اقتباس الروايات ينتعش بفضل منصات البثّ

الظاهرة في تطور مستمر ضمن علاقات أكثر تأطيراً بين قطاعَي النشر والسينما

ستيفن كينغ
ستيفن كينغ
TT

اقتباس الروايات ينتعش بفضل منصات البثّ

ستيفن كينغ
ستيفن كينغ

أجاثا كريستي

يعتبر البعض اقتباس الروايات خيانة، فمن المستحيل الحفاظ على بنية الرواية حين ننقل الفكرة من المكتوب إلى الصورة. والبعض يراه حياة ثانية للنّص الأدبي، وإبداعاً من نوع مختلف. ومهما اختلفت الآراء فإن التوجه السائد اليوم يشير إلى ارتفاع في نسبة الأعمال الأدبية المقتبسة للسينما والتلفزيون، ضمن علاقات شراكة متجدّدة ومثمرة بين الناشرين والمنتجين.

الظاهرة وإن كانت قد عرفت بداياتها منذ السنوات الأولى للسينما مع نجاحات أسطورية لرواية «ذهب مع الريح» لمارغريت ميتشال عام 1939، مثلاً، فإن الوتيرة بدأت بالتسارع منذ نحو عقدين، بعد الشعبية الواسعة التي لقيتها رواية دان براون «شفرة دافنشي»، إلى أن وصلت إلى أرقام قياسية، حسب آخر التقارير.

هذا على الأقل ما أكدته دراسة جديدة للمركز الوطني للكتاب (سي إن إل)، عدّها المراقبون مهمة؛ لأنها شملت أوروبا والولايات المتحدة، وخلُصت إلى أن اقتباس الأعمال الأدبية إلى السينما والتلفزيون يشهد انتعاشاً غير مسبوق.

تشير هذه الدراسة بالأرقام إلى أن فرنسا هي البلد الرائد في سوق الاقتباس على المستوى الأوروبي، بأكثر من 162 عملاً مقتبساً مقابل 78 في 2015 متبوعة ببريطانيا وألمانيا، وهو ما يعني أن فيلماً من بين 5 في فرنسا منقول عن رواية أدبية، بزيادة 28 في المائة مقارنة بالأعوام السابقة. الدراسة التي شملت الإنتاج السينمائي الذي قُدم ما بين 2015 و2021، أكدت المعلومة التي يعرفها الكل، وهي أن أكثر الأعمال اقتباساً على المستوى العالمي هي أميركية المصدر، وهي بالأخص القصص المصوّرة وروايات علم الخيال والفانتازيا، كقصص أبطال «المرفل»؛ حيث تّم اقتباس نحو 27 رواية مصوّرة ما بين 2015 و2021 لستان لي، وستيف ديكتو، وجاك كيربي. كما نجد على رأس قائمة الكُتاب الأكثر اقتباساً مؤلف الرعب الأميركي ستيفن كينغ؛ حيث تم نقل نحو 17 من أعماله إلى السينما والتلفزيون ما بين 2015 و2021، ما يجعله الكاتب الأكثر اقتباساً في العالم، بما لا يقل عن 80 عملاً منذ بداية مشواره الأدبي، يليه هارلان كوبن، وأغاثا كريستي، بسبعة أعمال مقتبسة في هذه الفترة.

في فرنسا، تشير الدراسة إلى أن الجنس الأدبي الأكثر اقتباساً يبقى القصص المُصورة وأدب الناشئة، أما الأقلام التي استفادت من هذا الانتعاش في هذه الفترة فهم ميشال بوسي، وبيار لوماتر، وجورج سيموؤون. وبصفة عامة يبقى الروائي وكاتب المسرح ألكسندر دوما، لا سيما رائعته «دو مونتي كريستو»، أكثر من نقلت أعماله إلى السينما (120 عملاً سينمائياً)، مسبوقاً بعملاق الأدب الإنجليزي ويليام شكسبير الذي نقلت أعماله إلى السينما في أكثر من 300 إنتاج سمعي بصري.

غلاف رواية « ماذا لو كانت واقعية» لمارك ليفي

الدراسة سلّطت الضوء على الإقبال الشديد لمنصات البّث، أمثال «نتفليكس»، و«أمازون برايم»، أو «إتش بي أو»، وعلى النصوص الأدبية التي أصبحت تشكل 32 في المائة من مجمل إنتاجاتها. الصحيفة الفرنسية «لي زيكو» أوضحت في مقال بعنوان: «نتفليكس وأخواتها يقلبن قواعد سوق النشر»، ما يلي: «منصّات البثّ التدفّقي -وعلى رأسها (نتفليكس)- تهتم كثيراً بعمل الكُتاب الأوروبيين؛ لأنها تبحث عن مضامين أقل نمطية مما يعرض في الولايات المتحدة؛ حيث توجد كثرة من الكتاب الذين تلقوا تكوينهم في (مدارس للكتابة) أو (رايتينغ سكولز) وهم يعتمدون في قصصهم على الوصفات نفسها: التحولات في المواقف، والإيقاعات السريعة، وحتمية النهاية السعيدة».

