الحجيلان: اتُهمت بـ«إيواء الشيوعيين» فرد الملك فيصل بتكليفي وزارة إضافية

«الشرق الأوسط» تنفرد بنشر مذكرات رجل الدولة السعودي الذي عاصر جميع الملوك (3-4)

TT

الحجيلان: اتُهمت بـ«إيواء الشيوعيين» فرد الملك فيصل بتكليفي وزارة إضافية

الملك فيصل (غيتي)
الملك فيصل (غيتي)

في الحلقة الثالثة من مذكرات رجل الدولة السعودي الشيخ جميل الحجيلان، أحد أبرز وجوه الدبلوماسية في المملكة، كواليس توليه وزارة الصحة مع وزارة الإعلام، بعد اتهامات وجهتها إليه «شخصية كبيرة» بـ«إيواء الشيوعيين» في وزارة الإعلام. ويروي قصة الطلب الذي قدمه إلى الملك فيصل للإعفاء من المنصب الوزاري، كاشفاً عن أن شعوره «بالمرارة والإحباط وأنا أصارع وزارة المالية كي أحصل على الحد الأدنى لوزارة الصحة» كان بين أسباب الطلب غير المألوف الذي انتهى بموافقة لجنة شكّلها الملك للبتّ فيه من دون أن يفاتحه في شأنه أو يحدثه عنه. تنفرد «الشرق الأوسط» بنشر فصول من المذكرات التي ستتوفر في جناح «شركة رف للنشر» بمعرض الرياض الدولي للكتاب بعنوان «جميل الحجيلان: مسيرة في عهد سبعة ملوك».

الحجيلان يكتب خطاب تعيينه وزيراً للصحة

في مايو (أيار) 1970، استدعى الملك فيصل الوزير الحجيلان وأبلغه بأنه سيعينه وزيراً للصحة. يتذكر الحجيلان: «مضت أيام من دون أن يصدر أمر ملكي بذلك، وفي هذه الأثناء ذهبت مع الدكتور رشاد فرعون، المستشار الخاص للملك فيصل، إلى مكتب الأمير خالد، ولي العهد، للسلام عليه كالمعتاد، ووجدنا في مكتبه شخصيات من وجوه المجتمع والأمراء. دار الحديث عن الإعلام، وانبرت شخصية عامة كبيرة ليست ذات منصب رسمي بالتطاول على وزارة الإعلام متهمة إياها، ووزيرها معها، بإيواء العناصر الشيوعية من موظفيها الكبار، وحصلت مشادة كلامية حادة بيننا».

الملك فيصل (غيتي)

نقل الدكتور رشاد فرعون الواقعة إلى الملك فيصل، ولم يستفسر الملك من الحجيلان عما جرى. بعدها بأيام، أخبره رئيس ديوان رئاسة مجلس الوزراء الشيخ صالح العباد، بأن الملك يريد أن يُصدر أمراً بتعيينه وزيراً للصحة، بالإضافة إلى وزارة الإعلام ويرغب في أن يكتب الحجيلان بخط يده مشروع الأمر الملكي! ويعلق: «يريد الملك بذلك أن يبعث برسالة بأن فيصلاً لا يقبل أن يجري تطاول على واحد من وزرائه، ولا يقبل أن يُطعن الموظفون المواطنون في ولائهم».

صدر الأمر الملكي في مايو 1970 بتعيين الحجيلان وزيراً للصحة ووزيراً للإعلام بالنيابة. وبعد أشهر عُيِّن الشيخ إبراهيم العنقري وزيراً للإعلام، وتفرغ الحجيلان للصحة، وعن ذلك يقول: «جئت لوزارة الصحة وأنا إنسان لا يرحب برؤية الطبيب، ويكره تعاطي الدواء، ولا يطيق رؤية المستشفيات، وزيارة المرضى على أسرّتهم. جئت لوزارة الصحة، كي أجد نفسي في عالم الطب والأطباء، وأنا أشد ما أكون جهلاً بكل ما يتصل بهذا الوسط الإنساني النبيل. هذا ما كنتُ عليه من الهواجس، وأنا أستقر في مكتبي في وزارة الصحة في الأيام الأولى من عملي متفرغاً لهذه الوزارة».

مواجهة الكوليرا وإعادة طائرة الحجاج

بعد أشهر من تولي الحجيلان مسؤولية الصحة، ظهر وباء الكوليرا في المنطقة الشرقية، ونتجت منه أكثر من 150 وفاة. يقول الحجيلان: «كنتُ قلقاً للغاية، ورأيت في تفجر هذا الوباء، وأنا في الأشهر الأولى من عملي في وزارة الصحة، نذيراً لا يبشر بالخير، ودليلاً على صعوبة وحساسية العمل الذي أنا مقبل عليه... والوباء يضرب جزءاً من الوطن، وقد يهدد بضرب أجزاء أخرى».

شكّل الملك فيصل لجنة برئاسة النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية آنذاك الملك فهد، ومنحه الصلاحيات اللازمة، وباشرت وزارة الصحة مهامها في مكافحة الوباء واتخذت عدداً من الإجراءات الاحترازية والوقائية التي تذمر منها السكان، وتم تحويل أحد القصور الملكية مستشفى للطوارئ ومعالجة آلاف الحالات المصابة، وأُعلن رسمياً نظافة المملكة من الكوليرا.

