرئيس إيمانويل ماكرون إلا عندما تناول ملف النيجر. عندها ترك النص المكتوب واسترسل في شرح سياسة بلاده، ليؤكد صواب الأسس التي قامت عليها وصواب الاستمرار بها، وللرد على كل الانتقادات التي وجهت لها، بما في ذلك من داخل فرنسا.

وفيما تزداد التوترات بين باريس ونيامي؛ إن بسبب سحب اعتماد السفير الفرنسي وطلب مغادرته في مهلة لا تزيد على 48 ساعة انتهت أمس الأحد، أو بسبب قرب انتهاء المهلة المعطاة لباريس (3 سبتمبر / أيلول) لسحب قوتها العسكرية المرابطة في النيجر، بعد أن عمدت سلطة الأمر الواقع الجديدة إلى نقض الاتفاقات الأمنية والدفاعية المبرمة مع فرنسا، جاء كلام ماكرون حازماً وحاسماً لجهة التشدد في التعامل مع المجلس العسكري، وتأكيد أن باريس لن تعترف بشرعيته وأنها ترفض كل طلباته.

ولم يتردد ماكرون في انتقاد الدول التي تدعو إلى التهدئة واتباع خط آخر إزاء الانقلابيين، بما في ذلك الولايات المتحدة التي تدعو إلى حل سياسي ترى فيه الطريق الوحيدة للتعامل مع أزمة النيجر والعودة إلى الانتظام الدستوري. والرسالة التي أراد ماكرون إيصالها إلى من يهمهم الأمر في فرنسا والنيجر، والآخرين، يمكن تلخيصها في 3 عناصر: لا لاستدعاء السفير الفرنسي تحت الضغط، ولا للاعتراف بشرعية الانقلابيين وبكل ما يصدر عنهم، والاستمرار في دعم جهود «إيكواس» الدبلوماسية والعمل العسكري عندما تقرره وعلى أساس «تشاركي».

وبكلام أوضح في ما خص العنصر الأخير، يُفهم من كلام ماكرون أن باريس جاهزة لدعم التدخل العسكري الذي تحضّر له «إيكواس»، إذا فشلت الجهود الدبلوماسية والسياسية، ولكن باريس لن تتدخل أحادياً بل على أساس «تشاركي»، أي إلى جانب القوات الأفريقية.

رجلا شرطة أمام السفارة الفرنسية في نيامي اليوم الاثنين (أ.ف.ب)

بيد أن دفاع ماكرون عن سياسة بلاده والرد على الانتقادات الموجهة إليها في الداخل والخارج، ودفاعه الأقوى تركز على الرئيس المخلوع محمد بازوم الذي كال له المديح والثناء. وقال: «بازوم رئيس انتخب ديمقراطياً وهو يتحدر من أقلية إثنية وعمد إلى القيام بإصلاحات شجاعة في كل الميادين وكان نشطاً في كل المحافل الدولية، وهو رهينة انقلابيين منذ شهر». وأضاف: «لدينا رجل عصامي وشجاع لأنه يرفض الاستقالة رغم المخاطر المحدقة به وبعائلته»، متسائلاً عما إذا كانت السياسة الجيدة هي التخلي عن رئيس مثله، ورد على التساؤل بتأكيد أن «سياستنا هي السياسة الصحيحة وهي مبنية على شجاعة الرئيس بازوم، وعلى التزامات سفيرنا الذي سيبقى هناك رغم كل الضغوط، ورغم كل التصريحات الصادرة عن سلطات غير شرعية».

ورداً على اتهامات وادعاءات الانقلابيين التي ترى في فرنسا «عدو النيجر»، أكد ماكرون أن مشكلة النيجر الحقيقية هي مشكلة «انقلابيين يعرّضون مواطنيهم للمخاطر لأنهم يتخلون عن محاربة الإرهاب، ولأنهم بصدد التخلي عن سياسة كانت جيدة بالنسبة إليهم على الصعيد الاقتصادي، ما سيفضي إلى خسارة كل مصادر التمويل الدولي التي كانت ستتيح لهم الخروج من حالة الفقر. هذه هي الحقيقة». وخلص ماكرون قائلاً: «علينا الاستمرار بخطنا المتشدد والواضح والرافض الاعتراف بالانقلابيين ودعم رئيس غير مستقيل والوقوف إلى جانبه ودعم الجهود الدبلوماسية ودعم العمل العسكري للمجموعة الاقتصادية عندما تقرر السير به وذلك في إطار تشاركي».