لماذا يلجأ صناع السينما والتلفزيون إلى استغلال الروايات والأعمال الأدبية؟ الإجابة بسيطة -حسب ماريان بايو من مجلة «لكسبرس»- التي كتبت في مقال بعنوان: «حين تستحوذ السينما والتلفزيون ومنصّات البثّ على الأدب» ما يلي: «يشكل الأدب بالنسبة للمخرجين والمنتجين خزينة من النصوص المُنقحة والجاهزة للاستغلال، بما أنه سبق العمل عليها. لا ننسى أن النجاح التجاري وشهرة أي عمل روائي قد يكون لهما أثر كبير على اختيار صناع السينما والتلفزيون». وتوضح أنه بين سنة 2001 و2020 تم اقتباس 6 روايات حائزة على جائزة «الغونكور»، و5 فائزة بـ«غونكور» الثانويات، و7 بجائزة «رونودو»، واثنين بجائزة «فيمينا». بينما تُذكرنا شارلوت بيدلوفسكي من موقع «سلات» الإخباري، بأن «السعفة الذهبية» لأحسن إنتاج سينماتوغرافي في مهرجان كان الدولي، مُنحت أكثر من 30 مرة لعمل اقتُبس من الأدب الروائي.

وفيما يتعلق بالأسباب الأخرى التي قد تُفسر صعود هذه الظاهرة، فهي تعود -حسب المنتج الفرنسي في قناة «فرنس 2» تيري سوريلن- إلى ما يسميه بـ«أزمة السيناريو». فالأدب يسمح بإبداع أكبر؛ لأن قطاع النشر يستطيع المخاطرة أكثر، بينما الوضعية مختلفة تماماً مع السينما؛ لأن الميزانيات ليست هي نفسها عند الاثنين.

«لمعان» لستيفن كينغ

أما بالنسبة لنتالي بياسوفسكي، المديرة العامة لمؤسسة الناشرين الفرنسيين (سالف) فيعود الفضل في انتعاش سوق الاقتباس لمنصّات البث التدفّقي، كـ«نتفليكس» و«أمازون برايم» اللتين أظهرتا اهتماماً كبيراً بالمضامين القابلة للاقتباس، وبالأخّص تلك التي أثبتت نجاحها التجاري في المكتبات. مثل هذه المعطيات رسمت ملامح علاقة جديدة تشبه زواج المنفعة الناجح: فمن جهة السينما التي تعتمد على شعبية العمل الأدبي وشغف القرّاء لضمان النجاح، ومن جهة أخرى قطاع النشر الذي يعمل على نجاح النسخة المقتبسة لاجتذاب قراء جدد، ورفع نسبة المبيعات التي قد تصل إلى الضعف، وأحياناً إلى 10 أضعاف.

وبينما كان الاقتباس في الماضي يتم بفضل قرار شخص، كالمخرج أو المنتج الذي يعجب بالرواية فيقرر نقلها للشاشة، تصبح العلاقة بين القطاعين اليوم أكثر تأطيراً ومهنية من ذي قبل. في فرنسا مثلاً، التعاون بين السينما والأدب يتم عبر مؤسسة الناشرين الناطقين باللغة الفرنسية (سالف) التي تنظم لقاءات تجمع مسؤولين من قطاع النشر بنظرائهم من الحقل السمعي البصري، خلال تظاهرات تدعى «شوت ذي بوك»، الغرض منها تقديم الأعمال الأدبية الجديدة التي قد تثير اهتمامهم، بغرض اقتباسها للسينما أو التلفزيون أو المسرح. التظاهرة الأخيرة التي نُظمت على هامش معرض الكتاب، ضمت أكثر من 380 مشاركاً، أما آخر لقاء نُظم بإشراف مؤسسة الناشرين الفرنسيين في الخامس من يونيو (حزيران) الماضي، فقد جمع -حسب صحيفة «لكسبرس» أكثر من 200 منتج وناشر، ليقتبسوا 350 عملاً روائياً، بعضها صدر والبعض الآخر في طريقه للصدور.

