هل ندمت مديحة كامل على دخول عالم الفن؟

ابنتها تحدّثت لـ«الشرق الأوسط» عن كواليس حياتها في ذكرى ميلادها الـ75

الفنانة المصرية مديحة كامل
الفنانة المصرية مديحة كامل
TT

هل ندمت مديحة كامل على دخول عالم الفن؟

الفنانة المصرية مديحة كامل
الفنانة المصرية مديحة كامل

تحدثت ميرهام الريس، ابنة الفنانة المصرية الراحلة مديحة كامل، لـ«الشرق الأوسط» عن كواليس حياة والدتها والسنوات الأخيرة من عمرها، في ذكرى ميلادها الـ75 التي تواكب الشهر الحالي.

في البداية قالت ميرهام إن ميول والدتها لدخول عالم التمثيل واجهها رفض من أبيها، على عكس والدتها التي كانت تحب التمثيل كثيراً وشجعتها على ذلك. وكانت مديحة كامل ترى في التمثيل هواية، لكنها انطلقت في عروض الأزياء والتمثيل بعد أن تصدرت صورتها غلاف إحدى المجلات الفنية بعد حصولها على لقب ملكة جمال الشاطئ وهي في الـ17 من العمر.

الفنانة المصرية الراحلة مديحة كامل

وأوضحت ميرهام قائلة: «بعد زواجها، ابتعدت والدتي فترة عن الفن، حينها أصر جدّي على تزويجها من والدي ليبعدها عن التمثيل. وبعد انفصالها عادت للتمثيل مرة أخرى»، وتابعت، أنه خلال تلك الفترة ظل والدها مقاطعاً لها وغير راضٍ عمّا تفعل، لكنه عدل عن رأيه بعد رؤيتها أول مرة في فيلم (الصعود إلى الهاوية) بل أشاد بموهبتها.

الصعود إلى الهاوية

تتابع ميرهام حديثها: «اقتنصت أمي الفرصة عندما عُرض عليها لعب دور البطولة في فيلم (الصعود إلى الهاوية)، وكانت قد رفضته كلٌ من الفنانتين سعاد حسني ونجلاء فتحي، خوفاً من تقديم شخصية (الجاسوسة)، وجاء ترشيح والدتي بعد أن شاهدها المخرج كمال الشيخ تقدم دور شر في مسلسل (الأفعى)، وشعر بأن لديها قدرة على تجسيد الشخصية».

كامل رحلت عن عمر ناهز 50 عاماً (مصدر الصور ابنتها ميرهام)

وأكدت ميرهام أن جدتها لوالدتها سعاد، كانت عاشقة للفن، ورُشّحت لبطولة فيلم بعنوان (طلاق سعاد هانم) أمام الفنان الراحل أنور وجدي، وتضيف: «لكن جدي عندما علم بالأمر اقتحم البلاتوه بسلاح ناري في أول يوم تصوير وأخذها عنوة، وقُدّم الفيلم بعد ذلك بالفنانة الراحلة عقيلة راتب، ولم تكرر جدتي التجربة مطلقاً، ولم يجرؤ أحد أن يعرض عليها أعمالاً بعد تلك الحادثة».

وعن رأيها في تقديم عمل درامي يتناول سيرة حياة والدتها قالت ميرهام: «لا توجد فنانة بإمكانها تجسيد شخصية مديحة كامل، وأرفض تقديم سيرتها فنياً على الشاشة، ولن أستغل اسمها للربح مهما كانت المغريات».

ولفتت إلى أنه عرض عليها بطولة فيلم بعد رحيل والدتها بعامين مقابل مليون جنيه: «أنا لا أحب التمثيل، ولا أفهم به مطلقاً، وأعي أن الغرض وراء العرض كان المتاجرة باسم والدتي، تحت عنوان (شاهد أول ظهور لابنة مديحة كامل)، حتى إن ابنتي جومانة ورثت كثيراً من روح أمي وملامحها وحركاتها لكنني أرفض دخولها المجال الفني».

وعن حالتها النفسية بعد رؤيتها حادث وفاة عازف الغيتار عمر خورشيد قالت: «عاشت والدتي أياماً مريرة، وعانت من اكتئاب كاد يدمرها بعد وفاة صديقها المقرب خورشيد خصوصاً أنها شاهدت الحادث عن قرب».