مؤيدون للانقلاب العسكري يرفعون صورة زعيم الانقلابيين الجنرال عبد الرحمن تياني خلال احتجاج أمام قواعد عسكرية فرنسية في نيامي يوم الأحد (أ.ف.ب)

وفي دفاعه عن سياسة بلاده، تساءل ماكرون عما كانت ستؤول إليه صورة منطقة الساحل لو لم تتدخل القوات الفرنسية منذ عام 2013 في مالي، من خلال ما سمي «عملية سيرفال» التي تحوّل اسمها لاحقاً إلى «عملية برخان». وقال الرئيس الفرنسي: «لو لم نتدخل ولو لم نفقد عسكريينا في ساحة القتال بأفريقيا، لو لم تحصل سيرفال وبرخان، لما كنا اليوم نتحدث عن مالي وبوركينا فاسو والنيجر كدول قائمة في حدودها الراهنة».

وحرص على الإشارة إلى أن كل العمليات العسكرية التي قامت بها فرنسا قامت على أساس «شرعي»، إذ جاءت بناء على طلب رسمي من الدول المعنية ذات السيادة أو بطلب من «إيكواس».

ونبه الرئيس الفرنسي دول المنطقة ودعاها إلى اعتماد سياسة «مسؤولة» (أي متشددة)، مؤكداً أنه «إذا تخلت (إيكواس) عن الرئيس بازوم فهذا معناه أن كل رؤساء دول المنطقة سيعون عندها المصير الذي ينتظرهم، لأن الضعف الذي أظهرناه إزاء الانقلابات السابقة غذّى عدوى الانقلابات في منطقة الساحل»، في إشارة إلى 3 انقلابات عسكرية حصلت في غينيا ومالي وبوركينا فاسو، وما زال من قام بها في السلطة.

وحقيقة الأمر أن القارة الأفريقية تحولت إلى «قارة الانقلابات»، إذ إنها عرفت، منذ عام 1950، ما لا يقل عن 108 انقلابات؛ منها 8 في النيجر وحدها، نجح منها 5 وفشل 3. وبدا أن ماكرون يريد تنبيه القادة الأفارقة بدءاً من منطقة الساحل، إلى خطورة غض النظر عن الانقلاب الأخير في نيامي بعدما بدأ القائمون به في تثبيت أقدامهم بالسلطة، وقاموا بتعيين حكومة مدنية برئاسة شخصية تتمتع بالخبرة والاحترام، وأخذوا يتحدثون على استعدادهم لإعادة السلطة إلى المدنيين بعد 3 سنوات. يأتي ذلك في وقت تزداد فيه الأصوات التي ترفض الحل العسكري، وعلى رأسها الولايات المتحدة، فيما الاتحاد الأفريقي منقسم على نفسه، وكذلك المجوعة الاقتصادية، فضلاً عن روسيا والصين وألمانيا وإيطاليا والجزائر وبلدان كثيرة أخرى.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال إلقاء كلمته في قصر الإليزيه اليوم الاثنين (رويترز)

ورغم تمسكه بسياسة فرنسا وبصواب الأسس التي قامت عليها حتى اليوم، فإن ماكرون يرى أنه يتعين عليها أن تتعدل وتتغير. وفيما يشبه الاعتراف بأخطاء حصلت، رأى أن أي عملية عسكرية لمحاربة الإرهاب «لا يتعين أن تستمر طويلاً»، وذلك لعدة أسباب؛ أولها أن «الحضور العسكري الدائم يستغل من قبل أعدائنا في حربهم الإعلامية ضدنا. وثانيها أن طبيعة الأزمة تتغير. وثالثها أن الرد الأساسي على الأزمات يجب أن يكون سياسياً، إذ إن الرد العسكري لا يمكن أن يكون بديلاً عن الحل السياسي، وهذا من واجب الدول نفسها، وفرنسا لا يمكنها أن تحل محل الدول الأفريقية». وخلاصة المراجعة الرئاسية أن حضور فرنسا العسكري (في المستقبل)، يجب أن يكون على أساس «شراكة مطلوبة من الأفارقة أنفسهم» بخصوص كل ميادين التعاون من التدريب والتجهيز والحضور.

