سيرة المرأة الأسطورة و«الجمال القلق»

مذكرات صوفيا لورين في ترجمة عربية

صوفيا لورين في فيلم أفريقيا تحت البحار
صوفيا لورين في فيلم أفريقيا تحت البحار
TT

سيرة المرأة الأسطورة و«الجمال القلق»

صوفيا لورين في فيلم أفريقيا تحت البحار
صوفيا لورين في فيلم أفريقيا تحت البحار

«كنت أحس دوماً أنني جميلة، إلا إنه نوع قلق من الجمال لم يكن كافياً بحد ذاته. فالجمال يمكن أن يتحول عيباً إذا ما علقت أهمية كبيرة جداً عليه. إنه يجعلك تحلق أعلى، ثم بغتة يدعك وشأنك فتتشقلب. إلا إن السحر هو هبة طبيعية في حقيقة الأمر. إنه شيء غامض بخلاف الجمال الجسدي، وله حسنة أنه لا يذوي مع تقدم العمر».

ليس هذا النص الذي ورد في مذكرات الممثلة الإيطالية صوفيا لورين، هو النموذج الوحيد الذي يمكن الاستشهاد به للدلالة على ما تمتلكه نجمة هوليوود الشهيرة من ثقافة واسعة، وما تختزنه في داخلها من وعي عميق بالحياة، ولكنني اخترت الاستشهاد به في مقدمة هذه المقالة؛ لأنه لا يقارب مفهوم الجمال من الزاوية التي تتعدى محدودية الشكل وأعراضه الزائلة فحسب، بل إنه يعكس في الوقت ذاته تجربة لورين نفسها، حيث الجمال ليس معطى ناجزاً لحامليه، بل هو اختراعهم اليومي والاستحقاق الصعب الذي يجب أن ندفع أبهظ الأثمان من أجل المحافظة عليه.

ولعل أكثر ما يستوقفنا في كتاب لورين، الذي نقله إلى العربية الكاتب والمترجم العراقي علي عبد الأمير صالح، هو قدرة المؤلفة على الجمع بين الصدق التعبيري والسرد الحكائي الممتع الذي يجعل من العمل شبيهاً بشريط سينمائي بالغ التشويق. كما تركز بطلة «امرأة النهر» على أن ما بلغته من نجومية لم يكن ليحجب بأي حال ذلك الجرح العاطفي التأسيسي الذي حفره في داخلها غياب الأب، ولم يعرف طريقه إلى الاندمال. أما الجانب الآخر من معاناة صوفيا، فكان متصلاً بالوضع المادي المتواضع الذي كانت واجهته العائلة في حقبة طفولتها المبكرة. ورغم أن جدَّي الطفلة وأمها قد بذلوا ما في وسعهم لكي يوفروا لها الحدود الدنيا من مستلزمات العيش الكريم، فإن ذلك لم يمنعها من القول فيما بعد: «الجوع هو الموضوع الرئيسي في طفولتي». وهي تشير في الكتاب إلى نحولها الشديد الذي جعل كثيرين يلقبونها «عود نبش الأسنان»، كما تتحدث بإسهاب عما عانته عائلتها في سنوات الحرب العالمية الثانية التي خرجت منها إيطاليا مهزومة ومحطمة، لتضيف ما حرفيته: «مع مرور الوقت لم يعد بحوزتنا مال ولا إمدادات، ولم تكن لدينا كسرة خبز واحدة لنأكلها».

غلاف المذكرات

وإذا كان تزمت جدي لورين هو الذي حرم أمها الجميلة من الوصول إلى هوليوود، فإن الأم المتنورة قد وجدت في دعمها الابنة فرصتها الملائمة للتعويض عما تم حرمانها منه، حيث لم تكد الأخيرة تفوز في إحدى مسابقات الأداء حتى غادرت العائلة إلى روما، لتتصدر صوفيا لازارو غلافات «الرومانسيات الفوتوغرافية»، التي يسرت لها سبل الانتقال من «بطة صغيرة قبيحة إلى بجعة جميلة»، وفق قولها الحرفي، وقبل أن توفر لها الأقدار طوالع أكثر إيجابية من ذي قبل.