الحجيلان متحدثاً إلى «الشرق الأوسط» عن مذكراته (تصوير: محمد عثمان)

ويذكر الحجيلان أنه في موسم حج 1972 وصلت رحلة «طيران الشرق الأوسط» اللبنانية من نيجيريا، وعلى متنها ما يزيد على مائتي راكب. جاءت الرحلة من المنطقة الموبوءة بالكوليرا، من دون التقيد بإجراءات منظمة الصحة العالمية، فوجّه بعدم السماح لركاب الطائرة بدخول المملكة، وأجبرها على مغادرة جدة بعد ساعة من هبوطها. «أخبرت الملك بما كان، كأني به قد فوجئ بما عمدتُ إليه من إجراء حاسم سريع، وسأل، رحمه الله: ألم يكن هناك حل آخر؟ قلت: لا يا طويل العمر، ليكون في ذلك وقاية للبلاد، وردع لشركات الطيران الأخرى. نظر إليّ نظرة صامتة خالية من الشعور بالارتياح، وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله».

بعثة لإدارة المستشفيات

كانت المستشفيات تدار من قِبل أطباء، وكان هذا الخيار الوحيد المتاح للوزارة في إدارة مستشفياتها الذي درجت على السير عليه. وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى معقولاً؛ فالطبيب أدرى بشؤون المستشفى والأطباء العاملين فيه، إلا أن إدارة المستشفى هي إدارة لمؤسسة لا تقتصر فقط على الجانب العلاجي فيها. إنها إدارة لشؤون الموظفين والصيانة والمشتريات، والمساءلة الإدارية، وغير ذلك من العمل الإداري متشعّب الوجوه. وهذه، في الغالب، بعيدة عن دراسة الطبيب وتخصصاته. إنها علم يدرس في معاهد متخصصة.

يقول الحجيلان: «علمنا، بعد قيامنا بالتحريات الكافية، أن في الولايات المتحدة معاهد جامعية متخصّصة في تدريس علم إدارة المستشفيات لغير الأطباء. تحمّسنا لهذه الفكرة، وقررنا المضي فيها؛ فهي جديرة بالمعرفة والاستكشاف. ابتعثنا دفعة أولى مكوّنة من جامعيين غير أطباء إلى معهد جامعي أميركي مُتخصّص في إدارة المستشفيات. أنهى المُبتعثون دراستهم، وعادوا كي تعهد إليهم الوزارة بإدارة بعض مستشفياتها».

أول جهاز لغسل الكلى

كان الحجيلان كمديري المستشفيات الجدد هؤلاء، يتحسس طريقه في إدارة وزارة الصحة وفهم عالمها. وهو يروي واقعة من هذه الفترة تعكس اجتهاده في تلبية متطلبات منصبه الجديد. يقول: «وصلتني رسالة من مواطن سعودي يقيم في لبنان يشكو من المعاناة التي يلقاها في مراجعته لمستشفى الجامعة الأميركية في بيروت من أجل غسل الكلى مرتين في الأسبوع، فضلاً عما في ذلك من إثقال مالي عليه لم يعد قادراً على مواجهته. لم أفهم ما كان يشير إليه صاحب الرسالة في موضوع غسل الكلى. كانت المرة الأولى التي أسمع فيها بأمر كهذا، وعذري في ذلك أنني دارس للقانون ولستُ دارساً للطب».

ويضيف الحجيلان: «استدعيت مدير المستشفى المركزي في الرياض الدكتور سعيد رباح، وكان إدارياً حازماً يُعتمد عليه في إنجاز المُهمّات، حدَّثته في الأمر وطلبتُ إليه تولّي مُهمّة تأمين هذا الجهاز للمستشفى المركزي في الرياض، ووجّهته بالسفر إلى بيروت والاجتماع بمسؤولي الجامعة الأميركية كي يساعدوننا بالأمر. لم تمضِ أشهر إلا وكان جهاز غسل الكلى يعمل في المستشفى المركزي في الرياض، ومعه اختصاصية فنيّة أعارها لنا مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت. كان هذا الجهاز الذي دفعت إليه الصدفة فتحاً في خدماتنا الصحية، ولحقت به أجهزة أخرى في مستشفياتنا الأخرى».

طلب الإعفاء و«الحجة الضعيفة»

بعد ثلاث سنوات من عمله وزيراً للصحة، بدأ الحجيلان يفكر في طلب إعفائه من منصبه الوزاري. ويقول: «بدأت أشعر بالإرهاق وضغط العمل المتكاثر على صحتي، ووصلت إلى الاقتناع بأن الأمر يحتاج إلى سنين عديدة من العمل المتواصل الذي قد لا أقدر عليه. هناك عامل آخر مرده بعض مواقف وزارة المالية من طلبات وزارة الصحة».

ويوضح أنه «أمر طبيعي أن تناقش وزارة المالية الوزارات الأخرى، بطلباتها ومشاريعها، كي توازن في توزيعها ميزانية الدولة بين مُختلف الوزارات، إلا أني كنت أشعر أن مواقف وزارة المالية المُتشددة معنا، رغم توجيه المقام السامي بدعم جهود الوزارة، تكاد تحدّ من طموحاتنا، ونحن نسعى لخدمات صحية أفضل. هذا في الوقت الذي كنت أرى فيه وزارة المالية توافق على اعتماد مئات الملايين من الريالات لوزارة الدفاع وللحرس الوطني، كي تبني مستشفيات لمنسوبيها من عسكريين ومدنيين».

ويضيف: «كنت أغتبط لما يحصل عليه الحرس الوطني ووزارة الدفاع من اعتمادات لمشاريعهما الصحية، ففي هذه المشاريع دعم للخدمات الصحية في الوطن، إلا أنني كنت أشعر بالمرارة والإحباط أیضاً وأنا أصارع وزارة المالية كي أحصل على الحد الأدنى مما نتطلّع إليه من اعتمادات. ولم يكن، بطبيعة الحال، في موقف وزارة المالية هذا، إقلال متعمد من أهمية وزارة الصحة بالنسبة للمواطنين، إلا أنها كانت ترى في طموحاتنا المشروعة أمراً مبالغاً فيه. وكان هذا دائماً محل خلاف بيننا وبينها في كل عام».