وفي أي حال، فإن الخطوة الأولى بالنسبة للرئيس الفرنسي تكمن في التخلي عن التعامل «الأبوي» مع الأفارقة، بل التعامل على قدم المساواة. لكن أمراً كهذا يصعب التوصل إليه بعد ممارسات زادت على 60 عاماً (مرحلة ما بعد استقلال الدول الأفريقية التي كانت سابقاً مستعمرات فرنسية).

وإذا كان خطاب ماكرون واضحاً في تشدده، فإنه يتعين على الحكومة الفرنسية، تحت إشرافه، اتخاذ قرارات قد تكون صعبة في الساعات والأيام القليلة المقبلة إذا زادت الأوضاع سوءاً في العلاقة ما بين باريس ونيامي. وواضح اليوم أن مسألتي طرد السفير سيلفان أيتيه وترحيل القوة الفرنسية ستتفاقمان نظراً للتهييج الدعائي والشعبي من جهة، والرفض الفرنسي القطعي في الاستجابة لطلبات من سلطات غير شرعية من جهة أخرى. ولا شيء يضمن اليوم عدم حصول أحداث دامية قرب السفارة الفرنسية أو في موقع تمركز القوة الفرنسية بالشق العسكري من مطار العاصمة، وعندها يمكن أن تخرج الأمور عن السيطرة بينما كان التسابق قائماً بين الجهود الدبلوماسية التي تقوم بها عدة أطراف، واحتمال اللجوء إلى الخيار العسكري. ويرى بعض المحللين أنه يمكن المراهنة على انشقاقات داخل صفوف الجيش النيجري في حال حصول تدخل عسكري، خصوصاً أن الجيش لم يكن المحفز على الانقلاب، بل التحق بالانقلابيين من أجل «تجنب حرب أهلية».


مقالات ذات صلة

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …

أفريقيا رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

النيجر نحو تنظيم «مؤتمر وطني» بشأن ميثاق انتقالي

أعلنت وزارة الداخلية في النيجر أن النظام العسكري الحاكم سينظّم «مؤتمراً وطنياً» من 15 حتى 19 فبراير (شباط)، يهدف خصوصاً لتحديد مدة للفترة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
الولايات المتحدة​ قاعدة أغاديز (أرشيفية - أ.ب)

الجيش الأميركي أنهى سحب قواته من آخر قاعدة في النيجر

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، إنهاء سحب كل قواته من قاعدته الأخيرة في النيجر؛ تلبية لمطلب قادة الانقلاب العسكري في الدولة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

نيجيريا: نشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»

عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
TT

نيجيريا: نشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»

عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)

أعلن رئيس نيجيريا بولا أحمد تينيبو، مساء الخميس، أنه أمر بنشر كتيبة من الجيش في ولاية كوارا، غرب البلاد على الحدود مع دولة بنين، وذلك بعد هجوم إرهابي عنيف أودى بحياة أكثر من 75 شخصاً، حسب حصيلة رسمية، في حين تشير مصادر محلية إلى أن الحصيلة قد تتجاوز 170 قتيلاً.

وبحسب وسائل إعلام محلية، فإن مجموعة من مقاتلي «بوكو حرام»، بقيادة شخص يُدعى مالام صديقي، اجتاحوا قرية وورو في وقت متأخر من ليل الثلاثاء/ الأربعاء، وسيطروا عليها لعدة ساعات، وارتكبوا مجازر بحق السكان، قبل أن ينسحبوا نحو الغابات القريبة.

ويوصف الهجوم بأنه الأكثر دموية في نيجيريا منذ بداية العام (2026)، ويأتي في وقت تحاول نيجيريا رفع نسق الحرب على الإرهاب في شمال البلاد، وذلك بدعم وضغط داخلي وخارجي، وخاصة من طرف الولايات المتحدة.

