كأنّ الحياة أُسقِطت من الشاشة فجأة… صبحي عطري يُغادر بهدوء موجِع

الإعلامي السوري عُرف بعلاقاته الطيّبة مع الفنانين وبتعلُّق والدته به

وصل الخبر قاسياً: صبحي عطري يُغادر الحياة فجأة (مواقع التواصل)
وصل الخبر قاسياً: صبحي عطري يُغادر الحياة فجأة (مواقع التواصل)
TT

كأنّ الحياة أُسقِطت من الشاشة فجأة… صبحي عطري يُغادر بهدوء موجِع

وصل الخبر قاسياً: صبحي عطري يُغادر الحياة فجأة (مواقع التواصل)
وصل الخبر قاسياً: صبحي عطري يُغادر الحياة فجأة (مواقع التواصل)

الموت حين يأتي على غفلة، يُشبه صاعقة تُطفئ النور في لحظة، بلا مقدّمات، بلا تحذير. لا يقرع باباً، لا يُمهِّد لخطاه، فقط يدخل ويخطف. وصل الخبر قاسياً، مُربكاً، متخفّفاً من أيّ رحمة: صبحي عطري، الإعلامي السوري، يُغادر الحياة فجأة.

مُبتسم دائماً وحاضر بخفّته (مواقع التواصل)

هو المُبتسم دائماً، الحاضر بخفّته، المألوف الوجه؛ جعله برنامج «إي تي بالعربي» دليل الناس إلى أخبار الفنانين وكواليسهم. وكان صاحب الميكروفون الذي يطرح الأسئلة بابتسامة وخفّة ظلّ؛ بحضور مُحبَّب على السجادة الحمراء، فيمشي كأنه يعرف الجميع، ويُحيّي كل نجم كأنه صديق قديم، ويمدّ أذنه للهمسات خلف الكواليس بلطافة وفضول. كان صبحي عطري اسماً وحضوراً، يُجيد الثناء، ويصنع من عمله الإعلامي مساحة لعلاقات الطيبة وصداقات لا تُعدّ.

رحل صبحي... فاختلّ ميزان الضوء في قلب أمه

هكذا، ببساطة موجعة، رحل. لكنّ الخسارة حين تُلامس قلب الأم، تُصبح وجعاً مضاعَفاً لا يشبه سواه. في قلب تلك الأم المقيمة في حلب، انطفأ نورٌ. اثنان من أصدقائه، الإعلاميان اللبنانيان راغب حلاوي وفراس حليمة، تخيَّلا مشهدها، وتساءلا: «كيف تلقَّت هذا النبأ الذي لا يُحتَمل؟». فهو لم يكن ابنها فحسب. كان ملاذها الأخير، والضوء الذي بدّد عتمة الحرب، وفي شعاعه أقام رجاء العُمر.

فرّقتهما الحرب؛ ففي حين أقام هو في الإمارات، بقيت هي في سوريا، مُحاصَرة بأخبار الغياب والشوق. لم تتقلَّص المسافات بينهما إلا مؤخراً. لكن المسافة، على قسوتها، زادت عمق الوصال؛ فأصبح أملها ودفء أيامها، وباتت عنده رمزاً للصبر وللحنان وللجذور التي لا تُنتزع من القلب مهما ابتعد الجسد. اليوم، خذلتها الحياة، وسُرق منها الضوء على غفلة.

بين صبحي عطري وراغب حلاوي صداقة وأثر (راغب حلاوي)

عن خيط النور الذي ربط صبحي عطري بجذوره، يروي راغب حلاوي: «زار بيروت للمرة الأخيرة لتغطية حفل (الموريكس دور)، لكنّه أُلغي لهجوم أشباح الحرب. بقي أمامه يومان قبل المغادرة، فاغتنم الفرصة ليعود إلى حضن عائلته في سوريا. لم نعلم أنّ تلك الزيارة ستكون وداعية، وأنّ العناق الأخير سيغدو ذكرى لا تتكرّر».

