لم أُحصِ عدد المقالات التي كتبها ماهر شفيق فريد، الأكاديمي والمترجم والناقد المصري واسع العلم غزير الإنتاج، الذي أثرى الحياة الثقافية بإسهاماته المتنوعة منذ ستينات القرن الماضي وحتى اليوم، إذ يخطو في عقده التاسع. والأرجح أنها تُحصى بالمئات لا العشرات. فماهر شفيق هو آلة مبرمجة لأداء عملين هما القراءة والكتابة. وإن كنا نميل لاعتبار وصف الإنسان بالآلة نوعاً من التحقير، فليس أبعد من هذا عن قصدي. إنما أستعير من أوصاف الآلة النظام الصارم، ودقة العمل على مدار الساعة بغير كلل، وغزارة الإنتاج. ومن الصفات الآلية في كتابة ماهر شفيق الالتزام بتركيب أو بناء بعينه لمقالاته مهما اختلفت الموضوعات. قرأت، في الآونة الأخيرة، ما لا يقل عن مائة من مقالاته المنشورة عبر عدة عقود زمنية، ما يسمح لي بأن أستخلص بعض القواسم العامة منهجياً وفكرياً لديه في كتابة المقالة النقدية.
أول ما يعنّ لي من ملاحظات هو اتساع مجالات الاهتمام من عصر الإغريق والرومان إلى عصرنا الحديث وما بينهما. وعلى الرغم من تخصص الكاتب في الأدب الإنجليزي، فإن إحاطته بالمشهد الثقافي المصري بكل تفرعاته، منذ بداية عصر نهضتنا الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر وحتى اليوم، مدهشة في شمولها، فهو يُعدُّ بحق نموذجاً للمثقف العام الذي ينهل من تخصصه الأجنبي ليصبّ في المجرى العام لثقافة بلده رافداً إياها في كل اتجاه. كما تنمّ مقالاته عن دراية تاريخية بالتراث الثقافي العربي والإسلامي ينضح بها محتوى كتاباته وأسلوبه ومفرداته جميعاً.
لماهر شفيق في مقالاته منهج متواتر يتمثل في التزامه شبه الدائم بالعودة إلى النماذج الأولى والمقاربات السابقة وأصول الأنواع الأدبية، وهو ضرب من ضروب الالتزام بأداة المقارنة في النقد، تُعينه عليه قراءاته الواسعة وقدرة ذاكرته الجبّارة على الاحتفاظ بما يقرأ واستدعائه حسب المقام. أما عن منهجه النقدي فأحسب أنه بقي عمره ممارساً مخلصاً للقواعد النقدية التي سار عليها ت. س. إليوت من اعتماد التحليل والمقارنة أداتين رئيسيتين للنقد، وما أضافه إلى ذلك أصحاب مدرسة «النقد الجديد» في أميركا وأضرابهم من الإنجليز الذين سيطروا على الفكر النقدي من ثلاثينات القرن الماضي إلى ستيناته. ظل ماهر شفيق في نقده على مسافة آمنة من البنيوية والتفكيكية وما بعد الكولونيالية وسائر الصراعات النقدية التي استشرت بين الأكاديميين في العقود الأخيرة وما زالت.
عنده أيضاً ما يمكن تسميته الولع الببليوغرافي. هو كاتبٌ مُحصٍ، مُعِدٌّ للقوائم، مُثبتٌ للعناوين، مُدرِجٌ لتواريخ النشر. هو حُلم كل كاتب أن تنجو أعمالُه من النسيان، حُلم كل شاعر ألا تضيع قصيدة من قصائده ولو كانت غثّة. لكن ما السر في هذا الولع الببليوغرافي عند الكاتب؟ لا أظنُّه هوساً مَرضياً، ولا أظنُّه وُلد بمورِّثات أرشيفية. الأمر عندي أن ماهر شفيق الناقد لا يحب النظر إلى كاتب أو قاصّ أو شاعر إلا باعتباره كلاً واحداً، باعتباره مجموعَ إنتاجه، وليس عدة أعمال متفرقة في مراحل حياته وكأنها صادرة عن أشخاص مختلفين، وأنه لا ينظر إلى ما كُتب عن أديب بعينه من نقد باعتباره متفرقات بلا رابط من فريق لا يجمع بين أفراده جامع، ولكن باعتباره محاولات متعددة لفهم كاتبٍ بعينه أو عمل بعينه، يسهم كل منها بشيء في محاولة الفهم. فالنقد جهد تعاضدي تراكمي.