أما النقلة الأهم في حياة صوفيا فتمثلت في تعرفها عام 1950، في أثناء اشتراكها في مسابقة «ملكة جمال إيطاليا»، إلى المنتج الإيطالي كارلو بونتي الذي كان عضواً في لجنة التحكيم. ورغم أن اللجنة اكتفت بمنحها لقب «ملكة جمال الأناقة»، فإن سحر المتسابقة السمراء ذات القوام الممشوق، ترك تأثيره البالغ على الرجل الذي سبق له أن اكتشف جينا لولو بريجيدا ولوسيا بوسي... وأخريات. وإذ أسند كارلو إلى صوفيا أدواراً بسيطة في بداية الأمر، فإنه لم يلبث أن توسط لدى صديقه المنتج غوفريدو لومباردو لكي يمنحها فرصتها الملائمة للانطلاق. ولم يكتف لومباردو بإسناد دور رئيسي إلى لورين في فيلمه «أفريقيا تحت البحار»، بل اقترح عليها اسمها الفني صوفيا لورين، الذي سيلازمها بعد ذلك على طريق الشهرة والمجد.

أما المخرج الإيطالي فيتوريو دي سيكا الذي آمن بموهبة لورين العالية عادّاً أنها تملك في داخلها كل مستلزمات العودة إلى ينابيعها الطفولية الأولية، فقد أسند إليها دوراً شديد الخصوصية في «فتيات البيتزا»، محرضاً إياها في الوقت ذاته على التمثيل «بكل أحاسيسها، وبرأسها وجلدها وأحشائها وقلبها وذكرياتها». ولم تخيب صوفيا ظن دي سيكا بها، فتقمصت روحية فتاة البيتزا وشكلها وحركاتها مندفعة برأس مرفوع وبتوثبٍ محموم نحو حقول الحياة المَوّارة بالأحلام، لتكر بعد ذلك سبحة الأفلام العظيمة والمتنوعة التي لعبت في معظمها دور البطولة.

ولم تكن أهمية الكتاب مرتبطة بالجانب الشخصي من سيرة المؤلفة فحسب؛ بل بحرصها الشديد على تقديم صورة بانورامية عن عصر السينما الذهبي، دون أن تتوانى عن إظهار الجوانب السلبية لعالم هوليوود الحافل بالمكائد والمنافسات غير الشريفة. لكنها تحرص في المقابل على إظهار الجوانب المضيئة لذلك المسرح المفتوح الذي يتنافس فوقه مبدعون خلاقون يتقاسمون الابتهاج بالظفر، ويشد بعضهم أزر بعض في أوقات الشدة.

كما تتحدث لورين بإسهاب عن المطبات التي سبقت زواجها من كارلو بونتي، لا بسبب فارق العمر الذي يتجاوز العقدين فحسب؛ بل بسبب التعقيدات التي واجهت طلب طلاقه من زوجته الأولى التي أنجبت منه طفلين اثنين، بما دفع المحاكم الإيطالية إلى اعتبار زواج الثنائي العاشق نوعاً من الزنا، وأجبرهما على مغادرة البلاد لسنوات عدة، قبل أن يُزج بصوفيا في السجن لشهر كامل لدى إصرارها على العودة إلى بلادها. إلا إن تجربة السجن على مرارتها، هي التي وفرت لها السانحة الملائمة لاكتشاف موهبتها الأدبية وصولاً إلى كتابة هذه المذكرات. ومع إقرار صوفيا باللحظات الصعبة التي شهدها زواجها من بونتي، كصفعه إياها بقسوة بسبب غيرته من غاري غرانت، إلا إن تلك العلاقة، وخلافاً لمعظم العلاقات الزوجية المماثلة بين الفنانين، استطاعت أن تصمد بثبات لعقود عدة، قبل أن يسدل موت بونتي عام 2007 الستار على فصلها الختامي.

ليست أهمية المذكرات مرتبطة بالجانب الشخصي من سيرة المؤلفة فحسب؛ بل أيضاً بحرصها الشديد على تقديم صورة بانورامية عن عصر السينما الذهبي