كما احتفل مهرجان كان السينمائي في طبعته الأخيرة بالذكرى العاشرة لتنظيم مثل هذه اللقاءات التي أسفرت عن إمضاء عقود اقتباس لـ12 رواية، منها «الرضا» للجزائرية نينا بوراوي، و«كم هو جميل البحر» للتركي يغيت كرهمات.

مثل هذه اللقاءات مهمة جداً لدور النشر، فإضافة إلى أنها تُسلط الضوء على الأعمال الأدبية، وتبعث فيها الحياة من جديد، فهي تُشكل مصدر ربح لا يستهان به، بما أنها تستفيد بنسب من حقوق الاقتباس.

قدرت فلور بودمان، الصحافية في مجلة «تيلي أوبس» قيمة هذه الحقوق بما بين 20 ألف يورو و300 ألف يورو، حسب شهرة الكاتب وشعبية الرواية، على أن بعضها قد يفوق هذه المبالغ بكثير. تقارير صحافية نقلت أن ستيفن كينغ عرض على الكاتب الفرنسي مارك ليفي، مليوني يورو، للحصول على حقوق اقتباس روايته «ماذا لو كانت واقعية».

ويضيف الباحث فريديك مرسيي في كتابه «كُتّاب الفن السابع» مكسباً معنوياً آخر، يتمثل في الإحساس بالفخر والاعتزاز؛ لأن أعمال الكاتب أصبحت واسعة الانتشار بفضل السينما والتلفزيون.

بعض الكُتاب -خصوصاً في الماضي- شارك في كل مراحل الاقتباس، مثل الفرنسيين: جان جيونو، وفرنسواز ساغان، ودانيال بوناك، وجاك بريفير. كلهم كانوا يحضرون جلسات التصوير ويساهمون في كتابة السيناريو، وكذلك فعل الأميركيون: آرثر ميلر، وروالد داهل، وآخرون، على أن كثيراً منهم أصيب بخيبة أمل كبيرة بعد اقتباس أعمالهم إلى السينما والتلفزيون، منهم ستيفن كينغ الذي عبّر في عدة مناسبات عن استيائه من فيلم المخرج ستانلي كوبريك «لمعان» أو «شاينينغ» المنقول عن روايته، واعتبره بمثابة «سيارة واسعة وجميلة، ولكنها من دون محرك»، وكذلك ونستون غروم الذي لم يكن راضياً عن الرؤية السينمائية لروايته في فيلم «فورست غامب» لدرجة أنه كتب في مقدمة الجزء الثاني للرواية: «لا تدع أحداً يقتبس رواية حول قصّة حياتك». ستيفن كينغ هو الكاتب الأكثر اقتباساً في العالم؛ حيث تم اقتباس ما لا يقل عن 80 عملاً له، يليه هارلان كوبن وأغاثا كريستي


مقالات ذات صلة

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

كتب رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

من خلف عدسة صنعت كثيراً من ذاكرة الدراما السورية، يطلّ حاتم علي في كتاب «رسائل من حاتم علي إلى دلع الرحبي» بصوت آخر، صوت العاشق الذي يكتب بخط يده، والفنان...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

إذا كان النزوع النرجسي والاهتمام بالذات، قد شكَّلا سمة واضحة المعالم من سمات الشعرية العربية القديمة، فقد حملت تجلياتها الوضوح نفسه في الشعر الحديث.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون قصر هشام في أريحا

قصر هشام في أريحا

تحوي البادية السورية قصرين يحملان اسم «قصر الحير»، وينسبان إلى هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرق تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويقع الآخر جنوب غرب تدمر

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون ماهر شفيق فريد

ماهر شفيق فريد... ناقداً

لم أُحصِ عدد المقالات التي كتبها ماهر شفيق فريد، الأكاديمي والمترجم والناقد المصري واسع العلم غزير الإنتاج، الذي أثرى الحياة الثقافية بإسهاماته المتنوعة

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون هل العربية عرقٌ أم لسان؟

هل العربية عرقٌ أم لسان؟

لم أتقبل قط فكرة أن هناك علماً ضاراً أو علماً لا ينفع، وظللتُ وفياً لفكرة العلم بالمطلق، ولكن حدث أن سمعت مقاطعَ تتالت عليَّ مصادفة للعالم الجليل بشار عواد

عبد الله الغذامي

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية
TT

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

في خطوة أكاديمية وثقافية مهمة تعكس عمق العلاقات الجزائرية - البريطانية وتعزز حضور الجزائر في إحدى أعرق المؤسسات الجامعية العالمية، أطلقت كل من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الجزائرية ومركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، كرسياً علمياً باسم مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، الأمير عبد القادر الجزائري. ووقع الاتفاق عن الجانب الجزائري، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بداري، وعن الجانب البريطاني، فرحان نظامي، مدير مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية.

