المتحف البريطاني في مرمى السهام

بعد اختفاء آلاف القطع من مجموعته

المتحف البريطاني بلندن يواجه انتقادات من الصحافة والمهتمين بالآثار (د.ب.أ)
المتحف البريطاني بلندن يواجه انتقادات من الصحافة والمهتمين بالآثار (د.ب.أ)
TT

المتحف البريطاني في مرمى السهام

المتحف البريطاني بلندن يواجه انتقادات من الصحافة والمهتمين بالآثار (د.ب.أ)
المتحف البريطاني بلندن يواجه انتقادات من الصحافة والمهتمين بالآثار (د.ب.أ)

أثارت قضية سرقة أكثر من ألفي قطعة من المتحف البريطاني بلندن انتقادات من الصحافة والمهتمين بالآثار، ومن دول تحاول جاهدة استعادة كنوزها الأثرية التي نهبت، أو تم الحصول عليها خلال حكم الإمبراطورية البريطانية لعدد من دول العالم. وليس جديداً أن دولاً مثل مصر واليونان تطالب باستمرار بعودة آثارها الهامة، والمعروف أيضاً رفض المتحف والحكومة البريطانية هذه الطلبات، غير أن ما توارد مؤخراً من فقدان المتحف عدداً كبيراً من القطع من مجموعته، فتح الباب مجدداً للمطالبة بالحقوق المنهوبة، وبالفعل قالت اليونان إن المتحف البريطاني مكان غير آمن لحفظ الآثار. في لطمة للمتحف ولبريطانيا التي قاومت إعادة الآثار المنهوبة لبلادها، بحجة الحفاظ عليها من أوضاع غير آمنة.

تجرى التحقيقات حالياً حول اختفاء مئات القطع من مجموعة المتحف البريطاني بلندن (إ.ب.أ)

نعود إلى قصتنا، في البداية كانت القطع المفقودة قليلة، عرفنا أن موظفاً في المتحف طرد، بسبب الاشتباه بسرقته بعض القطع في عهدته. لكن الأمر لم يتوقف عند حادث فردي، وبدا أن الأمر أكبر. تولت الصحف البريطانية متابعة وتمحيص المعلومات، فعلمت صحيفة «التلغراف» أن بعض القطع ما زالت معروضة على موقع «إي باي»، وأوردت صوراً تثبت ذلك، ثم أتبعت ذلك نشر قائمة بقطع مفقودة من المتحف حصلت عليها بناء على قانون حرية المعلومات، وبالأمس أوردت صحيفة «ذا تايمز» أن حادثة سرقة القطع من المتحف ليست أمراً عارضاً، ونقلت عن مصدر لم تفصح عن اسمه أن هناك لصاً قضى 20 عاماً ينهب في هدوء وخلسة قطع المجوهرات والقطع الأثرية صغيرة الحجم من المخازن. وتنقل «ذا تايمز» عن مصدر في الشرطة أن القطع المسروقة لم تكن في خزانات العرض، بل كانت في قاعات أرضية، وكانت مخصصة للأبحاث والدراسات. وربما يكون ذلك عاملاً في عدم ملاحظة اختفائها. ما زاد مهمة السارق سهولة هو أن هناك عدداً ضخماً من القطع في مخازن المتحف ليس مدوناً بتفاصيله في سجلات المتحف. وما يلفت النظر، ويثير الحيرة هو أن إدارة المتحف بدت خلال الفضيحة الأخيرة، وكأنها مغيبة. تضاربت التعليقات والتصريحات بشكل رسم صورة لفوضى إدارية داخل المتحف.

المعروف أن المتحف يضم حوالي 8 ملايين قطعة أثرية، منها 80 ألفاً في العرض.

صورة من موقع «إي باي» لإحدى القطع المفقودة من المتحف البريطاني

بحسب تحقيق طويل لصحيفة «التلغراف»، قام تاجر أنتيكات هولندي يُدعَى إيتاي غرادل بالتواصل مع مدير المتحف البريطاني د. هارتفيغ فيشر، ونائبه د. جوناثان ويليامز، في فبراير (شباط) 2021، غير أنه تلقى رداً محبطاً. وبحسب ما نقلته «التلغراف»، فقد أرسل غرادل صوراً من موقع «إي باي» تدل على هوية بائع القطع المسروقة ورقم حسابه المصرفي. الملاحظ أن اسم البائع كان مطابقاً للاسم الذي يستخدمه د. بيتر هيغز، القيم بالمتحف البريطاني، على موقع «تويتر»، وكان هيغز قد فصل من عمله مؤخراً بتهمة سرقة قطع من المتحف، رغم أنه ينفي التهمة. تاجر الأنتيكات الهولندي، بحسب تقرير الصحيفة، قام بشراء نحو 70 قطعة من موقع «إي باي» من نفس البائع منذ عام 2014، غير أن الشك بدأ يساوره بعدما رأى إحدى القطع المعروضة على «إي باي» لاحقاً على موقع المتحف البريطاني. عندها أدرك غرادل أن البائع قد خدعه بشأن تاريخ القطعة وملكيتها، بما يؤكد أن في الأمر جريمة سرقة، وقام بالكتابة لأمناء المتحف بعد تلقيه رداً فاتراً من المدير ونائبه، وعرف بعد ذلك أن القيم د. هيغز فصل من عمله. ما يبدو واضحاً هو أن شكوى غرادل أتت بنتيجة داخل المتحف، حيث وردت أخبار بأن د. فيشر سيترك منصبه في المتحف البريطاني العام المقبل، غير أنه لم يصدر بيان من المتحف بهذا الشأن. وللدفاع عن نفسه في وجه العاصفة، أصدر فيشر بياناً، أول من أمس، قال فيه: «عندما تلقينا الادعاءات في عام 2021، تعاملنا معها بجدية كبيرة، وأطلقنا تحقيقاً... في عام 2022 قمنا بإجراء عملية مسح شاملة، أظهرت لنا أن هناك مشكلة كبرى، وقمت على الفور بنقل مخاوفي لمجلس الأوصياء، وقررنا جميعاً أن نحيل الأمر للشرطة، وفي الوقت نفسه بدأنا إجراء تأديبياً نتج عنه فصل أحد العاملين في المتحف».