ومع ذلك، ورغم حرص لورين على تقديم نفسها للقارئ بقدر وافر من الجرأة والصدق، فإن المرء يشعر بأن جزءاً من السيرة قد جرى إخفاؤه والسكوت عنه، خصوصاً في الجانب العاطفي منها. وإذا كان أحد الأسباب هو تكوين صوفيا الخفر وما يحمله الإيطاليون من بعض السمات المشرقية المحافظة، فإن السبب الآخر هو، على الأرجح، عدم رغبة صوفيا في جرح مشاعر زوجها الغيور، وولديها اللذين حرصت دائماً على أن تلتزم تجاههما بصورة الأم الطافحة بالحنان والحب. ومع أن سياق السيرة يشير إلى علاقة الصداقة والإعجاب التي ربطت بين صوفيا وكل من فيلليني وهيتشكوك وشارلي شابلن وريتشارد بيرتون وعمر الشريف، أو إلى مشاعر الجفاء وعدم الارتياح التي خصت بها كلاً من غاري غرانت ومارلون براندو، فإن القراءة بين السطور تقدم إشارات دالة على أن ما ربطها بمارسيللو ماستروياني كان أمراً يتجاوز الصداقة إلى العشق والحب، وهو الذي كتبت في رثائه عند رحيله: «لم أشأ أن يختلط وجعي بأوجاع الآخرين. في يوم جنازته بعثت حشداً من أزهار الأوركيد الأرجوانية الفاتحة، فربما ترافقه نضارتها في رحلته، وتهبه الحب الذي سأضمره له إلى الأبد». والأمر نفسه ينسحب على غريغوري بك، الذي ربطتها به؛ في أغلب الظن، علاقة حميمة، بعد أن شاطرته البطولة في فيلم «أرابيسك»، حتى إذا التقته فجأة بعد سنوات من الانقطاع، كتبت بلا مواربة: «كان هناك واقفاً قبالتي كما لو أن لحظة واحدة تحولت إلى أبدية. في نظرته المدهشة، في التلعثم الطفيف الذي أظهره، لمحت عالماً من الأشياء التي كان يود الإفصاح عنها، إلا إنه لم يفعل؛ ولن يفعل أبداً».

وإذا كان الإقرار بنجومية صوفيا لورين وبأنها، إلى جانب غريتا غاربو، مثل مارلين مونرو وبريجيت باردو وأخريات، قد دمغت بجاذبيتها الأنثوية وحضورها الآسر عصراً بكامله، فإن الدلالة الأهم لكتاب مذكراتها لا تنحصر في امتلاكها ناصية السرد فحسب؛ بل في ثقافتها الواسعة وقدرتها الفائقة على التوفيق بين المرأة المتفجرة أنوثة والزوجة المتفهمة والمترعة بالحنان الأمومي. ولعل أفضل ما أختم به هذه المقالة هو ما وصفها به روبرتو بينيني في احتفال تكريمها في هوليوود عام 2011، حيث قال: «عندما أسمع اسم صوفيا لورين أقفز، وأقفز ثانية؛ لأنه انفجار الحياة... إنها إيطاليا، بقدر ما هي إيطالية بامتياز. وحين تتحرك أو تمشي، نشعر بأن إيطاليا بأسرها هي التي تمشي».


مقالات ذات صلة

رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

ثقافة وفنون «الفتى القادم من بغداد»... رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

يروي ناظم الزهاوي مسيرة حياته منذ سنواته الأولى في العراق حتى مسيرته السياسية البريطانية حيث تولى عدة مناصب وزارية في حزب «المحافظين»

ميرزا الخويلدي (الدمام)
أوروبا مذكرات ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس «رجل جريح» (رويترز)

ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس يعترف في مذكراته بارتكاب «أخطاء»

يصف ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس نفسه بأنه «رجل جريح». في مذكراته الصادرة الأربعاء في فرنسا، التي يعترف فيها العاهل السابق بأخطائه.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير إلى جانب زوجته ميلانيا في البيت الأبيض (أ.ب)

ميلانيا ترمب تُصدر كتاباً صوتياً لمذكراتها بواسطة الذكاء الاصطناعي

حصلت السيدة الأميركية الأولى، ميلانيا ترمب، على مساعدة من الذكاء الاصطناعي لإنتاج نسخة صوتية من مذكراتها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الكتابة شكَّلت عزاءه (سيرا أرسلانيان)

مذكرات الصحافي هاروتيون زينيان إلى الضوء لإنصاف الأرمن

تُعجَب سيرا أرسلانيان بمثابرة جدِّها وإصراره، تراه اختزالاً لروح أرمينيا المتفوّقة على موتها، فلمّا عَبَر درب الاضطهاد ورأى أصناف المحو، حفظت ذاكرته المشهد.

فاطمة عبد الله (بيروت)
مذاقات ديكورات جميلة ولكن مذاق الطعام عادي (إنستغرام)

المطاعم و«إنستغرام»... قصة حب غير مكتملة

في الماضي، كان الناس يخرجون لتناول الطعام في مطعمهم المفضل وتذوق طبقهم الألذ فيه، أما اليوم....

جوسلين إيليا (لندن)

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

تولستوي
تولستوي
TT

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

تولستوي
تولستوي

منذ مطلع يناير (كانون الثاني) 2026 بدأ يتشكّل، بهدوء لافت ودون أي إعلان رسمي، تجمع قرائي حول رواية «الحرب والسلام» اختار لنفسه إيقاعاً غير مألوف، ما صار يُعرف بالقراءة البطيئة. الفكرة بسيطة في ظاهرها، قراءة الرواية على امتداد عام كامل، فصل تقريباً في اليوم، لكنها عميقة في دلالتها. ليست تحدياً ثقافياً ولا نشاطاً ترفيهياً، بل إعلان عن نفور من استهلاك النصوص بدل معاشرتها. على منصات مثل «Good reads» ظهر هذا التلاقي بوضوح؛ قرّاء من أعمار وخلفيات مختلفة، لا يجمعهم ذوق أدبي واحد ولا مشروع نقدي، بل إحساس مشترك بأن روايةً بهذا الحجم لا ينبغي اقتحامها، وسلقها كسلق البيض.