حسم الحجيلان أمره وقرر تقديم طلب الإعفاء من منصبه الوزاري. لكن «كان عليَّ أن أختار وسيلة لرفع هذا الرجاء. استبعدتُ فكرة الحديث إلى الملك فيصل، فقد يفاجئني بسؤال يربكني، فلا أحسن الجواب عليه، والذين يعرفون الملك فيصل لا يستبعدون هذا. ولكم وقع الوزراء، في موقف الحرج، وهم يتحدثون إليه كي يفاجأوا بسؤال منه يربكهم فتخونهم القدرة على الإجابة. قررت الكتابة إليه، كي أتجنّب المُواجهة، وما قد يرافقها من مفاجآت».

رفع الحجيلان كتاب الإعفاء إلى الملك، فلم يستدعه ليسأله أو يبتّ في الأمر، وأحال الطلب للجنة الخاصة المكوّنة من الأمراء خالد بن عبد العزيز، ولي العهد، ومساعد بن عبد الرحمن، وزير المالية، وفهد بن عبد العزيز، النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، وعبد الله بن عبد العزيز، رئيس الحرس الوطني، وسلطان بن عبد العزيز، وزير الدفاع، ونواف بن عبد العزيز، المستشار الخاص للملك، ومُقرّر اللجنة الدكتور رشاد فرعون، المستشار الخاص للملك. ويتذكر: «كانت حجتي تبدو ضعیفة، وأنا أدفع باعتلال صحتي سبباً للإلحاح، ولم يكن الأمير فهد مقتنعاً بما أبديته من أسباب. ولما كان الإلحاح في طلب الإعفاء من منصب وزاري أمراً غير مألوف، وقد يكون وراءه من الأسباب الشخصيّة ما يدفع إليه، وافقت اللجنة الخاصة. لكن الأمر الذي يستوقف النظر في كل ما يتصل بطلب إعفائي أن الملك فيصل لم يحدثني بشيء، كأني لم أكتب إليه».

ملك يعمل أكثر من وزرائه

يتذكر الحجيلان الجدول اليومي الدقيق للملك فيصل، ويروي قائلاً: «سار الملك فيصل على نهج منتظم دقيق، في حضوره والعمل في مكتبه. كان يتواجد في مكتبه في ديوان رئاسة مجلس الوزراء ثلاث مرات في اليوم. يأتي في ضحى النهار، نحو الساعة العاشرة والنصف صباحاً، ويظل يعمل إلى حين اقتراب موعد صلاة الظهر، فيتوجّه إلى المسجد الملحق بمسكنه في قصر المعذر. وبعد الصلاة يتناول الغداء مع بعض المواطنين ويرتاح قليلاً في منزله ثم يعود إلى مكتبه بعد صلاة العصر، ويظل يعمل إلى اقتراب موعد صلاة المغرب. وإذا كان في الرياض، يتوجه إلى إحدى التلال المرتفعة ليؤدي صلاة المغرب، ومعه الأمير خالد أو الأمير سلطان، وكل من أبناء عمه الأمير فيصل بن سعد والأمير فهد بن سعد. أما إذا كان في جدة فيؤدي صلاة المغرب في نقطة صحراوية هادئة على طريق جدة - المدينة المُنوّرة. وفي المساء يعود إلى مكتبه بعد صلاة العشاء، ويظل يعمل حتى الساعة العاشرة مساءً ليعود إلى منزله، حيث يجتمع بأسرته والمقربين من مستشاريه... كنت أتردَّد على مكتبه مساءً، وكأني أراه الآن لشدة ما التصقت بذاكرتي تلك اللحظات من ذلك الزمن الراقي الجليل».

الملك فيصل في مكتبه بالرياض (غيتي)

كان الشيخ محمد النويصر، رئيس المكتب الخاص للملك فيصل، يعرض عليه مساءً من الأمور ما يستوجب العرض، «وإذا ما فرغ الملك من النظر فيما عُرِض عليه، يتناول تقويم أم القرى من على مكتبه، يطالع بعض صفحاته إلى أن يحين موعد نشرة أخبار العاشرة ليلاً من إذاعة لندن العربية. كان على مكتبه راديو صغير، وإذا ما حلت الساعة العاشرة مساءً، امتدت يده إلى الراديو فتنطلق دقات ساعة (بيغ بن) معلنة العاشرة، كأن الملك فيصل هو الذي أدار تلك الساعة من على مكتبه في الرياض. إنها دقة فريدة متناهية تستوقف الفكر والبصر. فهو الملك الذي تجده في مكتبه ثلاث مرات في اليوم، في مواعيد محكمة دقيقة، تكاد تضبط ساعتك عليها، ولا عذر، إذن، لوزير في عدم الرجوع إليه، وهو الموجود في مكتبه أكثر من الوزراء في مكاتبهم».

السفير السعودي ينام في منزل الرئيس الألماني

في مارس (آذار) 1974، صدر الأمر الملكي بتعيين الحجيلان سفيراً ومندوباً فوق العادة في ألمانيا الاتحادية. جاء هذا التعيين بعد تسع سنوات من قطع عدد من الدول العربية (بينها السعودية) العلاقات الدبلوماسية مع ألمانيا، على خلفية دعمها إسرائيل بأسلحة متقدمة ومساعدات عسكرية.