هارتفيغ فيشر مدير المتحف البريطاني مع الخبير بيتر هيغز الذي اتهم بسرقة قطعة من المتحف وبيعها على الإنترنت (غيتي)

القطع المختفية

بحسب التقارير الصحافية، يبدو أن القطع المختفية أو المسروقة بيعت بأسعار زهيدة لا تتجاوز مئات الجنيهات رغم قيمتها، ونقلت «ذا تايمز» عن مصدر في الشرطة أن بعض القطع الذهبية قد صهرت، وأن هناك أحجاراً ثمينة انتزعت من إطاراتها الذهبية للبيع على نحو منفصل. وبحسب ما ذكرته الصحيفة، فقد سجلت مئات القطع في سجلات المتحف على أنها «مفقودة».

أثارت الأسعار المنخفضة التي عرضت بها القطع على «إي باي» التساؤلات عن قيمتها الحقيقية. وبحسب التقارير المختلفة، يبدو أن القطع المختفية كلها ذات قيمة متوسطة، وهو ما يشير له مايكل مكدونالد، خبير الفضيات في شركة تقييم أنتيكات، في حديث مع «التلغراف»، حيث قال إنَّ القطع المفقودة قد لا تكون «النجوم المشعة في المجموعة، وهو الحال مع قطع أثرية مختلفة لا تكون لها قيمة تجارية عالية، لكنها تمثل أهمية معرفية وثقافية ضخمة». من تلك القطع؛ مصباح من الخزف، وميزان للعملات، وعملات فضية يونانية، حصل عليها المتحف عام 1948، إلى جانب عملات معدنية أخرى من روما القديمة وألمانيا في العصور الوسطى. كما اختفى أيضاً خاتم من العصر الإدواردي، حصلت عليه المؤسسة في عام 2001، وفي مكان آخر، اختفت أيضاً سلسلة من «الأسلاك الفضية المستديرة المقطعة» يُعتقد أنها نشأت من كنز من العصر الحديدي مدفون في عام 100 قبل الميلاد، وتبلغ قيمتها آلاف الجنيهات الإسترلينية. وقال المتحف البريطاني، في بيان: «نحن نأخذ مسألة أي عناصر مفقودة على محمل الجدّ. يتم تسجيل الخسائر وإبلاغ الأمناء بها على أساس سنوي». وقال مارتن هينيغ، أستاذ علم الآثار في جامعة أكسفورد: «إذا كان هناك مزيد من الأشياء المفقودة (مما نعرفه)، فقد يشير ذلك إلى مشكلة كبرى. لا ينبغي أن تختفي الأشياء من المتحف. يجب أن يكون هناك تدقيق مناسب».

غير أن البيان لم يكن كافياً بالنسبة لبعض الخبراء، فقد قال خبراء آخرون إنه كان ينبغي للمتحف أن يتصرف بسرعة أكبر. وقال ديك إليس، الرئيس السابق لفرقة الفنون والآثار في سكوتلاند يارد، لصحيفة «نيويورك تايمز»، إنه صُدم لأن المتحف لم يتخذ سوى القليل من الإجراءات خلال العامين الماضيين منذ إطلاق الإنذار. وقال إليس إنه من أجل الكشف عما حدث، سيحتاج المتحف البريطاني أولاً إلى التأكد مما فقده بالضبط، عندها ستحتاج الشرطة إلى الحصول على سجلات من موقع «eBay» أو مواقع المزادات الأخرى للتأكد من تفاصيل أي عملية بيع مكتملة أو محاولة بيع. وأضاف أن الشرطة ستحتاج بعد ذلك إلى الاتصال بمشتري العناصر. وإذا كان أي مشترين يقيمون خارج بريطانيا، فإن ذلك قد يعيق التحقيقات.