يشهد أغسطس الحالي مرور 75 عاماً على ميلاد كامل

وعن أكثر الأعمال قرباً لها، قالت ميرهام أفلام «الصعود إلى الهاوية»، و«بريق عينيك»، و«أشياء ضد القانون»، وفيلم «ملف في الآداب» للمخرج عاطف الطيب، ومسرحيات «حلو الكلام»، و«هالو شلبي»، و«يوم عاصف جداً»، وبالطبع مسلسل «الأفعى» الذي عدته خطوة وعلامة مهمتين في مشوارها، وكذلك مسلسل «البشاير»، ومسلسل «العنكبوت» عن قصة الدكتور مصطفى محمود، الذي كانت تربطهما علاقة أسرية قوية، فقد كان محمود يحضر التصوير وقال لها جملة شهيرة: «لم تخلقي لما أنت فيه، ويوماً ما سيختلف مستقبلك ويتغير كلياً)، وقد كان، على حد تعبيرها.

معلومات خاطئة

وكشفت ميرهام أن «هناك الكثير من المعلومات الخاطئة التي تُردد من دون دليل، منها علاقة والدتي برجل الأعمال المصري أحمد الريان، الذي قيل إنه وراء اعتزالها، كذلك إشاعة إصابتها بالسرطان ليست صحيحة، بل أصيبت بالروماتويد قبل اعتزالها بفترة طويلة، وكانت تعالج بمصحة في لوزان، وأيضاً هناك من كتبوا أنني لم أكن راضية عنها ولا أحبها وأنني من دعوتها للاعتزال والحجاب، وهذه أيضاً إشاعة».

مرض والدتها كان عاملاً حاسماً في قرار اعتزالها

وتؤكد ميرهام: «لم تندم والدتي على تركها الفن، ولم تندم أيضاً على دخولها عالمه، بل كانت متصالحة مع نفسها، وما يقال إنها كانت ضيفة لبرنامج (حوار صريح جداً) ومنع عرضه بعد أن صرحت فيه بأنها نادمة على دخولها الفن، غير صحيح، فهي لم تكن ضيفة على البرنامج من الأساس».

وقالت ميرهام إن والدتها اشتهرت بارتداء حجر أزرق في رقبتها منذ ظهورها، وتناثرت الأقاويل في شأنه، لمدى ارتباطها به، وهناك من قال إنه هدية خاصة من خطيبها الذي كان يعمل ضابطاً واستشهد؛ بيد أنها كانت تتفاءل به فبعد أن اشترته من سويسرا، قدمت بطولات فنية كثيرة، وحصلت من خلالها على مبالغ مالية كبيرة، وبعد أن قُطع ذهبت لإصلاحه وهو في رقبتها من دون أن تخلعه، واستغنت عنه نهائياً بعد أدائها فريضة الحج».

لم تتراجع كامل عن قرار اعتزالها في التسعينات

الاعتزال

وأفصحت ميرهام عن أسباب اعتزال والدتها قائلة: «كانت جدتي فاتنة الجمال رغم تقدمها بالعمر، ولم تكن تشتكي من أي مرض مزمن، لكنها خلال أيام معدودة تحولت بلا سابق إنذار وأصبح جسدها هزيلاً، وتبدلت ملامحها، ورأت أمي ذلك، فشعرت أن لا شيء يستدعي الصراع، كانت حينها تعرض مسرحية (حلو الكلام) مع سعيد صالح، وتصور فيلم (بوابة إبليس) مع المخرج عادل الأعصر، فاتخذت قرارها وتركت الفيلم والعرض المسرحي، وارتدت الحجاب واعتزلت الفن».

الفنانة الراحلة مديحة كامل وحفيدها

مضيفة أن والدتها اعتزلت في وقت كانت تشتد فيه المنافسة بين النجمتين نادية الجندي ونبيلة وعبيد، وارتدت الحجاب عام 1991، ورحلت عام 1997 عن عمر ناهز 50 عاماً.

من جانبه قال المخرج عادل الأعصر مخرج آخر أفلامها «بوابة إبليس» إن الفنانة الراحلة مديحة كامل اتخذت قرار الاعتزال وارتداء الحجاب بلا رجعة «لم يكن هناك أي بوادر توحي باعتزالها، فالأمر كان مفاجأة للجميع».