الحجيلان مع وزير الخارجية الألماني هانس ديتريش غينشر

كان على الحجيلان أن يعمل على استئناف العلاقات والصلات وإعادة فتح السفارة واستكمال جهازها. يتذكر الحجيلان: «شاءت الصدف، أن نجد للإيجار بيتاً صغيراً ذا حديقة جميلة يملكه رئيس جمهورية ألمانيا الجديد السيد فالتر شيل. كان منزلاً مؤثثاً يقع في رابية خضراء تطل على منظر طبيعي أخاذ، وكان منزلاً متواضعاً في حجمه، متواضعاً في أثاثه، ليس فيه حظيرة لسيارة ساكن الدار، وكان أجمل ما فيه، وأكثره إغراءً لسكناه، موقعه وحديقته الصغيرة الجميلة. فكان أن استأجرنا دار الرئيس لمدة ستة أشهر، وتسرَّب الخبر للصحافة الألمانية، وبدأت صحف الإثارة تنسج القصص الخيالية، وتسرف في صنع الأقاويل حول هذا الإيجار، وقيمة الإيجار، والشروط السرية المحيطة به. وكان من أظرف التعليقات قول بعض الصحف إن السفير السعودي ينام في فراش رئيس الجمهورية، وإن القهوة العربية ستحل محل النبيذ الألماني الأبيض في بيت الرئيس، وإن صفقة دبلوماسية تمت بین السعودية وألمانيا حول استئجار بيت الرئيس! وما إلى ذلك من قصص الإثارة المُحبّبة لعامة الناس».

بلغ الاهتمام بإحدى الصحف إلى أن تسعى لاستقصاء ما تعتقد أنه «الحقيقة المحضة» في هذه القضية وصارت تبعث بمراسلها ومعه مصوّر إلى منزل الحجيلان كي ينتظره لدى عودته من مكتبه ليستجلي هذا الأمر الذي أثار الفضول إلى حد كبير. وظلّت بعض صحف الإثارة تتناول على مدى أسبوعين هذا الإيجار/القضية، واسم السفير السعودي الجديد يتردد فيها كل يوم.


مقالات ذات صلة

منتظر صالح يرسم وجوهاً لذاكرة عربية غابت عنها الصور

يوميات الشرق ابن سينا... في الوجه شيء من سهر المعرفة (منتظر صالح)

منتظر صالح يرسم وجوهاً لذاكرة عربية غابت عنها الصور

اللوحة الواحدة قد تتطلَّب شهراً من البحث والرسم، وهو ما يدفع العراقي منتظر صالح إلى التمييز بين تجربته والصور التي ينتجها الذكاء الاصطناعي خلال ثوانٍ

فاطمة عبد الله (بيروت)
أوروبا سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)

اعتقالات باريس 1941... تاريخ أول عملية ترحيل جماعي في فرنسا

عندما تحولت «عاصمة الأنوار» إلى مسرح للاعتقال... قصة الفجر الأسود في باريس المحتلة.

كوثر وكيل (لندن)
أوروبا أديلايد إليزابيث أنينا بروكسبانك ابنة الأميرة البريطانية يوجيني (الأميرة يوجيني)

الأميرة البريطانية يوجيني تكشف اسم مولودتها الثالثة

أعلنت الأميرة البريطانية يوجيني، حفيدة الملكة الراحلة إليزابيث الثانية وابنة الأمير أندرو، تسمية مولودتها الجديدة أديلايد إليزابيث أنينا بروكسبانك.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

يُعدّ كتاب توفيق الغصين «إدارة فلسطين: مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم»، الصادر عن «مشروع بريطانيا وفلسطين» (Britain Palestine Project)، مهماً في البحث التاريخي

رانية حمّاد
أوروبا صورة الواجهة الخارجية لمتحف «ترينت بارك» الجديد بعد افتتاحه مؤخراً في أنفيلد شمال لندن 29 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

منزل بريطاني للتنصت على جنرالات نازيين يتحوّل إلى متحف يروي أسراراً من الحرب

افتُتح متحف في منزل بريطاني استُخدم خلال الحرب العالمية الثانية للتنصت سراً على جنرالات نازيين، وكشف معلومات عسكرية ساعدت بريطانيا وأخّرت تطوير صواريخ «في-2».

«الشرق الأوسط» (لندن)

من اللوفر إلى العلا... كيف صنعت الثقافة جسراً استراتيجياً بين الرياض وباريس

السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)
السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)
TT

من اللوفر إلى العلا... كيف صنعت الثقافة جسراً استراتيجياً بين الرياض وباريس

السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)
السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)

حين عُرضت آثار المملكة في متحف اللوفر لم تكن العلاقة السعودية-الفرنسية قد وصلت بعد إلى اتساعها الحالي. كانت الثقافة يومها نافذة يتعرف من خلالها الفرنسيون على تاريخ المملكة، فيما كانت الرياض تختبر مساحة جديدة للتعريف بتراثها خارج حدودها.

بعد أكثر من عقد ونصف، تغير المشهد؛ أصبحت الثقافة أحد المكونات الأساسية في العلاقة السعودية-الفرنسية، وتحولت العلا إلى أحد أكثر النماذج وضوحاً لهذا التعاون، فيما دخلت السينما والمتاحف والتراث والسياحة والرياضة والفعاليات الكبرى في شبكة المصالح التي تربط البلدين.

وتأتي زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا في وقت أصبحت فيه هذه المجالات جزءاً من الاقتصاد الجديد للمملكة، وليس مجرد نشاط ثقافي موازٍ للعلاقات السياسية.

العلا... عندما تصبح الثقافة مشروعاً اقتصادياً

في العلا تتقاطع الآثار مع السياحة، والهندسة مع البيئة، والفنون مع الاقتصاد، وقد وسعت الشراكة السعودية-الفرنسية في المحافظة نطاق التعاون ليشمل التخطيط الحضري، والتراث، والسياحة، والثقافة، والتعليم، والتدريب، والفنون، لتقدم نموذجاً مختلفاً عن العلاقة التقليدية بين دولة مستثمرة وشركات أجنبية.