جانب من رخاميات إلغن اليونانية في المتحف البريطاني (إ.ب.أ)

تتولى قيادة الجرائم الاقتصادية بشرطة لندن (مترو بوليتان بوليس) التحقيق حالياً، وحتى تصدر تقريرها لن يعرف حجم السرقات أو الضرر الذي وقع داخل قاعات المتحف العريق، ولكن مما لا شك فيه هو أن سمعة مؤسسة المتحف قد تضررت، وفتحت الحادثة أبواباً كثيرة لمطالبات دول رفض المتحف إعادة مقتنياتها مراراً.

حقائق

8 ملايين

المتحف البريطاني يضم حوالي 8 ملايين قطعة أثرية، منها 80 ألفاً في العرض.


مقالات ذات صلة

احتفاء مصري بمرور ربع قرن على تدشين متحفي أم كلثوم وعبد الوهاب

يوميات الشرق من مقتنيات متحف أم كلثوم (متحف أم كلثوم)

احتفاء مصري بمرور ربع قرن على تدشين متحفي أم كلثوم وعبد الوهاب

احتفى بيت المعمار المصري بمرور ربع قرن على تدشين متحفي أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، ضمن احتفالات وزارة الثقافة المصرية باليوم العالمي للمتاحف.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق متحف الكاكاو والشوكولاتة الجديد في مكسيكو سيتي (لويس أنطونيو روخاس -نيويورك تايمز)

نصب تذكاري للشوكولاتة مُغلّف بطبقات من التاريخ المكسيكي

يقول أغوستين أوتيغي، الذي شاركت عائلته في تحويل المبنى إلى متحف الكاكاو والشوكولاتة في المدينة: «يُجسّد الكاكاو هذا الرابط بين الماضي والحاضر».

أوروبا يعد اللوفر المتحف الأكثر استقطاباً للزوار في العالم (رويترز) p-circle

فرنسا: إيداع تونسي السجن للاشتباه بتخطيطه لاستهداف اليهود ومتحف اللوفر

أعلنت النيابة العامة لمكافحة الإرهاب في باريس توجيه اتهامات رسمية إلى شاب تونسي يبلغ 27 عاماً، يُشتبه في «تخطيطه لهجوم عنيف مستوحى من الفكر المتطرف».

«الشرق الأوسط» (باريس)
يظهر في الصورة صبي يُعرف باسم غيرسي بجانب الملازم بول هنري أوري (الصندوق الوطني للتراث)

بعد قرون... باحثون يكتشفون لغز طفل أسود مستعبَد في لوحة بريطانية شهيرة

بعد عقود طويلة من الجدل والتساؤلات، نجح باحثون بريطانيون في كشف جانب من قصة الطفل الأسود المستعبَد الذي ظهر في واحدة من أشهر لوحات القرن الثامن عشر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق هنا يتحوَّل الحفظ إلى جزء من التجربة الفنّية (موقع المتحف)

«ديبوت - انعكاس بوييمانز»... داخل العالم السرّي لأحد أضخم مخازن الفنّ

المادة التي كان يمكن أن تقع في الجفاف، بين معلومات عن الهندسة والتخزين والحفظ، تتحوَّل بين يدَي المخرجة إلى تجربة مشغولة بالتدفُّق والملمس والإيقاع.

فاطمة عبد الله (بيروت)

رحيل «جدّ المثقفين»... إدغار موران يغلق قوس قرنٍ من الفكر المعقد

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)
الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)
TT

رحيل «جدّ المثقفين»... إدغار موران يغلق قوس قرنٍ من الفكر المعقد

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)
الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)

غيّب الموت في العاصمة الفرنسية باريس، الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي البارز إدغار موران عن عمر ناهز 104 أعوام ليسدل الستار على حياة حافلة، وصفتها الأوساط الثقافية بـ«ذاكرة القرن العشرين المتنقلة».

ويُعدّ موران، الذي أكدت عائلته وفاته، أحد آخر العمالقة في مدرسة الفكر الإنساني المعاصر، تاركاً وراءه إرثاً فلسفياً وسوسيولوجياً ضخماً غيّر وجه النظر إلى العلوم والمعرفة الإنسانية عبر نظريته الشهيرة حول «الفكر المركب» (Pensée complexe).

ونعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المفكر الراحل، عبر منصة «إكس»، واصفاً إياه بـ«العقل العالمي والإنسانية المتجسدة»، بينما توالت برقيات العزاء من مختلف الأطياف السياسية والثقافية في أوروبا والعالم العربي، الذين رأوا في رحيله خسارة لواحد من أكثر الأصوات شجاعة ونزاهة في مقارعة الآيديولوجيات المغلقة والدفاع عن القضايا العادلة.

