لبنان لليبيا: اكشفوا مصير الصدر نسلّمكم هنيبال القذافي

هنيبال القذافي خلال احتفال في الذكرى الأربعين لـ«الثورة الليبية» في 2 سبتمبر 2009 (أ.ف.ب)
هنيبال القذافي خلال احتفال في الذكرى الأربعين لـ«الثورة الليبية» في 2 سبتمبر 2009 (أ.ف.ب)
TT

لبنان لليبيا: اكشفوا مصير الصدر نسلّمكم هنيبال القذافي

هنيبال القذافي خلال احتفال في الذكرى الأربعين لـ«الثورة الليبية» في 2 سبتمبر 2009 (أ.ف.ب)
هنيبال القذافي خلال احتفال في الذكرى الأربعين لـ«الثورة الليبية» في 2 سبتمبر 2009 (أ.ف.ب)

تختلف المقاربات اللبنانية - الليبية حول التعاون المحتمل في ملفّ هنيبال معمّر القذافي، المعتقل في لبنان منذ ثماني سنوات. فالرسائل الليبية تركّز على مسألة الإفراج عن هنيبال وتسليمه إلى بلاده، فيما يقدّم لبنان، لإطلاق سراحه، شرطاً قاطعاً وغير قابل للمساومة، يقضي بتقديم معلومات واضحة وموثّقة تحدد مصير الإمام موسى الصدر ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عبّاس بدر الدين، الذين خطفوا وفقد أثرهم داخل العاصمة الليبية طرابلس في نهاية شهر أغسطس (آب) 1978.

الأسبوع الماضي تسلّم القضاء اللبناني رسالة من وزيرة العدل الليبية حليمة عبد الرحمن تبدي فيها استعداداً لطرح ملف هنيبال القذافي على طاولة التفاوض، وتقديم التعاون القانوني والإنساني توصلاً إلى حلّ يفضي لإطلاق سراح هنيبال. ورأى مصدر قضائي معني بملفّ القذافي الابن، أن الرسالة الليبية «لم تبد أي رغبة في كشف مصير الصدر ورفيقيه، وكأن المطلوب تعاوناً لبنانياً بلا مقابل». وأكد المصدر لـ«الشرق الأوسط»، أن المحقق العدلي بملفّ الصدر القاضي زاهر حمادة «لن يفرج عن هنيبال قبل تقديم الأجوبة والتوضيحات التي يملكها هنيبال ويرفض البوح بها والتي تسهّل ختم التحقيق وإصدار القرار الاتهامي».

وترتفع الأصوات الليبية المعترضة على الاستمرار في توقيف القذافي، تلاقيها في ذلك منظمات حقوقية دولية وأخرى معنية بالدفاع عن حقوق الإنسان لا تتوقف عن مخاطبة لبنان، وتصف القذافي بأنه «معتقل سياسي»، خصوصاً وأن جريمة خطف وإخفاء الصدر حصلت يوم كان هنيبال في السنة الثانية من عمره، إلّا أن المصدر القضائي رفض هذه الذريعة ودعا للإقلاع عن الترويج لها، واصفاً هنيبال بأنه «كنز ثمين يختزن معلومات كثيرة عن هذه القضية». وقال إن الموقوف «اعترف أمام المحقق العدلي صراحة أنه يعرف 30 شخصية ليبية في نظام والده كانوا في موقع القرار وعلى علاقة بخطف الصدر، كما اعترف أن الصدر ورفيقيه لم يغادروا ليبيا بخلاف الرواية الرسمية الليبية التي زعمت بأن الإمام ورفيقيه غادروا طرابلس إلى روما واختفوا هناك، وأقرّ بأن الصدر كان موضوعاً في الإقامة الجبرية في منطقة جنزور». وشدد المصدر على أن «الصدر ورفيقيه وصلوا إلى طرابلس في 25 أغسطس 1978، ونزلوا في فندق الشاطئ، ومكثوا هناك ستة أيام، وظُهر يوم 31 أغسطس حضرت سيارة أقلّتهم من الفندق، بزعم نقلهم لمقابلة معمّر القذافي ومنذ تلك اللحظة اختفى أثرهم». وأضاف المصدر القضائي اللبناني: «بعد ساعات قليلة على الخطف، حضرت عناصر من المخابرات الليبية إلى فندق الشاطئ وأخذوا ثياب الصدر ورفيقيه وجوازات سفرهم، وقد حدد هنيبال اسمي الشخصين الذين لبسا الزيّ الديني للإمام الصدر والشيخ يعقوب وآخر مدني استقلوا بعدها طائرة تابعة لشركة (أليطاليا) وانتقلوا من طرابلس إلى روما بجوازات المخطوفين، ونزلوا بأحد الفنادق، وفي اليوم التالي تركوا الفندق مع جوازات سفر وثيابهم وعادوا إلى طرابلس بجوازاتهم الأصلية».