الرئيس الفرنسي مع وزير الثقافة السعودي خلال زيارته منطقة الحِجر في العُلا (واس)

فالمشروع لا يقتصر على تطوير موقع تاريخي، وإنما يقوم على بناء وجهة عالمية تستند إلى الهوية المحلية وتستفيد من الخبرة الدولية.

وهذا النوع من التعاون ينسجم بصورة مباشرة مع أهداف «رؤية السعودية 2030» في تحويل الثقافة والسياحة والترفيه إلى مكونات فاعلة في الاقتصاد.

رحلة بدأت من اللوفر

لم تكن العلا البداية؛ في عام 2010 احتضن متحف اللوفر معرض «روائع آثار المملكة عبر العصور»، في محطة عكست اهتماماً فرنسياً متزايداً بالتاريخ السعودي.

وسبق ذلك معرض «المملكة بين الأمس واليوم» في باريس عام 1986، فيما استضاف مقر اليونيسكو في باريس فعاليات الأيام الثقافية السعودية عام 2012.

متحف اللوفر في باريس (أ.ف.ب)

وتكشف هذه المحطات عن مسار طويل انتقلت فيه العلاقة الثقافية من التعريف بالمملكة إلى بناء مشاريع مشتركة داخل المملكة نفسها.

الثقافة تدخل الاقتصاد

التغير الأهم أن الثقافة لم تعد قطاعاً منفصلاً عن الاقتصاد؛ فالسياحة تحتاج إلى النقل، والضيافة، والتقنية، والمتاحف تحتاج إلى الهندسة، والتشغيل، والتعليم، والفعاليات الكبرى تحتاج إلى الرياضة، والإعلام، والخدمات الرقمية، ومن هنا أصبحت الثقافة جزءاً من منظومة اقتصادية متشابكة.

ويظهر ذلك في اتساع مجالات التعاون المحتملة بين البلدين لتشمل السياحة، والضيافة، والاقتصاد الإبداعي، والألعاب الإلكترونية، والرياضة، وهي قطاعات تتوافق مع توجه المملكة نحو بناء اقتصاد أكثر تنوعاً.

الرياضة... لغة جديدة للشراكة

وتمنح الرياضة العلاقة بعداً إضافياً، فاستضافة فرنسا لفعاليات مرتبطة بكأس العالم للرياضات الإلكترونية، بالتزامن مع زيارة ولي العهد، تقدم مثالاً على انتقال الرياضة من مساحة المنافسة إلى مساحة للتقارب الاقتصادي، والثقافي.

مجموعة من المحترفين يتسابقون للحصول على كأس العالم للألعاب الإلكترونية بالعاصمة السعودية 2024 (إكس التابع للبطولة)

والرياضة السعودية نفسها أصبحت صناعة عالمية تستقطب الاستثمارات، والمواهب، والفعاليات، بينما تمتلك فرنسا خبرة واسعة في تنظيم البطولات، والأحداث الكبرى.

وتتقاطع المصالح هنا كما تتقاطع في الثقافة والسياحة: السعودية توفر سوقاً، ومشروعات، ورأسمال متنامياً، وفرنسا توفر خبرة صناعية وتنظيمية وثقافية عريقة.

التعليم... الاستثمار الأقل ظهوراً والأطول أثراً

ولا يقتصر التبادل على المشروعات؛ فالتعاون بين الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات التعليمية في البلدين يفتح مساراً مختلفاً لنقل المعرفة، وبناء رأس المال البشري.

وتظهر أهمية هذا المسار في القطاعات التي تريد المملكة التوسع فيها، خصوصاً العلوم، والتقنية، والابتكار، والصحة، والهندسة.

فالمشروعات قد تُبنى خلال سنوات، لكن الكفاءات التي تديرها يمكن أن تصنع أثراً يمتد لعقود.

شراكة بين تجربتين

تختلف التجربة السعودية عن الفرنسية في كثير من التفاصيل، لكن هذا الاختلاف نفسه يخلق مساحة للتعاون.

فرنسا تمتلك تاريخاً طويلاً في الثقافة، والمتاحف، والفنون، والصناعات الإبداعية، فيما تعيش السعودية مرحلة تحول واسعة تعيد خلالها صياغة قطاعات الثقافة، والسياحة، والترفيه، والرياضة.

ولهذا لا تقوم الشراكة الجديدة على نقل نموذج جاهز من باريس إلى الرياض، بل على مزج الخبرة الفرنسية بالمشروع السعودي الجديد.

وهذا ما يجعل الثقافة في العلاقات بين البلدين أكثر من «ملف ناعم»؛ إنها إحدى الأدوات التي يمكن من خلالها بناء اقتصاد جديد، وتعريف الشعوب بعضها ببعض، وصناعة مصالح مشتركة لا تتأثر بسهولة بتغير الملفات السياسية.

من الماضي إلى المستقبل

على مدى قرن تقريباً، مرت العلاقات السعودية-الفرنسية بمراحل متعددة؛ من التمثيل الدبلوماسي الأول، إلى اللقاء التاريخي بين الملك فيصل وديغول، ثم التوسع في الاقتصاد، والدفاع، وصولاً إلى رؤية جديدة للشراكة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز.

الملك فيصل بن عبد العزيز في باريس عام 1967 (واس)

واليوم لا تذهب الرياض إلى باريس للحديث فقط عن الماضي؛ بل عن مدينة مستقبلية، ومتحف جديد، ووجهة سياحية، وصناعة إبداعية وتقنية متقدمة، ومشروع طاقة، واستثمار طويل الأمد.

وفي هذا التحول تكمن إحدى أكثر سمات العلاقة السعودية-الفرنسية وضوحاً: إن الجسر الذي بدأ بالثقافة أصبح اليوم يحمل الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا معه.