اللافت في هذا النشاط الاجتماعي أنه لا يقوم على فكرة الإنجاز. لا أحد يتباهى بأنه أنهى الرواية، ولا أحد يُحاسَب إن تأخر. القراءة هنا لا تُقاس بعدد الصفحات بل بمدى الحضور. النقاشات التي ترافقها ليست تحليلات أكاديمية ولا محاولات لفهم ما أراد تولستوي أن يقول، بل تسجيل صادق لما تفعله الشخصيات والأحداث بالقارئ. الملل يُذكر كما تُذكر الدهشة، والارتباك لا يُخفى، بل يُعترف به بوصفه جزءاً من التجربة. بهذا المعنى تتحول القراءة إلى فعل إنساني مشترك، لا إلى استعراض ثقافي. النص لا يُستهلك، بل يُحمَل مع الآخرين، وهذا وحده يمنحه حياة جديدة.

القراءة البطيئة تعيد الاعتبار لفكرة الزمان في علاقتنا بالكتب. القارئ لا ينعزل ساعات طويلة ليغرق في الرواية، بل يقرأ جزءاً صغيراً ويعود إلى حياته، ثم يعود في اليوم التالي، كأن الرواية تدخل في النسيج اليومي، لا باعتبارها حدثاً استثنائياً بل بوصفها رفيقاً. هذا الامتداد الزماني يخلق علاقة مختلفة بالنص، علاقة أقل انفعالاً وأكثر رسوخاً. الشخصيات لا تُنسى بسرعة، لأنها ستعيش مع القارئ سنةً كاملةً، تتغير صورته عنها كما تتغير صورة الناس في الحياة الواقعية. هنا تتجلى قيمة هذا النشاط الاجتماعي، ليس لأنه أعاد قراءة عمل كلاسيكي، بل لأنه أعاد تعريف معنى القراءة نفسها في زمن فقد الصبر على العمق.

لكن هذا التجمع لا يمكن فهمه بمعزل عن راهنية «الحرب والسلام». الرواية تعود اليوم لأنها تمسّ جرحاً لم يلتئم. تولستوي لا يكتب عن حرب بعينها، بل عن بنية الحرب بوصفها حالةً إنسانيةً تتكرر بأشكال مختلفة. ما يفعله في الرواية هو نزع الهالة عن الحرب، وعن خطابها، وعن أبطالها. لا نجد عنده تمجيداً للمعارك ولا احتفاءً بالانتصارات، بل ثمة تفكيك صبور للوهم الذي يجعل البشر يعتقدون أن العنف يمكن أن يكون عقلانياً أو ضرورياً أو نبيلاً.

في عالمنا المعاصر، حيث تُقدَّم الحروب مرة أخرى بوصفها حتميات، وحيث تُختزل المآسي الإنسانية في عناوين سياسية، تبدو رؤية تولستوي أكثر راهنية من أي وقت مضى. هو يصرّ على أن التاريخ لا يُدار من أعلى، ولا تصنعه إرادة القادة وحدهم، بل يتشكل من ملايين التفاصيل الصغيرة، من قرارات فردية، من خوف، من تردد، من سوء فهم. هذا التفكيك لوهم السيطرة هو ما يجعل قراءة الرواية مؤلمة، لأنها تحرمنا من العزاء السهل الذي توفره السرديات الكبرى.

من اللافت للنظر أن هذه الراهنية لم تبقَ حبيسة المجال الأدبي أو الأخلاقي، بل امتدت حتى إلى التفكير الاستراتيجي نفسه. ففي كتاب «القيادة العليا»، وهو من المراجع الأساسية في الاستراتيجيا الحديثة، يناقش إليوت كوهين، تولستوي، ضمن نقاشه لفكرة القيادة في زمن الحرب، جنباً إلى جنب مع شخصيات مثل ونستون تشرشل وأبراهام لنكولن. إدراج تولستوي هنا ليس مجاملة أدبية، بل اعتراف بأن نقده لأساطير الحرب ما زال حاضراً في صميم التفكير المعاصر. وبهذا تغدو «الحرب والسلام» نصاً فكرياً يتحدى التصورات الكلاسيكية عن السلطة والقرار والمسؤولية، لا رواية أخلاقية فحسب.