احترام رغبتها

وأضاف الأعصر لـ«الشرق الأوسط»: «كانت مديحة شاهدة على بداياتي في عالم الإخراج من خلال فيلم (صفقة مع امرأة)، وعملنا معاً في فيلمي (السقوط)، وفي آخر أفلامها (بوابة إبليس) تركت التصوير في منتصف الفيلم وقالت لي (يا عادل لن أكمل التصوير... أنا اعتزلت وسأرتدي الحجاب)، احترمت رغبتها وكان يشغلني حينها كيف سأكمل التصوير من دونها».

اعتقد الأعصر أن هناك مشكلة إنتاجية أو مشاهد غير راضية عنها، وحاول إقناعها بالعودة، لكن قرارها كان حاسماً، وسألها حينها: «هل يضايقك أن أكمل الفيلم من دونك؟» فأجابته بأنها موافقة على ذلك، ويتابع: «شعرت حينها بأزمة وورطة كبيرتين لأنها كانت بطلة الفيلم، ولم تتخذ الشركة المنتجة أي إجراء ضدها، فقد احترم المنتج إبراهيم شوقي سالم رغبتها، ولم يرفع ضدها دعاوى قضائية».

ميرهام الريس ابنة مديحة كامل

ويرى الأعصر أن مديحة كامل كانت نجمة من العيار الثقيل وفنانة مثقفة وراقية: «عملت معي في عز مجدها، رغم بدايتي في الإخراج، وساندتني ودعمتني في أول أفلامي، وتواصلت معها مرات كثيرة بعد الاعتزال، ووجدتها متصالحة مع نفسها وهادئة، ورقيقة كما اعتدناها».


مقالات ذات صلة

جو طراد لـ«الشرق الأوسط»: عاتبٌ لغياب تكريمي في بلدي

الوتر السادس جو طراد لـ«الشرق الأوسط»: عاتبٌ لغياب تكريمي في بلدي

جو طراد لـ«الشرق الأوسط»: عاتبٌ لغياب تكريمي في بلدي

مَن يتابع مسلسل «ليل» المُعرّب، لا بد أن يلفته دور «نورس» الذي يؤدّيه الممثّل جو طراد، حاملاً في ملامح وجهه ولغة جسده كل ما يمكن أن يجسّده الشرّ من معانٍ.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق جو طراد مع الطفلة روسيل زعيتر صاحبة شخصية «ملاك» (صور الممثل)

جو طراد لـ«الشرق الأوسط»: عاتبٌ لغياب تكريمي في بلدي

اليوم، ينظر جو طراد إلى الساحة الدرامية اللبنانية من موقع المُراقب، في ظلّ غيابه عنها منذ فترة بسبب إقامته الدائمة في تركيا...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق سعاد حسني قدمت العديد من الأعمال السينمائية خلال مشوارها (فيسبوك)

شقيقة سعاد حسني تدعو لتناول سيرتها درامياً من خلال أسرتها

رغم مرور ما يقرب من 25 عاماً على رحيلها، ما زالت الفنانة المصرية سعاد حسني الملقبة بـ«السندريلا»، تشغل حيزاً كبيراً من اهتمامات جمهورها.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق المخرج أحمد خالد وأبطال المسلسل في كواليس التصوير (الشركة المنتجة)

«قسمة العدل»... دراما مصرية عن الميراث تتفادى التكرار

عبر صراع عائلي محتدم يكشف المسلسل المصري «قسمة العدل» أزمة بين 3 أشقاء على ثروة أبيهم.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق ياسمينا العبد خاضت أولى تجاربها في الدراما التلفزيونية من خلال المسلسل (الشركة المنتجة)

ياسمينا العبد لـ«الشرق الأوسط»: التفاعل مع «ميد تيرم» تجاوز توقعاتي

قالت الممثلة المصرية ياسمينا العبد إن «مشاركتها في مسلسل (ميد تيرم) شكّلت تحدياً خاصاً على مستوى التحضير والأداء».

أحمد عدلي (القاهرة)

الكلية الملكية البريطانية للفنون شريكاً أكاديمياً لـ«جامعة الرياض للفنون»

جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)
جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)
TT

الكلية الملكية البريطانية للفنون شريكاً أكاديمياً لـ«جامعة الرياض للفنون»

جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)
جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)

وقَّعت وزارة الثقافة السعودية، الجمعة، شراكةً مع الكلية الملكية البريطانية للفنون (RCA)، تكون الأخيرة بموجبها شريكاً أكاديمياً لكُلّيتَي «التصميم والعمارة، والفنون البصرية والتصوير الفوتوغرافي» بـ«جامعة الرياض للفنون»، وذلك لتطوير المواهب الثقافية والفنية، وتعزيز التبادل الثقافي.