من التفاهم إلى التنفيذ... الرياض وباريس تعيدان رسم خريطة الشراكة

الرئيس الفرنسي مستقبلاً ولي العهد السعودي في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس - 16 يونيو 2023 (واس)
الرئيس الفرنسي مستقبلاً ولي العهد السعودي في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس - 16 يونيو 2023 (واس)
TT

من التفاهم إلى التنفيذ... الرياض وباريس تعيدان رسم خريطة الشراكة

الرئيس الفرنسي مستقبلاً ولي العهد السعودي في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس - 16 يونيو 2023 (واس)
الرئيس الفرنسي مستقبلاً ولي العهد السعودي في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس - 16 يونيو 2023 (واس)

تدخل العلاقات السعودية ـ الفرنسية مرحلة مختلفة مع زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، باريس؛ إذ لم تعد الشراكة بين البلدين محكومة بالملفات التقليدية التي طالما شكلت أساس العلاقة، بل باتت تتحرك على مساحة أوسع تجمع الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والدفاع والثقافة، وتضع تنفيذ المشروعات في صدارة المرحلة المقبلة.

وتحمل زيارة الدولة دلالة تتجاوز بعدها البروتوكولي، كونها تأتي في توقيت يختبر فيه البلدان قدرة الشراكة التي جرى بناؤها خلال السنوات الماضية على الانتقال من مستوى التفاهمات والاتفاقات إلى مشروعات ذات أثر مباشر، في وقت تعيد فيه التحولات الاقتصادية السعودية رسم احتياجاتها من الشركاء الدوليين، فيما تبحث فرنسا عن موقع أكثر رسوخاً في مسار التحول الذي تشهده المملكة.

ويعكس انعقاد مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي - الفرنسي للمرة الأولى، خلال الزيارة، هذا التحول في طبيعة العلاقة؛ فالمجلس الذي أُنشئ في أعقاب زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى السعودية نهاية 2024، صُمم ليكون إطاراً جامعاً للعلاقات في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والدفاعية وغيرها، بما يمنح التعاون بين الرياض وباريس قناة مؤسسية على مستوى قيادتي البلدين.

شراكة تبحث عن «المشروع»

في السنوات السابقة، كان من السهل تعداد مجالات التعاون السعودي - الفرنسي: الطاقة، والدفاع، والطيران، والنقل، والثقافة والسياحة. أما المرحلة الجديدة فتبدو أكثر ارتباطاً بسؤال مختلف: ما الذي يمكن أن يبنيه البلدان معاً؟

وهنا تتقاطع أولويات «رؤية السعودية 2030» مع القدرات الصناعية والتقنية الفرنسية؛ فالسعودية توسع اقتصادها خارج القطاعات التقليدية، وتبحث عن تقنيات متقدمة وخبرات صناعية ونماذج استثمارية قادرة على دعم قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة والصحة والسياحة والضيافة والطاقة الجديدة.

ولي العهد السعودي خلال لقاء سابق مع الرئيس الفرنسي في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس - 16 يونيو 2023 (واس)

في المقابل، تنظر الشركات الفرنسية إلى السوق السعودية باعتبارها واحدة من كبرى ساحات النمو الجديدة في العالم، لا مجرد سوق للمنتجات والخدمات. ويمنح حجم المشروعات السعودية وتنوعها، الشركات الفرنسية، فرصة للمشاركة في مراحل مختلفة من دورة المشروع؛ من التصميم والهندسة إلى التشغيل والتوطين ونقل المعرفة.

وتظهر الأرقام اتساع القاعدة الاقتصادية للعلاقة؛ فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 11.79 مليار دولار (44.2 مليار ريال) في 2025، فيما ارتفع رصيد الاستثمارات الفرنسية المباشرة في السعودية إلى نحو 18.52 مليار دولار (69.45 مليار ريال) في 2024، مقارنة بنحو 7.49 مليار دولار (28.09 مليار ريال) في 2015، وفق البيانات الواردة في الدراسات الحديثة عن العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

وخلال عقد واحد، بلغ إجمالي التجارة السعودية - الفرنسية نحو 93.04 مليار دولار (348.9 مليار ريال)، في مؤشر إلى أن العلاقة الاقتصادية أصبحت أكثر رسوخاً من كونها نتاجاً لصفقة أو مشروع منفرد.

الطاقة... العلاقة التي تتغير دون أن تنقطع

لسنوات طويلة، شكلت الطاقة أحد أكثر جسور العلاقة صلابة. إلا أن طبيعة هذا التعاون تتغير مع تحول قطاع الطاقة نفسه؛ فمن الشراكات الكبرى في التكرير والبتروكيماويات، وفي مقدمتها «ساتورب» بين «أرامكو السعودية» و«توتال إنرجيز»، تتجه أجندة التعاون إلى مجالات أوسع تشمل الطاقة المتجددة، والهيدروجين، وتخزين الطاقة، والشبكات الذكية، واحتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه، إلى جانب المعادن الحيوية.

وهذا التحول يلتقي مع سعي الرياض إلى بناء منظومة طاقة أكثر تنوعاً، ومع رغبة باريس في توسيع حضور شركاتها في مشاريع التحول الصناعي والطاقة منخفضة الانبعاثات.

وبذلك لم تعد الطاقة في العلاقة السعودية - الفرنسية ملفاً منفصلاً، بل أصبحت جزءاً من إعادة صياغة الاقتصاد وسلاسل الإمداد والتقنيات التي ستخدم الاقتصادين خلال العقود المقبلة.

من المورد إلى الشريك

ينسحب التحول نفسه على التعاون الدفاعي؛ فالعلاقة التي قامت تاريخياً على التدريب والتسليح وتطوير القدرات العسكرية، تتحرك تدريجياً نحو مجالات أكثر ارتباطاً بالتوطين ونقل التقنية والصيانة والتدريب وتطوير القدرات المحلية.

