سيرة المرأة الأسطورة و«الجمال القلق»

مذكرات صوفيا لورين في ترجمة عربية

صوفيا لورين في فيلم أفريقيا تحت البحار
صوفيا لورين في فيلم أفريقيا تحت البحار
TT

سيرة المرأة الأسطورة و«الجمال القلق»

صوفيا لورين في فيلم أفريقيا تحت البحار
صوفيا لورين في فيلم أفريقيا تحت البحار

«كنت أحس دوماً أنني جميلة، إلا إنه نوع قلق من الجمال لم يكن كافياً بحد ذاته. فالجمال يمكن أن يتحول عيباً إذا ما علقت أهمية كبيرة جداً عليه. إنه يجعلك تحلق أعلى، ثم بغتة يدعك وشأنك فتتشقلب. إلا إن السحر هو هبة طبيعية في حقيقة الأمر. إنه شيء غامض بخلاف الجمال الجسدي، وله حسنة أنه لا يذوي مع تقدم العمر».

ليس هذا النص الذي ورد في مذكرات الممثلة الإيطالية صوفيا لورين، هو النموذج الوحيد الذي يمكن الاستشهاد به للدلالة على ما تمتلكه نجمة هوليوود الشهيرة من ثقافة واسعة، وما تختزنه في داخلها من وعي عميق بالحياة، ولكنني اخترت الاستشهاد به في مقدمة هذه المقالة؛ لأنه لا يقارب مفهوم الجمال من الزاوية التي تتعدى محدودية الشكل وأعراضه الزائلة فحسب، بل إنه يعكس في الوقت ذاته تجربة لورين نفسها، حيث الجمال ليس معطى ناجزاً لحامليه، بل هو اختراعهم اليومي والاستحقاق الصعب الذي يجب أن ندفع أبهظ الأثمان من أجل المحافظة عليه.

ولعل أكثر ما يستوقفنا في كتاب لورين، الذي نقله إلى العربية الكاتب والمترجم العراقي علي عبد الأمير صالح، هو قدرة المؤلفة على الجمع بين الصدق التعبيري والسرد الحكائي الممتع الذي يجعل من العمل شبيهاً بشريط سينمائي بالغ التشويق. كما تركز بطلة «امرأة النهر» على أن ما بلغته من نجومية لم يكن ليحجب بأي حال ذلك الجرح العاطفي التأسيسي الذي حفره في داخلها غياب الأب، ولم يعرف طريقه إلى الاندمال. أما الجانب الآخر من معاناة صوفيا، فكان متصلاً بالوضع المادي المتواضع الذي كانت واجهته العائلة في حقبة طفولتها المبكرة. ورغم أن جدَّي الطفلة وأمها قد بذلوا ما في وسعهم لكي يوفروا لها الحدود الدنيا من مستلزمات العيش الكريم، فإن ذلك لم يمنعها من القول فيما بعد: «الجوع هو الموضوع الرئيسي في طفولتي». وهي تشير في الكتاب إلى نحولها الشديد الذي جعل كثيرين يلقبونها «عود نبش الأسنان»، كما تتحدث بإسهاب عما عانته عائلتها في سنوات الحرب العالمية الثانية التي خرجت منها إيطاليا مهزومة ومحطمة، لتضيف ما حرفيته: «مع مرور الوقت لم يعد بحوزتنا مال ولا إمدادات، ولم تكن لدينا كسرة خبز واحدة لنأكلها».

غلاف المذكرات

وإذا كان تزمت جدي لورين هو الذي حرم أمها الجميلة من الوصول إلى هوليوود، فإن الأم المتنورة قد وجدت في دعمها الابنة فرصتها الملائمة للتعويض عما تم حرمانها منه، حيث لم تكد الأخيرة تفوز في إحدى مسابقات الأداء حتى غادرت العائلة إلى روما، لتتصدر صوفيا لازارو غلافات «الرومانسيات الفوتوغرافية»، التي يسرت لها سبل الانتقال من «بطة صغيرة قبيحة إلى بجعة جميلة»، وفق قولها الحرفي، وقبل أن توفر لها الأقدار طوالع أكثر إيجابية من ذي قبل.