من مقاومة النازية إلى الانشقاق الآيديولوجي

ولد إدغار ناهوم (الذي اتخذ اسم موران لاحقاً) عام 1921 في باريس لعائلة يهودية من أصول سالونيكية يونانية. ولم تكن حياته مجرد تأملات هادئة بين جدران الجامعات، بل بدأت في أتون المواجهة، إذ انخرط شاباً في صفوف المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية. وفي تلك المرحلة، اختار اسم «موران» السري ليكون هويته الدائمة.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران في منزله بباريس 16 ديسمبر 1975 (أ.ف.ب)

قادته حماسته الفكرية بعد الحرب إلى الانضمام للحزب الشيوعي الفرنسي، مستبشراً بالعدالة الاجتماعية، غير أن روحه المتمردة وعقله الرافض للتدجين لم يصمدا طويلاً أمام القيود الستالينية. عارض موران التوجهات الديكتاتورية لـ«الرفاق»، فتم طرده من الحزب عام 1951. لم يتراجع، بل حول هذه الخيبة إلى مادة سوسيولوجية ملهمة، حيث أصدر كتابه الشهير «نقد ذاتي»، الذي أسّس فيه مبدأ المساءلة المستمرة للأفكار والذات، مبتعداً عن اليقينيات الزائفة.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران (أ.ف.ب)

هندسة «الفكر المركب» ومحاربة التبسيط

صنع موران مجده المعرفي الأصيل في أروقة المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS) ومن هناك، أطلق مشروعه الفلسفي الأضخم المتجسد في موسوعته «المنهج» (La Méthode) التي صدرت في 6 أجزاء.

كان موران يرى أن الخطيئة الكبرى للعلوم الحديثة هي «التبسيط والاختزال»، أي فصل العلوم بعضها عن بعض، ولذلك دعا إلى «الفكر المركب» الذي يربط بين علم الأحياء، والتاريخ، والسياسة، والأنثروبولوجيا، والسينما.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران مع زوجته الممثلة والعارضة والكاتبة الكندية جوهان هاريل في منزله بباريس 16 ديسمبر 1975 (أ.ف.ب)

في فلسفة موران، لا يمكن فهم الجزء دون الكل، ولا الكل دون الجزء. فكل إنسان يحمل الكوكب بأكمله في تفاصيله اليومية. ولم يتردد طوال حياته في التحذير من المخاطر الكونية التي تحدق بالبشرية، مثل التغير المناخي، والتقدم التكنولوجي غير المنضبط بأخلاقيات، والتوحش الرأسمالي، معتبراً أن العالم يسير نحو «هاوية» ما لم يقم بـ«أنسنة الحضارة».

نصير فلسطين... شجاعة المواقف في وجه العاصفة

تميز موران بمواقف أخلاقية صلبت مكانته كمثقف عضوي في الشأن العام. ولم تشفع له أصوله اليهودية لدى الدوائر الصهيونية عندما انتقد بجرأة شديدة السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. وفي عام 2002، نشر مقالاً مدوياً في صحيفة «لوموند» الفرنسية برفقة مثقفين آخرين، انتقد فيه حصار غزة وممارسات الاحتلال، معتبراً أن «ضحايا الأمس يتحولون إلى جلادي اليوم».

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران (أ.ف.ب)

جرّت عليه هذه المقالة ملاحقات قضائية بتهمة «معاداة السامية»، خاضها موران بشجاعة مدعوماً بتضامن واسع من مجتمع الأكاديميين العالمي، إلى أن برّأته محكمة التمييز الفرنسية العليا. وظل، حتى الشهور الأخيرة من حياته، يرفع صوته تنديداً بالعدوان على قطاع غزة والمجازر المستمرة بحق المدنيين.

ملهمات الفكر والحياة: الشريكات في مسيرة قرن

لم تنفصل حياة موران الفكرية عن تفاصيل حياته العاطفية والزوجية التي شكلت رافداً لروحه الإنسانية. ارتبط في السبعينات بالفنانة والكاتبة الكندية الراحلة جوهان هاريل، التي شاركته شغفه بالفن والسينما الإثنوغرافية.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران مع زوجته الممثلة والعارضة والكاتبة الكندية جوهان هاريل في منزله بباريس 16 ديسمبر 1975 (أ.ف.ب)

وفي العقود الأخيرة من عمره، عاش موران فصلاً معرفياً وإنسانياً استثنائياً برفقة زوجته عالمة الاجتماع المغربية صباح أبو السلام، التي تزوجها عام 2012. ولم تكن صباح شريكة حياة فحسب، بل كانت رفيقة فكرية صاغ معها مؤلفات مشتركة تدرس التحولات الاجتماعية والسياسية، ومثّلت جسراً ثقافياً عزز ارتباط الفيلسوف الراحل بالقضايا العربية وقيم الحوار الحضاري بين الضفتين.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (يسار) يرحب بالفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران (في الوسط) وزوجته صباح أبو السلام (يمين) خلال حفل أقيم في قصر الإليزيه بباريس بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده (أ.ف.ب)

تواصل حتى الرمق الأخير

حتى مع تجاوزه عتبة المائة عام، لم يتقاعد عقل موران. ظل حتى أيامه الأخيرة يكتب، وينشر المؤلفات، ويغرد لقرابة ربع مليون متابع على منصة «إكس»، معلقاً على الحروب المعاصرة والأزمات البيئية بكثير من الدهشة الطفولية والحكمة الإنسانية.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يلقي كلمة في مقر منظمة اليونيسكو بباريس خلال حفل بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده في 2 يوليو (تموز) 2021 (أ.ف.ب)

توفي الفيلسوف الأنيق، صاحب القبعات الشهيرة وربطات العنق الحريرية، تاركاً فراغاً لا يُعوّض في الفكر العالمي، ومثبتاً مقولته المفضلة في كتابه «دروس قرن من الحياة»: «الحياة لا تكون محتملة إلا إذا أدخلنا عليها شيئاً من الشعر، أي الكثافة، والفرح، والمحبة».