ويمنح توجه المملكة إلى توطين جزء أكبر من صناعاتها الدفاعية، الشراكات الدولية، معنى مختلفاً؛ فالمطلوب لم يعد فقط الحصول على منظومة أو منصة عسكرية، بل بناء قدرة محلية مستدامة حولها.

وهذا يفتح مجالاً أمام الشركات الفرنسية للمشاركة في منظومة أوسع تشمل التصنيع والخدمات الهندسية والتدريب والبحث والتطوير.

باريس بوابة أوروبية... والرياض مركز ثقل إقليمي

لا تنفصل الأجندة الاقتصادية عن السياق السياسي؛ فالسعودية تمتلك وزناً سياسياً واقتصادياً متزايداً في الشرق الأوسط والعالمين العربي والإسلامي، بينما تتمتع فرنسا بعضوية دائمة في مجلس الأمن، وحضور مؤثر داخل الاتحاد الأوروبي وقدرة على التحرك في ملفات المنطقة.

ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مصافحاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة الأخير للسعودية - ديسمبر 2024 (رويترز)

ومن هنا اكتسب التنسيق بين الرياض وباريس أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية، خصوصاً في ملفات الأمن الإقليمي والقضية الفلسطينية ولبنان وسوريا وأمن الملاحة.

وفي ظل اضطراب طرق التجارة والطاقة في المنطقة، تبرز كذلك أهمية البحث عن مسارات أكثر تنوعاً ومرونة لنقل الطاقة والسلع بين الشرق الأوسط وأوروبا، وهو ملف يتقاطع فيه الاقتصادي مع الاستراتيجي.

العلا... الوجه الأكثر وضوحاً

إذا كانت الطاقة والدفاع يعكسان الجانب الاستراتيجي من العلاقة، فإن العلا تقدم نموذجاً مختلفاً وأكثر وضوحاً للشراكة التي تتشكل حول مشروع طويل الأمد.

الرئيس الفرنسي وأمير المدينة المنورة ووزراء الثقافة والخارجية والتجارة ومسؤولون من الجانبين في صورة جماعية بمنطقة «الحِجر» التاريخية (واس)

فالتعاون الفرنسي في العلا لم يقتصر على السياحة؛ بل امتد إلى التخطيط والهندسة والآثار والثقافة والفنون والتدريب والتعليم والبيئة، ليصبح أحد أبرز النماذج على دخول الخبرة الفرنسية في مشروع سعودي يتجاوز فكرة الاستثمار التقليدي.

ومن خلال هذا النوع من المشروعات، تلتقي الخبرة الفرنسية مع التحول السعودي في قطاعات الثقافة والترفيه والسياحة، وهي قطاعات باتت جزءاً أساسياً من الاقتصاد الجديد للمملكة.

علاقة لها تاريخ... لكن أجندتها للمستقبل

تعود العلاقات الدبلوماسية السعودية - الفرنسية إلى عام 1926، فيما افتتحت فرنسا بعثتها الدبلوماسية في جدة عام 1932. غير أن محطة الملك فيصل بن عبد العزيز في باريس عام 1967 ولقاءه بالرئيس شارل ديغول، مثلا منعطفاً مهماً في بناء علاقة سياسية أكثر عمقاً.

ومنذ ذلك الوقت، توالت الزيارات والاتفاقات، وصولاً إلى مرحلة شهدت خلالها العلاقات توسعاً متسارعاً بالتزامن مع «رؤية السعودية 2030».

لكن أهمية زيارة الأمير محمد بن سلمان الحالية تكمن في أنها تأتي بعد تراكم طويل من الاتفاقات والتفاهمات، وفي وجود إطار مؤسسي جديد للشراكة.

الملك فيصل بن عبد العزيز في باريس عام 1967 (واس)

ولذلك، تبدو المهمة الأساسية أمام الرياض وباريس اليوم، أقل ارتباطاً بإثبات قوة العلاقة، وأكثر ارتباطاً بإظهار ما تستطيع هذه العلاقة إنتاجه.

فالمعادلة التي تتشكل بين البلدين لم تعد: ماذا تبيع فرنسا للسعودية؟ وماذا تشتري السعودية من فرنسا؟ بل كيف يمكن للطرفين أن يستثمرا التحولات الكبرى في اقتصاديهما وموقعهما الدولي لبناء مصالح مشتركة تمتد لسنوات مقبلة.

وهذا تحديداً ما يجعل زيارة الدولة إلى باريس محطة في مسار العلاقة، وليس مجرد محطة جديدة فيه.


السعودية وفرنسا للبحث عن طرق جديدة للأمن والطاقة

ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مصافحاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة الأخير للسعودية في ديسمبر 2024 (رويترز)
ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مصافحاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة الأخير للسعودية في ديسمبر 2024 (رويترز)
TT

السعودية وفرنسا للبحث عن طرق جديدة للأمن والطاقة

ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مصافحاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة الأخير للسعودية في ديسمبر 2024 (رويترز)
ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مصافحاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة الأخير للسعودية في ديسمبر 2024 (رويترز)

لا تصل زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس في ظرف إقليمي عادي. فالمنطقة تعيش مرحلة تعيد فيها الحروب وأمن الملاحة تعريف مفهوم الأمن الاقتصادي، فيما تواجه الدول الأوروبية أسئلة متزايدة حول استقرار إمدادات الطاقة، ومرونة طرق التجارة. وفي هذه البيئة تكتسب الشراكة السعودية-الفرنسية بعداً يتجاوز حدود العلاقات الثنائية.