وتم التوقيع ضمن مراسم حفل تدشين حضره عميد جامع الجزائر، الشيخ محمد مأمون القاسمي الحسيني، وسفير الجزائر لدى المملكة المتحدة، نور الدين يزيد، ونظيره البريطاني، جيمس داونر، وشخصيات سياسية وأكاديمية بارزة، ومنهم المختص في الفكر الإسلامي ومؤلف كتاب الأمير عبد القادر: «رسول الأخوة الإنسانية»، وزير التعليم العالي الأسبق، مصطفى الشريف، إلى جانب عدد من أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين بالمملكة المتحدة ومجموعة من الأكاديميين والباحثين، في تأكيد على الأهمية الدولية لهذه المبادرة التي تستلهم من إرث الأمير عبد القادر وقيمه الإنسانية القائمة على التسامح والحوار والتعايش بين الثقافات،

وأُتبعت مراسم توقيع هذا الاتفاق بتدشين الطرفين لقاعة باسم الجزائر، على مستوى مقر المركز، تكريساً للحضور الجزائري داخل هذه المؤسسة العلمية المرموقة.

وفي كلمته بالمناسبة، أعرب الدكتور فرحان نظامي عن اعتزازه بإطلاق هذا الكرسي العلمي، مؤكداً أنه سيعزز لا محالة البحث الأكاديمي في مجالات القيم الإنسانية والسلام والتفاهم بين الشعوب، وسيبرز مساهمة فكر الأمير عبد القادر في بعث التعاون الدولي والدراسات متعددة التخصصات.

من جهته، صرح وزير التعليم العالي والبحث العلمي أن «بعث هذا الكرسي يرسي للجزائر لبنة تاريخية في تثمين تراثها الفكري والحضاري على الساحة الدولية، ويمثل منعطفاً نوعياً في مسيرة الشراكة العلمية والأكاديمية بين الجزائر والمملكة المتحدة، مشدداً على أن إطلاق كرسي الأمير عبد القادر، إنما هو استئناف لحوار بدأ قبل قرينين بين الأمير والمملكة المتحدة، ويكمل دائرته اليوم».

كما اعتبر أن هذا الحدث يحمل دلالات متعددة؛ إذ يمثل اعترافاً صريحاً بالجزائر بوصفها شريكاً في البناء الفكري والإنساني، وإسهاماً في تجاوز الصورة النمطية الاستشراقية للإسلام والمسلمين، وتعزيز للحوار بين البلدين وتوطيد للشراكة الأكاديمية والثقافية بين شعبيهما.

وفي ختام كلمته، جدد بداري التزام الجزائر بالمساهمة الفعالة في تفعيل هذا الكرسي الأكاديمي، بهدف إحياء فكر الأمير عبد القادر والتعريف بإرثه الحضاري والروحي باعتباره رمزاً عالمياً للتسامح والاعتدال والعدالة والكرامة الإنسانية.

وفي كلمته بمناسبة توقيع هذا الاتفاق، أورد الشيخ محمد مأمون القاسمي، عميد جامع الجزائر، أن الأمير عبد القادر مدرسة قائمة بذاتها، تتجاوز حدود الوطن والأزمنة، وتدخل ضمن الرصيد المشترك للإنسانية.

وقال إن إطلاق هذا الكرسي بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، يضطلع بدور متميز في تقريب دوائر الفهم المتبادل بين العالم الإسلامي والغرب، ومن ثم، فإن حضور الأمير عبد القادر فيه، حضور طبيعي؛ لأنه يجسد شخصية خاطبت عصرها ولا تزال، بلغة القيم الكونية، وفي إطار ما يخوله الاتفاق الموقع والمنشئ للكرسي المذكور، تم الإعلان عن فتح باب الترشح أمام الباحثين الجزائريين للاستفادة من منحة «باحث زائر» بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، وهي خطوة أكاديمية من شأنها تعزيز التبادل العلمي والمعرفي بين الجانبين.


النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش
TT

النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش

إذا كان النزوع النرجسي والاهتمام بالذات، قد شكَّلا سمة واضحة المعالم من سمات الشعرية العربية القديمة، فقد حملت تجلياتها الوضوح نفسه في الشعر الحديث، سواء من خلال سفور الأنا عن وجهها على نحو مباشر، أو من خلال اختبائها خلف أقنعة وأساطير وتوريات مختلفة، من مثل تموز والعنقاء وقلقامش وأدونيس وأيوب ولعازر والمتنبي وغيرهم.