ماهر شفيق أستاذ الإنجليزية يكتب ويترجم في لغة عربية جزلة أنيقة واضحة، لا يكتب بتقعر أكاديمي ولا ينزلق إلى وهاد المصطلحات الكهنوتية التي تفتن بعض الأكاديميين بينما تعزلهم عن المثقف العام، لكنه لا يتدنى إلى لغة الصحافة السيّارة. وهو يكتب النقد الأدبي كما لو كان يبدع الأدب، ما يُذكِّر بجيل الرواد، أمثال عباس العقاد وطه حسين ومحمد حسين هيكل ولويس عوض ومحمد مندور وحسين فوزي وغيرهم.
ومن خصائص المقالة النقدية عنده أن يختمها بتعداد أخطاء النحو والأسلوب لدى الكاتب موضوعِ النقد. قد يكون أنفق جُلَّ المقالة يعدِّد مناقبه الفكرية والأدبية وغزارة علمه وطلاوة أسلوبه وما أسَّس من مجلات عظيمة أو حبَّر من كُتب ستبقى على مر الزمن وأفضاله على الجيل وعلى هذا النوع الأدبي أو ذاك، لكن شيئاً من هذا لن ينفعه حين تحين ساعة الحساب النحوي أو التدقيق الإملائي أو الأسلوبي في آخِر المقالة.
مِن مجموع المقالات يمكنك أن تستخلص أن ماهر شفيق يمكن ضمه إلى قائمة الكُتاب المصريين الحائزين لقب «عدو المرأة»، يقفز إلى الذهن اسما عباس العقاد وتوفيق الحكيم، ولكن في حالة ماهر شفيق الأمر ليس بهذا الوضوح، فليس في المقالات المائة التي أعتمد عليها هنا مقالة واحدة مكرَّسة للهجوم على المرأة أو بخْس حقوقها، لكننا نجد إشارات وتلميحات وعبارات تُلقى جزافاً في كثير من النصوص تشي بنزعة ذكورية بطركية متعالية على النساء. انظر مثلاً كيف أنه في مقالة له عن الناقد والأكاديمي «عز الدين إسماعيل» يصف أسلوبه النقدي بأنه يتسم «بنبرة رجولية حازمة»، وهو تعبير ينم على نزعة ذكورية مستهجِنة نحو المرأة. فالحزم صفة بشرية عامة تُنسب للرجال كما تُنسب للنساء. وفي مقالة بعنوان «ثلاثة دواوين وشاعر» يُعرّض بشعراء قصيدة النثر تعريضاً عاماً، لكنه يضيف تعميماً بلا أسماء يخص فيه الإناث منهم بكونهم «أبعد ضلالاً، وأقتل لدغةً، من الذكور». وقِسْ على هذا كثيراً في ثنايا مقالاته وبعض كتبه، لكنك أيضاً ستجد مدحاً لهذه الكاتبة أو تلك، لهذه الأكاديمية أو تلك، لأستاذةٍ له من الماضي أو أخرى، ما يقطع بأن مظلته الذكورية تقبل أن تتفيأ تحتها بعض النسوة الفرادى، مُستثنَياتٍ من الاستهجان العام.