وجرت مراسم التوقيع خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر»، التي تحمل عنوان «في الحِلّ والترحال»، بحي جاكس في الدرعية؛ إذ مثَّلت الوزارة نهى قطّان، وكيلة الشراكات الوطنية وتنمية القدرات، فيما مثّل الكلية رئيسُها ونائب المستشار البروفسور كريستوف ليندنر.

وستتعاون الكلية مع الجامعة في التصميم المشترك، وتقديم برامج أكاديمية لمرحلتَي البكالوريوس والدراسات العليا، وأخرى تأسيسية، تغطي مجالات العمارة، والتصميم، والتخطيط الحضري.

وتمثّل هذه البرامج جسراً يربط بين الإرث والابتكار، وتسهم في تنمية المواهب الوطنية وتمكينها من أداء دورٍ فاعل في تشكيل البيئات العمرانية ومجالات التصميم، وبناء الكفاءات في الفنون البصرية التقليدية والمعاصرة، ضمن رؤية إبداعية عالمية تنطلق من الهوية الثقافية الفريدة للسعودية.

وتأسست الكلية في لندن عام 1837، وجاءت كأفضل جامعة للفنون والتصميم عالمياً لمدة 11 عاماً متتالية وفق تصنيف «كيو إس» للجامعات حسب التخصص، للأعوام من 2015 حتى 2025، وتُعد من أكثر الجامعات المتخصصة كثافةً في البحث العلمي بالمملكة المتحدة.

وتقدّم الكلية مجموعة واسعة من البرامج في الفنون البصرية، والتصميم، والعمارة، والاتصال، والعلوم الإنسانية عبر كلياتها المختلفة، مع تركيزها على تطوير الكفاءة المهنية، ودفع حدود الممارسة الإبداعية من خلال التعليم والبحث والتعاون العابر للتخصصات.

وتأتي هذه الشراكة ضمن سلسلةٍ من شراكات أكاديمية ومذكرات تفاهم توقّعها «جامعة الرياض للفنون» وكليّاتها مع مؤسساتٍ دولية رائدة، بهدف تصميم البرامج الأكاديمية، وتعزيز التعاون البحثي، وتقديم برامج تعليمية إثرائية في مجالات الثقافة والتنمية.

كان الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، أعلن خلال شهر سبتمبر (أيلول) 2025 عن إطلاق «جامعة الرياض للفنون» في كلمته الافتتاحية بـ«مؤتمر الاستثمار الثقافي»، بوصفها حجر الأساس للتعليم الإبداعي والابتكار الثقافي في المملكة.

وتهدف الجامعة إلى تأهيل طلابها بالمعرفة والمهارات والرؤية اللازمة للإسهام في تشكيل مستقبل الاقتصاد الإبداعي في السعودية، ويُنتظر أن تُعلِن عن المزيد من التفاصيل المتعلقة بها وكلياتها وشراكاتها عبر موقعها الإلكتروني الرسمي الذي سيُطلق خلال الربع الحالي.


«العربي»... قراءة سينمائية جزائرية جديدة لـ«الغريب» في روتردام

يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)
يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)
TT

«العربي»... قراءة سينمائية جزائرية جديدة لـ«الغريب» في روتردام

يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)
يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)

احتضن مهرجان روتردام السينمائي الدولي، في نسخته الـ55، العرض العالمي الأول للفيلم الجزائري «العربي»، وهو العمل العربي الوحيد المشارك في المسابقة الرسمية للمهرجان، الذي تتواصل فعالياته من 29 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 8 فبراير (شباط) المقبل.

ويُعرض الفيلم في 5 عروض مختلفة ضمن برنامج المهرجان حتى الأربعاء المقبل.

وتدور أحداثه في 106 دقائق، وهو إنتاج مشترك بين الجزائر، وفرنسا، وبلجيكا، وسويسرا، والسعودية، بعدما حصل على دعم من مؤسّسة «البحر الأحمر».

ويشكّل العمل التجربة الروائية الأولى للمخرج الجزائري مالك بن إسماعيل بعد مسيرة طويلة في السينما الوثائقية.