إلا أن أي مقاربة لهذه المسألة ستظل موضع ريبة والتباس، ما لم تتم الإشارة إلى نقطتين مهمتين، تتمثل الأولى بكون النزوع النرجسي ليس بحد ذاته هنة أو نقيصة، وهو لا يكون كذلك إلا حين يتفاقم أمره ليصبح نوعاً من البارانويا الخالصة أو العشق المرضي للذات. أما النقطة الأخرى، فتتمثل في كون النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب، لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي، ولم تحُلْ دون تصدُّر بعضهم للمشهد الشعري العربي المعاصر برمته.

ومع أن الظلال الوارفة للنزعة للنرجسية، تتبدى على نحو ملحوظ في تجارب الشعراء الرواد والأجيال التي تبعتهم، فإننا نجد لدى سعيد عقل وأدونيس ونزار قباني ومحمود درويش، على نحو خاص، الكثير من الشواهد الدالة على تأصل هذه النزعة وتعاظمها، وحضورها الراسخ في تجاربهم وأعمالهم المختلفة.

أدونيس

وإذا كان اسم سعيد عقل هو أول ما يتبادر إلى الذهن لدى حديثنا عن تعاظم الأنا وتفاقمها؛ فلأن شعره ومواقفه يزخران بقدر من الاعتداد بالهويتين الفردية والجمعية، قلّ نظيره عند أي شاعر آخر. لا، بل إن صاحب «قدموس» لا يترك للباحث عن الشواهد الدالة على نرجسيته أن يبذل الكثير من الجهد، ليكتشف أن أعماله برمتها ليست سوى انعكاس لزهوه النرجسي وذاته المتعالية. وسواء دارت قصيدته حول موضوع الوصف أو الغزل أو المديح أو الرثاء، فهي لا تكف عن الدوران حول محور واحد هو الفخر بالنفس، وإعلاء الذات وتعظيمها إلى حدود الغلو المفرط.

حين قام شولوخوف، صاحب «الدون الهادئ»، بزيارة إلى بيروت، وطُلب من سعيد عقل المشاركة في حفل تكريمه، لم يستطع الأخير تجنب الإشادة بنفسه إلى جانب المكرّم، فخاطبه قائلاً:

لئن تحكِ عن نهرٍ فشطر قصيدتي

يطلّ وهزّ السيف يكتملِ الشطرُ

وحتى في مقام الرثاء لا يتوانى عقل عن مقاسمة المرثي مكانته وصفاته، فيقول في رثاء أمين تقي الدين، ممتدحاً نفسه:

أقول الحياة العزم حتى إذا أنا

انتهيتُ تولى القبر عزميَ من بعدي

وحيث لا يتوانى عقل عن الغمز من قناة بعض مرثييه، كأن يسأل أحمد شوقي، في حفل إزاحة الستار عن تمثاله في مدينة زحلة اللبنانية: «أنا النهر، شوقي، أينا اليوم أشعر؟»، فإن الاعتداد النرجسي بالذات، بتقمص أحياناً مع صورة الوطن والجماعة الأهلية، كقوله بلسان اللبنانيين: «نتحدى الدنيا شعوباً وأمصاراً، ونبني أنّى نشأ لبنانا».

أما نزار قباني، فقد حملت تجربته وأعماله وعلاقته بالمرأة أشكالاً من الزهو والانتشاء بالذات، لم يشهد الشعر العربي مثيلاً لها منذ تجربة عمر بن أبي ربيعة. فنزار كعمر، هو المهيمن والمعشوق الوسيم الممسك بخيوط اللعبة، وقائد أوركسترا المتعة والإغواء. وهو إذ يوزع الأدوار والمقادير في لعبة الحب والأسرّة ومسارات العلاقة وأقدارها، لا يتردد في مخاطبة امرأة مفرطة الإلحاح على المتعة بالقول:

لفّي تحارير الهوى وامضي

أنا في السماء وأنت في الأرضِ

ما أنتِ من بعدي سوى طللٍ

أنقاضهُ تبكي على بعضِ

وإذا استثنينا أعمال نزار السياسية التي تضطر فيها ذات الشاعر إلى تنحية نفسها عن المشهد العربي الموغل في قتامته، فإن نتاج قباني المترع بعشرات المغامرات والتجارب العاطفية، ما هو إلا انعكاس لصور الأنا المترامية التي تكرر نفسها في مرايا الفحولتين الشعرية والعشقية. والأرجح أن الجذور العميقة لنرجسية نزار متأتية من نشأته المترفة، ووسامته الظاهرة، وموهبته العالية.