في عالمنا المعاصر حيث تُختزل المآسي الإنسانية في عناوين سياسية تبدو رؤية تولستوي أكثر راهنية من أي وقت مضى

أما السلام، فلا يقدّمه تولستوي بوصفه حالة مستقرة يمكن الوصول إليها بقرار سياسي أو نهاية معركة. السلام عنده هش، داخلي، ومشروط بإعادة بناء العلاقة مع الذات ومع الآخرين. الشخصيات التي تنجو من الحرب لا تعود كما كانت، بل تحمل أثرها في داخلها، وتظل تبحث عن معنى لحياتها بعد أن انكشفت لها هشاشة كل المبررات. بهذا المعنى تصبح الرواية عن ما بعد الحرب بقدر ما هي عن الحرب نفسها، عن الفراغ الأخلاقي الذي يتركه العنف، وعن صعوبة العيش بعد سقوط الأوهام.

من هنا نفهم لماذا وجدت القراءة البطيئة صداها الآن. ليست مجرد مصادفة زمنية، بل تعبير عن حاجة جماعية إلى نص لا يقدّم أجوبة جاهزة، بل يسمح بالتفكير الطويل. القارئ الذي يشارك في هذا التجمع لا يبحث عن موقف سياسي ولا عن رسالة أخلاقية مباشرة، بل عن مساحة يتعلّم فيها كيف يحتمل التعقيد، وكيف يعيش السؤال دون استعجال الخاتمة. هذا ما يمنح النشاط الاجتماعي قيمةً فلسفيةً، لأنه يدرّب على الصبر، وعلى الإصغاء، وعلى قبول أن الفهم لا يأتي دفعة واحدة.

في هذا التلاقي بين تجمع القرّاء وراهنية تولستوي، تستعيد الرواية دورها الأعمق. ليست وثيقة من الماضي ولا نصاً يُعاد تدويره، بل تجربة تُعاش في الحاضر. القراءة البطيئة ليست طريقة لقراءة رواية طويلة فحسب، بل موقف من العالم، ومن الزمان، ومن الوهم القائل إن كل شيء يمكن اختصاره. وربما في هذا البطء، وفي هذا الاجتماع الصامت حول كتاب واحد، يكمن شكل هادئ من المقاومة، مقاومة لسطحية العصر، ودفاع عن حق الإنسان في أن يفكّر بعمق، ومع الآخرين، في عالم لا يكفّ عن دفعه إلى الاستهلاك والنسيان السريع.

* كاتب سعودي


صاحبُ «قصير عمرة» وسط ديوانه

الأمير وسط ديوانه في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
الأمير وسط ديوانه في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
TT

صاحبُ «قصير عمرة» وسط ديوانه

الأمير وسط ديوانه في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
الأمير وسط ديوانه في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن

يحتل قصير عمرة موقعاً رئيسياً في خريطة القصور الأموية التي تزخر بها بادية بلاد الشام، ويتميّز في الدرجة الأولى بجدارياته التي تغطي جدرانه وسقوفه، وتشكّل أكبر برنامج تصويري مدني معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي. تزين هذه الجداريات مجلس هذا القصير المكوّن من 3 إيوانات معقودة، وحمّامه الكبير مؤلف من 3 غرف، وتتكوّن من لوحات كبيرة تجمع بين مواضيع متعدّدة. يحضر اسم صاحب البناء في كتابة كوفية كشفت عنها بعثة إيطالية من «المعهد العالي للحفظ والترميم» في مايو (أيار) 2012. تعلو هذه الكتابة لوحة كبيرة، اتّضحت معالمها بعدما نجحت هذه البعثة في إظهار تفاصيل منها، ظلّت مخفيّة منذ أن خرجت جداريات هذا الموقع من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي.