قوات نيجيرية في ولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي على القرية المسلمة (أ.ف.ب)

تحرك الجيش

وقال الرئيس تينيبو في تغريدة على حسابه بمنصة «إكس»، مساء الخميس، إنه استقبل في القصر الرئاسي حاكم ولاية كوارا، عبد الرحمن عبد الرزاق، من أجل الاطلاع على تفاصيل الهجوم الإرهابي الأخير، مشيراً إلى أن سكان القرية «استُهدفوا بسبب رفضهم آيديولوجيا المتطرفين».

وقال تينيبو: «أدين بأشد العبارات هذا الهجوم الجبان والوحشي». وأضاف: «إن المسلحين بلا رحمة؛ لأنهم يختارون أهدافاً رخوة في حملتهم الإرهابية الفاشلة. أفعالهم تُهين إنسانيتنا وإيماننا وقيمنا المشتركة كأمة».

وقالت صحيفة «بريميوم تايمز» النيجيرية، إن الرئيس تينيبو أمر بنشر كتيبة من الجيش في الولاية التي وقع فيها الهجوم، وقال إن الكتيبة «ستقود عملية (درع السافانا) للقضاء على هؤلاء الإرهابيين المتوحشين وحماية السكان العزل».

نقل جثث ضحايا الهجوم الإرهابي (رويترز)

وأضاف الرئيس: «من الجدير الإشادة بأفراد المجتمع المسلمين؛ لأنهم رفضوا الانخراط قسراً في معتقد شاذ يروّج للعنف على حساب السلام والحوار». وأكد: «لن تسلّم نيجيريا شعبها أبداً للتطرف والإرهاب المتخفيين تحت ستار الدين». وخلص الرئيس إلى أنه أصدر تعليمات بتعزيز التنسيق بين الوكالات الاتحادية ووكالات الولاية لتقديم الدعم الفوري وإغاثة المتضررين من الهجوم الإرهابي، وأضاف أن الإرهابيين «سيطارَدون حتى آخر واحد منهم، ولن يفلتوا من العقاب».

غياب الأمن

بيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)

ورغم تطمينات الرئيس فإن السكان المحليين يشتكون غياب الجيش عن المنطقة. وقال صالحُ عمر، وهو عمدة قرية وورو التي تعرضت للهجوم، إن الهجوم استمر لعدة ساعات من دون أي تدخل أمني، وأضاف العمدة في تصريحات صحافية أن اثنين من أبنائه قُتلا في الهجوم، في حين اختُطفت زوجته وبناته الثلاث.

وقال العمدة في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قتلوا اثنين من أبنائي أمام منزلي وخطفوا زوجتي الثانية وثلاثاً من بناتنا»، وأضاف الرجل البالغ من العمر 53 عاماً، وهو يمسك بسبحته: «في حدود الساعة الخامسة مساءً (الثلاثاء)، وصل المجرمون وبدأوا إطلاق النار. كانوا يبحثون عني، لكنهم لم يجدوني في المنزل؛ لأنني كنت خارجه. اختبأت في بيت آخر وسمعت صوت الرصاص».

وتابع عمدة وورو، وهي بلدة ريفية صغيرة ذات أغلبية مسلمة تقع على حدود ولاية النيجر قرب غابات يُعتقد أنها تؤوي إرهابيين وعصابات مسلحة: «أُحرِقَ أشخاص أحياء داخل منازلهم»، وخلص إلى القول: «مع بزوغ الفجر، كانت الجثث في كل مكان».

دفن جثث ضحايا الهجوم الإرهابي المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (رويترز)

أرض محروقة

لم تعد قرية وورو، التي كانت تضم بضعة آلاف من السكان، سوى ظلٍّ لما كانت عليه؛ فقد هجرها جميع سكانها، ولم يبقَ فيها سوى عدد قليل من الرجال الذين يواصلون البحث ودفن القتلى. وعلى جانبَي الشارع الرئيسي تنتشر دكاكين ومنازل مدمّرة ومحترقة.

ويقول محمد عبد الكريم، وهو متقاعد يبلغ 60 عاماً فقد 12 فرداً من عائلته في الهجوم الذي انتهى فجر الأربعاء: «كنت على جانب الطريق حين رأيت دراجة نارية عليها ثلاثة رجال يرتدون زياً عسكرياً ويحملون بنادق (كلاشنيكوف)... كانوا قطّاع طرق لا جنوداً، وبعد ثلاث ثوانٍ سمعت إطلاق النار».