جولييت بينوش لـ«الشرق الأوسط»: يمنحني التمثيل حرية مطلقة لأن أكون الشخص الآخر

الممثلة الفرنسية جولييت بينوش (إ.ب.أ)
الممثلة الفرنسية جولييت بينوش (إ.ب.أ)
TT

جولييت بينوش لـ«الشرق الأوسط»: يمنحني التمثيل حرية مطلقة لأن أكون الشخص الآخر

الممثلة الفرنسية جولييت بينوش (إ.ب.أ)
الممثلة الفرنسية جولييت بينوش (إ.ب.أ)

في فيلم «ملكة عند البحر (Queen at the Sea)»، الذي عُرض في «مهرجان برلين السينمائي» الماضي، يتفرد مشهد رائع يجمع بين الممثلة الفرنسية جولييت بينوش وتوم كورتني، حيث يتحدث الممثل البريطاني المخضرم عن زوجته المصابة بألزهايمر... يعلم ما ستؤول زوجته إليه، ويعلم أيضاً ما سيحدث لحياته معها، «لكن عليّ أن أتجاهل كل ذلك؛ لأنني إذا لم أفعل، فسأسقط في فراغ لا أمل فيه». تستمع له ابنته بالتبني؛ جولييت بينوش، مترقرقة العينين. تفهم تماماً ما يقصد وتوافق عليه بصمت. ملامح وجهها تنطق بذلك. تستمع وتدرك. عندما تتحدث، فإن كلماتها موجزة وصادقة.

إنه مشهد يعكس القيمة الطبيعية التي تتحلى بها الممثلة الفرنسية بينوش في كثير من أدوارها. تعمد إلى التعامل مع شخصياتها بثقة وبعيداً عن الانفعال.

جولييت بينوش في «ملكة عند البحر» (ماتش فكتوري)

وُلدت قبل 62 سنة، لكنها ما زالت تبدو أصغر بـ20 عاماً. لديها في جعبتها أكثر من 60 فيلماً في رحلة بدأت وهي في الـ19 من عمرها سنة 1983، وسرعان ما استحقّت ثقة مخرجين أوروبيين كبار أمثال جان - لوك غودار، وجاك دويلون، وليوس كاراكس، وكريستوف كيوسلوفسكي، وآندريه تاشيني، وميشال هانيكَ، وجون بورمان، وأوليفر أوساياس.

في حديث سابق مع المخرج الآيرلندي جون بورمان، الذي استعان بها لفيلمه «في بلدي (In My Country)»، قال لي: «أعتقد أن جولييت تتميّز عن كثيرات من الممثلات بأن الثقة التي تشع منها عندما تؤدي دورها تنتشر سريعاً إلى باقي الممثلين، وتريح المخرج أيضاً. انفعالاتها صادقة، وتجاوبها مع المشهد طبيعي».

إلى جانب أعمالها المميّزة بحضور واثق وأداء لا يخطئ حساباته، هي صاحبة آراء في السياسة، ولطالما وقفت وراء دعوات احتجاج خلال السنوات الـ20 الأخيرة. في 2006 أبدت دعمها صحافيين احتُجزوا في العراق. وطالبت بحرية التعبير احتجاجاً على منع المخرج الإيراني جعفر بناهي من العمل. ومن مواقفها البارزة الكلمة التي ألقتها في حفل افتتاح الدورة الماضية من مهرجان «كان»، التي قدمت خلالها تحية للمصوّرة الصحافية فاطمة حسّونة التي قضت خلال أدائها عملها في غزّة.

كل ذلك وسواه يجعلها ممثلة مهتمّة بما هو خارج المهنة ذاتها... إنسانية الدوافع والتوجّه، وذات رؤية نجد أمثلة كثيرة لها بين أترابها من الممثلات، لكن ليس بمثل هذا التواصل والوضوح.

في السينما هي نموذج للممثلة التي تختار أدوارها بعناية. منذ أدوارها الأولى، مثل «حياة عائلية» (1986) و«مرتفعات وذرينغ» (1992)، إلى أعمالها في السنوات الأخيرة، ومنها «كاميل كلوديت» (أحد أبرز أعمالها في هذه الفترة)، و«ضباب سيلز ماريا»، وحتى «ملكة عند البحر»، حافظت على إبداع أنيق ومقنع، وعلى نجومية منذ مطلع التسعينات حتى اليوم.