أما النقلة الأهم في حياة صوفيا فتمثلت في تعرفها عام 1950، في أثناء اشتراكها في مسابقة «ملكة جمال إيطاليا»، إلى المنتج الإيطالي كارلو بونتي الذي كان عضواً في لجنة التحكيم. ورغم أن اللجنة اكتفت بمنحها لقب «ملكة جمال الأناقة»، فإن سحر المتسابقة السمراء ذات القوام الممشوق، ترك تأثيره البالغ على الرجل الذي سبق له أن اكتشف جينا لولو بريجيدا ولوسيا بوسي... وأخريات. وإذ أسند كارلو إلى صوفيا أدواراً بسيطة في بداية الأمر، فإنه لم يلبث أن توسط لدى صديقه المنتج غوفريدو لومباردو لكي يمنحها فرصتها الملائمة للانطلاق. ولم يكتف لومباردو بإسناد دور رئيسي إلى لورين في فيلمه «أفريقيا تحت البحار»، بل اقترح عليها اسمها الفني صوفيا لورين، الذي سيلازمها بعد ذلك على طريق الشهرة والمجد.

أما المخرج الإيطالي فيتوريو دي سيكا الذي آمن بموهبة لورين العالية عادّاً أنها تملك في داخلها كل مستلزمات العودة إلى ينابيعها الطفولية الأولية، فقد أسند إليها دوراً شديد الخصوصية في «فتيات البيتزا»، محرضاً إياها في الوقت ذاته على التمثيل «بكل أحاسيسها، وبرأسها وجلدها وأحشائها وقلبها وذكرياتها». ولم تخيب صوفيا ظن دي سيكا بها، فتقمصت روحية فتاة البيتزا وشكلها وحركاتها مندفعة برأس مرفوع وبتوثبٍ محموم نحو حقول الحياة المَوّارة بالأحلام، لتكر بعد ذلك سبحة الأفلام العظيمة والمتنوعة التي لعبت في معظمها دور البطولة.

ولم تكن أهمية الكتاب مرتبطة بالجانب الشخصي من سيرة المؤلفة فحسب؛ بل بحرصها الشديد على تقديم صورة بانورامية عن عصر السينما الذهبي، دون أن تتوانى عن إظهار الجوانب السلبية لعالم هوليوود الحافل بالمكائد والمنافسات غير الشريفة. لكنها تحرص في المقابل على إظهار الجوانب المضيئة لذلك المسرح المفتوح الذي يتنافس فوقه مبدعون خلاقون يتقاسمون الابتهاج بالظفر، ويشد بعضهم أزر بعض في أوقات الشدة.

كما تتحدث لورين بإسهاب عن المطبات التي سبقت زواجها من كارلو بونتي، لا بسبب فارق العمر الذي يتجاوز العقدين فحسب؛ بل بسبب التعقيدات التي واجهت طلب طلاقه من زوجته الأولى التي أنجبت منه طفلين اثنين، بما دفع المحاكم الإيطالية إلى اعتبار زواج الثنائي العاشق نوعاً من الزنا، وأجبرهما على مغادرة البلاد لسنوات عدة، قبل أن يُزج بصوفيا في السجن لشهر كامل لدى إصرارها على العودة إلى بلادها. إلا إن تجربة السجن على مرارتها، هي التي وفرت لها السانحة الملائمة لاكتشاف موهبتها الأدبية وصولاً إلى كتابة هذه المذكرات. ومع إقرار صوفيا باللحظات الصعبة التي شهدها زواجها من بونتي، كصفعه إياها بقسوة بسبب غيرته من غاري غرانت، إلا إن تلك العلاقة، وخلافاً لمعظم العلاقات الزوجية المماثلة بين الفنانين، استطاعت أن تصمد بثبات لعقود عدة، قبل أن يسدل موت بونتي عام 2007 الستار على فصلها الختامي.