يُعيد «العربي»، عبر مقاربة سينمائية، تفكيك إحدى أكثر الشخصيات غموضاً في الأدب العالمي، من خلال إعادة النظر في رواية الغريب للكاتب ألبير كامو، ولكن من زاوية مختلفة، تستند إلى شهادة الأخ المسنّ للضحية، متنقلاً بذكاء بين الذاكرة والخيال والسجل التاريخي.

في رواية كامو الصادرة عام 1942، يظهر «ميرسو» في انتظار تنفيذ حكم الإعدام بحقه بعد إدانته بقتل رجل بلا اسم، يُشار إليه فقط بصفته «العربي»، من دون منحه أي هوية واضحة. ورغم المكانة الأدبية التي احتلتها الرواية بوصفها من أبرز أعمال القرن العشرين، ظلَّ هذا الغياب الاسمي علامة استفهام كبرى حول هوية القتيل ودلالات هذا التجاهل في سياق الاستعمار والذاكرة.

عام 2013، قدَّم الكاتب الجزائري كمال داود إجابة أدبية عن هذا السؤال في روايته «ميرسو... تحقيق مضاد»؛ إذ أعاد فتح القضية من الجهة الأخرى، مانحاً «العربي» اسماً وحكاية وصوتاً. ومن هذا النصّ، ينطلق مالك بن إسماعيل ليحوّل الرواية إلى أول أفلامه الروائية.

تنطلق أحداث الفيلم من مدينة وهران الجزائرية، حيث يعيش «هارون»، الذي أدَّى دوره الممثل الجزائري الراحل أحمد بن عيسى، وهو رجل مسنّ، أعزب، وموظف حكومي متقاعد، حياة انعزالية مُثقلة بالذكريات.

لكن لقاءً عابراً في حانة مع الصحافي «كامل» يتحوَّل إلى اعتراف طويل، أو إلى شهادة متأخرة عن جريمة وقعت في صيف عام 1942.

يعرض الفيلم للمرة الأولى عالمياً في مهرجان روتردام (الشركة المنتجة)

قُدِّم الفيلم، المصوَّر بالألوان وبالأبيض والأسود، بصورة تعكس تداخلاً بين الماضي والحاضر، والواقع والذاكرة، مع اعتماد إخراج كلاسيكي هادئ يترك مساحة للصمت والكلمات الثقيلة، من دون افتعال أو خطابية.

ويقول مالك بن إسماعيل إنّ رواية كامو قدَّمت حادثة قتل رجل عربي على الشاطئ من دون ذكر اسمه أو منحه وجوداً إنسانياً حقيقياً، مشيراً إلى أنّ هذا الغياب لا يمكن التعامل معه بوصفه تفصيلاً سردياً عابراً، بل يعكس طريقة تفكير استعمارية كاملة.

وأضاف، في تصريحات صحافية، أنّ «رواية كمال داود أعادت فتح هذا الجرح المسكوت عنه، حين منحت الضحية اسماً وصوتاً وحكاية، وأعادت طرح السؤال حول مَن يملك حق السرد ومَن يُمحى من الذاكرة»، مشيراً إلى أنّ فيلمه لا يسعى إلى محاكمة كامو أو إعادة قراءته، بقدر ما يحاول سينمائياً استعادة ما تم محوه من اسم وذاكرة وإنسان.

وأكد أنّ هاجسه الأساسي كان صناعة فيلم عن الصمت، وعن الثقل الذي يُخلّفه القتل حين لا يُعترف بالضحية، لافتاً إلى أنّ انتقاله من السينما الوثائقية إلى الروائية جاء امتداداً طبيعياً لتجربته؛ إذ تعامل مع النص الروائي بالإنصات وطرح الأسئلة والشك في الرواية الواحدة.

حصل الفيلم على دعم من مهرجان «البحر الأحمر» (مهرجان روتردام)

من جهته، قال الناقد السينمائي الجزائري فيصل شيباني إنّ الإنتاج السينمائي الجزائري شهد تراجعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، في ظلّ انخفاض دعم الدولة، ممّا انعكس على حضور الأفلام الجزائرية في المهرجانات الكبرى.