على امتداد حياته في أروقة الجامعة وفي الساحة الثقافية العامة، كان ماهر شفيق - ولا يزال - قوة إيجابية معطاءة، حمل الشعلة غير هيّابٍ من أجيال التنوير السابقة على مدى القرنين السابقين، ومثلما كانوا لا تجده محصوراً في تخصصه الأكاديمي، فهو في كل مكان، في كل عصر، في كل ثقافة، في كل لغة، يقيم الصلات ويربط الوشائج. إنه من بقايا جيل المثقفين المتلاشي الذي كان يؤمن بوحدة الثقافة الإنسانية، والذي اصطلحنا على تسميته المثقف الموسوعي، وهو ما يجعله عملةً نادرة في عصر التخصصات الدقيقة والتفتت المعرفي، تجده حريصاً على التراث قدر حرصه على التجديد، منفتحاً على الثقافة الغربية قدر حرصه على الخصوصية المصرية والعربية وقدرتها على تمثل الملقِّحات الغربية. لكن هل فينا جميعاً بذرةٌ من المحافظة والرجعية تنمو داخلنا كلما تقدَّم بنا العمر؟ ألم نشهد كثيراً من مجدِّدي الشباب يصبحون محافظي الشيخوخة؟ ألم نرَ العقاد الثائر على الإحيائيين في شبابه يرفض شعر التفعيلة في شيخوخته ويُحيل شعر صلاح عبد الصبور إلى لجنة النثر في المجلس الأعلى للآداب والفنون للاختصاص؟
انظر إلى ماهر شفيق مثلاً في مقالة له عن القصاص «إبراهيم المصري (1900-1979) رائد القصة التحليلية»، حيث يصف أسلوبه بأنه «جزل اللفظ، مستحكم القوة. إن في نثره العضلي فحولة وقوة يفتقدها المرء في قصاصي عصرنا، مثلما يفتقد في شعر حلمي سالم ومحمد آدم وعبد المنعم رمضان - أكبر ثلاثة شعراء في جيلنا - فحولة البارودي وشوقي وحافظ والجارم». تأملْ وصف الأسلوب «بالفحولة» و«العضلية»، ما يُذكِّر بوصفه أعلاه لنقد عز الدين إسماعيل «بالرجولة الحازمة». تأملْ أيضاً تعريضه مروراً بشعراء الجيل الحاضر؛ لأن لغتهم تفتقد «فحولة» جيل الإحيائيين. أحقّاً يريد لحلمي سالم وجيله أن يكتب بلغة البارودي وشوقي وحافظ الذين كانوا يكتبون بلغة شعراء العصر العباسي؟في الختام، قد نتساءل: تُرى أين يقف ماهر شفيق فريد آيديولوجياً؟ أظنُّه سؤالاً مشروعاً، فلكل إنسان، ناهيك بأن يكون كاتباً، موقف آيديولوجي معلَنٌ أو مُضمَّن. لم أجد في المقالات المائة موقفاً آيديولوجياً معلَناً. على أن ناقدنا لم يتردد، على الأقل، في إعلان صريح عما هو ليس آيديولوجيته، إذ كتب، في مفتتح مقالة له بعنوان «لطيفة الزيات والنقد الإنجليزي الحديث»: «فلأقلْ، بادئ ذي بدء (...) إني فكرياً أختلف مع منظور الالتزام اليساري الذي تُمثله كتابات لطيفة الزيات، كما تُمثله (...) كتابات سلامة موسى، ومحمد مندور، ولويس عوض، وعلي الراعي، ومحمود أمين العالم، وعبد العظيم أنيس، وعبد المنعم تليمة، وسيد البحراوي، وأمينة رشيد، وإدوار الخراط، وغالي شكري، وصبري حافظ، وفريدة النقاش، وأمير إسكندر، ورضوى عاشور، وبشير السباعي، وفاروق عبد القادر، وألفريد فرج، ورمسيس يونان... إلخ إلخ». يا لها من قائمة! مَن مِن مفكري مصر ومبدعيها ونقادها وأكاديمييها لم تشمله هذه القائمة؟ وإن كان ماهر شفيق يقف بمنأى عن كل هؤلاء، فأين يقف؟ لا أملك إلا أن أسأله: فأين إذًا تلتزم فكرياً؟ لا أراك يمينياً. كتاباتك تنضح بحب الناس وحب الحرية الفكرية وبالروح الليبرالية (ما عدا فيما يتعلق بالنساء). وأظنُّك لا تجد بأساً في العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والتضامن الاجتماعي والفصل بين الدين والدولة. وفي ظنِّي أن مَن اجتمعت له هذه المبادئ لن يكون إلا يسارياً، وإن كره التسمية. هناك فارق بين الروح اليسارية، وبين الإيمان اليساري الكتابي أو الفقهي الذي يعيش ويفكر ويكتب بالشرائع الماركسية والسنن اللينينية وما أشبه. أعدّكَ في زمرة الروح اليسارية العامة، لا يسارياً سلفياً. وإن لم ترضَ بهذا فإني لأخشى عليك من صقيع الانعزالية.
يكتب فريد النقد الأدبي كما لو كان يبدع الأدب ما يُذكّر بجيل الرواد أمثال عباس العقاد وطه حسين ومحمد حسين هيكل