التقت «الشرق الأوسط» جولييت بينوش في «كان»، وفي ما يلي نص الحوار:

بين الأجيال

* شاهدت «ملكة عند البحر» في «برلين»، كما شاهدت سابقاً أفلاماً كثيرة عن شخصيات أصيبت بألزهايمر أو الخرف. كلا المرضين نوع من نهاية لحياة سابقة وبداية أخرى. ما الذي جذبك إلى الدور الذي قمت به؟

- هناك نقطة مثيرة لاهتمامي؛ هي تلك التي نرقب فيها أولادنا وهم ينتقلون من الطفولة إلى سنوات الشباب، بينما يبدأ أهلنا الذين ننتمي إليهم يشيخون ويفقدون القدرة على ممارسة الحياة كما كانوا يفعلون سابقاً. هي نقطة فاصلة نقف فيها في منتصف الطريق بين جيل يتقدّم وآخر يتراجع. هذا هو الموضوع الذي جذبني إلى العمل.

* هل وجدتِ ما تبحثين عنه في السيناريو عندما عُرض عليك؟

- لم نبدأ؛ المخرج (لانس هامر) وأنا، العمل بسيناريو مكتوب. كانت عنده الفكرة والحكاية طبعاً، لكننا جلسنا وطوّرنا السيناريو معاً. ما شدّني إلى هذا الموضوع هذا الوضع المنتشر بين كثيرين من المتقدّمين في العمر، والمسؤولية التي تجد فيها الشخصية، التي قمت بها، حيال والدتها التي تخسر ذاكرتها وحضورها الطبيعي في المجتمع.

* الفيلم يتطرّق أيضاً إلى نظام الخدمات الصحية. نراه لا يعمل كما يجب...

- هذا النظام يتحوّل جزءاً من المعاناة؛ لأنه لا يحل المشكلات؛ بل يزيدها إذا ما حاول المرء الاعتماد عليه. لكن الجانب الآخر هو تلك المسؤولية التي تربطنا بالكبار سنّاً إذا ما تعرّضوا لهذه الأزمة، أو لما يشابهها من حالاتٍ عليهم الاتكال على أبنائهم لمساعدتهم بكل شيء فيها.

فن اختيار الأدوار

* أذكر أنني سألتك عندما التقينا قبل أكثر من 10 سنوات في مؤتمر صحافي بخصوص فيلم «شوكولا» عن كيف تختارين أدوارك، وماذا تطلبين منها قبل الموافقة عليها. هل لنا أن نتحدّث عن هذا الجانب الآن؟

- لا أذكر ماذا كان ردّي، لكنني لا أعتقد أنه تغيّر كثيراً منذ ذلك الحين. «شوكولا» كان من تلك الفرص التي تُتاح للممثل حباً في التغيير عن السائد في أدواره الأخرى. لا تتغير قواعد الاختيار، لكن الحافز أيضاً هو تجربة التمثيل في فيلم أميركي. ما أقوم به، في مطلق الأحوال، هو معرفة ما حسنات السيناريو الذي أقرأه؛ ليس حيال شخصيّتي فقط، بل أيضاً تجاه الموضوع المطروح. بالنسبة إلى شخصيّتي، يجب أن تكون مكتوبة بوضوح؛ لأن ذلك من صميم العمل. لا أؤمن بأن الوضوح قد يحدث خلال التصوير عبر الحوار مثلاً، بل على السيناريو أن يتضمن إجابات عن كل ما يريد طرحه.

بينوش كما بدت في «ثلاثة ألوان: أزرق» (إم كي2)

* بماذا تشعرين عندما يذكّرك أحد بأفلامك السابقة في التسعينات، ومن بينها الثلاثية التي أخرجها كريستوف كيوسلوفسكي: «3 ألوان: أزرق»... «3 ألوان: أبيض» و«3 ألوان: أحمر»؟

- طبعاً أشعر برضى كامل؛ لأن الممثل الذي يهتم بلعب دور مختلف في الحياة الفنية؛ فلا بد له من أن يبحث عن تلك الأعمال التي تؤيد رغبته في أن يكون ممثلاً جاداً يؤدي أعماله برغبة في منحها كل ما لديه من إقدام وموهبة. لكن أفلاماً، مثل تلك الثلاثية، لا تأتي من فراغ. هي تنتمي إلى مخرجيها، وبقدر ما يدرك مسؤوليّته بصفته فناناً ويحرص على تقديمها ممهورة بأسلوبه، ينعكس ذلك على أي ممثل في أفلامه. أنا محظوظة بأنني مثلت هذه الأفلام، وأفلاماً أخرى حققها مخرجون جيّدون آخرون.

عالم متغيّر

* ما الذي تغيّر في واقع السينما من ظروف بين الثمانينات والتسعينات واليوم؟

- عموماً أم بالنسبة إليّ؟

* بالنسبة إليك بصفتك ممثلة، لكنني أود أيضاً معرفة رأيك في عموم الوضع بين تلك الفترة والمرحلة الحالية...

- ما زال موجوداً، من حسن الحظ، عدد كبير من المخرجين الذين يرغبون تحقيق ذواتهم من خلال الأفلام التي ينجزونها. هذه هي الحصانة الرئيسية ضد عوامل تهدد فن السينما. نعيش عالماً متغيّراً، وآثار ذلك باتت حاضرة وتهدد بنية العمل بأسره. بالنسبة إليّ، وإلى كثيرين من الممثلين في فرنسا وأوروبا، نوالي دعم السينما باختياراتنا من الأفلام.