وأضاف أنه كان يتوقَّع مشاركة «العربي» في أحد المهرجانات الكبرى، ولا سيما «كان»، نظراً إلى كونه مقتبساً من رواية حقَّقت انتشاراً واسعاً، خصوصاً في فرنسا.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنّ «مالك بن إسماعيل أثبت في تجاربه السابقة امتلاكه أدواته الإخراجية، ووجود رؤية واضحة في أعماله»، مشيراً إلى أنّ مشاركة الفنانة الفلسطينية هيام عباس في بطولة الفيلم ترفع منسوب التوقّعات لتجربة مختلفة عن السائد في السينما الجزائرية أخيراً.

من جانبه، قال الناقد السينمائي السعودي أحمد العياد إنّ فيلم «العربي» يستند إلى أرضية أدبية قوية، بكونه مُقتبساً عن رواية وصفها بالثرية فنّياً وفكرياً، لِما تحمله من قراءة مُغايرة لنصّ أدبي كلاسيكي ومنحها صوتاً إنسانياً غائباً.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنّ «العمل يقف خلفه فريق فنّي متميّز على مستوى الإخراج والتمثيل والرؤية العامة، ممّا أضفى عليه ثقلاً فنياً وحضوراً لافتاً»، مشيراً إلى أنّ دعم مؤسّسة «البحر الأحمر» للفيلم يؤكد قدرتها على اختيار أعمال متميّزة فنياً، خصوصاً أنّ «العربي» هو العمل العربي الوحيد المشارك في المسابقات الرسمية الثلاث للمهرجان.


جو طراد لـ«الشرق الأوسط»: عاتبٌ لغياب تكريمي في بلدي

جو طراد مع الطفلة روسيل زعيتر صاحبة شخصية «ملاك» (صور الممثل)
جو طراد مع الطفلة روسيل زعيتر صاحبة شخصية «ملاك» (صور الممثل)
TT

جو طراد لـ«الشرق الأوسط»: عاتبٌ لغياب تكريمي في بلدي

جو طراد مع الطفلة روسيل زعيتر صاحبة شخصية «ملاك» (صور الممثل)
جو طراد مع الطفلة روسيل زعيتر صاحبة شخصية «ملاك» (صور الممثل)

مَن يتابع مسلسل «ليل» المُعرّب، لا بد أن يلفته دور «نورس» الذي يؤدّيه الممثّل جو طراد، حاملاً في ملامح وجهه ولغة جسده كل ما يمكن أن يجسّده الشرّ من معانٍ.

ويزيد من تألّقه في هذا الدور، الذي بناه خصيصاً للشخصية، إطلالته بشَعر معقوص وملامح جامدة أقرب إلى «بوكر فايس»، ممّا يرسّخ لدى المتابع صورة الشرير منذ اللحظة الأولى. ويخبر جو طراد «الشرق الأوسط» أنه أدرك، من خلال موقف صادفه أخيراً، مدى تأثُّر الناس بهذا الدور، قائلاً: «كنتُ أسير في شوارع إسطنبول، ولاحظت طفلاً عربياً يحاول الاختباء مني خلف والديه. اقتربتُ منه وتحدّثتُ إليه بلطف، لكنه بقي متسمّراً في مكانه يحدّق بي مردّداً اسم (نورس). وعندما نادت والدته بالاسم نفسه، متفاجئة بلقائي، ضحكت قائلة: (إنك تثير فينا الرعب ونحن نتابعك في مسلسل ليل). وتبيّن لاحقاً أنّ العائلة كويتية في زيارة خاصة إلى إسطنبول».

وبالفعل، يعكس جو طراد أبعاد هذه الشخصية بأداء تمثيلي مُتقن، فيستمتع المُشاهد بكل حلقة يشارك فيها، إذ يتحوَّل «نورس» إلى محور أساسي للأحداث، ويتحكّم بصورة غير مباشرة بمسارها، جاذباً المُشاهد العربي بأسلوبه التمثيلي.

ويعلّق: «لم يسبق أن لعبتُ دوراً يسكنه الشرّ تماماً. قُدّمتُ شخصيات تنزلق نحو الشرّ لأسباب نفسية، لكن مع نورس كان الأمر مختلفاً. هو شخصية تتنقّل بين طباع متناقضة، وتقدّم أكثر من وجه. يُخفي حقيقته المُرّة بمرونة لافتة؛ يكون لطيفاً مع مَن يحتاج إليهم، وقاسياً وظالماً مع آخرين للوصول إلى أهدافه، ممّا يتطلّب الغوص في أعماق هذه الشخصية».