ليست أهمية المذكرات مرتبطة بالجانب الشخصي من سيرة المؤلفة فحسب؛ بل أيضاً بحرصها الشديد على تقديم صورة بانورامية عن عصر السينما الذهبي

ومع ذلك، ورغم حرص لورين على تقديم نفسها للقارئ بقدر وافر من الجرأة والصدق، فإن المرء يشعر بأن جزءاً من السيرة قد جرى إخفاؤه والسكوت عنه، خصوصاً في الجانب العاطفي منها. وإذا كان أحد الأسباب هو تكوين صوفيا الخفر وما يحمله الإيطاليون من بعض السمات المشرقية المحافظة، فإن السبب الآخر هو، على الأرجح، عدم رغبة صوفيا في جرح مشاعر زوجها الغيور، وولديها اللذين حرصت دائماً على أن تلتزم تجاههما بصورة الأم الطافحة بالحنان والحب. ومع أن سياق السيرة يشير إلى علاقة الصداقة والإعجاب التي ربطت بين صوفيا وكل من فيلليني وهيتشكوك وشارلي شابلن وريتشارد بيرتون وعمر الشريف، أو إلى مشاعر الجفاء وعدم الارتياح التي خصت بها كلاً من غاري غرانت ومارلون براندو، فإن القراءة بين السطور تقدم إشارات دالة على أن ما ربطها بمارسيللو ماستروياني كان أمراً يتجاوز الصداقة إلى العشق والحب، وهو الذي كتبت في رثائه عند رحيله: «لم أشأ أن يختلط وجعي بأوجاع الآخرين. في يوم جنازته بعثت حشداً من أزهار الأوركيد الأرجوانية الفاتحة، فربما ترافقه نضارتها في رحلته، وتهبه الحب الذي سأضمره له إلى الأبد». والأمر نفسه ينسحب على غريغوري بك، الذي ربطتها به؛ في أغلب الظن، علاقة حميمة، بعد أن شاطرته البطولة في فيلم «أرابيسك»، حتى إذا التقته فجأة بعد سنوات من الانقطاع، كتبت بلا مواربة: «كان هناك واقفاً قبالتي كما لو أن لحظة واحدة تحولت إلى أبدية. في نظرته المدهشة، في التلعثم الطفيف الذي أظهره، لمحت عالماً من الأشياء التي كان يود الإفصاح عنها، إلا إنه لم يفعل؛ ولن يفعل أبداً».

وإذا كان الإقرار بنجومية صوفيا لورين وبأنها، إلى جانب غريتا غاربو، مثل مارلين مونرو وبريجيت باردو وأخريات، قد دمغت بجاذبيتها الأنثوية وحضورها الآسر عصراً بكامله، فإن الدلالة الأهم لكتاب مذكراتها لا تنحصر في امتلاكها ناصية السرد فحسب؛ بل في ثقافتها الواسعة وقدرتها الفائقة على التوفيق بين المرأة المتفجرة أنوثة والزوجة المتفهمة والمترعة بالحنان الأمومي. ولعل أفضل ما أختم به هذه المقالة هو ما وصفها به روبرتو بينيني في احتفال تكريمها في هوليوود عام 2011، حيث قال: «عندما أسمع اسم صوفيا لورين أقفز، وأقفز ثانية؛ لأنه انفجار الحياة... إنها إيطاليا، بقدر ما هي إيطالية بامتياز. وحين تتحرك أو تمشي، نشعر بأن إيطاليا بأسرها هي التي تمشي».


مقالات ذات صلة

صفعت والدها ودفعت بزوجته من أعلى السلّم... أسرار الأميرة ديانا في مذكّرات شقيقها

يوميات الشرق في «Swan Song» يكشف تشارلز سبنسر عن أسرار كثيرة في الحياة الخاصة لشقيقته (رويترز) p-circle 01:37

صفعت والدها ودفعت بزوجته من أعلى السلّم... أسرار الأميرة ديانا في مذكّرات شقيقها

«أغنية البجعة»، كتابٌ يتصدّر المبيعات حالياً في بريطانيا وحول العالم لما فيه من خفايا عن حياة الأميرة ديانا، يكشف عنها الكاتب وهو شقيقها تشارلز سبنسر.

كريستين حبيب ( بيروت)
الاقتصاد مركبات في أحد ميادين دمشق (رويترز)

السعودية وسوريا توقعان 4 اتفاقيات ومذكرات تفاهم في النقل واللوجستيات

السعودية وسوريا توقعان 4 اتفاقيات ومذكرات تفاهم في النقل والطيران والبريد، لتعزيز الربط الجوي وتطوير البنية التحتية ودعم حركة التجارة والتبادل التجاري.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون «الفتى القادم من بغداد»... رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

يروي ناظم الزهاوي مسيرة حياته منذ سنواته الأولى في العراق حتى مسيرته السياسية البريطانية حيث تولى عدة مناصب وزارية في حزب «المحافظين»