صبحي عطري مع فراس حليمة الصوت العاطفي (فراس حليمة)

أما فراس حليمة فيستعيد قلق صبحي الذي كان لا ينام لخوفه على والدته في خضمّ النار السورية. يقول: «لم يعرف الطمأنينة إلا بإحضارها إلى دبي. عاشت إلى جانبه مدة، كأنها استراحة محاربَيْن. لكنها كانت مثل سمكة اقتُلِعت من بحرها، لا تقوى على البقاء خارج ماء الذاكرة والحنين، فعادت إلى حلب. ناداها الوطن رغم اللهيب».

اليوم، يقف الصديقان مذهولين أمام مشهد الأم وحدها في وجه هذا الفقد القاسي. كيف لها أن تتحمّل رحيل مَن كان عالمها بأسره؟ المشهد، يقولان، يُفتّت القلب، ويُشعل في الصدر ناراً لا يُطفئها سوى لقاء مؤجّل في سماء أخرى.

كان صبحي عطري اسماً وحضوراً (مواقع التواصل)

ويسترجع حلاوي علاقته بصديقه الذي يصفه بأنه «الأعزّ»، بصوت تختلط فيه المودَّة بالذهول: «كنتُ أستقبله من المطار في كلّ زيارة إلى بيروت، كما كان يفعل حين أهبط في دبي. علاقتنا حقيقية وصادقة. وعلى الصعيد المهني، لطالما رأيته من ألمع المذيعين وأقربهم إلى الناس. ترك أثراً دافئاً لا يُنسى».

أما حليمة، الصوت العاطفي الآخر، فلم يتخيّل يوماً أن يُطلَب منه التحدُّث عن صبحي الراحل. بين الكلمات، تختبئ محبّة واحترام كرّستهما المهنة، ورحيل يصعب الآن التكيُّف معه.

صدمة موت صبحي أشبه بضربة مفاجئة لجدار هشّ. لطالما أظهر اهتماماً بالغاً بصحته، وكان يفضّل الراحة والاعتناء بنفسه، على أوقات السهر مثلاً. ويؤكد حلاوي أيضاً، اتّباعه نمط حياة صحياً؛ وفجأة تأتي الذبحة الصدرية لتقضي عليه، مما يجعل الفكرة بأكملها غير قابلة للفَهْم. وبينما كان يمضي وقتاً ممتعاً في ألمانيا خلال إجازاته، يتنقّل بين أصدقائه وشقيقه المُقيم في أوروبا؛ انطفأ العُمر. موت غامض ومُحيِّر.

وبعينَي فراس حليمة، كان صبحي عطري، «أهم المقدّمين في عالم الإعلام الفنّي». فالناس، والفنانون على السواء، أحبّوه. وقد ترك، كما يصفه حلاوي، ذكرى لا تُنسى: «الجلسة معه مليئة بالأخبار، بحيث لا يُملّ منها»، وكان دائماً يُفضّل البساطة في الجلسات، مُستمتعاً بفنجان من الشاي، مُحتفظاً بتواضعه رغم الشهرة التي لاحقته.

شكَّل رحيله المُفاجئ تذكيراً قاسياً للجميع بأنَّ الحياة قصيرة، وأنَّ لحظات السعادة والفرح يجب أن نعيشها بصدق وأمانة، لأننا لا نعلم متى قد يدهمنا الفراق. يمتنُّ حلاوي لوفائه الكبير لأصدقائه، فحتى في خضمّ انشغاله، وضع دائماً علاقاته الشخصية على رأس أولوياته. أما علاقاته مع الفنانين فامتلأت بالحبّ والاحترام المتبادل، و«جمعته علاقة خاصة مع نجوم مثل أصالة، وسلافة معمار، وشيرين عبد الوهاب»؛ وفق حلاوي. وممثلون سوريون أوصوا به، ورأوا فيه ملامح سوريا حين تبتسم، وصوتها حين تتحدَّث إلى العالم بثقة. يتابع: «كنتُ أمازحه دائماً، مُتحدّثاً عن (واسطته) مع هؤلاء الممثلين؛ لأنه ابن بلدهم، وكان يضحك. ضحكة لن ينساها محبّوه، خصوصاً والدته التي عانت ويل الحرب، وحُرمت من لحظات جميلة مع ابنها، لتُواجه اليوم ألم الفراق الأبدي».