رسمة للصدر ورفيقيه من صفحة لجنة متابعة قضيته في «فيسبوك»

لا شيء يحرج المحقق العدلي زاهر حمادة حيال استمرار توقيف هنيبال، ويبدي أمام زوّاره أنه مرتاح الضمير حيال المضي باحتجازه ما دام الأخير يتكتّم على معلومات مهمّة، ويرفض الإفصاح عنها إلّا بعد الإفراج عنه. وثمّة ما يعزز الشكوك عن دور مباشر لهنيبال بمأساة إخفاء الصدر، ويكشف المصدر القضائي أن «ثوّار ليبيا وعلى أثر سقوط نظام معمر القذافي، دخلوا إلى مقر إقامة هنيبال في طرابلس، وصادروا أغراضاً خاصة به، من ضمنها جهاز (تابلت) يتضمّن ملفين، الأول يحوي صوراً عائلية ومعلومات شخصيّة، والثاني يحوي وثائق عن السجون السياسية وأسماء السياسيين المعتقلين فيها، ومحاضر تحقيقات أجرتها المخابرات الليبية مع المعارضين لنظام معمّر القذافي وصور تعذيبهم، وفي الملفّ الثاني ثمة شيء يمت بصلة لقضية الصدر يُظهر فيه هنيبال عداءه للصدر شخصياً، مؤكداً أن جهاز المعلومات في قوى الأمن الداخلي استحصل بطريقته الخاصة على (فلاش ميموري) يحتوي على كلّ هذه المعلومات وسلّمه إلى المحقق العدلي»، موضحاً أن القاضي حمادة «واجه هنيبال بهذه المعلومات لكنّه رفض التعليق أو الإجابة عنها».

وتابع المصدر إن هنيبال «أبلغ المحقق العدلي أن عبد السلام جلّود هو المسؤول جزائياً عن إخفاء الصدر، أمّا والده (معمّر القذافي) فمسؤول مالياً، وكان مستعداً لدفع تعويضات لعائلة الصدر كما حصل في صفقة طائرة لوكربي، وهذا ما يلمّح إليه الجانب الليبي مجدداً في كلّ مرحلة تستأنف فيها الاتصالات»، مشدداً على أن «ثمة قيادات في النظام الليبي الجديد ترغب في تجنيب عائلة القذافي مسؤولية هذه الجريمة، ربما تحسباً لعودتها إلى السلطة».

ويعتقد المهتمون بقضية الصدر أن «توقيف هنيبال يشكّل ورقة رابحة للمقايضة، ولبنان ليس مستعداً للتفريط بها ما لم يحصل على أجوبة حاسمة عن مكان الصدر ورفيقيه». وأقرّ المصدر بأن المجلس الانتقالي الليبي الأسبق «أبدى تعاوناً محدوداً بهذه القضية لكن مسعاه توقّف بشكل مفاجئ». وتحدّث عن واقعة لافتة، مشيراً إلى أن «القيادة الليبية السابقة برئاسة مصطفى عبد الجليل، عثرت إثر سقوط نظام القذافي على جثّة موضوعة في ثلاجة، وظنّت أنها عائدة للإمام الصدر، فنقلت الجثّة إلى سراييفو حيث توجد هناك مختبرات حديثة جداً، وطُلِب من عائلة الصدر الانتقال إلى هناك للتعرّف عليها، وعند إجراء فحوص الحمض النووي الـ(DNA) لم تأتِ النتيجة مطابقة، وتبيّن لاحقاً أن الجثّة تعود للوزير الليبي السابق منصور كيخيا، الذي اختلف مع القذافي ولجأ إلى مصر، غير أن المخابرات الليبية نجحت في خطفه من مصر ونقله إلى ليبيا حيث وضع في السجن وتوفي في الاعتقال». وذكّر المصدر بأن «خطف كيخيا فجر أزمة كبيرة وكاد يؤدي إلى قطع العلاقات بين البلدين، خصوصاً عندما هدد الرئيس المصري الراحل حسني مبارك بعمل عسكري ضدّ ليبيا، فردّ القذافي مهدداً بطرد جميع المصريين الذين يعملون في بلاده».

وينتظر القضاء اللبناني ورود رسالة من المدعي العام الليبي الصديق الصور نشرها الأخير على صفحاته في وسائل التواصل الاجتماعي، موجهة إلى رئيس المجلس العدلي (رئيس مجلس القضاء الأعلى) القاضي سهيل عبود، والنائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات والمحقق العدلي القاضي زاهر حمادة، لعرض إطار تعاون وتبادل معلومات تسمح للقضاء الليبي باستجواب الأشخاص الذين يتهمهم لبنان بالتورط في خطف الصدر، مقابل تسليم هنيبال وإخضاعه للتحقيق وتزويد القضاء اللبناني بالاعترافات التي يدلي بها، غير أن المصدر القضائي أوضح أنه «بإمكان ليبيا إرسال وفد لاستجواب هنيبال في لبنان، وليس تسليمه إلى بلاده».