ميرزا الخويلدي (الدمام)
أوروبا مذكرات ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس «رجل جريح» (رويترز)

ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس يعترف في مذكراته بارتكاب «أخطاء»

يصف ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس نفسه بأنه «رجل جريح». في مذكراته الصادرة الأربعاء في فرنسا، التي يعترف فيها العاهل السابق بأخطائه.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير إلى جانب زوجته ميلانيا في البيت الأبيض (أ.ب)

ميلانيا ترمب تُصدر كتاباً صوتياً لمذكراتها بواسطة الذكاء الاصطناعي

حصلت السيدة الأميركية الأولى، ميلانيا ترمب، على مساعدة من الذكاء الاصطناعي لإنتاج نسخة صوتية من مذكراتها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل
TT

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية، ويمنح المنسيين مكاناً في الحكاية. وبإطلاقها الجزء الثاني من مسلسل «مائة عام من العزلة»، أعادت منصة «نتفليكس»، رائعة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى قلب نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني للعمل التلفزيوني، ليمس جوهر تلك العلاقة الملتبسة بين الأدب والسلطة وتاريخ أميركا اللاتينية. ويتعلق الأمر بصراع حول تفسير النص الروائي وامتلاكه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبالرسائل السياسية التي يحملها، وهو نقاش تتداخل فيه خلفية ماركيز السياسية المعروفة، وتاريخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه.

منذ صدورها عام 1967، لم تكن «مائة عام من العزلة» مجرد عمل أدبي خالص، بل استقبلت على نطاق واسع كتشريح سياسي لتاريخ أميركا اللاتينية. يرى النقاد أن الرواية، بكونها عملاً مؤسساً للواقعية السحرية، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هذه القراءة أتت من حقيقة أن أحداثاً مركزية في الرواية، مثل حرب الألف يوم (1899-1902) ومذبحة عمال الموز عام 1928، هي أحداث تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاستغلال الإمبريالي في كولومبيا.

لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لورا مورا، المشرفة على الجزء الثاني من المسلسل، بمثابة اعتراف بهذا البعد السياسي المنسي أو المهمّش. فقد أكدت أن هدفها الأساس كان «إعادة الطابع السياسي إلى المسلسل الذي فقد بعضاً منه»، محذرة من أن تصنيف «الواقعية السحرية» قد دفع بالرواية نحو خانة الخيال، مُبعداً إياها عن جوهرها الاجتماعي والسياسي بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الرواية في صورها الغرائبية الخلابة، متجاهلاً السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بصور جديدة من العنف السياسي والفساد.

يقع الجدل الأكثر حساسية حول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظاهري. فمن ناحية، كان ماركيز نفسه يرفض طوال حياته تحويل روايته إلى فيلم، ليس لأنه احتقر السينما، بل لأنه كان يرى أن قيود الزمن السينمائي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبداً بتقديم سيرة سبعة أجيال وتاريخ قارة كاملة بعدالة. وقد عبر عن رفضه القاطع في مناسبات عدة، حتى أنه رفض عرضاً بمليون دولار من الممثل أنتوني كوين، قائلاً إن كوين لن يكون أبداً الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له.

في المقابل، يبرر نجله رودريغو غارسيا باركا قرارهما، هو وشقيقه غونزالو، بالمضي قدماً في المشروع بأن والدهما كان قد قال لهما: «عندما أموت، افعلوا ما تشاءون»، وهو ما فسّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريغو أن المنصة الأميركية قدمت ظروفاً مثالية لم تكن متاحة في السابق: التصوير باللغة الإسبانية، والمواقع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومدة كافية لتغطية الرواية. هذا التبرير يثير سؤالاً أخلاقياً حول حقوق الورثة مقابل الإرادة الصريحة للمؤلف، وهو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل.

ما يجعل الجدل حول الرواية والمسلسل سياسياً بامتياز هو أن نسيجها السردي يفضح آليات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الرواية «حرب الألف يوم» كحرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونهب الثروات تحت غطاء أيديولوجي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحد أبطال الرواية، ليست مجرد حدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجاً لسياسة الإنكار الرسمي والتواطؤ بين الدولة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة.

وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقدرته على إخفاء قمعه، بعداً عالمياً كدليل على أن الأحداث التي صورها ماركيز، بوصفها «واقعية» أكثر منها «سحرية»، لا تزال تتكرر في غير بلد في المنطقة والعالم. وهذا البعد يجعل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحاً لفهم الحاضر» في عالم «يتجه نحو الجنون والاستعمار الجديد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تعكس بشكل مقلق دورة الاستغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد.

ولعله من المثير أن تتجاوز معركة الاقتباس كونها مسألة فنية، لتصبح صراعاً على رواية التاريخ وتملّكه. فالمسلسل، بوصفه منتجاً عالمياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهذا ما يفسر الانتقادات القاسية التي وجهتها الكاتبة الكولومبية كارولينا سانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يؤذي الروح» لأنه يحول «ألحان» الرواية إلى «موسيقى خلفية»، ويستبدل قوتها الروحية والتحريرية بقوة المال والتكنولوجيا. هذا الرأي يجد جذوراً في حقيقة أن «نتفليكس»، وهي شركة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صورة تاريخ أميركا اللاتينية، وهو ما يثير أسئلة حول «الاستعمار الرقمي» ومدى قدرة أي منتج أجنبي على فهم تعقيدات هذا التاريخ.

ربما أزيلت «لعنة» ماركيز عن الاقتباس بحكم الضرورة التاريخية والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صورة متحركة وموضوع للاستهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغِ الرمزية السياسية للنص، بل أعادها إلى الواجهة. فكما أن الرواية استخدمت الواقعية السحرية لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان المسلسل وفياً للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حكاية قارة لم تحصل أبداً على فرصة ثانية، تماماً كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة».


مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
TT

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر، وحوت عدداً كبيراً من المجسّمات التصويرية الآدمية، وصل أغلبها على شكل كتل مهشّمة، بدت أشبه بالقطع المنحوتة. يحتفظ متحف دمشق الوطني بمجموعة كبيرة من هذه الكتل، مصدرها قصر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف بقصر الحير الغربي. تحضر في هذه المجموعة سلسلة من القامات تشهد لتنوّع كبير في الأساليب الفنية المتبعة، منها قامة تمثّل فتًى يحمل بين ذراعيه بهيمة من دواب البر، وقامة تمثل صبية تحمل بيدها اليمنى إناءً صغيراً يحوي باقة من الزهور، وقامة تمثّل شاباً يضمّ بيده اليسرى طيراً.

ظلّ قصر الحير الغربي مطموراً تحت الرمال إلى أن كشفت عنه بعثة فرنسية قادها العالم دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938. خرجت هذه الحملة بكمّ هائل من القطع المنقوشة، نُقل الجزء الأكبر منها إلى متحف دمشق، حيث خصّص لها ركن واسع في جناح الفن الإسلامي. يعود جزء من هذه القطع إلى واجهة القصر الخارجية، ويعود الجزء الآخر إلى فناء يقع خلف هذه الواجهة، تحدّه كذلك واجهة عريضة. جمع فريق المنقّبين هذه القطع المبعثرة، وعددها بالآلاف، وأعادوا تركيب جزء منها بجهد جهيد. هكذا تشكّلت واجهة القصر الخارجية من جديد، ورُفعت عند مدخل المتحف، وباتت واجهة له. كذلك تشكّلت الواجهة الداخلية، ورُفعت في الركن المخصص لقصر الحير ضمن جناح الفن الإسلامي.

في المقابل، عجز فريق المنقبين عن تحديد موقع قسم من هذه القطع المنقوشة بدقّة، وشكّل هذا الموقع المجهول أساساً لسلسلة متواصلة من الأبحاث العلمية. من هذه القطع، تبرز مجموعة من القامات تعود على الأرجح إلى الفناء الداخلي. تتميّز كلّ منها بحركة حية خاصة، ويتبيّن عند دراسة هذه المجسّمات أنّها ترتبط بخيط جامع، يتراءى في حركتها الحية. تبرز في هذا الميدان ثلاث قطع من الحجم المتوسّط، تشكّل كما يبدو ثلاث عينات مترابطة، بالرغم من اختلافها الظاهر في التكوين.