مقالات ذات صلة

ترمب يغازل مذيعة «فوكس نيوز» بعد سؤال عن أوضاع إيران

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 26 مارس 2026 (أ.ب)

ترمب يغازل مذيعة «فوكس نيوز» بعد سؤال عن أوضاع إيران

أثنى الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مظهر مذيعة شبكة «فوكس نيوز» مباشرةً بعد سؤاله عن أحوال المدنيين في إيران التي مزقتها الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)

القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

أعلنت وزارة الدولة للإعلام في مصر التحرك قضائياً ضد مقال لكاتب كويتي تضمن «إساءات» لمصر.

محمد الكفراوي (القاهرة )
العالم العربي اجتماع سابق بين وزير الدولة للإعلام ورؤساء الهيئات الإعلامية الحكومية (وزارة الإعلام المصرية)

مصر تناشد «النخب العربية» العمل على «وأد الفتنة الإعلامية»

لوَّحت الحكومة المصرية، الأربعاء، باتخاذ «كل ما تتيحه نصوص القوانين واللوائح لضبط الأداء الإعلامي لوقف الإضرار بمصالح الوطن والإساءة للدول العربية الشقيقة».

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا وزارة الإعلام والهيئات الإعلامية الرسمية المصرية حذرت من الفتنة (الشرق الأوسط)

مصر تحذر من محاولات تقويض علاقاتها بالدول العربية عبر السجالات الإعلامية

حذرت مصر من محاولات بث الفرقة وتقويض العلاقات المصرية - العربية عبر وسائل الإعلام على وقع الحرب الإيرانية.

أحمد عدلي (القاهرة )
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ) p-circle

«الخيانة العظمى»... ترمب يلوّح بأقصى العقوبات ضد الإعلام بسبب تغطية الحرب الإيرانية

وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتقادات حادة لعدد من المؤسسات الإعلامية، مطالباً بمحاكمتها بتهمة «الخيانة العظمى» على خلفية تغطيتها للحرب مع إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
TT

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)

يذهب فيلم «عصافير الحرب» إلى منطقة مختلفة داخل عالم الوثائقي، منطقة لا تُعنى بتقديم إجابات جاهزة بقدر ما تطرح تجربة حياتية بكل تناقضاتها، لا يحاول الفيلم الذي أنتج بتمويل بريطاني - سوري - لبناني أن يكون مرجعاً سياسياً يشرح ما جرى في سوريا أو لبنان، بل يقترب من الحكاية عبر بابها الأكثر هشاشة وصدقاً، ويكون بطلها العلاقة الإنسانية.

من هنا، تتشكل التجربة بين الصحافية اللبنانية جناي بولس وزميلها السوري الذي أصبح زوجها لاحقاً الصحافي عبد القادر حبق، فلا تنفصل الحكاية الشخصية عن السياق العام، لكنها أيضاً لا تذوب فيه، بل تحتفظ بمساحتها الخاصة، كأنها مقاومة هادئة لفكرة اختزال الإنسان في الحدث.

فيلم «عصافير الحرب» بدأ رحلته في مهرجان «صندانس السينمائي» بنسخته الماضية وحصد جائزة «لجنة التحكيم الخاصة للتأثير الصحافي»، ليكون عرضه الأول أوروبياً في مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية»، حيث نال 4 جوائز مختلفة منها جائزة «الإسكندر الفضي» بالمسابقة الدولية، وجائزة «الاتحاد الدولي للنقاد» (فيبرسي) لأفضل فيلم، وقد شارك الثنائي الصحافي العائلي في إخراجه.