في مسلسل «ليل» يجسّد طراد شخصية «نورس» الشرير (صور الممثل)

ويشير إلى أنّ شخصية «نورس»، رغم عدم ظهورها في جميع حلقات المسلسل، تبقى المحور الأساسي للأحداث، واصفاً إياها بـ«الجوكر» القادر على إقناع الآخرين بأي وجه يتقمّصه.

ويُجسّد جو طراد دوره مستخدماً أدوات تمثيلية متعدّدة، من نبرة صوته إلى حضوره ونظراته، مُسخّراً إياها لخدمة الشخصية. ويقول: «تكمن صعوبة الدور في تقديمه من دون مبالغة، وهو خطأ شائع يقع فيه عدد كبير من الممثلين. لكنني استطعت أخذه إلى مساحة مختلفة، لا تشبه حتى الشخصية الأصلية في المسلسل التركي (ابنة السفير)». ويضيف: «اطّلعتُ سريعاً على بعض حلقات النسخة التركية، وكنتُ مقتنعاً بقدرتي على تقديم (نورس) بشكل أفضل، فقرّرتُ بناء الشخصية بأسلوبي الخاص. أضفت إليها الغموض والقوة، ممّا جعلها أكثر إثارة، وأظهرتُ جانبها العاطفي الخالي من أي مشاعر أو أحاسيس. ومع ضيق الوقت وسرعة التصوير، كان عليَّ تقديم أفضل ما لدي من دون إعادات، اختصاراً للوقت».

يعتب على عدم تقديره من بلده لبنان (صور الممثل)

وعن الحلقات المقبلة، يعد طراد المشاهدين بمفاجآت، مؤكداً أنّ التصوير لا يزال جارياً، وأنّ أحداثاً مفصلية ستتخلّل بقية العمل مُحمَّلة بجرعات عالية من التشويق. أمّا عن نهاية مسلسل «ليل»، وما إذا كانت ستُحدث صدمة شبيهة بتلك التي رافقت نهاية «سلمى»، فيُجيب: «بعد خبرة طويلة في الأعمال المعرّبة، أستطيع القول إنّ (ليل) يسير بإيقاع سريع لا يبعث على الملل. أتابعه شخصياً بحماسة لأنّ إيقاعه جديد ومختلف، وينتمي إلى مدرسة درامية مغايرة. وأنا واثق بأنّ الحلقات المقبلة ستحافظ على هذا المنحى، ممّا سيقود إلى نهاية تشبه العمل وتنسجم مع روحيته وطريقة تنفيذه».

اليوم، ينظر جو طراد إلى الساحة الدرامية اللبنانية من موقع المُراقب، في ظلّ غيابه عنها منذ فترة بسبب إقامته الدائمة في تركيا. وعن ملاحظاته، يقول: «أصفّق للتطوّر الذي تحقّقه الدراما اللبنانية، لا سيما أنني أنتمي إلى هذه العائلة منذ بداياتي. ابتعدتُ أخيراً لانشغالي بعملي في إسطنبول، وصرتُ أرى الأمور من منظور إقليمي أكثر منه محلّياً. لكن عندما أشارك في عمل معرَّب، أكون في موقع تمثيل بلدي لبنان، وانتشار اسمي اليوم يشمل مختلف الدول العربية، حيث يُشار إليّ على أنني ممثل لبناني».

عمَّر طراد شخصية «نورس» بأدواته التمثيلية (صور الممثل)

حتى الآن، صوَّر جو طراد نحو 500 حلقة معرّبة، عبر أدوار متنوّعة. ويقول: «تعبتُ واجتهدت للوصول إلى ما أنا عليه اليوم، وأعتقد أنّ هذا الجهد يستحق التقدير». وعن غياب تكريمه، يوضح: «لا أملك علاقات عامة مع الجهات المنظمة للجوائز تسهم في حضوري لديها، ولديّ عتب على عدم تقديري من بلدي».

وعن استعداده للمشاركة في أعمال درامية محلية، يختم: «سبق أن تعاونت مع شركة (الصبّاح)، ولم تُتح لي الفرصة بعد للعمل مع (إيغل فيلمز). لكن إذا تواصلت معي أي شركة إنتاج لبنانية، فلن أتأخر عن تلبية هذه الرغبة».