أوبا ساني حاكم ولاية كادونا يصافح رعايا كنيسة اختُطفوا سابقاً من قِبل مجموعات مسلحة بعد عودتهم (أ.ب)

ويصف الرجل، الذي خُطف ابنه البالغ عامين ونصف العام على يد المهاجمين، ما جرى قائلاً: «كانوا يمسكون بالناس، يربطون أيديهم خلف ظهورهم، ثم يطلقون النار على رؤوسهم»، ويضيف: «بين أمس واليوم، دفنّا 178 جثة».

وبحسب أرقام نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية» عن «الصليب الأحمر»، الأربعاء، فقد جرى إحصاء ما لا يقل عن 162 جثة، في حين أعلن حاكم ولاية كوارا حصيلة قدرها 75 قتيلاً، كما أفاد عبدول إبراهيم، وهو ممرض متقاعد من سكان وورو، بأن عدد القتلى «يزيد على 165». ووفقاً لسعيدو بابا أحمد، عضو الجمعية المحلية، فإن «38 شخصاً، معظمهم من النساء والأطفال، اختطفهم القتلة».

الطاقم الأميركي في مجموعة العمل المشتركة بين نيجيريا والولايات المتحدة (رويترز)

رفض التطرف

وفي تصريحات نقلتها صحف محلية، قال صالحُ عمر، عمدة القرية: «أرسلوا لنا رسالة يُبلّغوننا فيها بأنهم سيأتون لإلقاء موعظة» في القرية، لكن «المجتمع غير مستعد لقبول آيديولوجيتهم»، مشيراً إلى أنه كعمدة أبلغ أجهزة الأمن المحلية فور تلقي الرسالة. وأضاف العمدة: «أعتقد أن هذا ما أغضبهم ودفعهم للقدوم وقتل الناس».

ويزداد الوضع الأمني صعوبة في نيجيريا، خاصة في ظل وجود تنظيم «داعش في غرب أفريقيا»، وجماعة «بوكو حرام»، ودخول جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لتنظيم «القاعدة» على الخط؛ إذ شنت الجماعة هجوماً في نفس المنطقة في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، إيذاناً ببداية نشاطها الإرهابي في نيجيريا.

تجمُّع سكان بالقرب من موقع تفجير استهدف مسجداً في سوق غامبورو بمدينة مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

ومع تصاعد العنف، أصبحت الجماعات الإرهابية في نيجيريا مصدر قلق للولايات المتحدة بعدما قال الرئيس دونالد ترمب إن مسيحيي نيجيريا «يتعرضون للاضطهاد»، وإنهم ضحايا «إبادة جماعية» ينفذها «إرهابيون». غير أن أبوجا ومعظم الخبراء نفوا هذه المزاعم بشدة، مؤكدين أن العنف يطال المسيحيين والمسلمين على حد سواء في البلاد.

وخلال الأسابيع الأخيرة، قرر البلدان تعزيز تعاونهما العسكري عقب ضغوط دبلوماسية مارستها واشنطن على أبوجا بشأن أعمال العنف التي ترتكبها جماعات إرهابية وغيرها من الجماعات المسلحة.


«أطباء بلا حدود» تؤكد تعرض مستشفى تابع لها في جنوب السودان لـ«غارة حكومية»

أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
TT

«أطباء بلا حدود» تؤكد تعرض مستشفى تابع لها في جنوب السودان لـ«غارة حكومية»

أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)

أعلنت منظمة أطباء بلا حدود، الأربعاء، أن مستشفاها في لانكين بجنوب السودان تعرض لغارة جوية حكومية خلال الليل، بعد نهب منشأة صحية أخرى تابعة لها.

وقالت المنظمة الخيرية الطبية إن المستشفى الواقع في ولاية جونقلي «تعرض لغارة جوية شنتها قوات حكومة جنوب السودان ليل الثلاثاء».

أضافت في بيان إنه تم «إخلاء المستشفى وإجلاء المرضى قبل ساعات من الهجوم» بعد تلقيها معلومات عن ضربة محتملة ضد المدينة، مشيرة إلى إصابة أحد موظفي المنظمة بجروح طفيفة.