تحضر إحدى هذه العينات على شكل لوح مستطيل سقط القسم الأسفل منه، يزيّنه نقش ناتئ يلامس في نتوئه الشديد فن النحت، ويمثّل فتىً أمرد يحضر في وجهية نصف جانبية، حاملاً بين ذراعيه بهيمة سقط رأسها للأسف، ويوحي تكوين هذه البهيمة وحجمها بأنّها من فصيلة الغنم. رأس الفتى دائري، وملامحه جليّة، قوامها عينان حافظتا على بنيتهما، وأنف صغير ناتئ، وأذن ظهر صيوانها بشكل كامل، وثغر ارتسمت على شفتيه النحيلتين ابتسامة خفيّة. تكلّل هذا الوجه النضر كتلة من الشعر، تعلوها خصل متموّجة تتسّم بطابعها الحي. يرتدي هذا الفتى ثوباً من الطراز الروماني، تعلوه ثنايا تلتف حول الصدر والحوض. ضاع ساقا هذه القامة نتيجة سقوط الجزء الأسفل من اللوح، وما تبقّى من الصورة المجسّمة يوحي بأن هذا الرداء يلفّ كذلك الساقين. حركة هذه القامة واضحة، وتتمثّل بذراعين مرفوعتين تحملان الخروف في وضعية التقدمة. تظهر الذراع اليسرى بشكل كامل، وتتبع مفاصلها التشريح الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الطبيعي الحي. يظهر الساعد، وتظهر اليد بأصابعها الخمس، وفقاً لناموس الجمالية الكلاسيكية المكرّسة.

يتجلّى هذا الأسلوب في عينة أخرى تمثّل قامة أنثوية ترتدي ثوباً تعلوه ثنايا محدّدة بدقّة. فقدت هذه القامة ذراعها اليسرى وقدمها اليمنى، وحافظت على رأسها بشكل كامل. الوجه الأنثوي صاف ونضر، مع ثغر صغير ترسم شفتاه ابتسامة رقيقة. تلتفّ ضفائر الشعر حول هذا الوجه، وتشكلّ كتلتين هلاليّتين يفصل بينهما شقّ في الوسط، وفقاً لتسريحة تقليدية تُعرف بـ«التسريحة الكنيدية»، نسبة إلى مدينة كنيدوس في إقليم كاريا في جنوب غرب آسيا الصغرى، وهي التسريحة التي عُرفت بها في وجه خاص، المعبودة أفروديت، في تمثال صنعه قديماً براكستيليس، النحات البارع الذي يختصر اسمه جمالية النحت الإغريقي القديم.

يستقرّ رأس هذه الصبية الحسناء فوق عنق عريضة، وتظهر في موازاة استدارة الذقن، استدارة ناتئة في أعلى العنق، تُعرف في قاموس الفن اليوناني بـ«الذقن المزدوجة». ترتدي هذه الصبية ثوباً تلف ثناياه قامتها، مع زنار علوي يلتفّ حول الخصر. ترتفع الذراع اليمنى نحو أعلى الصدر، وتحتضن إناءً يستقرّ وسط اليد، وتظهر في وسط هذا الإناء باقة من الزهور، تتكوّن كلّ منها من أربع بتلات متناسقة. يتبنّى هذا التمثال النسق الإغريقي الكلاسيكي، ويتجلّى في الأسلوب الواقعي المعتمد في صياغة مختلف أعضاء الجسد الأنثوي، كما في صياغة ثنايا الثوب الذي يلفّ هذا الجسد.

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو على شكل قامة منتصبة فقدت قدميها، وتمثّل هذه القامة شاباً يحضر في وضعية المواجهة، معتمراً قبّعة عريضة قمّتها مدبّبة، رافعاً ذراعيه نحو وسط صدره. يرتدي هذا الشاب ثوباً فضفاضاً ينسدل عند الركبتين، مع زنار عريض معقود حول الخصر. ويكشف هذا الثوب القصير عن سروال فضفاض، ويتبع زياً تقليدياً يُعرف بالزي الإيراني القديم، وتتبع القبّعة زياً يُعرف بالقلنسوة الفريجية، نسبة إلى إقليم فريجيا القديم في الوسط الغربي من الأناضول. ويشكّل الثوب والقلنسوة زياً جامعاً شاع بشكل واسع في العالم المتوسّطي بأقاليمه المختلفة. يحضن هذا الشاب بيده اليسرى طيراً سقط رأسه، يبدو أشبه بحمامة، ويرفع يده اليمنى في حركة موازية، حاضناً أداة سقطت بشكل كلّي، بحيث يصعب تحديد هويها. يجمع هذا المجسّم بين التقليد الروماني والتقليد الساساني، ويتبع تكوينه نموذجاً اعتُمد بشكل واسع في الفن الجنائزي الخاص بمدينة تدمر الأثرية.