مقالات ذات صلة

مقتل صحافية لبنانية بغارة إسرائيلية على الجنوب

المشرق العربي مسجد مدمر في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

مقتل صحافية لبنانية بغارة إسرائيلية على الجنوب

قُتلت الصحافية اللبنانية آمال خليل، الأربعاء، جراء غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة الطيري القريبة من الحدود في جنوب لبنان، كما أعلن الدفاع المدني اللبناني

المشرق العربي تشييع عدد من مقاتلي «حزب الله» في بلدة كفرصير قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

الرئيس اللبناني مطمئن لنتائج اتصاله بترمب

كشفت مصادر سياسية عن محاولات تولاها أصدقاء مشتركون لرأب الصدع بين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون و«حزب الله».

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي طفل يقف على حطام مبنى دمرته غارة إسرائيلية في بلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

لبنان يشترط تثبيت وقف إطلاق النار لبدء المفاوضات مع إسرائيل

حدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون شرطه الأساسي لبدء المفاوضات مع إسرائيل، ويتمثل بتثبيت وقف إطلاق النار

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم العربي دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

ترسم إسرائيل عبر موجة إنذارات غير مسبوقة الاتساع خريطة حركة جديدة، لا تقتصر على تقييد عودة السكان، بل تمتد لتشي بإعادة توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي من مراسم تشييع مدنيين قُتلوا بغارات إسرائيلية في بلدة البازورية بجنوب لبنان (أ.ب)

لبنان يتطلع لتمديد الهدنة وتحديد موعد التفاوض لإيحاد «حل دائم» مع إسرائيل

تتجه الأنظار إلى اللقاء الثاني الذي يجمع سفيري لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة في واشنطن؛ لتمديد وقف إطلاق النار وتحديد موعد وموقع المفاوضات المباشرة

«الشرق الأوسط» (بيروت)

إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

يخوض الجيش الإسرائيلي و«حزب الله» مناوشات «قواعد الاشتباك»، إذ يُظهر تبادل إطلاق النار في جنوب لبنان محاولات لحصر نطاق المواجهات في منطقة جنوب نهر الليطاني الحدودية مع إسرائيل، حيث تواصل القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية ضمن المناطق التي تسيطر عليها، في مقابل اقتصار عمليات الحزب على هذه المنطقة مترافقة مع ردود محدودة على خروق الهدنة ضمن نطاق شمال إسرائيل.

وأعلن «حزب الله»، أمس، أنه استهدف بمسيّرة، مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة داخل لبنان، «ردّاً على الخروق الإسرائيلية لوقف إطلاق النار».

وعشية لقاء سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن، في لقاء ثانٍ، اليوم (الخميس)، حدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون شرطه الأساسي لبدء المفاوضات، قائلاً إنه يتمثل بتثبيت وقف النار، ودعا إلى وحدة الموقف الوطني لتقوية الفريق اللبناني المفاوض، كما حثّ الأجهزة الأمنية والعسكرية على دهم مواقع تخزين الأسلحة ومنع المظاهر المسلحة.


واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

ذكرت مصادر أن الولايات المتحدة أوقفت «شحنة مالية» تُقدَّر قيمتها بنصف مليار دولار كانت متجهة إلى العراق، وأنها علّقت أجزاء من تعاونها الأمني مع بغداد، في خطوة تهدف إلى الضغط على الحكومة العراقية بشأن تصرفات الميليشيات المدعومة من إيران، وفق «رويترز». وقالت مصادر غربية، لـ«الشرق الأوسط»، إن التنسيق بين واشنطن وبغداد «في أدنى مستوياته خلال الوقت الراهن».

واتهمت حركة «عصائب أهل الحق»، أحدُ أبرز أقطاب التحالف الحاكم، واشنطن بالسعي لعرقلة صرف رواتب الموظفين، مشيرة إلى أن «الأميركيين يتبعون أساليب ضغط مباشرة وغير مباشرة؛ بهدف جعل الحكومة العراقية تابعة لهم».

وأفادت تقارير بأن الولايات المتحدة «هددت في وقت سابق بوقف التعاون مع بغداد في حال لم تُقدِم الحكومة على اعتقال مسلحين ينتمون إلى فصيل موالٍ لإيران، كان قد نفّذ هجوماً قرب مطار بغداد مطلع الشهر الحالي استهدف دبلوماسيين أميركيين».


«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا


نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
TT

«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا


نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

باتت منطقة الجزيرة السورية بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية، لاختبار قدرات تنظيم «داعش»، في ظل تغيير أولوياته وسباقه غير المعلن مع الحكومة السورية على اكتساب الحواضن الاجتماعية والجغرافيا.

فبعد الانسحاب الأميركي الأخير والتفاهمات الرامية لدمج قوات «قسد»، يراهن التنظيم على «التناقضات» التي قد تنجم عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي، ويستغل المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، ويعمل على التجنيد داخل المخيمات.

وإذا كان التنظيم دخل اليوم في مرحلة «كمون»، فلأنه اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي ثغرات تمهيداً لاستئناف النشاط.

وبذلك يبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود، تبقى قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، قائمة.