وثق الفيلم قصة حب الثنائي السوري واللبناني خلال الثورات (الشركة المنتجة)

تبدأ جناي بولس حديثها عن الفيلم لـ«الشرق الأوسط» من نقطة تبدو بعيدة تماماً عن الشكل الذي انتهى إليه الفيلم، إذ تشير إلى أن الفكرة الأولى كانت مرتبطة برغبتها في توثيق ما جرى في لبنان، خصوصاً خلال لحظة الثورة والانهيار الاقتصادي في 2019، إلى جانب تجربتها كونها صحافية كانت في قلب التغطية اليومية لهذه الأحداث.

هذا الدافع كان أقرب إلى محاولة فهم الواقع أو إعادة ترتيبه بصرياً، لكن مع الوقت، ومع حضور زميلها السوري عبد القادر حبق في حياتها الذي أصبح زوجها بعد عملهما سوياً لفترة طويلة، بدأ هذا التصور يتغير تدريجياً. هنا يلتقط حبق الخيط، موضحاً أن التحول لم يكن مجرد إضافة عنصر جديد إلى القصة، بل إعادة تعريف كاملة لها، لأنهما أدركا أن الحكاية التي يمكن أن تُروى بصدق ليست حكاية بلدين بقدر ما هي حكاية شخصين يعيشان داخل هذا التعقيد.

تعود جناي لتؤكد أن هذا الإدراك كان حاسماً، وخصوصاً مع صعوبة تقديم سرد سياسي مباشر عن بلدين متداخلين مثل سوريا ولبنان، وهو ما كان سيؤدي إلى تشعب قد يبعد المشاهد بدلاً من جذبه، ومن هنا جاء القرار بالتركيز على قصة الحب باعتبارها مدخلاً، ليس بوصفها حيلة درامية، بل باعتبارها المساحة التي يمكن من خلالها فهم كل شيء آخر.

المخرج والصحافي السوري عبد القادر حبق

يؤكد حبق أن هذا الاختيار أتاح لهما أيضاً تجنب الوقوع في فخ التفسير الزائد، وترك مساحة للمشاهد كي يكوّن رؤيته الخاصة، بدلاً من تلقي خطاب مغلق، مؤكداً أنه كان يحتفظ بمواد مصورة تمتد لسنوات من عمله في سوريا، لكنها كانت بالنسبة له عبئاً نفسياً كبيراً، دفعه بعد وصوله إلى لندن إلى اتخاذ قرار واضح بعدم العودة إليها.

تتابع جناي الفكرة، مشيرة إلى أن إدخال هذا الأرشيف في الفيلم لم يكن قراراً سهلاً، لكنه أصبح ضرورياً مع تطور المشروع، لأنه يحمل جزءاً لا يمكن تجاهله من الحكاية، وهنا يوضح حبق أن التحدي لم يكن فقط في استخدام المواد، بل في كيفية التعامل معها دون أن تتحول إلى عبء جديد على الفريق.

تلتقط جناي هذه النقطة لتشير إلى أن العمل على الأرشيف فرض عليهم البحث عن آليات حماية نفسية، خصوصاً أن بعض المواد تحتوي على مشاهد قاسية للغاية، ويقول حبق إنهم اضطروا إلى تصنيف اللقطات وفق درجات حساسيتها، بحيث لا يتعرض أي فرد في الفريق لما قد يؤثر عليه بشكل مباشر دون استعداد، وهذا التنظيم لم يكن فقط إجراءً عملياً، بل كان جزءاً من فهم أعمق لطبيعة العمل، حيث لا يمكن فصل العملية الفنية عن أثرها الإنساني على من يشاركون فيها.