كما لا يتحرج قباني من إظهار براعته في الإيقاع بالنساء، وصولاً إلى تنصيب نفسه زعيماً بلا منافس لجمهورية العشق والعاشقين. لذلك؛ فهو يخاطب إحدى نسائه الساذجات في قصيدة «نرجسية» بالقول: «هل ممكنٌ أيتها الساذجة السطحية الحمقاءْ. هل ممكنٌ أن تجهلي أنّي الذي أسس جمهورية النساءْ».

وإذ يحاول نزار مواراة اعتداده بنفسه خلف أقنعة كثيرة تحفل بها قصائده ومقطوعاته، وبينها شهريار وديك الجن وكازانوفا ودون جوان وراسبوتين وغيرهم، فهو يؤثِر في قصائد أخرى إظهار هذه النرجسية على نحو مكشوف، كما في قصيدته «الرسم بالكلمات» التي توصل جنوحه النرجسي إلى ذراه القصوى.

النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي

وإذا كان أدونيس واحداً من الشعراء الذين تستبطن تجربتهم الكثير من ملامح النزعة النرجسية ومواصفاتها، فإن رغبة الشاعر في التفرد تظهر من خلال اتخاذه من الإله الفينيقي أدونيس، الذي قتله الخنزير البري على ضفاف نهر إبراهيم، اسماً بديلاً عن اسمه الأصلي. ومن يتابع مسيرة أدونيس الشعرية والفكرية، فلا بد أن يلحظ عدم اكتفائه بمجد التسمية الناجز، ومحاولته النهوض بأسطورته الشخصية بمختلف السبل المتاحة.

ولن نعدم في هذا السياق الشواهد الدالة على البعد النرجسي في تجربة أدونيس وأعماله. لا، بل إن الأساطير والرموز التي يستخدمها في شعره، هي نفسها قناعه ووجهه في آن. ولعل في ديوانه «مفرد بصيغة الجمع»، ما يقدم الشواهد الدالة على الأنا المتفاقمة التي تجعل من التاريخ والجغرافيا والبشر والطبيعة، مجالها الحيوي ومنطقة نفوذها المشتهى. وإذ يضع الشاعر لفصل الكتاب الأول اسم «تكوين» وللفصل الثاني اسم «تاريخ»، فلكي يماهي بين سفْر تكوينه الفردي وسفر تكوين الخليقة من جهة، وبين تاريخه وتاريخها من جهة أخرى.

كما تتنازع هويته القلقة أسماء كثيرة لخوارج الأرض ومجانينها ومشعلي ثوراتها، فهو القرمطي والبهلول بقدر ما هو علي أحمد سعيد وعلي أحمد إسبر، وهو أدونيس الذي «أحبته عشتار وتستدعيه الشعوب». واللافت، أن النرجسية التي اتخذت شكلاً موارباً على امتداد الكتاب، ما يلبث الشاعر أن يفصح عنها في نهاياته على نحو صريح، وإن اتخذت شكل سؤال حائر «من أنت أيها السيد؟ من يقول لأدونيس من هو؟ يسأل، لا جواب. فليكسر مرآة نرسيس، مرآة نرسيس ظلٌّ، كيف يكسر الظل؟».

ولا يختلف الأمر في أعمال أدونيس الأخرى، حيث يرتدي الشاعر قناع مهيار، الهادم المؤسس «الذي لا أسلاف له وفي هويته جذوره». وهو الذي يبشر العالم بظهوره في قصيدته «هذا هو اسمي»، ليعلن دون تردد «لغم الحضارة / هذا هو اسمي». وهذه الأنا بالذات هي التي تدفع صاحبها إلى أن يختبئ في ديوانه «الكتاب» خلف قناع المتنبي، الشاعر الأكثر فرادة وتأثيراً في تاريخ العرب، فضلاً عما تحيل إليه التسمية من محاكاة واضحة للمقدس. وهو ما ينسحب على كتاب أدونيس «الأدونيادا»، الذي تحيل تسميته إلى إلياذة هوميروس وإنياذة فيرجيل.