ظهر اسم صاحب القصير في كتابة كوفية خُطّت في 3 أسطر، فوق نافذة في أعلى الحائط الجنوبي من الإيوان الغربي. تآكلت هذه الكتابة مع الزمن للأسف، ولم تسلم منها إلا الكلمات الأولى: «اللهم أصلح الوليد بن يزيد». تحت النافذة، يحضر صاحب القصير كما يبدو في لوحة كبيرة تحتّل القسم الأوسط من الجدار، وتمثّل مشهداً جماعياً يجمع بين 5 أشخاص. عُرفت هذه اللوحة من خلال رسم توثيقي، نُشر عام 1907 في كتاب قدّم فيه العالم التشيكي ألوييس موزيل قراءة تعريفية أولى بجداريات قصير عمرة. وظهرت صور لتفاصيل من هذه اللوحة في كتاب صدر عام 1975، بعد أن تولت بعثة إسبانية مهمّة تثبيت وتنظيف جداريات الموقع. وفي 2007، أصدر «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى» مجلّداً حمل نتيجة الأبحاث التي أجراها في هذا الموقع، وضمّ هذا المجلد صوراً ورسوماً توثيقية لهذه اللوحة، رافقتها قراءة تفصيلية لعناصرها. قيل طويلاً إن هذه الجدارية تمثّل مشهداً جماعياً نسائياً، غير أن أعمال الترميم كشفت عن تفاصيل ظلّت مخفية من قبل، واتّضح أن الشخصية التي تحتلّ المركز الرئيسي تمثّل رجلاً ملتحياً، وهو صاحب القصير، كما تشير الكتابة التي تعلو اللوحة.

يظهر بطل الصورة في صدر التأليف تحت خيمة تزيّنها شبكة من المكعبات الحمراء، ممدّداً فوق كنبة طويلة على شكل سرير، مرتدياً عباءة طويلة زرقاء، يلفّها في الوسط رداء أحمر زُيّنت قماشته بشبكة من الوحدات الهندسية الرباعية المتساوية الأضلاع. سقط الجزء الأيمن من الرأس، ونجا الجزء الأيسر، وما بقي منه يكشف عن عمامة بيضاء تعلوه وتغطّي شعره. يظهر الوجه في وضعيّة المواجهة، محدّقاً بعين ثاقبة نحو الأمام. العين محدّدة بوضوح، وكذلك الأنف، والفم ظاهر بين الشارب العريض واللحية المتدلية، مع شق يفصل بين شفتين عريضتين.

يمدّ هذا الأمير ساقيه الملتصقتين فوق كنبة ديوانه، ويرفع صدره نحو الأعلى، متكئاً بذراعه اليسرى على أريكة كبيرة، رافعاً بيده اليمنى قضيباً نحيلاً. يحوطه من جهة اليمين فتى أمرد يرفع في اتجاهه مروحة مكوّنة من قضيب طويل تعلوه حزمة من ريش الطاووس، ومن الجهة المقابلة، رجل ملتحٍ يعتمر خوذة رمادية، يقف من خلفه في وضعيّة الحارس، قابضاً بيده اليمنى على عصاً قصيرة. في مقدّمة الصورة، عند طرف الأريكة الكبيرة، يظهر شابان أمردان معمّمان، يجلس كلّ منهما أرضاً على أريكة فضفاضة، رافعاً ذراعيه في اتجاه الأمير. يرتدي الفتى الجالس في المقدّمة عباءة حمراء، يلفّها رداء بلون أصفر فاتح، ويرتدي الشاب الجالس من خلفه عباءة مماثلة يلفّها رداء أزرق.

تتمثّل خلفيّة الصورة بفضاء أزرق مجرّد. يستقرّ السرير العريض وسط هذا الفضاء، فوق مساحة مستطيلة تمثّل أرض هذه القاعة، وتزيّن هذه المساحة شبكة من الوحدات الزخرفية، تعتمد شكل زهرة محوّرة تحدّها 4 بتلات متساوية. في المقابل، تؤلّف هذه الشبكة الزخرفية بساطاً مسّطحاً، تعلوه في الوسط طاولة صغيرة من الخشب، تزينها نقوش عاجية بيضاء. تشكّل الخيمة هرماً يرتفع في أعلى الصورة، ويظهر عند جهتي هذا الهرم طاووسان، يدير كل منهما رأسه نحو الخلف في اتجاه الآخر. يحتل كلٌّ من هذين الطاووسين زاوية في القسم الأعلى من التأليف، ويستقرّان في الفضاء فوق خلفيّة مجرّدة، حيث تعلو كلاً منهما عبارة باللغة اليونانية، ضاع جزء من أحرفها، وما بقي من هاتين العبارتين يشير على الأرجح إلى «النعمة» و«النصر». تحت هذه الصورة الجماعية، لوحة تحمل كتابة أخرى بالخط الكوفي، تمتدّ كذلك على 3 أسطر. تآكلت هذه الكتابة كحال الكتابة التي تعلو النافذة، وبقي منها مطلعها: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله (...) الله».