فالرياض وباريس تنظران إلى أمن المنطقة من زاويتين متكاملتين: السعودية من موقعها في قلب منظومة الطاقة والتجارة في الشرق الأوسط، وفرنسا من موقعها الأوروبي والدولي، بما يجعل التنسيق بينهما ذا أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بحماية خطوط الإمداد، وفتح بدائل أكثر أمناً، ومرونة.

وتأتي الزيارة فيما يتجه البلدان إلى بحث تنويع مسارات نقل الطاقة، والخدمات اللوجستية، بما في ذلك المسارات البحرية، والمشروعات الإقليمية المرتبطة بالسكك الحديدية، وخطوط الأنابيب، في محاولة لبناء شبكة لا تعتمد على مسار واحد في منطقة باتت الجغرافيا فيها عاملاً مؤثراً في الاقتصاد العالمي.

الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي يلتقي بوزيرة تحوّل الطاقة الفرنسية آنياس بانييه روناشيه بالرياض في يوليو 2023 (واس)

الأمن لم يعد عسكرياً فقط

أظهرت السنوات الأخيرة أن أمن الطاقة لا يبدأ عند منشأة إنتاج، ولا ينتهي عند محطة استقبال في أوروبا. فالممر البحري، والميناء، وخط الأنابيب، وشبكة الكهرباء، ومراكز التخزين أصبحت جميعها حلقات في مفهوم واحد للأمن، ومن هنا تتقاطع المصالح السعودية والفرنسية.

وتملك السعودية موقعاً محورياً بين الخليج والبحر الأحمر، بينما تمتلك فرنسا حضوراً عسكرياً وبحرياً في المنطقة، إضافة إلى موقعها داخل المنظومة الأوروبية.

ويمنح ذلك الطرفين مساحة للتنسيق في أمن الملاحة، وحماية طرق التجارة، وتطوير البنية التحتية التي تربط الأسواق الآسيوية والأوروبية.

الطاقة تتغير

ولا تنحصر المسألة في النفط؛ فالعلاقة السعودية-الفرنسية تتحرك باتجاه الهيدروجين، والطاقة المتجددة، وتخزين الكهرباء، والشبكات الذكية، واحتجاز الكربون، بما يعكس التحول في طبيعة سوق الطاقة نفسها.

أعضاء الوفدين الفرنسي والسعودي في مجال الطاقة خلال اجتماعهم بالرياض في يوليو 2023 (واس)

وتملك السعودية ميزة الموارد، والمساحات، والإمكانات الاستثمارية، بينما تمتلك فرنسا قاعدة صناعية وتقنية واسعة في الطاقة، والهندسة، والنقل.

وإذا نجح الطرفان في دمج هذه المزايا فإن التعاون يمكن أن ينتقل من شراء الطاقة، أو تطوير منشأة إلى بناء منظومات إنتاج، ونقل، وتكنولوجيا.

الاقتصاد في قلب الحسابات

تأتي هذه الملفات في وقت ارتفع فيه حجم التجارة السعودية-الفرنسية إلى نحو 11.79 مليار دولار (44.2 مليار ريال) في 2025، فيما قفز رصيد الاستثمارات الفرنسية في المملكة خلال أقل من عقد من نحو 7.49 مليار دولار (28.1 مليار ريال) إلى 18.53 مليار دولار (69.5 مليار ريال).

لكن الأرقام، على أهميتها، لا تكشف وحدها اتجاه العلاقة المقبلة؛ فالرهان الأكبر يتمثل في الاستثمار في القطاعات التي ستقود الاقتصاد خلال العقد المقبل: الذكاء الاصطناعي، والصناعات المتقدمة، والصحة، والسياحة، والنقل، والخدمات اللوجستية، والطاقة الجديدة.

وهنا تلتقي «رؤية السعودية 2030» مع «فرنسا 2030» في البحث عن اقتصاد أكثر اعتماداً على التكنولوجيا والابتكار.

شراكة تتجاوز الثنائية

وتحمل باريس كذلك قيمة سياسية بالنسبة إلى الرياض؛ ففرنسا ليست فقط دولة أوروبية ذات اقتصاد متقدم، بل هي عضو دائم في مجلس الأمن، وقوة ذات حضور تاريخي في الشرق الأوسط. وفي المقابل ترى باريس في السعودية طرفاً لا يمكن تجاوز دوره في أي ترتيبات إقليمية واسعة.

وتتسع مساحة التشاور بين البلدين لتشمل القضية الفلسطينية، ولبنان، وسوريا، وأمن البحر الأحمر، إلى جانب التطورات الإقليمية الأوسع.

ولهذا فإن مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي-الفرنسي، الذي يعقد اجتماعه الأول خلال الزيارة، يأتي في توقيت مناسب لتحويل هذا التواصل إلى آلية أكثر انتظاماً، وربط الملفات الاقتصادية بالسياسية والاستراتيجية.

من خريطة الموانئ إلى خريطة المصالح

ما تبحثه الرياض وباريس في المرحلة المقبلة لا يتعلق فقط بممر جديد للطاقة، أو مشروع نقل جديد؛ إنه في جوهره محاولة لبناء شبكة مصالح قادرة على الصمود أمام الأزمات.

فكلما تنوعت مصادر الطاقة وطرق نقلها، وكلما تعددت مسارات التجارة، وتوطنت التقنيات والصناعات، أصبحت الدول أقل تعرضاً للصدمات المفاجئة.

ومن هنا يمكن قراءة الزيارة السعودية إلى باريس باعتبارها جزءاً من نقاش أوسع حول شكل المنطقة، والعلاقة بين الخليج وأوروبا في السنوات المقبلة.

فالرياض تريد أن تكون مركزاً اقتصادياً ولوجستياً عالمياً، وباريس تريد أن تحافظ على حضور أوروبي مؤثر في منطقة تعيد تشكيل موازينها، وعلى هذه المساحة تحديداً تلتقي مصالح البلدين.