في الخلاصة، يحضر كلّ من هذه المجسّمات في حركة خاصة، حاضناً خيرة من خيرات هذه الأرض، وهي هنا خروف وطير وباقة من الزهور، وتمثّل بعضاً من نِعم الأرض، وهي الأرض التي جعلها فراشاً للإنسان، كما تقول الآية الكريمة (البقرة 22)، فباتت «مهاداً، وموطأً، وقراراً يستقر عليها» كما جاء في تفسير الطبري.


دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة
TT

دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة

هل تخيلت يوماً أن تذهب للامتحان خائفاً منه فتجد نفسك متورطاً في جريمة قتل؟

هذا بالضبط ما يحدث مع الطالب (زين)، بطل رواية «جريمة الثانوية العامة»، الصادرة عن دار«الشروق» بالقاهرة للكاتب المصري الشاب توماس جوزيف، حيث يذهب لأداء امتحانات الثانوية العامة فيجد نفسه وقد أصبح المتهم الرئيسي في لغز مقتل طالبة داخل المدرسة.

تزداد الأزمة تعقيداً، حين يجد الفتى المراهق أن كل الظروف ضده والجميع تخلى عنه حتى أقرب الناس إليه بدأوا ينظرون إليه بشك وخوف، فيقرر ألا يستسلم ويدرك أن عليه حل اللغز بنفسه لينجو، لكن كلما اقترب من الحقيقة اكتشف أن المدرسة التي كان يظن أنه يعرفها مليئة بالأسرار المظلمة والحكايات الصادمة التي قرر أصحابها أن يدفنوها للأبد حتى لو كان الثمن حياة زميلهم.

وخلف ستار الجريمة والغموض، تقدم الرواية محاولة تشريح للنفس الإنسانية حين يعتريها الخوف وتحاصرها الشكوك ويصبح من الصعب للغاية تحديد من هو جدير بثقتك، بل من هو عدوك ومن صديقك، وهنا يستفيد المؤلف من تخصصه الجامعي في دراسة علم النفس.

لكن الرواية، في المقابل، تعاني من بعض السلبيات المعتادة في التجارب الإبداعية الأولى للأدباء الشبان ومنها هيمنة الحوار بين الشخصيات بشكل مبالغ فيه وتراجع مساحات السرد بما فيها من لمحات مضيئة وعميقة تدعو للتأمل، فضلاً عن الاشتغال على ثيمة تقليدية في أدب الجريمة والسينما، على حد سواء.

من أجواء الرواية نقرأ:

«خرجتُ... وضح كل شيء الآن... لا جريمة ولا قاتل يدعى زين، لا تعليقات سخيفة ومؤذية على مواقع التواصل الاجتماعي، لست شكلاً ضالاً كما قال عني الجميع، لست سفاحاً وشيطاناً حياً يمشي في الشوارع يبحث عن الفتيات ليقتلها، لست مغتصباً ولا متحرشاً، لست مريضاً عقلياً كما قال عني البعض.

جلستُ على الرصيف وملت للوراء حتى استلقيت على ظهري، لا نجوم كعادة مدينة القاهرة، بالكاد أرى السحب وسط الظلام، عكس عمود نور رؤيتي فقمت بسرعة وركلته بقدمي كأنه الدنيا وما فيها. رقص العمود ورقصتْ معه أحزاني، تمايل حتى خفت حركته كأنه شعر بآلامي وقال لي: رفقاً بك.

شعرت بالألم يتصاعد من قدمي. ركلة شديدة، لو كنت في مباراة لكنت قد ثقبت الشِباك. خرجت العجوز يزيد الهم تجاعيد وجهها، رأتني وتحركت نحوي ببطء فتحت ذراعيها لتعانقني كالمعتاد فلم تحضنني أمي ولم يؤمن بي أبي. رفضتُ عناقها وأنزلت ذراعها. حان دوري، فتحتُ لها ذراعيّ عن آخرهما، ارتمت كطفلة صغيرة لا كجدة، بداخلها طفلة، جميعنا أطفال في الواقع لكن من يرى؟».