المخرجة والصحافية اللبنانية جناي بولس (الشركة المنتجة)

وعن مرحلة المونتاج؛ توضح جناي أن التحدي الأكبر لم يكن في توفر المواد، بل في اختيار ما يجب أن يبقى وما يجب أن يُستبعد، وهو اختيار وصفته بـ«المعقد»؛ لأن الذاكرة الشخصية كانت حاضرة بقوة، وهو ما جعل وجود فريق العمل عنصراً أساسياً في تحقيق التوازن، ليخرج الفيلم للجمهور بالصورة التي شاهدها الجمهور.


فرش أسنان مبتكرة تدمر البكتيريا في الفم

فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
TT

فرش أسنان مبتكرة تدمر البكتيريا في الفم

فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)

كشف باحثون من المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا عن تطوير جيل جديد من فرش الأسنان يعتمد على تقنية «أكسيد الغرافين»، القادرة على القضاء على البكتيريا بشكل انتقائي دون الإضرار بخلايا الفم. وأوضح الباحثون أن هذا الإنجاز يمثل خطوة نوعية قد تُحدث ثورة في مجال العناية بالفم والنظافة الشخصية، ونُشرت النتائج، الجمعة، بدورية «Advanced Functional Materials».

وتُعد النظافة في المنتجات التي تلامس الجسم مباشرة، مثل الملابس والكمامات وفرش الأسنان، أمراً بالغ الأهمية، إذ تلعب دوراً مباشراً في منع انتقال البكتيريا والجراثيم. وبما أن هذه المنتجات تُستخدم يومياً وتبقى على تماس دائم مع الجلد أو الفم، فإنها تمثل بيئة محتملة لتراكم الميكروبات إذا لم تكن مصممة بخصائص مضادة للبكتيريا، وهو ما يفسّر الاهتمام المتزايد بتطوير مواد وتقنيات حديثة تعزز مستويات النظافة والسلامة الصحية.

وتمكّن الفريق من تحديد الآلية التي يجعل من خلالها «أكسيد الغرافين» مادة فعالة ضد البكتيريا، مع بقائه آمناً على الخلايا البشرية. وتعتمد الفُرش الجديدة على هذه المادة النانوية المتطورة، وهي طبقة رقيقة من الكربون مرتبطة بذرات أكسجين، تتميز بقدرتها على التفاعل مع البكتيريا بطريقة دقيقة وآمنة.

وأظهرت الدراسة أن الفرش تعمل عبر آلية «استهداف انتقائي»، حيث تلتصق المادة النانوية بأغشية الخلايا البكتيرية فقط، وتقوم بتدميرها، بينما تظل الخلايا البشرية سليمة.

ويعود ذلك إلى قدرة أكسيد الغرافين على التعرف على مكوّن دهني يُعرف باسم (POPG)، يوجد في أغشية البكتيريا ولا يتوافر في خلايا الإنسان، ما يمكّن المادة من تمييز الهدف بدقة عالية.

وبفضل هذه الخاصية، تستطيع الفرش التعرف على «هدف محدد» داخل البكتيريا وتدميره دون أي تأثير جانبي، وهو تقدم كبير في فهم آلية عمل المواد المضادة للبكتيريا على المستوى الجزيئي.

وأكد الباحثون أن هذه الخاصية تجعل فرش الأسنان الجديدة فعالة ضد مجموعة واسعة من البكتيريا، بما في ذلك السلالات المقاومة للمضادات الحيوية.

كما أظهرت التجارب أن المادة لا تقتصر على القضاء على البكتيريا فقط، بل تسهم أيضاً في تعزيز بيئة صحية داخل الفم، دون التسبب في التهابات أو آثار جانبية، مما يعزز أمان استخدامها اليومي.

كما أثبتت الألياف المصنوعة من هذه المادة قدرتها على الاحتفاظ بخواصها المضادة للبكتيريا حتى بعد الغسل المتكرر، ما يزيد من احتمالات توظيفها في مجالات صناعية متعددة، مثل الملابس والمنسوجات الطبية.