* كيف تجدين فعل الانتقال من شخصيّتك اليومية والخاصّة إلى شخصية هي أساساً خيالية؟

- أجده ممتعاً ومثيراً جداً. التمثيل هو قدرة الممثل على فعل الانتقال بنجاح، وهذا الفعل لا يمكن أن يتم إلا بالانعتاق من الواقع واستبدال واقع آخر به. الواقع الآخر ليس خيالاً، وبالتالي شخصياته ليست خيالاً إلا في التصنيف. التمثيل يمنحني حرية مطلقة لأن أكون الشخص الآخر.

* كنتِ رئيسَ لجنة التحكيم في دورة عام 2019 من مهرجان «برلين». ما الذي تبحثين عنه في الأفلام التي تتقدّم للتنافس في المهرجانات عموماً؟ ما دورك المحدد؟

- الحكم على الأفلام من خلال لجنة تحكيم في أي مهرجان مسألة صعبة أساساً، وهي أصعب عندما تجد اللجنة نفسها أمام أفلام عدة جيدة. لكن ما أعدّه مهمّاً هو البحث عمّا يمكن أن يمنحه الفيلم للعالم.

جولييت بينوش في مهرجان «برلين» (إ.ب.أ)

* مهرجان «برلين» معروف باختياره أفلاماً تطرح قضايا سياسية...

- هذا صحيح، ونحن بحاجة إلى مزيد منها من وجهات النظر كافة. كلما تعددت الاتجاهات، أدركنا أين يقف العالم اليوم.


حماقي يراهن على تنوع ثيمات «سمعوني»

اختار حماقي 18 أغنية في ألبومه الجديد (حسابه على «فيسبوك»)
اختار حماقي 18 أغنية في ألبومه الجديد (حسابه على «فيسبوك»)
TT

حماقي يراهن على تنوع ثيمات «سمعوني»

اختار حماقي 18 أغنية في ألبومه الجديد (حسابه على «فيسبوك»)
اختار حماقي 18 أغنية في ألبومه الجديد (حسابه على «فيسبوك»)

يراهن الفنان المصري محمد حماقي على تنوع ثيمات ألبومه الجديد «سمعوني»، الذي يضم 18 أغنية جديدة طرح منها 16 أغنية دفعة واحدة خلال عيد الأضحى بعد أيام من طرحه الدويتو الغنائي الذي جمعه مع الفنانة شيرين عبد الوهاب «بحرية» وأغنيته الأولى «قالوا عني إيه».

الألبوم الذي يعود من خلاله المطرب المصري لإصدار ألبومات غنائية بعد غياب ناهز العامين ومروره بأزمة صحية صعبة، تعاون فيه مع عدد كبير من الشعراء والملحنين والموزعين منهم توما، أمير طعيمة، عزيز الشافعي، أحمد إبراهيم، بالإضافة إلى الراحل محمد رحيم الذي قدم ألحانه في أغنية «بيقولولك إيه».

ورغم تقديم عدد محدود من الحفلات في الفترة الماضية فإن حماقي ظل متمسكاً بفكرة طرح ألبومه دفعة واحدة مع اختيار عدد كبير من الأغاني وتسجيلها للاختيار فيما بينها، بوقت يعد ألبومه من أوائل الألبومات التي تطرح خلال موسم الصيف الحالي.

وقال الناقد الموسيقي محمود فوزي السيد لـ«الشرق الأوسط»، إن ألبوم «سمعوني» يعكس رغبةً واضحةً لدى محمد حماقي في العودة بقوة إلى الساحة الغنائية، مشيراً إلى أن تقديم 18 أغنية دفعة واحدة يؤكد حجم الشغف الذي يحمله الفنان تجاه مشروعه الجديد، ورغبته في تعويض فترة الغياب من خلال ألبوم ثري ومتنوع يرضي مختلف الأذواق.

الملصق الترويجي للألبوم (حسابه على «فيسبوك»)

وأضاف أن العدد الكبير من الأغنيات لا يبدو مجرد محاولة لزيادة المحتوى، بل يعكس حالة فنية يعيشها حماقي، إذ حرص على تقديم أفكار وموضوعات متنوعة، إلى جانب اختيارات موسيقية متعددة تمنح المستمع تجربة مختلفة من أغنية إلى أخرى، وهو ما جعل الألبوم يبدو أقرب إلى رحلة غنائية متكاملة.

ويؤكد الناقد الموسيقي أمجد جمال لـ«الشرق الأوسط»، أن حماقي قدم مجموعة متنوعة من الأغنيات في الموضوعات والأفكار والألوان الموسيقية، في محاولة منه لصناعة حالة من الزخم حول عودته، لافتاً إلى اختياره الاعتماد على المدرسة التقليدية في طرح الألبوم، من خلال تقديم أغنيتين فقط قبل صدوره الكامل، هما «قالوا عني إيه» و«بحرية»، موضحاً أن الأغنيتين نجحتا في أداء دورهما الترويجي وصناعة حالة من الجدل والترقب.