وإذا كان في شخصية محمود درويش وشعره، الكثير من الزهو النرجسي الذي يظهر جلياً في قصائده، فإن صاحب «الهدهد» قد نجح في تصريف جزء من نرجسيته عبر التماهي مع صورة فلسطين، التي نقلها التغييب والظلم إلى خانة القداسة. إلا أن الشاعر في مقاربته لشخصية نرسيس، يعبّر عن اعتقاده بأن البشر الذين يصنعون طاغيتهم بأيديهم، هم أنفسهم الذين يصنعون نرسيسهم؛ لكي يخبئوا انبهارهم بذواتهم خلف صورته.

والأرجح أن درويش حين حاول أن يرسم صورة تقريبية ونقدية لنرسيس، في قصيدته الأخيرة «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي»، لم يكن يقصد سوى نفسه، حين قال: «كان يمكن أن يربح الشعر أكثر، لو لم يكن هو لا غيره: هدهداً فوق فوّهة الهاوية. ربما قال: لو كنتُ غيري لصرتُ أنا مرةً ثانية. هكذا أتحايل، نرسيس ليس جميلاً كما ظنّ، لكن صنّاعه ورّطوه بمرآتهِ، فأطال تأمله في الهواء المقطّر بالماء، لو كان في وسعه أن يرى غيره، لأحبَّ فتاة تحملق فيه وتنسى الأيائلَ، تركض بين الزنابق والأقحوانْ. ولو كان أذكى قليلاً لحطّم مرآتهُ، ورأى كم هو الآخرونْ».


قصر هشام في أريحا

مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
TT

قصر هشام في أريحا

مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا

تحوي البادية السورية قصرين يحملان اسم «قصر الحير»، وينسبان إلى هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرق تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويقع الآخر جنوب غرب تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله المنقوشة التي كشفت عنها حملة فرنسية في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. تحوي البادية الفلسطينية قصراً آخر يُنسب كذلك إلى هذا الخليفة، كشفت بعثة بريطانية عن حلله البديعة في تلك الفترة. يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، وهو مؤلف من طابقين، ويرتفع وسط مجمّع يحوي حماماً كبيراً تزيّنه أرضية فسيفسائية توصف بـ«أكبر لوحة فسيفساء في العالم».

ظهرت أول معالم هذا القصر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين شرعت الجمعية الإنجليزية المعروفة باسم «صندوق استكشاف فلسطين» في البحث عن آثار «الأراضي المقدّسة»، وقادها بعض السكان العرب إلى خربة تُعرف باسم «خربة المفجر»، تقع على الضفة الشمالية لوادي النعيمة، وتبعد بضعة كيلومترات من شمال مدينة أريحا. في عام 1894، أرسلت هذه الجمعية عالم الآثار الأميركي فريديريك جون بليس لإجراء بحث تمهيدي في هذه الخربة، فزار الموقع، وكتب تقريراً أوّلياً صدر في النشرة الخاصة بهذه الجمعية، وضمّ مجموعة من الصور، تمثّل عينة من الزخارف الجصية التي عُثر عليها. هكذا بدأ استكشاف هذا الموقع الأموي في الأراضي الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة من الحكم العثماني، وتواصل بعد انهيار هذا الحكم، إثر نهاية الحرب العالمية الأولى.

في زمن الانتداب البريطاني، عمدت دائرة الآثار إلى دراسة موقع «خربة المفجر» ومسحه بشكل موسّع في عام 1934. اكتشفت البعثة البريطانية أن الآباء الفرنسيسكان سبقوها إلى هذا الموقع، واقتلعوا منه العديد من الحجارة والأعمدة لبناء ديرهم في أريحا سنة 1927، كما أنهم نقلوا منه مجموعة من الأعمدة والتيجان وألواح المرمر والنقوش الجصية لتزيين مدخل مقرّهم، فطالبت باستعادة هذه القطع، واستجاب الآباء الفرنسيسكان لطلبها. أجرت دائرة الآثار البريطانية الحفريات الأثرية في الموقع على مدى اثني عشر عاماً، تحت إشراف عالم فلسطيني يُدعى ديمتري برامكي، وكان يومها مفتشاً وباحثاً في هذه الدائرة. رافق هذا الخبير حملات التنقيب المتعاقبة في الموقع، ورصد نتائجها في سلسلة من التقارير، صدرت تباعاً في النشرة العلمية الخاصة بدائرة الآثار. خلال الحفريات التي جرت بين عامي 1936 و1937، عُثر على لوح مكسور من المرمر يذكر اسم «عبد الله هشام أمير المؤمنين»، أي هشام بن عبد الملك. إثر هذا الاكتشاف، أُطلق على الموقع اسم «قصر هشام»، وعُرف به منذ تلك الحقبة.