ووفق الباحثين، لم يعد هذا الابتكار فكرة مخبرية فحسب، فقد تم تطبيقه بالفعل في منتجات تجارية، حيث طُرحت فرش أسنان مضادة للبكتيريا باستخدام هذه التقنية عبر شركة ناشئة منبثقة عن المعهد، وحققت مبيعات تجاوزت 10 ملايين وحدة، في مؤشر واضح على نجاحها التجاري.

ويشير الفريق إلى أن هذه التقنية تمثل خطوة مهمة نحو تطوير بدائل آمنة وفعالة للمطهرات الكيميائية والمضادات الحيوية، مع إمكانية توسيع استخدامها لتشمل مجالات مثل الأجهزة القابلة للارتداء.


«كامبريدج» تُقدِّم دورة في علم النبات ألهمت داروين

نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
TT

«كامبريدج» تُقدِّم دورة في علم النبات ألهمت داروين

نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)

من المقرر استعانة الحديقة النباتية التابعة للجامعة بمواد دراسية وضعها جون ستيفنز هينسلو، مُعلّم داروين، قبل مائتي عام، ويأتي ذلك بعد استخراج عينات نباتية ومواد تعليمية، ألهمت تشارلز داروين وأهَّلته للعمل بوصفه عالماً مختصاً في علم الطبيعة على متن سفينة «إتش إم إس بيغل»، من أرشيف في كامبريدج. وستجري الاستعانة بها للمرة الأولى، لتعليم الطلاب المعاصرين في مجال علم النبات.

وتعود هذه العينات الهشة، والرسومات بالحبر، والرسومات المائية للنباتات، إلى أستاذ داروين ومُعلِّمه، البروفسور جون ستيفنز هينسلو. وقد جرى حفظها في معشبة جامعة كامبريدج لما يقرب من مائتي عام.

ويُعتقد أن بعض الرسومات المائية والرسومات «النادرة للغاية» التي نُشرت لأول مرة في صحيفة «الغارديان» البريطانية، تعد أقدم رسوم توضيحية نباتية وضعها هينسلو لتعليم طلابه، بينما تُعدُّ رسومات أخرى عينات من نباتات اطلع عليها داروين بنفسه.

في هذا الصدد، قالت الدكتورة رافايلا هول، القائمة بأعمال رئيس قسم التعليم بحديقة جامعة كامبريدج النباتية: «عندما وصل داروين إلى كامبريدج، درس علم النبات بشكل رسمي للمرة الأولى. وقد استمتع بدورة هينسلو، لدرجة أنه التحق بها ثلاث سنوات متتالية. وقد عرَّفه هينسلو على مفهوم التباين، ليرسي بذلك الأساس لنظرية التطور التي صاغها داروين لاحقاً».

وتولى هينسلو جمع العينات وتصميم الرسوم التوضيحية، ليتمكن من تقديم دورة سنوية في علم النبات لطلاب كامبريدج الجامعيين عام 1827.

وعندما وصل داروين إلى كامبريدج عام 1828، أصبح من أوائل الطلاب الذين التحقوا بدورة هينسلو الرائدة التي استمرت 5 أسابيع. وكان لدى داروين بالفعل اهتمام بالعالم الطبيعي، وقد ازداد اهتمامه به من خلال مجموعة التاريخ الطبيعي التي انضم إليها خلال دراسته للطب في جامعة إدنبره. إلا أنه ترك دراسة الطب بعد عامين، لإدراكه أنه لا يريد أن يسير على خطى والده ليصبح طبيباً، واتجه بدلاً من ذلك إلى كامبريدج، عاقداً العزم على أن يصبح رجل دين.

واصطحب هينسلو داروين وزملاءه الطلاب في «رحلات استكشافية للنباتات»، إلى مستنقعات كامبريدجشير، وعلمهم كيفية تحديد النباتات وتصنيفها وجمعها، مع مراقبة تكيفات أنواع النباتات المختلفة مع بيئتها في بريطانيا بشكل منهجي.