وتابع البيان «تم تدمير المستودع الرئيسي للمستشفى خلال الهجوم، وفقدنا معظم إمداداتنا الحيوية لتقديم الرعاية الطبية».

وفي حادث منفصل، أفادت منظمة أطباء بلا حدود بأن منشأة صحية تابعة لها في بلدة بييري في جونقلي أيضا، تعرضت للنهب الثلاثاء على يد مهاجمين مجهولين، ما يجعلها «غير صالحة للاستخدام للمجتمع المحلي».

وأضافت المنظمة «اضطر زملاؤنا من لانكين وبييري إلى الفرار مع السكان المحليين، ولا يزال مصيرهم ومكان وجودهم مجهولا، ونحن نحاول الاتصال بهم».

وشدد غول بادشاه، مدير عمليات منظمة أطباء بلا حدود في جنوب السودان، على أن المؤسسة الخيرية «شاركت إحداثيات نظام تحديد المواقع لجميع منشآتنا مع الحكومة وأطراف النزاع الأخرى من قبل، وتلقينا تأكيدا بأنهم على علم بمواقعنا».

وأضاف أن «القوات المسلحة لحكومة جنوب السودان هي الطرف المسلح الوحيد الذي يملك القدرة على تنفيذ هجمات جوية في البلاد».

وأوضحت منظمة أطباء بلا حدود أنها المزود الصحي الوحيد الذي يخدم نحو 250 ألف شخص في لانكين وبييري، محذرة من أن الهجمات على منشآتها هناك «تعني أن المجتمعات المحلية ستترك من دون أي رعاية صحية».

ويعاني جنوب السودان، الدولة الأحدث عهدا في العالم، من حرب أهلية وفقر وفساد مستشر منذ نيله الاستقلال في عام 2011.

وأحصت منظمة أطباء بلا حدود تعرضها لثماني هجمات في جنوب السودان العام الماضي، ما أدى إلى إغلاق مستشفيين في أعالي النيل الكبرى وتعليق أنشطة الرعاية الصحية العامة في جونقلي وأعالي النيل وولاية الاستوائية الوسطى.

وجاء استهداف مستشفى منظمة أطباء بلا حدود هذا الأسبوع بعد أن فرضت حكومة جنوب السودان في ديسمبر (كانون الأول) قيودا على وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في جونقلي، ما حد من قدرة المنظمة على تقديم المساعدات الطبية الأساسية هناك.


مسلحون يقتلون عشرات في شمال ووسط نيجيريا

من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
TT

مسلحون يقتلون عشرات في شمال ووسط نيجيريا

من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)

ذكرت الشرطة النيجيرية أن مسلحين قتلوا 13 شخصاً على الأقل في شمال نيجيريا، الأربعاء، في أحدث حلقة من سلسلة الهجمات التي تعصف بالدولة الواقعة في غرب أفريقيا، بعد يوم على مقتل نحو 160 شخصاً في وسط البلاد.

وقال المتحدث باسم الشرطة، أبو بكر صادق عليو، في بيان، إن المهاجمين «المسلحين بأسلحة خطيرة، بدأوا في إطلاق النار بشكل متقطع» الثلاثاء، في قرية دوما بمنطقة فاسكاري، في ولاية كاتسينا، شمال غربي البلاد، وأن التحقيقات تجري الآن لتحديد ملابسات الهجوم وهوية المسؤولين.

استنفار أمني في نيجيريا عقب هجوم إرهابي (غيتي)

وفي هجوم منفصل، الثلاثاء، قتل مسلحون أشخاصاً عدة في منطقتي: وورو، ونوكو، في ولاية كوارا شمال وسط البلاد، طبقاً لما ذكره حاكم الولاية عبد الرحمن عبد الرزاق، في بيان.

ولم يحدد عدد القتلى، إلا أن تقارير محلية تحدثت عن أكثر من 162 ضحية. ووصف عبد الرزاق الهجوم بأنه «تعبير جبان عن الإحباط من قبل خلايا إرهابية» رداً على العمليات الجارية لمكافحة الإرهاب في الولاية.