نقلت دائرة الآثار البريطانية ما جمعته من لقى في هذا القصر إلى متحف بدأت بتشييده سنة 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته سنة 1938، وأطلقت عليه يومها اسم «متحف فلسطين للآثار». تمثّلت هذه اللقى في الدرجة الأولى بمجموعة هائلة من النقوش النحتية، إضافة إلى عدد من التماثيل الآدمية، وشكّلت هذه الشواهد مادة استثنائية للتعريف بالفنون الأموية المدنية المرتبطة بهذا الميدان. تزامن هذا الاكتشاف مع اكتشاف مشابه لا يقلّ عنه إثارة، تَمثّل في ظهور مجموعة مشابهة من اللقى، خرجت من قصر الحير الغربي في البادية السورية. قامت باستكشاف هذا القصر بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938، وصدر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939. تبيّن أن القصر شُيّد في عام 727 بأمر من هشام بن عبد الملك على أنقاض دير يعود إلى زمن الغساسنة، وتحوّل مع مرور الزمن إلى أطلال، خرجت من بين أنقاضها مجموعة هائلة من النقوش النحتية، تُماثل بأسلوبها الفني المتقن تلك التي خرجت من خربة المفجر.

مع نهاية الانتداب على فلسطين ونشوء دولة إسرائيل في 1948، توقّفت أعمال دائرة الآثار البريطانية، وأصبح «متحف فلسطين للآثار» تحت إدارة المملكة الهاشمية الأردنية. في ظل هذه الإدارة، أنجز ديمتري برامكي رسالة دكتوراه في 1953 حملت عنوان «الحضارة والعمارة العربية في الفترة الأموية: دراسة مقارنة بالإشارة الخاصة إلى تنقيبات قصر هشام». بعدها، قام عالم الآثار البريطاني جورج هاملتون بدارسة الموقع بشكل شامل وموثّق بالتعاون مع العالم الفرنسي أوليغ غاربار، ونشرت جامعة أوكسفورد هذه الدراسة الشاملة في سنة 1959 تحت عنوان: «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء». أثبتت هذه الدراسة أن الموقع يعود فعلاً إلى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، واستمرّت حركة البناء فيه بعد وفاة الخليفة، إلى أن تعرّض لزلزال ضخم في عام 746، والأرجح أن جزءاً من منشآته تعود إلى عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام، وحكم بين 743 و744.

يتألّف هذا القصر من دار رحبة، ومسجد عام، ومسجد خاص، وبركة ماء، وحمام فخم كبير. يقع المدخل الرئيسي في الزاوية الجنوبية الشرقية، ويؤدّي إلى ساحة مكشوفة تحوي اليوم مجموعة من اللقى الأثرية، أشهرها نجمة سداسية الأطراف تضمّ ست دوائر مجدولة، تشكّل إطاراً لدائرة كبيرة تتوسّط تأليفها. في الجهة الشمالية من هذه الساحة، شُيّدت بركة تزيّن أرضيتها سجادة فسيفسائية. وفي الجهة الغربية لهذه البركة، يقع المدخل الداخلي الرئيسي للقصر، ويفضي إلى ساحة رحبة تحدّها مجموعة من الغرف. في وسط رواق الساحة الجنوبي، يقع المسجد الصغير الخاص بالخليفة، وفي شمال الرواق الشرقي، يقع المسجد العام. في الجهة الشمالية للقصر، يقع ممر يربط بين القصر والحمّام الملكي، وتزيّن قاعة هذا الحمّام سجادة فسيفسائية مربّعة، طول ضلعها 30 متراً. في شمال هذا الحمام، قاعة خاصة توصف بقاعة الاستقبال، تزيّنها كذلك سجادة فسيفسائية.

تحوي البادية الأردنية موقعاً أموياً يُعرف باسم قصير عمرة، تزيّنه جداريات تمتدّ على مساحة تقارب 380 متراً مربعاً، وتشكّل أكبر برنامج تصويري معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي. في المقابل، يحوي قصر خربة المفجر فسيفساء توصف بأكبر فسيفساء معروفة في هذا العالم. زُيّن هذا القصر برسوم جدارية ضاعت كلّها للأسف، ولم يبق منها إلا بضع شذرات عُثر عليها وسط طبقات الردم، مبعثرة ومتساقطة. في المقابل، خرجت من هذا الموقع مجموعة عظيمة من القطع النحتية متعدّدة الأنواع، تُعتبر اليوم من أجمل شواهد الفن الأموي، ودراستها تكشف عن ثراء هذا الميراث، وتعدّديته الثقافية المدهشة.