وأكد أن توقيت طرح الألبوم كان موفقاً للغاية، إذ تزامن مع فترة الإجازات وابتعد عن أي أحداث أو ترندات كبرى قد تشتت انتباه الجمهور، وهو ما منح الألبوم فرصة أكبر للوصول إلى المستمعين وتحقيق الانتشار المطلوب.

ويعتبر جمال أن من أبرز مفاجآت الألبوم الحضور القوي للأغنيات الشرقية، فقد قدم هذه المرة جرعة أكبر من الألحان الشرقية الأصيلة مقارنة ببعض أعماله السابقة التي كانت تميل أكثر إلى البوب والموسيقى الغربية.

أغنيات شرقية

هنا يشير محمود فوزي السيد إلى أن حماقي أولى اهتماماً خاصاً بالأغنيات الشرقية والطربية، وهي منطقة ينجح دائماً في تقديمها بخصوصية، لافتاً إلى أن الألبوم يضم جرعة واضحة من هذه النوعية من الأغنيات إلى جانب ألوان موسيقية أخرى، بما يحقق التوازن المطلوب ويمنح كل شريحة من الجمهور ما تبحث عنه.

وأشار فوزي إلى أن من أبرز ملامح الألبوم حرص حماقي على التنوع الموسيقي، إذ عمل على تقديم أكثر من لون وإيقاع، بحيث يجد المستمع داخل الألبوم الأغنية التي تناسب ذائقته، وهو ما يبرر قرار طرح عدد كبير من الأغنيات في توقيت واحد، سعياً للوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من الجمهور.

رأي دعمه الناقد الموسيقي مصطفى حمدي الذي أكد لـ«الشرق الأوسط»، أن الألبوم يمثل عودة جيدة للمطرب المصري بعد فترة غياب طويلة عن طرح الألبومات الغنائية مع رهانه هذه المرة على الدراما الغنائية بصورة أكبر، الأمر الذي ظهر في عدد من الأغنيات التي تحمل طابعاً عاطفياً مؤثراً على غرار «عمرنا ما نسينا»، إلى جانب اعتماده على الأغنيات ذات الإيقاع الشرقي التي تعد من أبرز نقاط قوته الفنية.

وأضاف أن حماقي يمتلك قدرة خاصة على تقديم اللون الشرقي بإحساس عالٍ يجعله أكثر تميزاً في هذا النوع من الأغنيات، مشيراً إلى أن وجود 18 أغنية في الألبوم يعد رقماً كبيراً نسبياً لكنه متسق مع النهج الذي اتبعه حماقي في ألبوماته الأخيرة من حيث العدد رغم أن كثرة الأغنيات انعكست أحياناً على تشابه بعض الموضوعات المطروحة، خصوصاً تلك المرتبطة بالفراق والهجر والعلاقات العاطفية، لكن يظل الألبوم محافظاً على حضور عدد من الأغنيات اللافتة التي تحمل بصمة خاصة.

تمسك حماقي بطرح ألبومه دفعة واحدة (حسابه على «فيسبوك»)

وأشار حمدي إلى أن وجود ألحان الراحل محمد رحيم منح الألبوم قيمةً إضافيةً، لكونه من الملحنين الذين امتلكوا هوية موسيقية مميزة يسهل التعرف عليها، مع الكلمات المميزة التي كتبها تامر حسين في أغنية «بيقولولك إيه».

حضور الراحل رحيم

وعد محمود فوزي السيد تقديم لحن للراحل محمد رحيم بمثابة لمسة وفاء تجاه أحد أهم الملحنين المصريين في السنوات الماضية، مشيراً إلى أن ألحانه مع حماقي في السابق قدمت تجارب متميزة فنياً.

وأكد السيد أن الألبوم يراهن بالأساس على تنوعه وجودة محتواه، لافتاً إلى أن حماقي لم يعتمد على حملات دعائية مكثفة بقدر ما اعتمد على حالة الترقب التي صنعها لدى جمهوره خلال فترة غيابه، وثقته في أن الجمهور كان ينتظر هذه العودة ويتطلع إلى الاستماع إلى عمل غنائي جديد يحمل بصمته المعروفة.

وشهد «سمعوني» عودة التعاون بين حماقي والملحن المصري عمرو مصطفى الذي تعاون معه في 7 أغنيات جديدة بالألبوم بعد الصلح الذي جرى بينهما قبل شهور، في وقت اقتصرت فيه الدعاية الخاصة بالألبوم على حسابات المطرب المصري عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

ويتفق مصطفى حمدي وأمجد جمال على أن عودة التعاون بين حماقي وعمرو مصطفى انعكست بشكل إيجابي على الألبوم، لا سيما وأن حماقي يفضل ألحان عمرو مصطفى التي تحمل طابعاً موسيقياً قريباً من الألوان اللاتينية، وهي ألوان يراها مناسبة للغاية لصوت المطرب المصري وتشكل جزءاً أصيلاً من هويته الفنية التي اعتاد عليها الجمهور.