يحضر اسم «الوليد بن يزيد» في أعلى الجدار، فوق هذه الصورة، وهو الخليفة الأموي الحادي عشر، وقد حكم فترة قصيرة من عام 743 إلى عام 744. نقع على كتابة أخرى تشير إلى صاحب القصير، وموقعها في الرواق الأوسط، وهو الرواق الذي وُصف بقاعة العرش. سطّرت هذه الكتابة على قوس قبّة هذا العرش، وما تبقّى منها لا يسمح بقراءتها كاملة بشكل جليّ، إلا أنه يشير إلى تضمّنها كما يبدو دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش: «اللهـ(م) ا(غفر) لولي (عـ)ـهد المسلمين والمـ(ـسلـ)ـمات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». من جهة أخرى، نقع في الإيوان الشمالي على كتابة أخرى، نجحت البعثة الإيطالية في فكّ بعض منها، ونصّها «اللهم بارك على الأمير كما باركت على داود وإبراهيم وآل ملته (...) أعطيه (...)».

تسمّي هذه الكتابات صاحب البناء بـ«الوليد بن يزيد»، وتصفه بـ«الأمير» وبـ«ولي عهد المسلمين والمسلمات»، وليس بالخليفة، مما يعني أنه شيّد هذا المجمع يوم كان أميراً، وخلال ولايته للعهد، في عهد خلافة عمّه الملك هشام بن عبد الملك التي استمرت من 724 إلى 743. يحضر هذا الأمير وسط ديوانه في لوحة تزيّن الإيوان الغربي، ويحضر جالساً على عرشه في لوحة أخرى تزيّن الإيوان الأوسط، وتحتاج هذه الصورة إلى وصف متأنٍّ مستقلّ، يبرز معانيها المثيرة ودلالاتها المتعدّدة.


سلطة المركز وأثرها على الفنون التشكيلية العالمية

من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
TT

سلطة المركز وأثرها على الفنون التشكيلية العالمية

من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة

بعد الحرب العالمية الثانية انتقل المركز العالمي للفن من باريس إلى نيويورك. لكن ذلك الانتقال وإن كان سببه حالة الانهيار الشامل التي انتهت إليه أوروبا فإن أجهزة المخابرات الأميركية قد بذلت جهداً كبيراً في أن تؤكده على المستوى العالمي بطريقة احترافية لا يمكن التشكيك بقوة دوافعها ومرجعياتها الثقافية. من ذلك أنها قامت وبطريقة متقنة بالترويج لأعمال فناني نيويورك الذين نسبوا إلى التجريدية التعبيرية؛ وليام ديكونغ، وجاسبر جونس، وأرشيل غوركي، وجاكسون بولوك، ومارك روثكو وآخرون. على الرغم من أن دي كونغ كان هولندياً، وغوركي كان أرمنياً، وروثكو كان لتوانياً غير أنهم كانوا بحكم الجنسية أميركيين.

كان مهماً في تلك اللحظة بالنسبة للولايات المتحدة أن تؤكد إطباقها على العالم من خلال الموجة الجديدة من الحداثة الفنية باعتبارها القوة الجديدة التي يحق لها أن تتمدد وتستعمل أسلحتها الناعمة في الحرب الباردة التي كهربت الكرة الأرضية بأسلاكها غير المرئية. لم تكن جعبتها خاويةً. كان لديها فنانون حقيقيون في إمكانها أن تبارز أوروبا بهم. ذلك ما يجب الاعتراف به من غير نسيان الدوافع السياسية التي كانت السبب في إنفاق ملايين الدولارات على المشروعات الثقافية، ومنها المعارض الأميركية التي صارت تغزو أرجاء العالم مصحوبة بالكتب والمجلات والندوات والمؤتمرات الفنية. نجحت نيويورك في أن تكون عاصمة الفن العالمي في النصف الثاني من القرن العشرين، غير أن المفاجئ أنها لا تزال تحتفظ بتلك المكانة على الرغم من أن الحرب الباردة قد انتهت منذ أكثر من ثلاثين سنة، كما أن أجهزة المخابرات لم تعد مضطرةً إلى إنفاق دولار واحد من أجل نشر الفن الأميركي في العالم بعد أن صار جزءٌ مهمٌ من ذلك العالم أميركيّاً.

المؤسسة الفنية وسياساتها

على الرغم من تعدد مراكز الفن في عالمنا المعاصر فإن ما يُخشى منه أن إدارته لا تزال محكومةً بسلطة القطب الواحد. ذلك لأن استعادة الهيمنة الأميركية على الفن قد لا تتم بطريقة مباشرة. هناك وسطاء هم المنسقون قد تربوا على ثقافة تعتبر كل منتج أميركي هو الأساس. من هذا أن فناناً أميركياً معاصراً هو مايك كيلي صار عنواناً لمعارض تستقبلها متاحف لندن واستكهولم ونيويورك طبعاً على الرغم من أن فنه ليس استثنائياً. في هذه الحالة لا يشكل حكمي النقدي أي قيمة تذكر. ذلك لأنني أتوقع أن ذلك الفنان الذي مات شاباً ستكون أعماله حاضرةً في لقاءات فنية عالمية عديدة في المستقبل، من ضمنها تلك اللقاءات التي تُقام في العالم العربي.

ما من شيء بريء في عالم الفن. ليس لدي دليلٌ على براءة الفن سوى إيماني به. غير أن الفن هنا هو مؤسسته. وهي مؤسسة لها سياساتها الخاصة التي لا تحتكم دائماً إلى القيم الفنية وحدها. وإذا كان الفن الحقيقي لا يكذب ولا يخون ولا يحتال فإن السياسات التي توجه عروضه هي التي تقوم بذلك. لطالما عمل المنسقون على إقامة معارض استعادية، كان الغرض الوحيد منها تجارياً. على سبيل المثال أذكر هنا ما فعلته مؤسسة عريقة مثل «مركز باربيكان للفنون» بلندن حين أقامت سلسلة من المعارض عقدت من خلالها صلات بين فن السويسري جياكومتي الذي صار ركناً أساسياً في تاريخ النحت الحديث في العالم وأعمال عدد من الفنانات المعاصرات، ومنهم فنانة عربية. من وجهة نظري كان هناك الكثير من اللعب المكشوف غير السار يقف وراء تلك المحاولات التي لا تستند إلى رصيد نقدي جاد.

حين يكون الفن معلباً

في الصين، في كوريا الجنوبية، في هونغ كونغ، في الهند، في اليابان، في الشارقة، في القاهرة، في الرياض، وأيضاً في البرازيل والمكسيك تُقام سنوياً أو كل سنتين لقاءات فنية عالمية تنافس بسعتها وشموليتها ودقة تنظيمها اللقاءات التي تُقام في الغرب، منها بينالي فينيسيا في إيطاليا وديكيومنتا في سويسرا و«آرت بازل» في ألمانيا. غير أن تلك اللقاءات لا تزال محكومة بالمركزية الغربية (الأميركية بشكل خاص).

السر في ذلك يكمن في أن الفنون المعاصرة التي لا تزال وصفةً غربيةً خالصةً هي القاسم المشترك بين كل تلك اللقاءات، وهي تمثل المحاولة الأكثر نجاحاً للانفتاح على العالم. تلك هي العولمة في إطارها الفني. لدي مثلان على ذلك؛ الأول هو الصيني أي ويوي، والثاني هو الهندي أنيش كابور. لو لم تتبن المؤسسة الفنية الغربية أعمال الفنانين المذكورين لما وصلا إلى ما هما عليه اليوم من مكانة في العروض العالمية.

مصر هي الأمل

يوماً ما كان الفنان العربي الذي يقيم معرضاً لأعماله في بيروت يكتسب نوعاً من الأبهة. على الأقل أنه قد يحظى بمقال من نزيه الخاطر أو فيصل سلطان أو لور غريب. في تلك المرحلة كان الفنانون العرب يتسابقون على عرض أعمالهم في بغداد والقاهرة ودمشق، وهي المدن التي تخرج من كلياتها ومعاهدها الفنية معظم الفنانين العرب (الكلام كله يقتصر على فناني المشرق العربي). كان مركز الثقافة العربية في القاهرة يخفق جناحاه بأريحية في المدن التاريخية، بغداد ودمشق وبيروت. وكان هناك تنافس إيجابي خلاق بين فناني المدن الأربع. غير أن الواقع السياسي كان قد ألقى بظلاله الكئيبة على تلك المعادلات، وهو ما مهد لظهور مراكز فنية جديدة. فهل يعني ذلك أننا قد انتقلنا إلى مركزية جديدة للفن في العالم العربي؟ تأصيل الظاهرة الفنية سيكون في حاجة إلى زمن لم يعد متاحاً في ظل الاستعانة بالخبرة الأجنبية. لن يهبنا الخبراء الأوروبيون الإرادة التي تمكننا من النظر بطريقة إيجابية إلى فنوننا.

عام 2024 حضرت فعاليات «آرت إيجيبت» في القاهرة. يومها أدركت أنه لا يزال في إمكان المصريين أن يهيمنوا بمزاجهم الجمالي المتحضر لا لأنهم يملكون قدرة هائلة على التنظيم الذاتي حسب بل وأيضاً يملكون خبرة في صياغة معادلات جديدة، من خلالها استوعبوا الفنون المعاصرة من غير أن يتخلوا عن فنون الحداثة الفنية. لقد وهبني المصريون من خلال تلك التجربة أملاً في أن يكون هناك مركز عربي ثقيل للفن في مواجهة المركزية الغربية.

* ناقد تشكيلي عراقي